الشيعة في لبنان.. من أبي ذر الغفاري إلى حزب الله

د. هيثم مزاحم

عرف شيعة لبنان شهرة عالمية في أوائل ثمانينيات القرن العشرين مع نشأة حزب الله وعملياته العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وقد ارتبط مصيرهم بحزب الله وحركة أمل وبالعلاقة مع سوريا والجمهورية الإسلامية في إيران منذ ذلك الحين.

يشكّل الشيعة في لبنان نحو ثلث السكان ويسكنون في الجنوب والبقاع والعاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية وبعض قرى جبيل وكسروان وشمال لبنان.

لا يتفق المؤرخون والباحثون على تاريخ دخول التشيّع إلى لبنان، لكن الشائع بينهم أن التشيّع دخل هذه البلاد التي كانت جزءاً من الخلافة الإسلامية منذ القرن الأول هجري (السابع ميلادي) أي بدايات انتشار الإسلام في بلاد الشام، وخصوصاً بعد وفاة النبي محمد.

يقول بعض المؤرخين إن الشيعة في لبنان هم من سكان البلاد الأصليين الذين أسلموا على مذهب أهل بيت النبي. ويعزى دخول التشيّع إلى الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري الذي كان من أشد المعارضين لحكم الخليفة الثالث عثمان بن عفان ومحاباته لعشيرته، بني أمية، إذ نفاه عثمان من المدينة المنوّرة إلى دمشق. ومن هناك انتقل أبو ذر إلى جبل عامل، وهي منطقة كانت تشمل جنوب لبنان وبعض البقاع الغربي بحسب التقسيمات الإدارية اليوم، حيث توفي هناك وأقيم له مشهدان في جنوب لبنان.

لكن هناك رأي آخر يرى أن دخول الشيعة إلى لبنان تحقق من خلال هجرة قسم من قبيلة همدان اليمنية الشيعية من الكوفة في العراق إلى بعض مناطق سوريا ولبنان، إثر سيطرة الأمويين على الحكم الإسلامي بعد مقتل الإمام علي بن أبي طالب، حيث كانت قبيلة همدان التي أسلمت على يد الامام علي وأضحت من أخلص أنصاره وهاجرت معه من اليمن إلى الكوفة، وحاربت معه ضد جيشي الخوارج ومعاوية بن أبي سفيان.

وقد أشار المؤرخون المسلمون إلى وجود قوم من اليمن ومن همدان تحديداً في حمص في سوريا وفي منطقتي بعلبك وجبل عامل في لبنان بدءاً من أواخر القرن السابع ميلادي.

كما سكن الشيعة حلب ودمشق والساحل السوري، بل امتد التشيّع إلى أطراف فلسطين والأردن، وكان أهل طبرية ونصف أهالي نابلس والقدس وأكثر عمّان شيعة بحسب أحد المؤرخين.

انتشر التشيع في عهدي الدولتين الأموية والعباسية في جنوب لبنان وفي بلاد جبيل وكسروان. وكانت مدينة جزين وبلدة ميس الجبل في جنوب لبنان من أهم المدن الشيعية. وازداد نفوذ الشيعة في لبنان بوصول الفاطميين إلى الحكم حيث انتشر التشيع في شمال لبنان وأضحت سهول عكار الشمالية (ثقل السنة حالياً) مركزاً كبيراً للتشيّع.

وقد يتفاجأ البعض بأن طرابلس، عاصمة شمال لبنان وأكبر مدينة سنّية فيه، كان يسكنها الشيعة منذ بداية القرن العاشر ميلادي وبقيت حتى القرن الثاني عشر من عواصم التشيع في بلاد الشام. وقد توّج الوجود الشيعي بإمارة بلغت أوجها مع إمارة بني عمار الذين ولّاهم الفاطميون على طرابلس فأسسوا إمارة مستقلة.

يصف الرحالة والشاعر الفارسي ناصر خسرو (1004 – 1088 م) طرابلس في القرن الحادي عشر بأن سكانها شيعة وأنهم شيّدوا مساجد جميلة في كل البلاد.

ويذهب البعض إلى أن خلال حكم الصليبيين للمنطقة كان 85% من سكان لبنان من الشيعة إلى أن تعرضوا لضربة كبيرة على يد صلاح الدين الأيوبي ثم على أيدي المماليك الذين استصدروا فتوى من فقيه دمشقي حنبلي متطرف هو ابن تيمية فأباح قتل الشيعة الذين سمّاهم روافض وخاصة في منطقة جبيل وكسروان فبدأت مجازر عام 1309 واستطاع الجيش المملوكي أن يحتل منطقة جبيل وكسروان، فهرب الشيعة من المنطقة الى البقاع وسكنوا فيها، ومنهم من هرب الى جنوب لبنان وخاصة الى جزين.

ونتيجة اضطهاد الشيعة في جبل لبنان بدأ تحوّل بعضهم تقية إلى الى المسيحية كآل الهاشم وبعضهم الى المذهب السنّي.

وعلى غرار طرابلس، كان الشيعة يسكنون بلاد جبيل وكسروان في جبل لبنان، إلى أن قام المماليك باضطهادهم وتهجيرهم باتجاه بعلبك والهرمل ومناطق لبنانية أخرى.

وبعد اندحار المغول برز آل حرفوش (الحرافشة) في منطقة بعلبك كعائلة شيعية حكمت المنطقة وشيّدوا فيها المساجد وبقيتت إمارتهم لمدة قرنين. وبرزت بلدة كرك نوح قرب بعلبك كمركز علمي شيعي خرج منها المحقق علي بن عبد العالي الكركي العاملي في القرن الخامس عشر، وهو فقيه شهير كان من أوائل القائلين بنظرية ولاية الفقيه ونيابة الفقيه عن الإمام المهدي الغائب. وعندما أقيمت الدولة الصفوية دُعي إلى إيران من قبل الشاه إسماعيل الصفوي وعيّنه في منصب شيخ الإسلام فيها إذ أعطاه الكركي وكالة للحكم نيابة عن الإمام المهدي بصفته كفقيه مجتهد نائباً عن المهدي، وكان له دور كبير في نشر التشيّع في إيران وفي تدريس علمائها المذهب الشيعي الإثني عشري.

وهكذا يبدو ساذجاً اتهام الشيعة وحزب الله في لبنان بالعمالة لإيران والرضوخ السلبي لولاية الفقيه، بينما كان أجدادهم هم من ابتكر هذه النظرية وساهموا في نشر التشيّع في إيران.

ويذكر بعض المؤرخين أن وضع اضطهاد الشيعة ولجوءهم إلى التقية لستر مذهبهم وحفظ حيواتهم استمر إلى أن ظهر الشهيد الأول محمد بن مكي الذي دعا الى وقف التقية والمجاهرة بالتشيّع فعاد أغلبية سكان الجنوب والبقاع وبعض قرى جبيل والشمال إلى المذهب. أما ساحل المتن الجنوبي (الضاحية الجنوبية) قرب بيروت والمناطق المجاورة فلم يرجع الى التشيّع سوى أهالي برج البراجنة والغبيري والجية وقريتي كيفون والقماطية في جبل لبنان. وأعيد بناء المساجد والحسينيات الشيعية.

وبعد سيطرة الدولة العثمانية على بلاد الشام، ارتكبت المجازر بحق الشيعة، ولا سيّما على يد السلطان سليم الأول الذي قتل 44000 شيعي في جبل عامل، و40000 في حلب، وكذلك في عهد أحمد الجزار الذي قتل عشرات الآلاف منهم.

وقد برز من علماء لبنان الشهيد الأول محمد بن مكي في القرن الرابع عشر وهو من بلدة جزين وقد تم إعدامه في دمشق على أيدي الحكم المملوكي، وكذلك الشهيد الثاني زين الدين بن علي في القرن السادس عشر، وهو من بلدة جباع قرب جزين.

أما الشيخ البهائي فهو فقيه من بعلبك فقد سافر إلى مدينة اصفهان لتحصيل العلوم، وقد حظي باحترام الشاه عباس الصفوي، ثمّ عيَّنه في منصب شيخ الإسلام في الدولة الصفوية.

كما برز الفقيه الشيخ محمد الحر العاملي من بلدة مشغرة في البقاع الغربي، وهو صاحب أهم موسوعة فقهية شيعية، بعنوان “وسائل الشيعة”.

وقد اشتهرت بلدات جباع وجزين ومشغرة والكرك وميس الجبل وشقرا وعيناثا بمدارسها الدينية الشيعية وبروز عدد من الفقهاء والمراجع الشيعة على مستوى العالم الإسلامي حيث لا تزال كتبهم تدرس إلى اليوم في الحوزات العلمية الشيعية.

لكن دور هذه المدارس تراجع بعد الإحتلال العثماني لسوريا ولبنان سنة 1516، وتفرّق العلماء والأدباء، فهاجر بعضهم إلى العراق وإيران والحجاز، فيما بقي البعض الآخر في المنطقة تحت ستار التقيّة.

وبعد الانتداب الفرنسي وتأسيس لبنان الكبير عام 1920، تغيّر وضع الشيعة في لبنان اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ودينياً. وكان التغيّر الأبرز مع مجيء السيّد موسى الصدر إلى لبنان من إيران عام 1960 بطلب من اللبنانيين كإمام يرعى شؤون الطائفة بعد وفاة مرجعها الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين. فقد أنشأ الصدر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في العام 1969 لتوحيد كلمة الطائفة في مواجهة الظلم الاجتماعي والتهميش السياسي والاقتصادي الذي تعرّضت له تاريخياً في لبنان. وقد ساهم الإمام الصدر في الصحوة الإسلامية في لبنان وتربية جيل متديّن وتأسيس عدد من المدارس والمبرات الخيرية والجمعيات والمستشفيات في بيروت والجنوب والبقاع.

كما تطورت الحوزات الدينية في لبنان مع تطور وضع الشيعة السياسي والاقتصادي والاجتماعي، خصوصاً مع نشأة حزب الله في العام 1982، كمقاومة للاحتلال الإسرائيلي للبنان.

هل يمكن الاستغناء عن الولايات المتحدة اليوم؟

يقول الباحث الأميركي ولي نصر، إن كتابه الصادر أخيراً (2013)، والمعنون «الأمة المستغنى عنها: تراجع السياسة الخارجية الأميركية»The Dispensable Nation يروي قصة سنتين من العمل في إدارة باراك أوباما على حل قضايا الشرق الأوسط الكبير، وهو يهدف من وراء نشر الكتاب، الذي تردد كثيراً في تأليفه، إلى تسليط الضوء على كيفية صناعة السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس أوباما وشرح نتائجها على الشرق الأوسط الكبير وعلى الأميركيين أيضاً. ويضيف أن الكتاب يروي ثلاث قصص: القصة الأولى هي قصة إدارة جعلت صعباً جداً على خبراء سياستها الخارجية سماعها، فالكتاب يروي كيف كان كل من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والممثل الأميركي الخاص في باكستان وأفغانستان ريتشارد هولبروك، وهما شخصان موهوبان ومتفانيان، يقاتلان من أجل إسماع صوتيهما في المبادرات الكبيرة للسياسة الخارجية. لكن السفير الراحل هولبروك، الذي كان ولي نصر كبير مستشاريه بين عامي 2009 و2011، لم ينجح البتة بينما نجحت هيلاري في معركتها وحصل ذلك عندما بدا واضحاً أخيراً أن البيت الأبيض قد استحوذ على صناعة السياسة الخارجية كلها واعتمد في شكل كبير على الوكالات العسكرية والاستخباراتية لتوجيه قراراته. وهي قرارات لم تكن ولن تكون أبداً بديلاً من الديبلوماسية الطويلة المدى التي تتمتع باحترام الحلفاء ودعمهم عندما تحتاج ذلك. بمعنى آخر، عندما بدت الأمور أنها تتجه للانهيار لجأت الإدارة أخيراً إلى هيلاري كلينتون، لأنهم عرفوا أنها الشخص الوحيد الذي يمكنه إنقاذ الوضع، وقد فعلت ذلك مرات ومرات.

اوباما

عسكر وسياسة

يقول نصر إنه يمكن المحاججة في معظم الإدارات الأميركية، بأن هناك عدم توازن لا يمكن تجنبه بين المركب العسكري الاستخباراتي، بما يوفره من تحرك سريع وديناميكي، وبقدرته على جذب الإعلام، وبين مؤسسة السياسة الخارجية التي تتمتع بنمط متثاقل وبطيء في العمل. لكن إدارة أوباما سوّقت لنفسها بأنها مختلفة وأنها ستعمل على تصحيح سياساتها في الشرق الأوسط، وإصلاح الضرر الذي أحدثته إدارة جورج بوش الابن باعتمادها على معلومات مزيفة ورغبتها بالحلول العسكرية لمشكلات نادراً ما فهمتها. فالمرشح أوباما أعلن خلال حملته الانتخابية الأولى أنه سيشرك العالم المسلم وليس فقط تهديده بمهاجمته، وأنه سيعمل على تغيير موقف الولايات المتحدة في المنطقة، وأنه سيظهر القيادة في الاستماع وليس فقط في الحديث.

وأوضح نصر أنه آمن بأن قيام القيادة الأميركية ببناء علاقات سياسية واقتصادية متجذرة في مؤسسات دولية وإقليمية، سيجلب الاستقرار إلى منطقة فوضوية، وأن ذلك ما كانت تفتقده المنطقة وأنه لهذا السبب انضم إلى الإدارة الأميركية.

ويعتبر نصر أن عدم التوازن في التأثير بين المؤسسة العسكرية ومؤسسة السياسة الخارجية كان سبباً كافياً للقلق، لكن عادة الرئيس أوباما كانت في تركيز قرارات السياسة الخارجية في أيدي عصبة من مستشاري البيت الأبيض غير ذوي خبرة. فكان الهم الأساس لهؤلاء المستشارين كيف سيكون وقع أي عمل في الشرق الأوسط، أو أفغانستان في أخبار المساء في وسائل الإعلام الأميركية، وكيف يمكن استثمارها في المعركة الانتخابية ضد الجمهوريين. ويشير إلى أن امتداح السياسة الخارجية لإدارة أوباما خلال موسم انتخابات عام 2012 لم يكن بسبب إنجازاتها في أفغانستان أو الشرق الأوسط بمقدار ما كان بسبب إعادة تشكيل السياسات الأميركية في هذه المنطقة للتكيّف مع مخاوف السياسة الحزبية بطريقة ما كان يمكن تخيّلها قبل عقود.

أما القصة الثانية التي يرويها نصر فهي كيف كان يطلب منهم في وزارة الخارجية الذهاب لتسويق اقتراحات غير ذكية في شكل مذهل لحلفاء واشنطن في المنطقة. فالكثيرون من الأميركيين يحفظون في رؤوسهم صورة لقادة الشرق الأوسط كسفاحين عسكريين وسياسيين فاسدين، ومتآمرين ضيقي الأفق، أو عملاء أميركيين.

يقول نصر إنه لا ريب بوجود بعض الشخصيات التي تنطبق عليها هذه الصفات في الشرق الأوسط كما في أماكن أخرى، لكن قادة الشرق الأوسط قد طوروا خلال السنوات الـ11 الماضية، فهمهم للنتائج المحتملة للأفعال الأميركية على بلادهم. فهم يخشون قوتنا العسكرية، لأننا نستعملها في شكل متهور ولا يملكون القدرة على مواجهتها، لكنهم لم يعودوا يرغبون في الجلوس في المؤخر وحني رؤوسهم للموافقة على خطط نقترحها وتحتاج تعاونهم، خطط يعلمون بأنها لن تنجح وتهدد بلادهم، ويعلمون بأننا سنتخلى عنها عندما يحين وقت الحسم، وأننا سنتركهم يتعاملون مع الفوضى التي تحدثها.

يحاول نصر في هذا الكتاب وصف بعض هذه المفاوضات بالتفصيل، بداية مع رئيسه ريتشارد هولبروك ولاحقاً مع هيلاري كلينتون، وكذلك ما سمعه وعرفه من زعماء عالميين ومحترفين في السياسة الخارجية. يقول إن على الجمهور الأميركي أن يفهم أنه عندما لا تقنع خططك الكبرى لمنطقة الشرق الأوسط الكبير أحداً غيرك، لا تقنع أصدقاءك ولا «أعدقاءك» ولا المتعاونين معك، وبالتأكيد لا تقنع أعداءك، فإنه قد حان الوقت لطرح الأسئلة الصعبة.

أما القصة الثالثة، والتي هي ربما الأكثر أهمية التي يريد نصر إخبارها،فهي قصة الثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة بسبب فشلها في إدراك أن التنافس الجيو – سياسي المقبل مع الصين لن يكون فقط على مسرح منطقة المحيط الهادئ، بل إن أقساماً مهمة من هذا التنافس سيجري في الشرق الأوسط، وأن علينا التحضير للتبارز ونتائجه العالمية. ويعتبر نصر أن الشعب الأميركي الذي تعب من الحرب يرحب بكلام عن الرحيل الأميركي عن الشرق الأوسط، ليس فقط إخراج الجنود ولكن إغلاق المتجر كله.

ويرى أن أوباما قد وصم خروجنا من الشرق الأوسط بأنه انقلاب في السياسة الخارجية، وهو لن يحررنا فقط من عبء مشكلات المنطقة، ولكنه سيمنحنا الحرية التي نحتاجها لمواصلة مبادرات أكثر إلحاحاً تخص الهموم الجوهرية للأمن القومي.

يرى نصر أنه بعد الخروج الأميركي من المنطقة ستملأ هذا الفراغ قوى خارجية لحفظ النظام في المنطقة وإلا ستغرق في الفوضى وعدم الاستقرار، مشيراً إلى أن الصين سترغب في لعب دور القوة العظمى في المنطقة وهي تتهيأ لذلك. فبينما تتجه الولايات المتحدة شرقاً، فإن الصين تتجه غرباً، عبر تنمية عـــلاقات اقتصادية وديبلوماسية قوية مــع العالم العربي، باكستان، إيران، وتركيا. فالقادة الصينيون قد أطربوا باكستان بتأكيدات بأن العلاقات الصينية – الباكستانية هي «أعلى من الجبال، أعمق من المحيطات، أقوى من الفولاذ، وأحلى من العسل».

ويسأل نصر هل ستكون أميركا مرتاحة بترك الصين تجذب الشرق الأوسط إلى دائرة تأثيرها، والسماح لها بمعالجة مسألة تنظيم القاعدة أو طموحات إيران النووية، أو محاولة حل الصراع العربي – الإسرائيلي؟ يقول الباحث إن الإجابة هي بالتأكيد: «كلا، فالشرق الأوسط سيصبح مجدداً منطقة للتنافس العظيم حيث تلعب الصين اليوم دور الاتحاد السوفياتي».

ويلوم الباحث إدارة أوباما بأنها كانت لديها فرصة في السنوات الأربع في ولاية أوباما الأولى (2009 – 2012) لبناء مؤسسات إقليمية اقتصادية وسياسية وعسكرية لمساعدة منطقة الشرق الأوسط في حل الكثير من مشكلاتها وجعلها تعتمد على نفسها، من دون تقديم المزيد من الجنود الأميركيين والأموال الأميركية. فقد كان بإمكان الإدارة تقليص تهديد «القاعدة» أو تعزيز الدفع باتجاه الديموقراطية، وإيجاد طريقة لجلب إيران إلى الحظيرة، وتخفيف تأثير الصين في المنطقة، وتوفير الحيوات والأموال التي أنفقت على اندفاعة أخرى لا يزال مشكوكاً بجدواها.

مواجهة الصين؟

ويخلص نصر إلى أنه بعد تقوية الصــــين لموقعها في الشرق الأوسط، سيـــجد الأميركيون أنفسهم يحاولون اللحاق بالركب، حيث لا يملكون المال الضـــروري لذلك أو عليهم استدانته مــن الصين نفسها. لكن الوقت ليس متأخراً كثيراً، ولا يزال بالإمكان التعامل مع مشكلات المنطقة قبل أن تصبح أزمات كبيرة، موضحاً أن هذا هو سبب تأليفه لهذا الكتاب.

ففي حين وصف الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بلاده بأنها «أميركا التي لا يمكن الاستغناء عنها»، جاء عنوان كتاب نصر استفزازياً ليصفها بأنها «يمكن الاستغناء عنها» نتيجة تراجع سياستها الخارجية. ويعزو المؤلف هذا التراجع إلى الصراعات الخفية بين مستشاري الرئيس باراك أوباما وبين مجموعة الخبراء والموظفين المحترفين في وزارة الخارجية، ما جعل هيلاري كلينتون، وزير الخارجية تقوم بزيارات إلى البيت الأبيض لتلتقي مباشرة مع أوباما متخطية بذلك مساعديه، واصفة ذلك بأنه أشبه بعبور «جدار برلين».

يقول نصر إن ثمة جدلاً كبيراً هذه الأيام حول ما إذا كانت أميركا في حالة انحدار. فهؤلاء الذين يحذرون من ذلك يعزون انقلاب الحظ (خسارة موقع القوة العظمى وخسارة الهيمنة الاقتصادية وفقدان موقع القيادة التي لا منافس لها في العالم) إلى مشكلات اقتصادية في الداخل وعدم تفرد أميركا بكونها القطب الوحيد في العالم، حيث توجد الصين وزملاؤها في مجموعة البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين) وهي مجموعة طامحين للوصول إلى موقع قوة عظمى. يقرّ نصر بوجود مشكلات اقتصادية في أميركا، لكنها لا تزال الاقتصاد الأكبر في العالم والجيش الأقوى، وفكرة أن الأسواق الناشئة ستزيح أميركا من الساحة العالمية هي حتى الآن خيال وبعيدة من الواقع.

ويرى نصر أن الولايات المتحدة لا تزال لديها جميع مكوّنات القيادة العالمية. إذاً، لا يعتقد نصر بأن أميركا في حالة نكوص. بل هو يقول إنه بدلاً من السؤال: لماذا نتراجع، يجب أن يكون السؤال: على رغم قوتنا وإمكاناتنا الساحقة، لماذا ينخفض تأثيرنا؟ الجواب في رأيه يرتبط في كيف نمارس القوة وكيف نرى دورنا في العالم. وهو يعتبر أنه إذا رأينا القيادة العالمية تنزلق من قبضة أميركا، فذلك ليس مرده إلى الركود الاقتصادي الذي أصابها خلال السنوات الأربع الماضية، بل بسبب كون الأميركيين مترددين في شأن دورهم في العالم. فخلال العقد الماضي، أضرت المقاربة العسكرية للسياسة الخارجية بسمعة واشنطن. والآن، فإن التقلب في كيفية تحقيق مصالحها قد قوّض صدقية قيادتها. فانتقلنا من القيادة في كل مكان خلال العقد الماضي إلى قيادة لا شيء اليوم، في خاتمة مفاجئة للغزو الأميركي الطويل الأمد في الشرق الأوسط.

يرى نصر أن على أميركا عدم القبول بهذه النتيجة، فالقيادة الأميركية لا تزال ضرورية لاستقرار النظام العالمي وسلامة الاقتصاد العالمي، وتوسع التجارة والنمو والازدهار المستمرين للدول. فلا توجد قوة في العالم قادرة على لعب دور أميــــركا فــــي الساحة العالمية أو ترغـــب في الحلول مكانها. فالــــعالم الذي بنــــته أميركا لا يزال يحـــــتاجها لقيادته، فهي تبقى القوة المحورية العالمية. لكن العالم تغيّر وهــــو يستمر في التغيّر، ويجــــب علــــى القيادة الأميـــركية التغيّر. فالقيادة فــــي الماضي القريب من خلال القوة العسكرية كانت مكلفة وغير مثمرة. وكانت تجربة القيادة الأميركية في الشرق الأوسط، خصوصاً خلال العقد الماضي كارثية. إنه الوقت للتفكير في شكل مختلف وعودة الديبلوماسية والانخراط الاقتصادي إلى موقعيهما الصحيحين.

مناشدة

لهذا السبب، يناشد نصر الولايات المتحدة لقيادة الشرق الأوسط للخروج من المستنقع. إنه يريد أن يرى خطة مارشال للمنطقة، على غرار الخطة الاقتصادية التي ضخت شرايين الحياة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، على التوالي. باختصار، يجب أن تفعل أميركا شيئاً. فالعالم العربي يحتاج إلى مساعدة من الخارج من أجل التنمية الاقتصادية لمواجهة المآسي الاجتماعية والركود الاقتصادي والسخط السياسي الشعبي. فالشرق الأوسط يشهد تحولاً تاريخياً، فهناك صعود للإسلام السياسي وانفجار للطائفية، وانهيار لتوازنات القوى الإقليمية. والنقاط المشتعلة في لبنان، العراق، سورية، والبحرين تهدد بحريق على مستوى إقليمي. فالتغيير السابق بهذا القدر جرى عام 1979 عندما ألهمت الثورة الإيرانية الراديكالية الإسلامية وزعزعت الاستقرار الإقليمي. ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط هو أكثر تعقيداً وأكبر حجماً ويتطلب التزاماً أميركياً أعظم. فحلّ مشكلات الشرق الأوسط والتهديد الذي يمثله على العالم يتطلب تغييراً جوهرياً في المظهر الاقتصادي للمنطقة. هذا التغيير يحتاج إلى استثمار اقتصادي أميركي في المنطقة لجعلها تنخرط في الاقتصاد العالمي كي تشهد نمواً على غرار دول «البريكس».

ويرى نصر أن الالتزام الاقتصادي يجب أن يترافق مع التزام سياسي جدي في المنطقة، من خلال المشاركة في تأمين الاستقرار الإقليمي وتشجيع الانسجام الإقليمي، وليس فقط النظر إلى المنطقة من منظار مكافحة الإرهاب. ويشير الباحث إلى أن أميركا لعبت دوراً في التوازن في الشرق الأوسط بين إيران من جهة وجيرانها من جهة أخرى، وبين إسرائيل والدول العربية، وأنه من دون الانخراط الأميركي، ستصل المنطقة إلى توازنها الخاص، لكنها ستكون عملية عنيفة ومزعزعة للاستقرار. ومن دون القيادة الأميركية في الشرق الأوسط، فإن مستقبل المنطقة، إذا ترك للصين وروسيا لتقريره، أو لإيران وتركيا والسعودية للصراع عليه، فإن مستقبل المنطقة لن يكون مبشراً.

يقول نصـــر إنه لا توجد مؤسسات اقتصــادية في الشرق الأوسط، على غرار «آسيان» أو «آبيك»، وإن على أميركا المساعدة في خلق مثل هذه التجمعات الاقتصادية لتعزيز أمن المنطـــقة وازدهارها وجعلها أقل ارتبـــاطاً بعمل السلطة الأميركية. وهو يرى أنه من غير المرجح أن تنفض أميركا يديها من الشرق الأوسط بسهولة وسرعة، وأنها لا يمكنها تجنب نكسة اضطراب المنطقة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة يمكنها الاهتمام بتوجهها نحو آسيا مع استمرار اهتمامها بالشرق الأوسط، كما فعلت في الماضي.

البروفيسور ولي نصر، هو مفكر أميركي من أصل إيراني يشغل الآن منصب عميد كلية الدراسات الدولية في جامعة «جون هوبكنز» في واشنطن، وباحث في مؤسسة «بروكينغز»، وعضو في مجلس السياسة الخارجية في وزارة الخارجية، وعضو مدى الحياة في مجلس العلاقات الخارجية. ومن أبرز كتبه: «صعود الشيعة»، «صعود قوى الثروة: نهضة الطبقة الوسطى الجديدة في العالم الإسلامي»، «الجماعة الإسلامية في باكستان»، «توقعات الألفية».