أسس العلاقة الأميركية – الإسرائيلية.. من الرصيد إلى العبء الاستراتيجي

د. هيثم مزاحم

 

لا تزال العلاقة الخاصة والمميّزة بين إسرائيل والولايات المتحدة مسألة يختلف الباحثون في تفسير أسسها وأسبابها. وتتجلى هذه العلاقة في أشكال عدة هي:

1 – التعاون المكثّف على المستويين الحكومي والشعبي بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولا سيما التعاون الإستراتيجي.
2– الدعم الأميركي السخي لإسرائيل في مختلف المجالات الاقتصادية والعسكرية والديبلوماسية والتكنولوجية.
3– الانحياز الأميركي التام لإسرائيل في الموقف من القضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني.

ويمكننا تلخيص التفسيرات المختلفة للعلاقة المذكورة بما يلي:
1 – إسرائيل هي ذخر استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
2 – إسرائيل هي قاعدة إمبريالية أميركية في المنطقة العربية.
3 – تقاطع المصالح الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة.
4 – الولايات المتحدة تشعر بالتزام ديني – أخلاقي تجاه الدولة اليهودية.
5 – اللوبي اليهودي الأميركي قوي جداً إلى درجة تجعله يملي السياسة الأميركية الشرق أوسطية.

يذهب الباحث كميل منصور في كتابه “الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل: العروة الأوثق” إلى أن ثمة تفسيرات مبسطة للعلاقة الخاصة بين إسرائيل وأميركا تجعل من إسرائيل أداة طائعة في يد أميركا أو تجعل من الإدارة الأميركية خادماً للوبي اليهودي. ويلاحظ أن ثمة زعمين جازمين ودقيقين هما:
– “لو أن دعم إسرائيل لايخدم مصالح الولايات المتحدة، لكانت سياسة الأخيرة مختلفة في الشرق الأوسط.
– لو أن اللوبي الإسرائيلي لم يكن بهذه القوة، لكانت سياسة الولايات المتحدة مختلفة أيضاً”.
لكن المشكلة –في رأي منصور – هي “أن هذين الزعمين الجازمين – الصحيحين لو أخذنا كلاً منهما على حدة – يحجب أحدهما الآخر. إضافة إلى كونهما غير كافيين لأنهما يعجزان عن شرح كيف وإلى أي حدّ يؤثر اللوبي، أو المصالح الأميركية، على سياسة الولايات المتحدة حيال إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط”.

فمن أجل تحاشي الوقوع في تناقض هذين الزعمين، علينا أولاً البحث عن مكانة إسرائيل في العقيدة الاستراتيجية الأميركية، ومن ثم تحديد مدى مصلحة الولايات المتحدة في روابطها المميّزة مع إسرائيل.
وعلى الباحث الذي يحلّل العلاقة الأميركية – الإسرائيلية ألا يعتبر السياسة الأميركية بالضرورة سياسة عقلانية – نفعية (براغماتية) متماسكة منطقياً، لا يشوبها الخطأ.وفي الواقع لا وجود لعقيدة استراتيجية أميركية ثابتة ومحددة، بل هي تنشأ وتتبلوّر مع الوقت، وقد تخضع لتغيّرات تبعاً للمعطيات والظروف السائدة. كما أنها تتأثر بالدرجة الأولى بالآراء الخاصة لصانعي القرار، وبمواقف الشخصيات والهيئات السياسية والأكاديمية المقدّرة أراؤهم لدى النخبة الأميركية الحاكمة.
قبل تحديد مكانة إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، ينبغي الرجوع قليلاً إلى بداية العلاقة الأميركية – الإسرائيلية لإدراك الأسس التي قامت عليها والبحث في دوام صلاحيتها راهناً.

أ – جذور العلاقة الأميركية – الإسرائيلية
تعود العلاقات الأميركية – الصهيونية إلى ما قبل تأسيس الكياه الصهيوني في فلسطين عام 1948، أي إلى بداية القرن التاسع عشر حيث لعبت الحركات البروتستانتية البيوريتانية (التطّهرية) Puritanians دوراً كبيراً في تهيئة الأرضية الملائمة لنشاط الحركة الصهيونية اليهودية في الولايات المتحدة. وتدعو هذه الحركات – التي أطلق عليها البعض تسمية “الصهيونية المسيحية” أو “الصهيونية غير اليهودية” – إلى إعادة توطين اليهود في فلسطين وبناء وطن قومي لهم فيها لاستعادة “مملكة إسرائيل” لكي تظهر مملكة المسيح”، لأن تلك نبوءة تسبق العودة الثانية للمسيح المنتظر.وقد جرى تسييس هذه الرؤية الدينية بحيث اعتبرت إسرائيل الواردة في العهد القديم، هي إسرائيل الواجب إنشاؤها في فلسطين. وهكذا بدأت الحركات البيوريتانية بتعبئة الرأي العام الأميركي بهذه المعتقدات الصهيونية إذ جرت عملية استعارة للأسماء العبرية وأطلقت على أبنائهم ومستوطناتهم الأولى في الولايات المتحدة الأميركية. واعتبر البيوريتانيون أنفسهم “العبرانيين الحقيقيين” وسمّوا أنفسهم “أطفال إسرائيل في طريقهم إلى الأرض الموعودة”،ثم قاموا بإرسال بعثات استكشاف إلى فلسطين، ثم بدأوا بإقامة المستوطنات اليهودية الأولى فيها، منذ منتصف القرن التاسع عشر.
وكان الرئيس الأميركي جون آدامز (1767 – 1848) قد دعا إلى استعادة اليهود وطنهم، في رسالته إلى صديقه الكاتب اليهودي مانويل نوح عام 1818، وقال فيها: “أتمنى ان أرى ثانية أمة يهودية مستقلة في يهودا”. وقد بذل القس وليام بلاكستون جهوداً كبيرة من أجل الحركة الصهيونية، إذ أسس عام 1887 في شيكاغو منظمة سماها “البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل” اعتبرت أول “لوبي” لمصلحة الصهيونية السياسية.
ولعل أبرز نشاطات بلاكستون هذا، هو جمعه لتواقيع 413 شخصية أميركية على عريضة قُدمت إلى الرئيس الأميركي بنجامين هاريسون في 5 آذار/ مارس 1891، طالبت الرئيس باستخدام نفوذه لتحقيق مطالب الإسرائيليين بفلسطين كوطن لهم. جرى ذبك قبل نشوء الحركة الصهيونية، عام 1897، بأكثر من ست سنوات. في موازاة ذلك، قام ديبلوماسيون أميركيون في الشرق الأوسط بحض الحكومة العثمانية على توطين اليهود في فلسطين. ويُعتبر الرئيس الأميركي ولسون أحد أكثر الرؤساء تأثراً بالصهيونية نظراً لتربيته المسيحية الإنجيلية حيث كان يرى أنه يتوجب عليه تحقيق رغبة الرب في إعادة الأرض المقدسة إلى شعبها اليهودي. من هنا كان تأييده الكامل لوعد بلفور الذي نص على إعطاء وطن قومي لليهود.
وفي العام 1922، صادقت الحكومة والكونغرس الأميركيان بصورة نهائية على وعد بلفور. كما قامت الحركات المسيحية الصهيونية بإنشاء منظمات ولجان مهمتها “الدفاع عن قضية الوطن القومي اليهودي”، فتولّت التنسيق مع المنظمات الصهيونية اليهودية الأميركية في ممارسة الضغوط السياسية على الإدارة الأميركية من أجل إقامة دولة يهودية في فلسطين.أثمرت هذه الضغوط بموافقة الرئيس الأميركي هاري ترومان على خطة تقسيم فلسطين، في خطبته الشهيرة في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر 1946.

ب – المعارضة الأميركية لقيام إسرائيل
عارض الأميركيون في البداية مشروع تقسيم فلسطين خوفاً من أن تتحول الدولة اليهودية (ذات الأغلبية الساحقة من المهاجرين اليهود الروس) إلى دولة حليفة للمعسكر السوفياتي، وخشية أن يصبح الدعم الأميركي للصهاينة عائقاً أمام مصالح الولايات المتحدة النفطية في المنطقة.
ويقول في هذا الصدد الرئيس ترومان في مذكراته أن وزير الخارجية جيمس بيرنز ووزير الدفاع جيمس فورستال وموظفي وزارة الخارجية الآخرين “كانوا جميعاً بدون استثناء تقريباً يعارضون فكرة الدولة اليهودية. فلقد (كانوا)… يرون ضرورة تهدئة العرب بسبب وفرة أعدادهم وسيطرتهم على مثل هذه الكمية الضخمة من الموارد النفطية”.
وقد حاول بعض موظفي وزارة الخارجية وبعض شركات النفط الأميركية – ولا سيما شركة “أرامكو” – تصويب سياسة الإدارة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية خشية من تأثير تلك السياسة على امتيازات الشركات النفطية في الدول العربية، وبالنتيجة على المصالح الاقتصادية الأميركية.
وتبرز في هذا المجال الاتصالات التي قام بها كل من لوي هندرسون (مسؤول شؤون أفريقيا والشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية) والعقيد وليام إدّي (مساعد وزير الخارجية الأميركي). وقد ترك الأخير منصبه وعُيّن مستشاراً لشركة “أرامكو”. وقد ركّز في رسائله إلى وزارة الخارجية الأميركية على عواقب تقسيم فلسطين إلى دولتين على الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي على المصالح الأميركية فيها.
كإن إدّي – على غرار كثيرين في وزارة الخارجية الأميركية و”أرامكو”– يرى في الانحياز الأميركي لليهود على حساب العرب في فلسطين فرصة سانحة لدخول السوفيات إلى المنطقة تحت حجة مساندة العرب.
لكن ضغوط اللوبي الصهيوني على الإدارة الأميركية، وعلى الرئيس ترومان بالذات، كانت أقوى بكثير من المساعي الخجولة للشركات النفطية لمنع تقسيم فلسطين. بل إن شركة “أرامكو” تفاعست عن العمل الجدي لمصلحة القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة خشية من أن يؤدي إغضاب الصهيونية إلى خسارة ممكنة في مداخيلها من السوق المحلية.
وقد ذهب غوردان ميريام (مساعد المدير المسؤول عن شؤون أفريقيا والشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية آنذاك)، في تفسيره للسياسة الأميركية المنحازة لإسرائيل والمضرّة بالمصالح الأميركية، إلى كون هذه السياسة هي “في الأساس سياسة إسرائيلية مقيّدة تُمارس من خلال اللوبي الصهيوني” الموجود في الولايات المتحدة. ويكشف ميريام في رسالته الموجهة إلى رئيس الطاقم السياسي في الوزارة في 18 آذار/ مارس 1949، أن وزارة الخارجية الأميركية قد رسمت سياسة سليمة تجاه فلسطين لكنها لن تستطيع “الحصول على إقرار السلطات العليا لها في الظروف الراهنة وحتى لو حصلت على ذلك، فإنها سرعان ما تتغير بمجرد أن يشعر الصهاينة بقدرتهم على التأثير إعلامياً عليها”.
ويذكر الباحث الأميركي إيرفين أندرسون – في دراسته الأكاديمية حول شركة “أرامكو”– أنه “منذ العام 1937 والشركات النفطية تحذّر وزارة الخارجية الأميركية من أن دعم الأخيرة للصهيونية سوف ينفّر (الملك السعودي آنذاك) عبد العزيز (ابن سعود) وقد يسفر عن تدمير الموقع السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وخسارة الامتيازات النفطية في المملكة العربية السعودية”. لكنه يعتبر أنه “في العام 1947 بات معظم المسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية مدركين لحقيقة وجود هذه المشكلة الاستراتيجية بحيث لم تعد هناك حاجة لممارسة الضغوط الخاصة”.
وقد أكد إيفان م. ويلسون، الرئيس الأسبق لمكتب فلسطين(1942 – 1948) في وزارة الخارجية الأميركية، في كتابه “القرار بشأن فلسطين”، هواجس وزارة الخارجية الأميركية آنذاك بشأن إضرار السياسة الأميركية المنحازة إلى اليهود بالعلاقات مع العالم العربي.
ولعلّ معارضة مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية – بمن فيهم وزير الخارجية جورج مارشال – لقيام دولة يهودية في فلسطين لما في ذلك من خطر على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية في الشرق الأوسط، تُبيّن لنا أن العلاقة الأميركية – الإسرائيلية لم تقم على أسس استراتيجية وعقلانية – براغماتية بل إن قيام الرئيس ترومان بتخطي كل هذه الحقائق وتأييده لتقسيم فلسطين طمعاً بتأييد اليهود الأميركيين له في الانتخابات الرئاسية، يظهر مدى تأثير العامل الداخلي في السياسة الأميركية حيال إسرائيل والشرق الأوسط.

ج – مسار العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل

1 – صنع دور استراتيجي لإسرائيل (1948 – 1973)
منذ قيام الكيان الصهيوني في فلسطين ركز اللوبي اليهودي جهوده على الكونغرس لأن بيده مفتاح الخزينة الأميركية، وأدرك أنه من أجل ضمان تأييد الكونغرس لإسرائيل، لا بدّ من إيجاد حجة مقنعة له تكون إلى جانب التنظيم الفاعل الذي يقوم بتنسيق وتوجيه هذا التأييد.
في البدء، كان اليهود الأميركيون يبرّرون مطالبتهم الكونغرس بتأييد إسرائيل بالاعتبارات الإنسانية والأخلاقية والأيديولوجية – الثقافية. ثم ما لبثوا أن اكتشفوا أن هذه الحجة سوف تفقد ولو بعد حين – قوة التأثير. لذلك لجأوا إلى ترويج مقولة الدور الاستراتيجي لإسرائيل كحليف يقف سداً منيعاً في وجه المدّ السوفياتي والأنظمة العربية الراديكالية في الشرق الأوسط، ويحمي الخليج [الفارسی] وحقول النفط فيه، كما يقدم مصدراً موثوقاً للمعلومات عن كل المنطقة، لأنه إذا تم تصوير إسرائيل في نظر الرأي العام الأميركي بأنها تقدم خدمات عسكرية واستراتيجية للولايات المتحدة، فإن المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل تصبح مبرّرة كونها تُحقّق مصلحة ذاتية لأميركا فضلاً عن الاعتبارات الأخلاقية، الأمر الذي يضمن استمرار هذه المساعدات.
بدأ النشوء البطيء للعلاقة الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية خلال عهد ترومان الذي برّر دعمه لإسرائيل بخوفه من تغلغل النفوذ السوفياتي في المنطقة عبر هجرة اليهود السوفيات إلى الكيان اليهودي. وجاء في المذكرة السرية المرسلة من وزارة الدفاع الأميركية إلى مجلس الأمن الدولي في 16 أيار/ مايو 1949، والمعنونة بـ”مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في إسرائيل”: “إن أهمية إسرائيل تعود إلى موقعها الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط وإلى دورها في حماية المصالح النفطية الأميركية في الخليج وفي حماية المنطقة الممتدة بين القاهرة والسويس. وكانت هذه المذكرة السرية أساس العقيدة الأميركية (عقيدة ترومان المتعلقة بدور إسرائيل الاستراتيجي) لفترة 1948–1965.
ومع بدء الولايات المتحدة بعملية احتواء الخطر السوفياتي، كانت إسرائيل تمثّل قوة أساسية بالنسبة إليها، لكن الرفض العربي للدولة اليهودية أعاق الدور الإسرائيلي الاستراتيجي. فبسبب خشيتها من إغضاب الدول العربية لم توافق واشنطن (في العام 1950) على طلب إسرائيل التحالف معها، إلا بعد ثورة “الضباط الأحرار” في مصر (يوليو 1952) وتحوّل عدد من الدول العربية إلى التحالف مع الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية. يعتبر “العدوان الثلاثي” عام 1956 نقطة تحوّل بالنسبة لموقف الولايات المتحدة من إسرائيل والمنطقة حيث خشيت واشنطن أن يقوم الاتحاد السوفياتي بملء الفراغ الناجم عن الانسحاب الفرنسي والبريطاني من المنطقة فأقامت إدارة آيزنهاور اتفاقاً أمنياً إقليمياً دخلت فيه إسرائيل للمرة الأولى.
ولم تصبح العلاقة الأميركية – الإسرائيلية متميّزة إلا بعد حرب 1967، حين ظهر تفوّق إسرائيل العسكري على العرب وضعف الدعم العسكري السوفياتي لهم، الأمر الذي جعل بعض الدول العربية تميل إلى التحالف مع موسكو كرد فعل على الانحياز الأميركي لإسرائيل. وقد وظّفت إسرائيل ذلك من أجل نيل المزيد من الدعم الأميركي لها في وجه الأنظمة العربية المتحالفة مع السوفيات.
وكان فريق من الساسة الأميركيين آنذاك يرى في إسرائيل عبئاً على الولايات المتحدة لأن سياسة الأخيرة الموالية لإسرائيل تساهم في التقريب بين العرب والسوفيات، وفي إفساح المجال للتغلغل السوفياتي في المنطقة. ونتيجة للأزمة الأردنية(عام 1970)، التي هددت بسقوط النظام الهاشمي على أيدي الفصائل الفلسطينية التي ساندتها سوريا، أصبحت إسرائيل تُعتبر رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة، وتبنّى البيت الأبيض مجموعة من التوجّهات أبرزها: ضمان قوة إسرائيل الرادعة وتزويدها بالأسلحة اللازمة لذلك، التعهد بعدم إجبارها على القبول بأي تسوية سلمية لا تحظى بموافقتها.

2 –آثار حرب 1973 على العلاقة الأميركية – الإسرائيلية (1973 – 1980)
بعد حرب 1973 أصبحت الولايات المتحدة حريصة على عدم نشوب حرب عربية –إسرائيلية. كما أضحت تعيش هاجس خطرين إثنين هما: تعزيز التحالف العربي – السوفياتي، وتضامن دول المواجهة العربية مع الدول العربية المصدّرة للنفط، الأمر الذي اضطرها أن تأخذ في الاعتبار بعض المطالب العربية، مع الحرص على عدم المساس بقوة إسرائيل وتفوّقها العسكري.ثم بدأت واشنطن باستخدام إسرائيل كقوة “ثانوية” وبالتقرّب من العرب حفاظاً على مصالحها في المنطقة، وذلك عبر ديبلوماسية “الخطوة خطوة” الرامية إلى تحقيق تسوية سلمية للصراع العربي – الإسرائيلي. وكانت الاستراتيجية الأميركية تعتمد على كون الولايات المتحدة البلد الوحيد القادر على انتزاع التنازلات من إسرائيل مع الحرص على إظهار صعوبة هذه المهمة.
وفي العام 1975، اتفق الأميركيون والإسرائيليون على مذكرة تفاهم، أبرز ما جاء فيها: حماية وجود إسرائيل وأمنها، اعتماد خطة طوارئ مشتركة لإمداد الجيش الإسرائيلي في الأوقات الحرجة، عدم تفاوض الولايات المتحدة مع منظمة التحرير الفلسطينية قبل اعتراف الأخيرة بقراري مجلس الأمن الدولي 242 و338. ويعتبر البعض أن هذه المذكرة أظهرت تبعية إسرائيل للولايات المتحدة بشكل واضح وصريح.
وبعد التوقيع على اتفاق سيناء لفصل القوات بين مصر وإسرائيل عام 1975، بدأ أن سياسة “الخطوة خطوة” التي اتبعها وزير الخارجية الأميركي أنذاك هنري كيسينجر قد حققت أهدافها، وباتت التسوية الشاملة مطلباً ضرورياً بالنسبة للولايات المتحدة.
بعد انتخابه رئيساً، اختار جيمي كارتر طاقماً من المساعدين المؤيّدين لفكرة منح إسرائيل الضمانات لقاء دخولها في عملية التسوية السلمية الشاملة. ويرى البعض أن وصف كارتر لإسرائيل بـ”الرصيد الاستراتيجي” كان مجرد كلام، إذ كان كارتر من أنصار التسوية الشاملة التي تقوّي رصيد الولايات المتحدة لدى العرب والتي تضمن إقامة حلف دفاعي أميركي – إسرائيلي قائم على أساس منح الضمانات الأميركية من جانب واحد، في الوقت الذي اعتبر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن المساعدات الأميركية لإسرائيل صفقة رابحة للولايات المتحدة مقابل مختلف الخدمات والمواقف الإسرائيلية.
أصرّت إسرائيل على جعل العلاقة مع الولايات المتحدة على شكل التحالفات الموجودة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). لكن فوز تكتل الليكود بالسلطة عام 1977 كان العامل الأقوى في إسقاط المطلب الإسرائيلي وفي إفشال سياسة كارتر حيال التسوية الشاملة وأفسح اتفاق كامب ديفيد عام 1979 المجال أمام إسرائيل لاستعادة المكانة التي كانت تحتلها لدى الولايات المتحدة قبل العام 1973 (أي الرصيد الاستراتيجي)، في الوقت الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة مستعدة للتوقيع على اتفاق أمني دفاعي مشترك مع الحكومة الإسرائيلية.
وساهم سقوط نظام الشاه في إيران (عام 1979) والمعارضة العربية لكامب ديفيد في تعزيز مكانة إسرائيل لدى الولايات المتحدة حيث تم التوصل إلى مذكرة اتفاق في 26 آذار/ مارس 1979 بين وزيري الخارجية الأميركية سايروس فانس والإسرائيلي موشيه دايان، ولم تتضمن المذكرة أي إشارة إلى حماية إسرائيل من الخطر السوفياتي، بل أكدت على ضمان تدخل الولايات المتحدة في حال الطوارئ وسد حاجات إسرائيل الاقتصادية والعسكرية، واشترطت تطبيق بنود اتفاق السلام المصري – الإسرائيلي(كامب ديفيد). وقد تلخصت سياسة كارتر في تلك الفترة في النقاط التالية:
1 – إيجاد وسيلة لملء الفراغ الذي خلّفه الشاه.
2 – تعزيز الوجود العسكري الأميركي في بحر العرب.
3 – تعزيز الوجود الاستخباراتي الأميركي في السعودية عن طريق طائرتي “الأواكس”.
4 – إعلان واشنطن استعدادها لإرسال جنودها إلى أي منطقة حساسة في الشرق الأوسط.
تجدر الإشارة هنا إلى أن خيار واشنطن أصبح بعد كامب ديفيد خياراً عسكرياً بعد أن كان خياراً ديبلوماسياً تسووياً. وهذا أثّر إيجاباً على وضع إسرائيل بالنسبة إلى استراتيجية الولايات المتحدة حيث شهد تقدماً نحو مستوى “الرصيد الاستراتيجي”. وهكذا تكوّنت عقيدة كارتر المتمثلة في التدخّل لدرء الأخطار الخارجية والإقليمية التي يمكن أن تهدّد مناطق ثلاث: الشرق الأوسط، والخليج{الفارسي}، وكوريا الجنوبية.

3 – التحالف الاستراتيجي وعملية التسوية
بعد العام 1980، تبنّت إدارة ريغان سياسة “التدخّل” وتحوّلت عن السياسة الإقليمية نحو “سياسة عالمية شاملة”، وفضلت اعتبار إسرائيل رصيداً أساسياً لها في الشرق الأوسط مع المحافظة على علاقات حسنة بدول الخليج العربية. وتم توقيع مذكرة تفاهم أميركية – إسرائيلية حول التعاون الاستراتيجي في تشرين الثاني/ نوفمبر 1981. وكان هذا التعاون الاستراتيجي يستهدف العالم العربي لإضعاف الدول العربية والتقليل من أهمية دورها في المنطقة. وقد أدى إلى تقليص الاهتمام بالتسوية السلمية وإعفاء إسرائيل من تقديم التنازلات مقابل التسوية السلمية. كما أدى إلى تعزيز ثقة إسرائيل بنفسها وبتحالفها مع واشنطن، الأمر الذي شجعها على القيام بضرب المفاعل النووي العراقي وضم الجولان السوري المحتل إلى الكيان الإسرائيلي عام 1981، وغزو لبنان ودخول بيروت عام 1982 بتأييد من واشنطن التي كانت ترغب في إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وإجبار سوريا على الانسحاب تمهيداً لإقامة نظام لبناني مركزي وقوي موالٍ لها.
وبعد أن تحوّل لبنان إلى مستنقع خطر غرقت فيه إسرائيل، حاولت الولايات المتحدة التعويض عليها عبر تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين، حيث تم التوقيع على عدد من الاتفاقات الأمنية والعسكرية أبرزها اتفاق التعاون في برنامج “حرب النجوم”. وتوّج هذا التعاون بإعلان الرئيس الأميركي رونالد ريغان في شباط/ فبراير 1987 أن إسرائيل أصبحت في مستوى الحليف الاستراتيجي – غير الأطلسي – في مجال الأبحاث والتطوير.
اقتضت التغيّرات الدولية والإقليمية (ضعف الاتحاد السوفياتي، انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية، التأييد العالمي للانتفاضة الفلسطينية)، من الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب) أن يمارس سياسة براغماتية تلخصت في دعم إسرائيل (عسكرياً واقتصادياً) وحثّ رئيس حكومتها إسحاق شامير على نهج منهج سلمي مع منظمة التحرير الفلسطينية مقابل توفير الضمانات المصرفية اللازمة لإسرائيل. لكن في أواخر عهد بوش حصلت تغيّرات دولية وإقليمية مهمة كانت لها انعكاساتها الخاصة على السياسة الأميركية الخارجية وأبرز هذه التغيّرات:
– تفكك الاتحاد السوفياتي وظهور الولايات المتحدة بمثابة القوة العظمى الوحيدة في العالم.
– بروز العراق كقوة إقليمية واحتلاله للكويت، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تتدخل عسكرياً في حرب الخليج كقوة عظمى معنية بكل الأحداث الإقليمية وكحليف ثابت لإسرائيل، وكدولة حريصة على حماية مصالحها النفطية في المنطقة.
لكن هذا التدخل أظهر الدولة اليهودية بمظهر “الدولة العبء” غير القادرة على رد الهجوم، علاوة على عجزها عن معاقبة الطرف المهاجم، في الوقت الذي ظهرت فيه مصر بمظهر “الرصيد الاستراتيجي” للولايات المتحدة في المنطقة، بسبب مساهمتها في حرب تحرير الكويت. كما أثبتت حرب الخليج عجز إسرائيل عن لعب أي دور استراتيجي في مواجهة الأخطار الإقليمية والدولية مع زوال خطر التدخّل السوفياتي وخطر “القومية العربية”.

غزو العراق وتهديد إيران

تكرّر ظهور إسرائيل بمظهر “الدولة العبء” مع الغزو الأميركي – البريطاني للعراق في آذار/ مارس 2003 وعدم قدرة الولايات المتحدة بالاستعانة بالحليف الإسرائيلي للمشاركة العسكرية في الغزو، بسبب عدم إثارة حساسية العراقيين والعرب، وتصوير الغزو بأنه لإسقاط نظام استبدادي وجلب الحرية والديموقراطية إلى العراق.كما أن مساعي إسرائيل الحالية وضغوطها على الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما وقبل شهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية تؤكد عدم صحة الزعم بأن إسرائيل رصيد استراتيجي للولايات المتحدة بل تظهر أنها عبء استراتيجي، خصوصاً في محاولتها توريط الولايات المتحدة الأميركية بحرب مع إيران قد تدمّر المنطقة والاقتصاد العالمي. وقد كشف زعيم المعارضة الإسرائيليةشاؤول موفاز مؤخراً أن العلاقات بين إسرائيلوالولايات المتحدة تشهد أزمةكبيرة وأنهاستستمر طالماواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتهاج سياسته الحالية بالضغط على الإدارة الأميركية لوضغ “الخطوط الحمراء” أمام المشروع النووي الإيراني.
وكانت إدارة أوباماقد رفضت مراراً وتكراراً كل الضغوط الإسرائيلية لوضع مثل هذه الخطوط الحمر التي تقلّص هامش مناورة الإدارة في تعاملها مع إيران.

4 – خلاصة تقييمية للعلاقة الاستراتيجية
تميزت العلاقة الأميركية – الإسرائيلية في العقود الماضية، بثبات دعم واشنطن السياسي والمالي لإسرائيل وبحرص الطرفين على حلّ كل المشكلات العالقة بينهما. ويمكن القول أن فكرة “ضمان” إسرائيل ظلت قائمة ومحقّقة على الرغم من عدم وجود اتفاقات رسمية بهذا الشأن.
قبل العام 1956، كان على إسرائيل تقديم التنازلات في عملية التسوية السلمية مقابل الحصول على “الضمان” الأميركي. وبعد حرب 1956 باتت إسرائيل تُمثّل القوة المقابلة للناصرية دون أن تبلغ مستوى الرصيد الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة. وبعد حرب 1967 وأحداث الأردن(1970) احتلت إسرائيل مرتبة “الرصيد الاستراتيجي”. لكن حرب 1973 أعادت فكرة “الضمان” المرتبط بالتسوية السلمية إلى جدول أعمال الإدارة الأميركية. وخلال الثمانينات، تميزت العلاقة الأميركية – الإسرائيلية بالتعاون الاستراتيجي العسكري والأمني الذي عزّزته مذكرات الاتفاق الموقّعة من قبل البلدين.
وبعد زوال الخطرين السوفياتي والعراقي، عادت فكرة اعتبار إسرائيل “رصيداً استراتيجياً” إلى موضع الشك والتساؤل، خصوصاً وأن “الخطر الإسلامي” لا يعادل الخطر السوفياتي، الأمر الذي لا يجعل واشنطن بحاجة إلى الاحتفاظ بذات الدور الإسرائيلي الاستراتيجي. وقد عزّز هذا الرأي اهتمام الولايات المتحدة بترتيب نظام إقليمي جديد وانطلاق عملية التسوية العربية – الإسرائيلية.
وإزاء تصاعد قوة الفريق الأميركي الداعي إلى إلغاء فكرة كون إسرائيل رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة وإثارة فكرة كونها عبئاً عليها، شنّ اللوبي اليهودي وفريقه في الإدارة الأميركية حملة مضادة للترويج لدور إسرائيل القديم – الجديد في حماية المصالح الأميركية في المنطقة من الأخطار التي تهددها. وتم اعتبار العراق(قبل الغزو عام 2003) وإيران و”الأصولية الإسلامية” أبرز هذه الأخطار.

د – ميادين التعاون الاستراتيجي الأميركي – الإسرائيلي
يزعم أنصار فكرة “الرصيد الاستراتيجي” وجودخدمات ومزايا إلى الكيان الإسرائيلي، يمكن أن تستفيد منها الولايات المتحدة، هي التالية:
1 – الموقع الجغرافي للكيان لقربه من الخليج،فإسرائيل تعتبر قاعدة استراتيجية يمكن لقوات التدخل السريع الأميركية الانطلاق منها لتنفيذ أي عمل عسكري في الشرق الأوسط.
2 – البنية التحتية المجهزة للتعبئة العسكرية إذ تمتلك إسرائيل أفضل المنشآت العسكرية في المنطقة، وموانئها قادرة على استقبال أضخم السفن وأكثرها تقدماً، ومطاراتها مجهزة لهبوط وإقلاع مختلف أنواع الطائرات إضافة إلى منشآت الصيانة الملائمة للسلاح الأميركي.
3 – القدرات الدفاعية: لإسرائيل قدرة على حماية القوات الأميركية التي تستخدم منشآتها من أي هجوم جوّي أو برّي واسع النطاق.
4 – التجارب، الأبحاث والتطوير، والاستخبارات: لدى الإسرائيليين تجربة حقيقية في ظل ظروف قتالية مشابهة للظروف التي يمكن أن تتعرض لها قوات التدخل السريع الأميركية في المنطقة. وإسرائيل هي التي عرّفت الأميركيين على أسلحة السوفيات وتكتيكاتهم الحربية المستخدمة في الجيوش العربية. ويمكن لمراكز الأبحاث والتطوير الأميركية أن تستفيد إلى حد بعيد من اختبار الجيش الإسرائيلي لها في إقناع البلدان الأخرى بجدوى امتلاك هذا السلاح. كما أن المعلومات الاستخباراتية التي يُزوّد الإسرائيليون بها واشنطن عن العقليات والمفاهيم والأنظمة السياسية لبلدان الشرق الأوسط لا تُقدّر بثمن.
5 – القدرة على التدخل: يزعم أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة أنها تمتلك قدرة على ردع الهجمات غير النووية وقدرات عملياتية عظيمة تجعلها واحدة من دول حلف الأطلسي، وأنها عامل استقرار في منطقة الشرق الأوسط بسبب قوتها العسكرية بمواصفاتها وقدراتها العالية.

المساعدات الأميركية لإسرائيل

دفعت الولايات المتحدة الأميركية ثمناً باهظاً في دعم الكيان الإسرائيلي قدّره الباحث الاقتصادي الأميركي توماس ستوفر عام 2003 بأكثر من ثلاثة تريليونات (ثلاثة آلاف مليار) دولار. وكشف ستوفر، الذي يعمل أستاذاً في جامعتي هارفرد وجورج تاون، في مقالة بعنوان “تكلفة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على دافع الضرائب الأميركي ثلاثة تريليونات دولار”، مجموعة من الحقائق حول التكلفة الحقيقية لتبنّي الولايات المتحدة لإسرائيل منذ نشأتها سواء على مستوى المساعدات المباشرة أو ما تكلفته الولايات المتحدة بسبب سياستها المنحازة دائماً لإسرائيل. ويذكر ستوفر أن هذا الرقم يبقى منخفضاً عن القيمة الحقيقية حيث ظلت نفقات أخرى من دون حساب، ويشير إلى أن حرب عام 1973 كلفت الولايات المتحدة على أقل تقدير 750 مليار دولار إلى تريليون دولار، وتضمن ذلك إنقاذ إسرائيل عندما وافق الرئيس نيكسون على إعادة تزويدها بالأسلحة الأميركية، فبسبب نقص الوقود فقدت الولايات المتحدة نحو 300 – 600 مليار دولار من إجمالي ناتجها القومي. كما تكلّفت 450 مليار دولار أخرى على شكل استيراد نفط بتكاليف أعلى.
وتشير التقديرات الأميركية الرسمية إلى أن إسرائيل حصلت على أكثر من 150 مليار دولار على شكل مساعدات خارجية منذ عام 1949 ولغاية اليوم. هذه المساعدات كانت العنصر الرئيس الذي تم من خلاله إنشاء الكيان الإسرائيلي وتحصينه، وهي التي أمدته بأسباب الحياة، وموّلت له شراء وتطوير الأسلحة وبناء اقتصاد حديث ورفعت مستويات المعيشة فيه بشكل مفتعل لجذب المهاجرين اليهود من مختلف بقاع العالم، وهو ما خلق في النهاية هذا الكيان السرطاني الذي أصبح له وجود على الأرض الفلسطينية من العدم.
وتصل المساعدات الأميركية المباشرة لإسرائيل سنوياً إلى نحو خمسة مليارات دولار غالبيتها مساعدات عسكرية إضافة إلى ضمانات قروض بنحو عشرة مليارات دولار. إذاً فالفضل الأول في بقاء الكيان الإسرائيلي كان للمساعدات الأميركية، وبالتالي فإن للولايات المتحدة تأثيراً كبيراً على الحكومات الإسرائيلية لو أرادت أن تستخدم هذه المساعدات للتأثير عليها.

خلاصة

لا يمكن الاقتصار في تفسير العلاقة الأميركية – الإسرائيلية على تفسير أحادي يضع الحقيقة في عامل واحد وإغفال العوامل الأخرى، بل لعلّ التوفيق بين هذه التفسيرات المتداخلة والمميزة (العامل المصلحي – الاستراتيجي، اللوبي، والهوية الثقافية – الإيديولوجية) ليست دُمية بيد اللوبي اليهودي وهي بإمكانها متى شاء رئيسها أن تفرض إرادتها كما أثبت كل من آيزنهاور (عندما فرض على إسرائيل الانسحاب من سيناء وقطاع غزة عام 1957) وريغان (عندما تحدّى اللوبي بإصراره على بيع الأواكس للسعودية) وبوش (عندما جمّد ضمانات القروض الأميركية لإسرائيل).
وإسرائيل ليست أداةً بيد الولايات المتحدة على الرغم من كون المساعدات الأميركية السنوية لها تفرض عليها شكلاً من أشكال التبعية. ولا يستطيع العامل المصلحي وحده تفسير العلاقة بين الدولتين إذ كثيراً ما تتعارض مصلحة إحداهما مع الأخرى، ويتم الإضرار بالمصالح الأميركية بسبب السياسة المنحازة لإسرائيل، كما لا يمكننا تحميل العامل الثقافي – الأيديولوجي أكثر مما يحتمل، فالمصلحة تسمو على الروابط الأيديولوجية – الثقافية في القضايا الحساسة بالنسبة للولايات المتحدة.
بيد أنه يجب الاعتراف بأن كلاً من هذه التفسيرات قد يكون صحيحاً في فترة ما أو خلال ولاية رئيس وقد يكون خاطئاً في فترة أخرى أو في عهد رئيس آخر. وثمة سؤال هو: هل بإمكان العرب فعل أي شيء لتغيير واقع العلاقة المميّزة جداً بين إسرائيل وأميركا؟ من الوهم الاعتقاد بذلك في المدى المنظور، نظراً لضعف العرب وتفرّقهم وميل معظم الدول العربية إلى التحالف مع الولايات المتحدة وبالتالي تعزيز مكانتها العالمية دون أن يُؤثّر ذلك في تهديد العلاقة المذكورة. فلا التعاون العربي – الأميركي (الذي سبق حتى نشوء الكيان الإسرائيلي، كما في حالة العلاقة مع السعودية)، ولا حتى تشكيل لوبي عربي رسمي في واشنطن، يمكنهما ردم الفجوة الثقافية الموجودة بين العرب والأميركيين. فقط على مستوى عامل المصالح، يمكن للعرب والمسلمين أن يتدخلوا أي عن طريق خلق تناقض بين المصالح الأميركية والمصالح الإسرائيلية والعمل على تعزيز التناقض الموجود. ولعل الحظر النفطي، الذي فرضته الدول العربية على الولايات المتحدة عام 1973 بسبب انحيازها التام لإسرائيل، مثال يمكن الاستناد إليه لإدراك مدى قدرة العرب والمسلمين على التأثير في الاقتصاد الأميركي، وبالتالي في السياسة الأميركية تجاه قضاياهم.

دراسة أميركية: مكاسب وتكاليف أي عمل عسكري ضد إيران

إعداد: د. هيثم مزاحم

نشر مركز ولسون الأميركي للدراسات في أيلول/ سبتمبر 2012 fighters

دراسة بعنوان “تقدير مكاسب وتكاليف العمل العسكري ضد إيران“.

الدراسة أو التقرير هو عبارة عن ورشة عمل شاركت فيها مجموعة كبيرة من الباحيثن والمسؤولين السياسيين والأمنيين السابقين المختصين في الأمن القومي الأميركي، وقع هؤلاء المسؤولون على التقرير كدعم له وذلك كمساهمة منه في تحليل غير متحيّز في نقاش وطني بالغ الأهمية. وقالوا إنه في حين أن البعض منا ساهم في النص، لكننا لا نتفق بالضرورةمع كل نقطة في هذا التقرير المفصل والمهني”. وأضافوا: “ومع ذلك، نعتقد أن هذا التقرير سيساهم فينقاش علمية عام يشكّل تحدياً مهماً للمصالح الأميركية في العالم. نعتقد أيضاً أن هذا التقرير يتسقمع سياسة الولايات المتحدة في مواصلة الضغط على إيران بالترافق مع ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية التوصل إلى حل سياسي، من دون استبعاد استخدام القوة العسكرية”.
ولا تقدم الدراسة أية استنتاجات نهائية أو أية توصيات. لكنها تقدم وصفاً موضوعياً لبعض المتطلبات الأساسيةللتفكير في استخدام القوة العسكرية ضد إيران:الحاجة إلى تحديد أهداف واضحة، وتقييم قدرة الولايات المتحدةالعسكرية لتحقيق تلك الأهداف، وتخطط استراتيجية للخروج، ومن ثم وزن فوائد وتكاليف الخيارات العسكرية.

يوصي موقعو التقرير الشعب الأميركي باعتباره كأساس لنقاش علمي حول مسألة ذات أهمية حاسمةللأمن القومي الأميركي. فهذه الورقة تسعى إلى المساهمة في “فنالمنطق” الديموقراطي، حيث يثير المواطنون الأميركيون في مختلف أنحاء البلاد النقاش بشأن استخدام القوة لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.
أبرز الموقعين على هذا التقرير – الوثيقة هم: نائب وزير الخارجية السابق ريتشارد أريميتاج، السفير نيكولاس بيرنز، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغينيو بريجنسكي، والجنرال أنتوني زيني، والأدميرال جو سيستاك، والأدميرال ويليام فالون، والجنرال غريغوري نيوبولد، والجنرال ستيفن تشيني، والجنرال فرانك كيرني، والعقيد لورنس ولكرسون، والسفير إدوارد دجيرجيان، والسناتورتيموثي ويرث، والسناتور سام نان، والسناتور تشاك هاغل، والسفيرة جيسيكا ماثيوز، والسفير توماس بيكرينغ، وجيمس والش، والسفير فرانك ويزنر، والسفير وليام ميلر، بول فولكر، وجون وايتهيد، والسفير مورتون أبراموفيتش، والسفير دانيال كيرتزر، وآن ماري سلوتر، ولي هاملتون، وليزلي غيلب، ستيفن هاينز، وجوزيف سيرينسيوني، وجيمس دوبينز، وكارلا هيلز.
يقول التقرير “إن رؤساء الولايات المتحدة قد أعلنوا منذ أكثر من عقد أنهم سوف لن يستبعدوا أي خيار من على الطاولة” لمنع إيران من بناء قنبلة نووية، تاركين الباب مفتوحاً للقيام بعمل عسكري ضد إيران في ظل ظروف معينة”.

الغرض من الدراسة

يقول واضعو الدراسة أنه في الوقت الذي غالباً ما تحرك السياسة النقاش حول هذه القضية الحرجة وتعتمد على افتراضات غير مفحوصة حول قدرة العمل العسكري لتحقيق أهداف الولايات المتحدة، فإن هذه الورقة تسعى لتوفير أساس لتفكير واضح عن احتمال استخدام القوة ضد إيران.كتاب وموقعو الدراسة هم من مجموعة من كبار خبراء الأمن القومي، يدركون أن هذا النقاش هو جزء من حديث أشمل عن سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، ولكهم يعتقدون أنه سيكون من المستحيل إجراء تقييم عقلاني لدور القوة العسكرية في أي استراتيجية شاملة تجاه إيران، دون القيام أولاً بتقييم دقيق للفوائد والتكاليف المحتملة للعمل العسكري.
تنطلق الدراسة من مخزون كبير من التحليل والرأي العلميين، كلاهما متاح للجمهور (بما في ذلك تقارير استخباراتية سرية). ونظراً لكمية وثراء البحوث حول العديد من القضايا المعالجة في هذه الورقة، كان على واضعيها تلخيص بعض المناقشات المهمة ذات الاختصاص في التعليقات الختامية، ويشجعون القراء المهتمين للتشاور حول هذه الملاحظات للمزيد من التفاصيل. ويأمل معدو الدراسة أن تساعد رؤيتهم المتوازنة لهذه القضية المشحونة كثيراً القراء في استخلاص استنتاجاتهم العلمية الخاصة بشأن حكمة أي عمل عسكري ضد إيران.

يقول واضعو الدراسة أنهم يدركون أن العمل العسكري ضد إيران يجري التفكير به لأن إيران مسلحة نووياًهو من شأنه أن يشكّل تحديات خطيرة لمصالح الولايات المتحدة والأمن، وكذلك لأمن إسرائيل. ويذهبون إلى أنإيران حاولت مرتين في الماضي توسيع برنامجها النووي سراًفي جهود تم الكشف عنها وتوقفت، وأن إيران هي حالياً في حالة انتهاك لقرارات مجلس الأمن الدولي التي تقتضي منها وقف تخصيب اليورانيوم.

توقيت العمل العسكري وأهدافه

تقول الدراسة إن الولايات المتحدةأشارت إلى أنها مستعدة لتنفيذ “جميع الخيارات”، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية ضد إيران، إذا فشلت العقوبات والدبلوماسية، أوعندما يكون هناك دليل واضح أن ايران قررت صنع سلاح نووي.
فبعد اتخاذ إيران أي قرار لصنع قنبلة نووية، فإنها تحتاج بين شهر وأربعة أشهر لتنتج ما يكفي مناليورانيوم المخصب لبناء جهاز نووي واحد.
أما لصناعة رأس حربي نووي يحمل على صاروخ، فهي تحتاج إلى وقت إضافي يصل إلى سنتين، وفقا لتقديرات متحفظة.
ونتيجة الرصد الواسع والمراقبة المكثفةللأنشطة الإيرانية، فإن الولايات المتحة ستكون قادرة على اكتشاف أي مؤشرات لأي قرار إيراني لبناء قنبلة نووية، والولايات المتحدة سيكون لها على الأقل شهر لتنفيذ مسار للتحرك ضدها.
وفقاً للبيانات الرسمية، فإن الهدف من العمل العسكري الأميركي في هذه النقطة يكون لمنع إيران من تطوير سلاح نووي. ويعتقد واضعو الدراسة أنه من غير المرجح أن يتم تحقيق ذلك الهدف من خلال العمل العسكري الذي يعتمد على ضربات جوية تستتبع بهجمات قراصنة الكمبيوتر، وعمليات سرية، وربما تدخل قوات العمليات الخاصة (كوماندوس).
لقد تم تنظيم الدراسة حول الأسئلة التي ينبغي على قادة ومواطني الولايات المتحدة أن يسألوا أنفسهم عنها عند التفكير في أي عمل عسكري، وهي: في أي أمیركون استخدام القوة مبرراً؟ ماذا ستكون أهداف العمل العسكري؟ هل لدينا القدرة على تحقيق تلك الأهداف؟ ما هي استراتيجيتنا للخروج؟ ما هي الفوائد المحتملة من استخدام القوة العسكرية؟ ما هي التكاليف المحتملة سواء المباشرة أو على المدى الطويل؟

يقول واضعو الدراسة أنه بعد استعراض الكثير من الدراسات حول هذه المسألة المثيرة للجدل، فقد توصلوا إلى الاعتقاد بأن الضربات العسكرية الواسعة من قبل الولايات المتحدة وحدها، أو بالتنسيق مع إسرائيل، يمكن أن تدمر أو تصيب بالضرر الشديدأهم المنشآت النووية الست المعروفة في إيران، وإعادة البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء لمدة تصل إلى أربع سنوات.
وبحسب تقديرات الدراسة فإن توجيه ضربة عسكرية من قبل إسرائيل وحدها يمكن أن يؤخر قدرة إيران على صنع قنبلة نووية لمدة تصل إلى سنتين. ويعتقد معدو الدراسة أن إسرائيل لن يمكنها تكرار نجاح ضرباتها الجراحية ضد المفاعلات النووية في العراق وسوريا، حيث إن المواقع النووية الإيرانية عديدة ومتفرقة على نطاق واسع، وهناك موقع (فوردو) قائم في أعماق الأرض.
وترى الدراسة أنه في أعقاب الهجمات العسكرية الأميركية أو الإسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية، لن يكون هناك أي حل سياسي دائم للتوتر حول البرنامج النووي الإيراني، لأن العمل العسكري سيحدّ من تعزيز احتمالات مثل هذا القرار السياسي، وسوف تحتاج أميركا أو إسرائيل لاستئناف الهجمات في وقت ما في المستقبل.
وتلاحظ الدراسة أن هناك نقصاً ملحوظاً في الإجماع والوضوح في واشنطن حول ما يجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى تحقيقه من خلال أي عمل عسكري ضد إيران.
وأوضح واضعو الدراسة أنهم يعتقدون أن استخدام القوة العسكرية يجب أن يكون الملاذ الأخير ويجب أن يكون مصحوباً بتحليل دقيق للفوائد والتكاليف المحتملة. وأقروا بأن الفوائد المحتملة لعمل عسكري ضد ايران وصفها أسهل من وصف تكاليف مثل هذا العمل، خصوصا التكاليف الطويلة الأجل، التي هي أكثر تكهناً، وتكاليف العواقب المحتملة وغير المقصودة.

الفوائد المحتملة من أي عمل عسكري ضد إيران

تعدد الدراسة الفوائد المتوقعة من أي عمل عسكري ضد إيران:
1- تدمير أو تعطيل أهم المنشآت النووية الإيرانية المعلنة، في ناتانز حيث منشآة تخصيب اليورانيوم، ومنشآت تحويل اليورانيوم في طهران وأصفهان، والمفاعل شبه المكتمل للوقود بالماء الثقيل ومنشآة الإنتاج في أراك والتي يمكن أن تستخدم لإنتاج البلوتونيوم. كما ستتمكن الحملة الجوية الأميركية بصعوبة أكثر من تعطيل أو تدمير منشآة التخصيب في فوردو، والتي بنيت تحت الأرض بعمق مئتين إلى ثلاثمئة متر.
2- تعطيل قدرات إيران العسكرية، بما فيها الدفاعات الجوية، والرادارات، وعناصر القوة الجوية، ومراكز السيطرة والقيادة، وكذلك قدرات إيران الانتقامية، مثل القواعد العسكرية ومنشآت الحرس الثوري الإيراني والقوات البحرية والجوية والبرية الإيرانية. كما ستسهدف الغارات بعض المنشآت غير النووية التي يشتبه بأنها مراكز تطوير أسلحة مثل موقع بارشين.
3- إظهار جدية الولايات المتحدة ومصداقيتها وإثبات لإيران بأن واشنطن حازمة بمنعها من امتلاك قنبلة نووية وكذلك إظهار لحكومات أخرى في الشرق الأوسط بأن الولايات المتحدة قلقة من طموحات إيران في المنطقة وأنها ملتزمة بأمن هذه الدول. كما يمكن أن يؤدي العمل العسكري الأميركي إلى تعطيل سيطرة الحكومة الإيرانية، واستنزاف الخزينة الايرانية، ورفع التوترات الداخلية، على الرغم من أن معدي الدراسة لا يعتقدون أن ذلك سيؤدي إلى تغيير النظام أو انهياره أو استسلامه.
4- المساعدة في ردع انتشار الأسلحة النووية: أي عمل عسكري ضد برنامج إيران النووي سيقلل من احتمالات سعي البلدان الأخرى في المنطقة لحيازة الأسلحة النووية، فالجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية مثل المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر ستشعر بقدر أقل من الضغط لمتابعة برامجها النووية الخاصة.
وتقدر الدراسة أن العمل العسكري الإسرائيلي من جانب واحد قد يؤخر البرنامج النووي الايراني لمدة تصل إلى سنتين، نظراً لقدرة إسرائيل العسكرية المحدودة مقارنة بالولايات المتحدة. إذ يمكن أن تعطل الضربات الإسرائيلية أو تدمر منشأة ناتانز لتخصيب اليورانيوم، ومنشآتي أصفهان وطهران للتحويل؛ ومرفق بارشين المشتبه به لتطوير الاسلحة النووية. ولن تتمكن إسرائيل أن توقع ضرراً كبيراً بمرفق فوردو للتخصيب المدفون في الأرض، من دون التعرّض إلى هجمات خطرة من الأرض.

تكاليف العمل العسكري

وتحسب الدراسة التكاليف وتذهب إلى أنه بالإضافة إلى التكاليف المالية لتنفيذ هجمات عسكرية ضد إيران، التي من شأنها أن تكون كبيرة (خصوصاً إذا كان على الولايات المتحدة تنفيذ آلاف الطلعات الجوية واذا كان عليها العودة إلى استخدام القوة بشكل دوري لسنوات مقبلة)، وهناك على المدى القريب التكاليف المحتملة المرتبطة بالانتقام الإيراني، من خلال هجمات مباشرة أو غير مباشرة، وكذلك تكاليف خطيرة لمصالح الولايات المتحدة على المدى الطويل.
إذا قررت الولايات المتحدة التوصل الى هدف أكثر طموحاً، مثل تغيير النظام في إيران أو تقويض نفوذ إيران في المنطقة، ستكون هناك حاجة بعد ذلك إلى قوة أكبر لاحتلال كل البلاد أو جزء منها. ونظراً لحجم إيران الواسع وعدد السكان الكبير، وقوة المشاعر القومية الإيرانية، فتقدر الدراسة أن احتلال إيران سوف يتطلب التزاماً بالموارد والموظفين أكبر من الولايات المتحدة مما أنفقته على مدى السنوات العشر الماضية في حربي العراق وأفغانستان مجتمعتين. والأكثر طموحاً من أهداف العمل العسكري والأكثر صعوبة سيتمثل في وضع استراتيجية خروج فعالة، في حال طال الصراع مع إيران.
ويعتقد معدو الدراسة أن من نتائج أي عمل عسكري ضد إيران، عدم الاستقرار العالمي والإقليمي، بما في ذلك الاستقرار الاقتصادي. ويمكن لدينامية التصعيد والعمل والتصدي أن تنتج عواقب غير مقصودة من شأنها زيادة كبيرة في كل هذه التكاليف ما قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية.

ومن بين التكاليف المحتملة التي تمت مناقشتها في هذه الورقة ما يلي:
1- انتقام إيراني مباشر ضد الولايات المتحدة، بينما يزعم البعض أن إيران قد تتراجع عن استخدام القوة من أجل تجنب إثارة صراع أوسع نطاقاً، يعتقد واضعو الدراسة أن إيران سترد وتوقع خسائر في حيوات أميركيين؛ وستستهدف مرافق الولايات المتحدة في المنطقة، والتي تؤثر على مصالح الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ودول الخليج [الفارسي] العربية وأماكن أخرى. كما أن إيران ستعتمد على قدرتها الصاروخية الواسعة للحرس الثوري وعلى الصواريخ المضادة للسفن والغواصات الصغيرة وقوارب الهجوم السريع، وحرب الألغام في منطقة الخليج[الفارسي]. كما أن ايران ستحاول إغلاق مضيق هرمز، والذي يمكن أن تهز الأسواق العالمية ويتسبب في ارتفاع كبير في أسعار النفط (وكذلك اغلاق الشريان الرئيس لتصدير النفط الايرانية الخاصة).
2- الإضرار بالسمعة العالمية للولايات المتحدة وزيادة المصداقية للجماعات المتطرفة المعادية لها. فالعمل العسكري الأميركي من جانب واحد يمكن أن يفاقم عزلة المسلمين وغيرهم في جميع أنحاء العالم، مما يعزز الرأي القائل بأن الولايات المتحدة تلجأ في كثير من الأحيان إلى القوة العسكرية. والهجوم على بلد مسلم سيعزّز من قدرة الجماعات الإسلامية المتطرفة، بما في ذلك تنظيم القاعدة، على تجنيد المقاتلين. وعلى الرغم من أنه قد يكون من دواعي سرور بعض المسلمين السنة وقوع هجمات أميركية على إيران الشيعية، فإن التأثير المحتمل على مكانة الولايات المتحدة في العالم المسلم هو أن يكون سلبياً.
3- وفيما يتعلق بمسألة ما إذا كان العمل العسكري من شأنه أن يضعف أو يعزّز الدعم الشعبي الإيراني للنظام الحالي، فإن الدراسة تستنتج أن ضربات الولايات المتحدة و/ أو إسرائيل ضد إيران، سيوحّد السكان خلف الحكومة لتوليد المقاومة.
4- الضربات الإيرانية ضد إسرائيل:إيران ستحمّل إسرائيل المسؤولة جزئياً عن أي هجمات، شاركت أم لم تشارك القوات الإسرائيلية في العمل العسكري، بينما تملك إسرائيل برامج الدفاع المضاد للصواريخ وجهاز دفاع مدني قوي، إلا أن الضربات الجوية المتواصلة من قبل إيران من شأنه أن يؤدي إلى وقوع إصابات كثيرة والإضرار بالمرافق، بما في ذلك ربما المفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا.
5- تتوقع الدراسة انتقام غير مباشر من قبل إيران كهجمات المسلحين تسليحاً جيداً مثل حزب الله أو الجماعات المسلحة الشيعية في العراق، وكذلك من قبل القوات الايرانية السرية و”فيلق القدس” في الحرس الثوري، وهي قد تكون أكثر ضرراً للمصالح الأميركية والإسرائيلية من الانتقام الإيراني المباشر. ويمكن أن تكون عمليات الانتقام غير المباشرة، بما في ذلك استخدام الصواريخ والقذائف بواسطة وكلاء، وكذلك الهجمات “الإرهابية” والعمل السري، مثل التخريب والاغتيال.وقد يؤدياستخدام حزب الله المكثف للصواريخ التي نشرها في جنوب لبنان، إلى توسيع الصراع، مما قد يؤدي إلى حرب إقليمية في بلاد الشام.
6- انهيار محتمل للتضامن العالمي ضد البرنامج النووي الايراني: يعتقد معدو الدراسة أنه إذا تعرض برنامج إيران النووي لهجوم من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل في حال عدم وجود تفويض دولي أو ائتلاف متعدد الجنسيات، فإن الحفاظ على دعم العقوبات ضد إيران قد تضعف إلى حد كبير. كما يمكن أن تستأنفمبيعات الأسلحة إلى إيران المحظورة حالياً بسبب العقوبات الدولية، كما قد تباع إليها المواد التي يمكن استخدامها في تصنيع سلاح نووي.
7- زيادة احتمال أن تصبح إيران دولة نووية: في حين أنه ليس من المستحيل أن تدفع الهجمات الجوية إيران إلى طاولة المفاوضات، تعتقد الدراسة أن العمل العسكري ربما يقلّل من إمكانية التوصل إلى حل سياسي دائم أكثر بشأن برنامج إيران النووي. إذ أن أي هجوم أميركي على إيران من شأنه أن يزيد حافز ايران لصنع قنبلة، وذلك:

أ- القيادة الإيرانية سوف تصبح أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى أن تغيير النظام هو الهدف من سياسة الولايات المتحدة.
ب- بناء قنبلة سينظر إليها على أنها وسيلة لمنع هجمات مستقبلية ومعالجة ذل التعرض لهجوم.

هل تراجعت قوة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة؟

د. هيثم مزاحم

“هل تعلم سبب شهرة القضية الفلسطينية؟ لأنكم أنتم أعداؤنا. يعود أصل الاهتمام بالفلسطينيين إلى الاهتمام بالمسألة اليهودية. الاهتمام كله لكم أنتم، وليس لي أنا. مصيبتنا هي أن عدونا هو إسرائيل التي تستفيد من دعم لا حدود له، من ناحية، ومن حظنا أن تكون إسرائيل عدونا، لأن اليهود بؤرة الاهتمام، من ناحية أخرى. أنتم تسببتم لنا بالهزيمة والشهرة معاً”. هكذا خاطب الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش المخرج الفرنسي اليهودي جان لوك غودار خلال لقاء مصوّر معه عام 2004.
يقودنا كلام محمود درويش إلى انتخابات الرئاسة الأميركية التي اقترب موعدها الشهر المقبل (نوفمبر/تشرين الثاني 2012)، حيث يتسابق المرشحان الجمهوري ميت رومني والديموقراطي باراك أوباما على خطب ود إسرائيل لكسب أصوات اليهود الأميركيين الذين يصل عددهم إلى 6.5 ملايين يهودي، لأن للكيان الإسرائيلي حظوة كبيرة لدى اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية.

Romney

عوامل قوة اللوبي اليهودي

ثمة سؤال يطرح نفسه هنا هو كيف نفسّر نفوذ اللوبي اليهودي في دوائر القرار الأساسية الأميركية وتأثيره في السياسة الخارجية الأميركية حيال الشرق الأوسط بينما لا يتجاوز عدد اليهود الأميركيين الإثنين بالمئة من مجموع الشعب الأميركي (6.5 مليون نسمة)؟
تعود قوة “اللوبي اليهودي” إلى ثلاثة عوامل أساسية هي: الصوت اليهودي، والتمويل اليهودي للحملات الانتخابية، والتنظيم الفاعل للوبي.

1 – الصوت اليهودي: تكمن فاعلية الصوت اليهودي في كون السكان اليهود الأميركيين غير موزعين بالتساوي بين الولايات، ففي نيويورك وكاليفورنيا ونيوجرسي – على سبيل المثال – تزيد نسبتهم على النسبة الوسطية (3 في المئة)، حيث يتكثف وجودهم في المراكز المدنية من الولايات، هذه المراكز التي تعتبر أكثر المناطق أهمية من الناحية السياسية. فعلى سبيل المثال: مدينة نيويورك هي موطن أكثر من (90 في المئة) من سكان الولاية اليهود لذلك نجد أن (12 في المئة) من السكان المؤهلين للاقتراع في نيويورك هم من اليهود. كما أن نسبة الناخبين اليهود في كاليفورنيا تبلغ (3 في المئة)، وترتفع إلى (6 في المئة) في نيوجرسي.
وهذه الولايات تتميز بوزن انتخابي يفوق الوزن الذي يتميز به الكثير من الولايات الأخرى، نظراً لضخامة عدد ممثليها الذين يشاركون في الانتخابات الرئاسية. ويتميز اليهود الأميركيون في كون (90 في المئة) منهم يدلون بأصواتهم في الانتخابات، في حين أن نحو (50 في المئة) من الناخبين الأميركيين لا يكلّفون أنفسهم عناء الاقتراع، الأمر الذي يرفع نسبة أصوات اليهود بمعدل (واحد في المئة) على الأقل، علماً بأن هكذا زيادة ترتفع نسبتها أكثر من الولايات التي تشهد وجوداً يهودياً أكثر كثافة حيث تبلغ بين 2 و6 في المئة في نيويورك.
لكن أهمية الصوت اليهودي تزداد في مرحلة الانتخابات الأولية، فنجد أن الناخبين اليهود يُشكلون ربع الناخبين المشاركين في الانتخابات الأولية للحزب الديموقراطي في ولاية نيويورك، ونصف أولئك المشاركين في الانتخابات الأولية لهذا الحزب في مدينة نيويورك، مركز هذه الولاية.
وهكذا، نرى أن خيارات الناخبين اليهودي في الانتخابات الرئاسية الأولية غالباً ما تُحدد اسم المرشح الديموقراطي الذي سيدخل المنافسة ضد المرشح الجمهوري في الانتخابات النهائية.
يكتسب الصوت اليهودي قوة إضافية لكون اليهود الأميركيين يتخذون مركز الوسط في تشكيلة ذات قطبية ضعيفة يجعلهم يشكّلون “نسبة أصوات متأرجحة” لمصلحة هذا المرشح أو ذاك. ومعلوم مدى أهمية الصوت المتأرجح كعامل حاسم في المنافسات التي يتقارب فيها عدد الأصوات، إذ أن نسبة مئوية متدنية من الأصوات غالباً ما تستطيع أن تضمن فوز مرشح ما وأن تشجّع المرشحين – من هذا المنطلق – على إعطاء الوعود الضرورية لاجتذاب ناخبي الوسط الذين لا يقدرون بثمن.

2 – تمويل الحملات الانتخابية: بالنسبة إلى التمويل اليهودي للحملات الانتخابية، فإن منظمة إيباك، التي لا يحق لها قانونياً جمع التبرعات من أجل تمويل الحملات الانتخابية، تقوم بتمويل الحملات الانتخابية عبر “لجان العمل السياسي” (PACS). ويظهر اليهود الأميركيون كرماً مثالياً في تمويل الحملات الانتخابية لمرشحيهم المفضَلين. ويمكن القول أن “لجان العمل السياسي” هي أفضل أدوات الضغط والنفوذ للمجتمع اليهودي الأميركي.
وتصل قيمة مساهمات هذه اللجان في تمويل الحملات الانتخابية إلى عشرات ملايين الدولارات وما يجعل هذه المبالغ فاعلة – بغض النظر عن قيمتها – هي الطريقة التي يتم بها الإسهام إذ “يجري غالباً تمويل الحملات الانتخابية في مرحلة مبكّرة، لمصلحة مرشح غير معروف نسبياً (وهذا ما يحدث تحديداً في الحملات الرئاسية). أي في المرحلة التي يكون فيها للمبالغ القليلة الأثر الأكبر، وإذا نجح المرشح سيظل ممتناً لهذه اللجان. ومن جهة ثانية، تُخصص المبالغ – بالدرجة الأولى – للمقاعد الحساسة، أي لمقاعد لجان الموازنة والشؤون الخارجية والقوات المسلحة” في انتخابات الكونغرس.
كما يجري تخصيص بعض الأموال لمقاطعات تكاد تنعدم فيها أصوات الناخبين اليهود، وذلك بهدف إظهار أن تدخل اللوبي اليهودي عبر استخدام الأموال يمكن أن يحلّ محل تدخله عبر استخدام الأصوات سواء لدعم مرشح أو لمعاقبة مرشح آخر. من هنا يمكننا أن ندرك السبب الذي يجعل المرشحين في الانتخابات الرئاسية أو النيابية يتنافسون في إظهار حبّهم لإسرائيل وإغداق الوعود لها.

3 – طريقة عمل اللوبي: أما كيف نفسر تأثير اللوبي في رسم السياسة الخارجية الأميركية حيال منطقة الشرق الأوسط وإسرائيل؟
يمارس اللوبي نفوذه وتأثيره في رسم السياسة الخارجية عن طريق الكونغرس المخوّل التصديق على المعاهدات ومبيعات الأسلحة والحروب، والإشراف على العمليات السرية، وإقرار الموازنات (وخاصة موازنتي الدفاع والمساعدات الخارجية). كما بإمكان الكونغرس التأثير في عمل السلطة التنفيذية عبر عقد جلسات الاستماع المتعلقة بقضايا السياسة الخارجية، ومطالبته السلطة التنفيذية بتقديم تقارير حول هذه المواضيع. ويوافق الكونغرس دائماً – بأغلبية ساحقة – على أي اقتراح يتضمن إرسال المساعدات إلى إسرائيل. كما يُقرر في معظم الأحيان زيادة قيمة المبلغ الذي تطلبه الإدارة.
والجدير ذكره أن الفترة الممتدة بين العامين 1969 و1976 قد شهدت مواقف اقتراعية مؤيدة لإسرائيل بنسبة 80 في المئة داخل مجلس الشيوخ وبنسبة 86 في المئة داخل مجلس ممثلي الشعب في ما يتعلق بموضوع المساعدات. ويعتمد الكونغرس أسلوب ابتزاز الإدارة الأميركية في حال رفضت الموافقة على اقتراحاته المؤيدة لإسرائيل بحيث يقوم بالتهديد بوضع القيود على بعض الموازنات أو معارضة بعض الصفقات التي يمكن أن تشلّ عمل الإدارة الأميركية. ولا يكتفي اللوبي اليهودي بممارسة ضغوطه على الإدارة الأميركية عبر الكونغرس، بل يمارس أيضاً نفوذه المباشر على الإدارة عبر الأوساط المقرّبة منها كالشخصيات السياسية والنخب الفكرية والأكاديمية الموالية لإسرائيل، عبر الترهيب بعقاب مسؤولي الإدارة من خلال ردّات الفعل التي قد تظهر في وسائل الإعلام وفي الكونغرس وعن طريق تعبئة الرأي العام ضدهم.

تقييم قوة “اللوبي”

لا يجب أن نعتقد أن نفوذ اللوبي يمكنه أن يشلّ الإدارة الأميركية في كل الظروف، فإذا أراد البيت الأبيض أن يتحدّى الكونغرس، فإن الضغط المباشر الذي يستطيع الأول أن يمارسه على العديد من أعضاء الكونغرس يجعل منه (أي البيت الأبيض) اللوبي الأقوى، كما أظهرت المعركة التي دارت حول صفقة بيع طائرات الأواكس إلى السعودية. إذ عندما ترى الإدارة الأميركية أن المصالح الأميركية في خطر، فبإمكانها أن تتنكر لأولويات ورغبات اللوبي بجهد يسير نسبياً.
أما إذا كان حجم الضرر الذي قد يلحقه نفوذ اللوبي بالمصالح الأميركية غير واضح، فما من شيء يستطيع ترغيب صانعي القرار (الأميركي) في تحمّل التبعات الداخلية المترتّبة على الضغط على إسرائيل، (وخاصة عندما تكون هذه التبعات على شكل تراجع في الرصيد الانتخابي أو تشويه صورة الساسة الأميركيين بنظر الجمهور). ولعل هزيمة الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب) في الانتخابات الرئاسية عام 1992 بسبب قراره تجميد ضمانات القروض الأميركية لإسرائيل دليل على قدرة اللوبي على عقاب السياسيين الذين يعارضون إرادته. لكن هل يمكن أن نعتبر نفوذ “اللوبي” هو التفسير المناسب والصحيح للعلاقات الأميركية – الإسرائيلية وأن ننسب إليه مجمل السياسة الأميركية المتعلقة بإسرائيل؟
على الرغم من كون نفوذ اللوبي يساهم إلى حد بعيد في تفسير هذه العلاقة، إلا أن قوة نفوذ اللوبي لا يمكن تفسيرها فقط بالقوة المالية اليهودية والصوت اليهودي والتنظيم المحكم للوبي، لأن هذه العوامل الثلاثة – في رأي البعض – لا تمثّل بحد ذاتها الأساس الكافي لبناء وتكوين هذه القوة المعتبرة. ويرى بعض الباحثين أن التفسير الذي يعطي دوراً جوهرياً للوبي يمكّن القادة الأميركيين من الإيحاء للعرب بأنهم في حلّ من السلوك الموالي لإسرائيل الذي تنتهجه إدارتهم، ويتيح لهم مطالبة القادة العرب بتقديم التنازلات التي تساعدهم في نضالهم ضد اللوبي الإسرائيلي. كما يمكّن هذا التفسير القادة العرب من تبرير مواقفهم الموالية لأميركا أمام شعوبهم، وإيهامهم بأنه ينبغي تمويل حملة مضادة للوبي في واشنطن.
أما بالنسبة للقادة الإسرائيليين، فإن “إيمانهم بقدرة اللوبي على فعل كل شيء يجعلهم يعتقدون أنهم مهما فعلوا سيجدوا، في واشنطن، دائماً أنصاراً ومدافعين قادرين على إبطال المحاولات التي تبذلها الإدارة الأميركية من أجل ممارسة الضغوط عليهم.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن التفسير القائم على أساس قوة اللوبي يفتقر إلى الصلاحية العلمية لأن البراهين التي يستند إليها عاجزة عن تفسير التنافس “فوق العادي” بين السيناتورات (أو النواب) بهدف إظهار ودهم لإسرائيل، أو تفسير المزايدة بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري عبر البرنامج الانتخابي الموالي لإسرائيل. لذلك، تحتاج قوة اللوبي نفسها إلى التفسير. ولا يمكن تفسير هذه القوة إلا بواسطة عوامل ثلاثة تساهم بدورها في تفسير العلاقة المميّزة بين إسرائيل والولايات المتحدة. وهذه العوامل هي:

1 – المنزلة الرفيعة لدولة الکیان إلصهیوني.
2 – دور القوة العظمى الذي تلعبه الولايات المتحدة.
3 – البعد الأيديولوجي والثقافي للمجتمع الأميركي.

يستمد اللوبي “جزءاً من قوته من المكانة المرموقة التي تتمتع بها إسرائيل فهي بالنسبة إلى اليهود الأميركيين – قضية توحيد وتعبئة، ومدعاة للفخر، وموضوعاً يُحقق هويتهم وانتماءهم، فكون اللوبي يتبع توجيهات الحكومة الإسرائيلية يمثل مصدراً مهماً للنفوذ، لأن هذا العمل المنظم لمصلحة إسرائيل – من قبل جماعة ضغط مشكلة خصيصاً لهذا الغرض، بالتنسيق مع الحكومة الإسرائيلية له تأثير كبير على صانعي القرار الأميركي، وذلك بسبب النفوذ المباشر لإسرائيل على صانعي القرار الأميركي نظراً لكونها دولة إقليمية ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
أما العامل الثاني، أي مكانة الولايات المتحدة العالمية، فيكمن في كون أي انتصار يحرزه اللوبي في المعارك الداخلية الأميركية يُضاعف مرات عديدة عندما يُترجم إلى السياسة الخارجية لأنه مدفوع بقوة الولايات المتحدة كاملة.
يبقى هناك العامل الثالث والأهم، وهو الثقافة والإيديولوجيا السائدان في الولايات المتحدة. إذ يعود نجاح اللوبي إلى كونه يلعب دور المناصر لإسرائيل والمدافع عنها بإسم الانتماء الأميركي – الإسرائيلي المشترك.
واضحٌ أن الشعب الأميركي يفضّل إسرائيل على الدول العربية حيث أن نحو ثلاثة أرباع الأميركيين يشعرون بالتزام أخلاقي حيال مسألة “منع زوال الدولة اليهودية”. ويظهر هذا الأمر في الأوساط السياسية والعمالية وفي الجامعات والكنائس. ويعود ذلك إلى طبيعة التركيبة الثقافية – الإيديولوجية الأميركية، إذ أن إسرائيل هي جزء من الثقافة الغربية والأوروبية وهي وجه من أوجه التراث الغربي “اليهودي – المسيحي”.
ويحدّد الباحث الأميركي ميتشيل بارد الاعتبارات التي تجعل الولايات المتحدة تشعر بالتزام أخلاقي تجاه إسرائيل على الشكل التالي: “عطفها على الشعب اليهودي لما عاناه في المحرقة النازية (الهولوكست)؛ الإرث الثقافي اليهودي – المسيحي المشترك: تشابه النظامين الأميركي والإسرائيلي من حيث أن إسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في منطقة تعج بالأنظمة الاستبدادية؛ عزلة إسرائيل (ذات المساحة الصغيرة والخمسة ملايين نسمة) بين مائتين وستين مليون عربي يفضلون استئصالها من العالم الإسلامي؛ إيمان الأميركيين بوجوب دعم حق الشعب اليهودي في العيش على أرضه التاريخية”.
هذا الوضع الإيديولوجي – الثقافي يُشعر المرشحين بخطأ اتخاذ المواقف غير الموالية لإسرائيل. وهو الوضع الذي ينطلق منه اللوبي في تحرّكه. فقد بات “دعم إسرائيل قيمة من قيم المجتمع الأميركي الشعبي والسياسي”. وعليه، فإن الهوية الثقافية – الإيديولوجية تحتل مكاناً مركزياً وثابتاً في تفسير العلاقة الأميركية – الإسرائيلية.

الصهيونية المسيحية

لعبت “الصهيونية المسيحية” في الولايات المتحدة دوراً كبيراً في تكريس “دعم إسرائيل” كإحدى ثوابت القيم الأخلاقية في المجتمع والثقافة الأميركيتين. وقد تعزّز نفوذ “الصهيونية المسيحية” هذه بعدما استطاعت اختراق “اليمين المسيحي” في الولايات المتحدة وهو الذي يشكّل الطرف الأقوى داخل الحزب الجمهوري.
وتعود بدايات التحالف الصهيوني – الإنجيلي إلى أواخر السبعينات عندما وضع حزب الليكود خطة عام 1978 لتشجيع الكنائس الأصولية المسيحية على تأييد إسرائيل. ففي عام 1980 اجتمع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن بالقس الإنجيلي جيري فالويل خلال عشاء احتفالي في نيويورك، تبعه بعد عام إنشاء “السفارة المسيحية الدولية في القدس المحتلة. وفي عام 1985، نشأ لوبي صهيوني مسيحي رسمي عُرف بـ”تحالف الوحدة الوطني من أجل إسرائيل” وأعلن عنه في احتفال كان المتحدث الرئيسي فيه بنيامين نتنياهو، الذي أصبح لاحقاً رئيس وزراء إسرائيل. وقد عمل نتنياهو عندما أصبح رئيساً للوزراء على تعزيز تحالف حزب الليكود مع “اليمين المسيحي” في الحزب الجمهوري ذي التأثير البالغ على الأغلبية الجمهورية في الكونغرس الأميركي خلال عهد بيل كلينتون، وحاول نتنياهو الضغط على كلينتون من خلال حلفائه المسيحيين المحافظين في الكونغرس.
والمعروف تاريخياً أن معظم اليهود الأميركيين يصوّتون لمصلحة الحزب الديموقراطي ومرشحه للرئاسة ومرشحيه للكونغرس، وقد شكّلت أصوات اليهود وأموالهم “حصان طروادة” بالنسبة للمرشح الديموقراطي للرئاسة آل غور ونائبه اليهودي جوزيف ليبرمان في مواجهة المرشح الجمهوري جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني في الانتخابات الرئاسية عام 2000. وقد أعطى معظم الأميركيين العرب والمسلمين أصواتهم لجورج بوش الإبن بحيث رجحوا فوزه على آل غور بفارق 600 صوت، إذ توقع العرب والمسلمون ومن ورائهم دولهم وشعوبهم أن يكون بوش أكثر توازناً في سياسته الشرق أوسطية مقارنة بآل غور الذي جاهر بصهيونيته خلال الحملة الانتخابية. لكن بوش الإبن ومساعديه قد فاجأوا بانحيازهم لإسرائيل، ليس العرب والمسلمين الأميركيين وأنظمتهم وشعوبهم فحسب، بل حتى اليهود الأميركيين ومن ورائهم إسرائيل، بحيث بدأت أصوات في اللوبي اليهودي تدعو اليهود الأميركيين إلى التحوّل من دعم الديموقراطيين إلى دعم الجمهوريين في الانتخابات المقبلة.
وجاءت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 لتعزّز من هذا التحالف الصهيوني – “المسيحي الأصولي” والأميركي – الإسرائيلي ضد العرب والمسلمين في فلسطين والشرق الأوسط. إذ وظّفت إسرائيل وأنصارها داخل الإدارة والكونغرس ووسائل الإعلام ومؤسسات البحث والتفكير الأميركية هجمات 11 أيلول/ سبتمبر لتعزيز مفهوم دور إسرائيل كرصيد استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط من جهة، وللتأكيد على مفهوم “صدام الحضارات” بين الغرب والإسلام من جهة أخرى.

أوباما وأصوات اليهود

زار رومني الكيان الإسرائيلي قبل أشهر وحاول أن يكسب أصوات اليهود وغير اليهود من المؤيدين لها بين الناخبين الأميركيين بإعلانه أنه يجب دعم الخيار العسكري لوقف البرنامج النووي الإيراني، في وقت لا يزال فيه الرئيس أوباما يقاوم ضغوطاً إسرائيلية وصهيونية أميركية لتبنّي الخيار العسكري ضد إيران. كما أكد رومني اعترافه بمدينة القدس كعاصمة أبدية لإسرائيل، وأن أمن إسرائيل مصلحة قومية أميركية مهمة. أما أوباما فقد سعى لإرضاء إسرائيل واليهود الأميركيين من خلال تقديمه قانوناً يدعم أمن الكيان الإسرائيلي، بمنحه 70 مليون دولار إضافية لتمويل مشروع منظومة “القبة الحديدية” المضادة للصواريخ؛ وبذل الجهود لتوسيع التعاون بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في الأمن الداخلي و”مكافحة الإرهاب” والأمن البحري، والطاقة، وإتمام الإجراءات الرامية إلى إدماج إسرائيل في منظومة الدفاع عن شرق المتوسط.
وأشارت استطلاعات الرأي الأميركية – قبل زيارة رومني لإسرائيل – إلى أن نسبة 68% من الناخبين اليهود المسجلين يؤيدون أوباما، في مقابل 25% للمرشح الجمهوري رومني .
وكشفت نتائج استطلاع للرأي أجري مؤخراً أن معظم اليهود الأمريكيين سيختارون أوباما، في حين أن استطلاعات أخرى أكدت أن شعبية المرشح الجمهوري للرئاسة ميت رومني، آخذة في التدهور، بسبب تصريحاته المتهوّرة، والمتعلقة بقضايا داخلية، كاتهامه لنصف الأميركيين بأنهم “يعيشون عالة على الحكومة”، وأخرى خارجية تتعلق بشأن الصراع العربي – الإسرائيلي وزعمه بأن الفلسطينيين لا يريدون السلام. وأظهر استطلاع الذي أجراه المعهد العام للأبحاث الدينية، أن 62% من الناخبين اليهود يفضلون أن يعاد انتخاب أوباما فى حين يفضل 30% اختيار المرشح الجمهوري.
وكانت استطلاعات الرأي قد أظهرت أن 78% من أصوات اليهود الأميركيين كانت لمصلحة الرئيس باراك أوباما في انتخابات 2008.
يقول الباحث المشارك في معهد الشرق الأوسط في واشنطن “بول شام”: “ليس هناك أي شك إطلاقا بأن غالبية اليهود على الأرجح نحو 60% منهم سينتخبون أوباما، كما ينبغي أن أقول بأن هناك 60 مليون من المسيحيين الإنجيليين والكثيرون منهم يميلون إلى اليمين أكثر من اليهود وأن معظم هؤلاء يهتمون بـ”إسرائيل” لأسباب إنجيلية دينية وأن رومني يود أن يبيّن بأنه إلى جانبهم، وأن الكثيرين منهم يشكون به”.
إذن يبدو أن تأثير اللوبي اليهودي يتراجع في الانتخابات الرئاسية الأميركية. كما أن أصوات اليهود الأميركيين ليست قبة القبان في هذا السباق، فهناك ملفات داخلية اقتصادية واجتماعية وملفات خارجية، غير متعلقة بإسرائيل، كان لها التأثير في توجّه الناخبين. حتى العوامل التي تؤدي الى تصويت اليهود الى جانب هذا المرشح أو ذاك لا تتعلق بالموقف من إسرائيل فقط، بل هناك المصالح السياسية والإقتصادية لليهود في الولايات المتحدة. ولعل معرفة أوباما لإتجاهات الرأي لدى اليهود في الولايات المتحدة مكنته من الفوز في الانتخابات والوقوف في وجه نتنياهو مؤخراً، ورفضه توجيه ضرية عسكرية ضد إيران.

القواعد العسكرية الأميركية في العالم: 750 قاعدة في 130 دولة

د. هيثم مزاحم

تحتفظ القوات الأميركية بنحو 750 قاعدة عسكرية في أكثر من 130 دولة من دول العالم، تتنوّع مهامها المعلنة من القيام بالواجبات العسكرية المباشرة أو أعمال الدعم والإسناد اللوجستي أو القيام بعمليات “حفظ السلام” تحت مظلة الأمم المتحدة. وخلال العقدين الأخيرين، كسبت القوّات لأميركية قواعدَ عسكريّة أكثر من أيّ وقت مضى في التاريخ.

يقول تشالمرز جونسون، أبرز مؤرّخ عسكري أميركي، في هذا الصّدد: “إنّ جيشنا ينشر أكثر من نصف مليون جندي وجاسوس وتقني ومعلم وموظّفين ومتعاقدين مدنيّين في أمم (أو دول) أخرى، من أجل الهيمنة على محيطات العالم وبحارِه، فقد أنشأنا نحو ثلاث عشرة قوّة بحريّة على متن حاملات الطّائرات التي تحمل أسماء تلخّص إرثنا الحربي.. ندير العديد من القواعد السرّية خارج أراضينا لمراقبة ما تقوم به شعوب العالم، بمن فيهم مواطنونا، وما يقولونه وما يرسلونه بالفاكس أو البريد الالكتروني إلى بعضهم البعض. الحرب على الإرهاب ليست أكثر من شعار.. فالولايات المتّحدة ترفعه كي تخفيَ طموحها الإمبريالي. لكن الحرب على الإرهاب هي في أفضل حالاتها جزءٌ صغير من الأسباب التي تقف وراء كل تخطيطنا العسكري. فالسّبب الحقيقي لبناء هذه الحلقة من القواعد الأميركية على مدار خطّ الاستواء هو لتوسيع إمبراطوريّتنا وتعزيز هيمنتنا العسكريّة على العالم”.

أما الباحث العراقي الكردي عثمان علي فيقول في كتابه “مستقبل العلاقات الأميركية ــ الكردية: هل تصبح كردستان مستعمرة أميركية؟” الصادر عام 2009: “إنّ وسائل الإعلام تنقل لنا فقط قصصاً عن هذه الإمبراطوريّة الأميركية كتلك التي تتحدّث عن تحرير الجنود الأميركيّين للنّساء الأفغانيّات من الأصوليّة الإسلاميّة، ومساعدتهم لضحايا الكوارث الطبيعيّة في الفلبين، أو حماية البوسنيّين والكوسوفيّين أو الأكراد العراقيّين من التّطهير العرقي، ولكن ليس الأمر نفسه بالنسبة إلى الرّوانديّين والأكراد الأتراك والفلسطينيّين الذين يتعرّضون لنفس التّطهير العرقي من حلفاء أميركا”.

ويذهب الباحث عثمان علي إلى أنّه استناداً إلى أداء الحكومات الأميركيّة في الكثير من البلدان التي تمّ غزوها، فإن الولايات المتّحدة لن تتخلّى عن أيّ منها من دون الحصول على موطئ قدم دائم فيها. ويذكر مثالاً على ذلك خليج غوانتانامو في كوبا بعد الانتصار في الحرب الأميركية ــ الإسبانية في العام 1898، وكذلك مثاليْ ألمانيا واليابان بعد الحرب العالميّة الثانية، والفلبين بعد الغزو الأميركي، وكوريا بعد الحرب الكورية، والخليج [الفارسي] بعد حرب عام 1991. ففي كلّ واحدة من هذه المناطق كان ينجم عن الانتصار العسكري الأميركي، إنشاء قواعد أميركية عسكريّة دائمة ذات أهداف بعيدة المدى.

وكتب الخبير الياباني ماساماتشي س. آينوي يقول: “الجيش الأميركي هو مؤسّسة عالميّة مرنة، تتكوّن من طبقة من المنظّمات المحليّة والقوميّة والفوق قوميّة.. فهو يحافظ على قواعد في تسعة وخمسين بلداً على الأقلّ وله قدرةٌ ضخمة على دخول الحياة المحليّة والـتأثير فيها وحتّى تشكيلها في العديد من زوايا العالم..”.

من جهته، عبّر المؤرّخ العسكري الأميركي تشالمرز جونسون عن مخاوفَ مماثلة من دوافع القواعد الأميركية في الخارج، مؤكّداً أنه مهْما كان السّبب الأصلي لدخول الولايات المتّحدة إلى بلاد ما وإقامة قاعدة عسكريّة فيها، فإنها تبقى فيها لأسباب إمبرياليّة استعمارية تتعلّق بالهيمنة الإقليميّة أو الدّولية، ومنع وصول المنافسين إلى مناطقَ معيّنة، وفتح الطريق للشّركات الأميركية، والحفاظ على الأمن والاستقرار أو المصداقيّة كقوّة عسكريّة، وقوّة الاستمرار.

وفي عرضه لواقع تجارب القواعد الأميركيّة في اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين، يذكر الباحث عثمان علي أمثلةً عن المفاسد الناتجة عن هذه القواعد، بدءاً من التلوّث البيئي النّاجم عن وجود طائرات ضخمة (بي 52) وأسلحة معيّنة، إلى ظاهرة الفساد والعلاقات الجنسيّة غير الشّرعية والتي تسفر عن حمل فتيات كثيرات وإنجابهنّ لأطفال غير شرعيّين وترك الجنود الآباء لأطفالهم وإنكارهم لهم. وفضلاً عن ظاهرتيْ الاغتصاب ونشر الجنود الأميركيين للمخدّرات، ثمّة ظاهرة سلبيّة أخرى هي كذب الادّعاء الأميركي بأنّ هذه القواعد ستعزّز الديمقراطية في الدّول المضيفة. ففي هذه النّماذج الثلاثة، اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين، كانت الولايات المتحدة وقوّاتها العسكريّة تدعم الحكومات الديكتاتورية في هذه الدول (حكومة جزيرة أوكيناوا الدكتاتورية في اليابان، حكومة ماركوس في الفلبين، وتعميق الانقسام بين الكوريّتين في كوريا الجنوبية).

الوجود الأميركي في الشرق الأوسط

نشرت وكالة الصحافة الفرنسية(فرانس برس) قبل أيام تقريراً عن الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط قالت فيه إن القوات العسكرية الأميركية الخاضعة للقيادة المركزية في الشرق الاوسط وآسيا الوسطى، قد أعادت انتشارها منذ الانسحاب من العراق نهاية العام 2011، في ظل توترات متزايدة مع الجمهورية الإسلامية في ايران بسبب الخلاف حول برنامجها النووي.

وذكرت الوكالة أن الأميركيين يملكون 180 ألف جندي في المنطقة الخاضعة للقيادة المركزية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بينهم 71 الفاً في أفغانستان و20 الفاً على متن بوارج حربية، وذلك بحسب وزارة الدفاع الأميركية(البنتاغون).
وتنقسم هذه القوات الأميركية إلى قوات بحرية وجوية وبرية. وتتجسد القوات البحرية في حاملات الطائرات والأساطيل المتواجدة في مياه الخليج [الفارسي] وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط.

وحالياً تبحر حاملة الطائرات الأميركية “يو اس اس ايزنهاور” في المنطقة، وهي حلت في شمال بحر العرب مكان حاملة الطائرات “يو اس اس ابراهام لينكولن” التي عادت الى الولايات المتحدة مطلع آب/اغسطس الماضي(2012)، على أن تلتحق بها قريباً حاملة طائرات أخرى هي “يو اس اس جون ستينيس”. ويرافق حاملة الطائرات “يو اس اس ايزنهاور” طراد ومدمرة بصواريخ مسيّرة عن بعد.

وتنقل “يو.اس.اس بونس”، سفينة النقل البرمائية التي تحوّلت الى حاملة مروحيات، طاقماً معززاً من كاسحات الألغام مهمته الحرص على بقاء مضيق هرمز، مفتوحاً، في مواجهة التهديدات الإيرانية بإغلاقه في حال أي صدام عسكري. وقد تضاعف عدد كاسحات الألغام منذ حزيران/يونيو 2012 لتبلغ ثماني كاسحات.

أما القوات الجوية، فقد نشر الجيش الأميركي عدداً غير محدد من الطائرات المقاتلة من طراز “اف-“22 في قاعدة الظفرة في دولة الإمارات العربية المتحدة المقابلة لإيران. وتعتبر هذه الطائرات “الشبح” التي لم تنشر بعد خارج الولايات المتحدة الأكثر حداثة في الترسانة الجوية الأميركية، وهي قادرة على بلوغ سرعات تفوق سرعة الصوت.

كذلك نشرت الولايات المتحدة طائرات من طراز “اف ـ 15 سي” أقدم منها، في قواعد المنطقة على ما أفادت صحيفة “نيويورك تايمز”. وتحمل كل حاملة طائرات ستين طائرة.

أما القواعد الأميركية في الدول الخليجية فهي على الشكل التالي:

الكويت

في الكويت ينتشر نحو 15 ألف جندي في غريفجان في الكويت، كما تعمل الولايات المتحدة مع حلفائها أيضا من قاعدة علي السالم الجوية في الكويت. وقد طلب الجيش الأميركي من الكويت إذناً لنشر ثلاثة آلاف رجل إضافي بعد انسحابه من العراق لكن لم يتبين بعد اذا حصل عليها. وفي الكويت توجد الفرقة الثالثة من المشاة الأميركية “المجوقلة” في “معسكر الدوحة”، بمعدات متنوعة ـ دبابات وعربات مدرعة وطائرات هليكوبتر وأكثر من 80 طائرة مقاتلة ووحدات من القوات الخاصة سريعة الانتشار.

البحرين

أما في البحرين، فإن الأسطول الخامس الأميركي يتخذ من المنامة مقره العام ويسيطر على منطقة تشمل قناة السويس والبحر الأحمر وبحر العرب والخليج [الفارسي]. ويخدم في هذا المقر الأميركي في المنامة 4200 جندي أميركي، ويضم حاملة طائرات أميركية وعدداً من الغواصات الهجومية والمدمرات البحرية وأكثر من 70 مقاتلة، إضافة إلى قاذفات القنابل والمقاتلات التكتيكية وطائرات التزوّد بالوقود المتمركزة في قاعدة الشيخ عيسى الجوية.

الامارات

وفي الإمارات العربية المتحدة، تنشر الولايات المتحدة طائرات من طراز “اف ـ 22” في قاعدة الظفرة الجوية في أبو ظبي التي تستعمل أيضاً لمهمات إمدادات ومراقبة واستطلاع، بحسب الخبراء. وفي القاعدة مستودعات متعددة لأغراض الدعم اللوجيستي، إضافة إلى ميناءين مهمين يطلان على المياه العميقة، الأمر الذي يبرز أهميتهما بالنسبة للسفن العسكرية الكبيرة. كما يشكل ميناء جبل علي في دبي محطة للسفن والبارجات الأميركية للتزوّد بالوقود والغذاء والاستراحة.

قطر

وفي قطر هناك قاعدة “العديد” قرب الدوحة، وبنيت خصيصاً في نهاية التسعينيات من القرن العشرين لإيواء القوات الجوية الأميركية في حال حصول نزاع مع إيران وتستعمل في عمليات جوية وإمدادات ويمكنها إيواء 130 طائرة وعشرة آلاف رجل. وتشتمل قاعدة العديد الجوية على مدرج للطائرات يعد من أطول الممرات في العالم وهو قادر على لاستقبال أكثر من 100 طائرة على الأرض. وتعتبر هذه القاعدة مقراً للمجموعة 319 الاستكشافية الجوية التي تضم قاذفات ومقاتلات وطائرات استطلاعية إضافة لعدد من الدبابات ووحدات الدعم العسكري وكميات كافية من العتاد والآلات العسكرية المتقدمة، ما جعل بعض العسكريين يصنفونها أكبر مخزن إستراتيجي للأسلحة الأميركية في المنطقة.

أما قاعدة السيلية فقد استخدمت في الحرب على أفغانستان حيث بلغ عدد القوات المتواجدة بها حوال 10,000 جندي، وكانت المركز الرئيسي لإدارة الحرب على العراق عام 2003. تتميز بوجود مخازن للأسلحة الأميركية هي الأكبر من نوعها. ويبلغ عدد الجنود الأميركيين المتواجدين بصورة دائمة في القاعدة نحو3000 جندي. تبلغ مساحة القاعدة 1.6 مليون قدم مربع او نحو 37 فداناً من المساحة المخصصة للتخزين، وفيها طرق تصل طولها الى أكثر من عشرة كيلومترات، وتضم منشآت ومراكز القيادة وثكنات الجنود ومستلزمات المعيشة لهم.

عمان

أما سلطنة عُمان فقد سمحت للولايات المتحدة باستعمال قواعدها منذ عام 1980 بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران، وتحركت المقاتلات الأميركية “بي ـ1” من تلك القواعد خلال الحرب الأميركية على حركة طالبان في أفغانستان عام 2001، وفي هذه القواعد يخزن الجيش الأميركي أيضاً عتاداً.

وتستمد سلطنة عُمان أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة من حيث موقعها كمركز متعدد المهام لخدمات دعم الجسر الجوي، وقامت الولايات المتحدة بإنشاء قاعدة جوية فيها، تتمركز في ها قاذفات طراز (B1) وطائرات التزوّد بالوقود.

السعودية

كانت المملكة العربية السعودية تستضيف أحد مراكز قيادة القوات الجوية الأميركية الإقليمية المهمة، داخل قاعدة الأمير سلطان الجوية في الرياض، وبواقع 5000 جندي تابعين للجيش وسلاح الجو الأميركي، وأكثر من 80 مقاتلة أميركية، وقد استخدمت هذه القاعدة في إدارة الطلعات الجوية لمراقبة حظر الطيران الذي كان مفروضا على شمال العراق وجنوبه إبان فترة العقوبات الدولية على العراق خلال حكم صدام حسين.

كما كانت القاعدة تعمل مركزاً للتنسيق بين عمليات جمع المعلومات والاستطلاع والاستخبارات الأميركية في المنطقة. لكن، منذ أواسط العام 2003، إنتقل نحو 4500 جندي أميركي إلى دولة قطر المجاورة، وبقي في السعودية نحو 500 جندي أميركي فقط ظلوا متمركزين فيما يعرف بـ”قرية الإسكان”، وأنهت أميركا وجودها العسكري في قاعدة الأمير سلطان الجوية في الرياض.

المغرب

حصلت الولايات المتحدة الأمريكية على موافقة المغرب على استخدام قواتها المسلحة لعدد من قواعد ومنشآت هذا البلدالعسكرية. فالمعاهدة الموقعة مع مراكش في أيار عام 1982 سمحت لواشنطن بنقل قوات الانتشار السريع عبر هذا البلد والقيام بتزويد الطائرات الأميركية بالوقود واستخدام القواعد والمنشآت المحلية لإجراء التدريبات والمناورات. وتملك الولايات المتحدة نقطة اتصال للقوات البحرية في “سيدي يحيا” (80 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة الرباط) لخدمة الصواريخ المضادة للسفن في منطقة المحيط الأطلسي
والبحر الابيض المتوسط. والى جانب ذلك، فإن الامريكيين يملكون مراكز تدريب عسكرية في قينيطرا وبوكاديلي. وأعلنت الحكومة المغربية رسمياً أن القواعد الثلاثة المذكورة تعتبر قواعد “تدريب” للقوات المغربية المسلحة.

جيبوتي

أما في جيبوتي، فمنذ بداية سنة 2002 بدأت القوات الأميركية تتمركز في قاعدة “ليمونيه”، وقد بلغ عددها 900 جندي، وإن كانت بعض التقديرات الأفريقية تقدر عددها بـ1900 جندي.

سائر القواعد في آسيا

أما القواعد الأمريكية الموجودة في وسط آسيا فهي كثيرة أبرزها قواعد: باغرام، قندهار، وخوست، لورا، مزار شريف، وبولي في أفغانستان. والقواعد الأخرى الموجودة في تركيا(أضنة) وقبرص وفلسطين المحتلة وطاجكستان وتركمنستان وأوزبكستان وجورجيا، فضلاً عن قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهادي بالمشاركة مع القوات البريطانية، والقواعد الأميركية في اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين وفي أفريقيا وأوروبا.

السفارة الأميركية في العراق.. قاعدة عسكرية؟

قبل الانسحاب الأميركي في نهاية عام 2011، كان في العراق عدد كبير من القواعد العسكرية الأميركية قدّرها بعض الخبراء العسكريين بنحو 75 قاعدة، كان معظمها يعود للمواقع العسكرية العراقية التابعة للنظام السابق التي احتلتها القوات الأميركية أثناء عملية الغزو. كما كانت القوات الأميركية تستخدم أربعة مطارات في العراق وهي مطار بغداد الدولي، والطليل في جنوب العراق قرب الناصرية، ومهبط للطائرات في غرب العراق قرب الحدود الأردنية ويسمى H1 ومطار باشور في شمال العراق في إقليم كردستان.
ووصل عدد القوات الأميركية في العراق قبل الانسحاب في نهاية 2011 إلى أكثر من 140 الف عسكري، كان يدعمهم عدد كبير من القطع البحرية المرابطة في الخليج [الفارسي] ودول الجوار.

أعلنت الولايات المتحدة عن سحب قواتها من العراق بحلول نهاية 2011، لكنها أبقت على 17 ألف بين موظف وعسكري ومتعاقد أميركيين في سفارتها في العاصمة العراقية بغداد، وهي أكبر سفارة في العالم، وكان يفترض أن يصل عدد موظفيها الكلي الى عشرين الفاً في العام 2012 حسب ما جاء في تصريح للمتحدث الرسمي باسم السفارة الأميركية في بغداد ديفيد رانز، حيث ذكر أن الكونغرس الأميركي يدرس مقترح لزيادة عدد العاملين في السفارة الى 20 ألف موظف بحلول العام 2012، وأن السبب الرئيسي لوجود هذا العدد الكبير من الموظفين سيكون لقيامهم بعدد من برامج التطوير والتدريب للكوادر العراقية المدنية منها والعسكرية.

هذا العدد أعادني بالذكرى إلى أيار/مايو من العام 2003 بعد نحو شهرين من غزو العراق، حيث كنت في تغطية صحافية في مقر وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” في مدينة أرلنغتون(ولاية فرجينيا)، على بعد كيلومترات من العاصمة واشنطن، حيث حضرت مؤتمراً صحافياً لوزير الدفاع أنذاك دونالد رامسفيلد، ثم أجريت مقابلة مع متحدث باسم البنتاغون”، وهو ضابط في الجيش الأميركي. بعد المقابلة، رافقني المتحدث بجولة سريعة في بعض أروقة الوزارة، ومقر البنتاغون كالبيت الأبيض والكثير من الوزارات والمؤسسات الأميركية مفتوحة للزوار والسيّاح ينظمون إليها جولات سياحية، خلال الجولة القصيرة، سألت المتحدث الأميركي عن: عدد الموظفين في هذا المبنى الضخم؟ فأجابني: أنه نحو 24 ألف موظف بين عسكري ومدني. فاجأني الرقم كونه يعادل عديد جيش دولة صغيرة في العالم العربي أو يفوقه، أي ضعف الجيش البحريني ونحو ثلاثة أضعاف الجيش القطري.

بعد التفكير بالأمر، وجدت الرقم منطقياً بالنسبة للدولة التي تعتبر نفسها الأعظم في العالم، والتي يضم جيشها نحو مليون ونصف المليون عسكري في الخدمة ونحو 850 ألف عسكري إحتياطي. فإدارة هذا العدد الضخم من العسكريين، يتطلب عدداً كبيراً من الموظفين والضباط والإداريين، فضلاً عن المهام التي يقوم فيها “البنتاغون” من الإدارة والتخطيط والتنسيق والإعلام والعلاقات العامة والرصد والتجسس والأبحاث والدعم اللوجستي للقوات الأميركية المنتشرة في جميع القارات والمحيطات والبحار.

لكن التفكير بعدد موظفي السفارة الأميركية في العراق الذي يقترب كثيراً من عدد موظفي البنتاغون يظهر أن هذه السفارة هي “بنتاغون مصغّر” أو أكبر قاعدة أميركية في المنطقة.

يقول السفير الهندي السابق في العراق رانجيت سينغ إنه برغم انسحاب القوات الأميركية المعلن من العراق، إلا أن واشنطن قد أعدّت للسيطرة على احتياطيات البلاد من النفط في أي وقت. فبعدما أنفقت الولايات المتحدة ثلاثة تريليونات دولار في العراق، فلا يمكنها على الإطلاق التخلي عن احتياطيات النفط الوفيرة ذات الجودة العالية جداً. ويشير أنه لمواجهة التطورات السلبية سيكون للولايات المتحدة نحو 20 ألف عسكري في سفارتها في بغداد، كما سيكون في كل قنصلية من القنصليات الثلاث في البصرة، وكركوك وإقليم كردستان ألف عسكري.

ورأى السفير الهندي السابق أن القوات الأميركية بعد انسحابها سوف لن تذهب بعيداً عن العراق وسيتم إعادة نشر بعضها في دولة الكويت المجاورة، بحيث يمكن للأميركيين دائماً العودة لأنه سيتم الإبقاء على القواعد العسكرية سليمة، مع بقاء 20 ألف موظف وعسكري في السفارة الموظفين. وأشار إلى أن الولايات المتحدة قد جعلت العراق من دون سلاح جوي ما يعني أن الأجواء العراقية ستبقى تحت السيطرة الأميركية، ما يعني أنها تسيطر على هذه الأجواء وتمنع الآخرين من دخولها,

القواعد الأميركية وتطويق إيران

في تقرير للصحافي “بن بيفن” نشر في موقع الجزيرة بالإنجليزية في الأول من أيار/مايو 2012، إعتبر التقرير أن القواعد العسكرية الأميركية لا تزال تشكل طوّقاً إستراتيجياً على إيران، على الرغم من أن الانسحاب الأميركي من العراق في نهاية عام 2011 قد غيّر نوعاً ما في التوازن الإقليمي لصالح إيران.

وأوضح التقرير أنه بينما تقلّص القوات الأميركية وجودها في أجزاء كثيرة من العالم بسبب التخفيضات في الموازنة، حيث بدأت الخفض التدريجي لقواتها من أفغانستان إلى أن ينتهي الانحساب الكامل بحلول عام 2014، فإن الوجود الدولي لهذه القوات لا يزال واسعاً. فمن أصل 1.4 مليون عسكري هم في الخدمة الفعلية، نشرت الولايات المتحدة 350 ألفاً من قواتها العسكرية في ما لا يقل عن 130 دول أجنبية في جميع أنحاء العالم، إذ يوجد أكثر من 750 قاعدة دولية، بعضها تعود إلى حقبة الحرب الباردة، ولكن الكثير منها تقع في مناطق القتال في الشرق الأوسط أو بالقرب منها، إضافة إلى المتعاقدين من القطاع الخاص والجنود الاحتياط والموظفين المدنيين الذين يعملون في وزارة الدفاع الأميركية.

ويشير التقرير إلى أن المنشآت العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط تعمل على إبقاء العين على إيران. يقول مهران كامرافا، مدير مركز الدراسات الدولية والإقليمية في جامعة جورج تاون – كلية الشؤون الدولية في قطر: كانت هناك ثلاثة أسباب لسعي الولايات المتحدة لتأمين وجود عسكري لها في جميع أنحاء الشرق الأوسط قبل حرب الخليج الفارسي الأولى، وهي “تأمين مصادر النفط، وضمان أمن دولة إسرائيل، ومكافحة التهديدات للمصالح الأميركية. وفي وقت لاحق، أصبح الوجود العسكري المباشر لا على شكل إملاءات، ولكن كمظلة أمنية وبقرارات سياسة واعية من جانب دول الخليج الفارسي العربية”.

ويضيف كامرافا: “لذا، فإن هذه القواعد ليست بالضرورة بسبب إيران، ولكن لا يحتاج لأن تكون عالم صواريخ كي تدرك أن إيران مطوّقة عسكرياً”.

قبل 11 أيلول/ سبتمبر 2001، كانت معظم القوات العسكرية الأميركية في الخارج تتمركز في أوروبا وشرق آسيا. ولكن ارتفع عدد عمليات الانتشار في الشرق الأوسط بشكل كبير خلال الحملات العسكرية الأميركية اللاحقة في أفغانستان والعراق.

وفي عام 2002، قال الاميرال كريغ كويغلي، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) في تامبا، فلوريدا: “هناك قيمة كبيرة في مواصلة بناء المطارات في مجموعة متنوعة من المواقع في محيط أفغانستان، لأنه مع مرور الوقت، يمكن أن تقوم بمجموعة متنوّعة من الوظائف، مثل العمليات القتالية، والإخلاء الطبي وتقديم المساعدات الإنسانية”.

ووفقاً للأرقام الجديدة الواردة من القيادة المركزية الأميركية لقناة الجزيرة في 30 نيسان أبريل 2011، فإن هناك نحو 125 ألف جندي أميركي على مقربة من إيران، 90 الفاً في أفغانستان وحولها، ونحو عشرين ألفاً منتشرين في عدد من الدول في منطقة الشرق الأوسط، وبين 15- 20 ألفاً موّزعين على السفن البحرية الأميركية في المنطقة.

وكان وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا قد أعلن حينها أن الولايات المتحدة سوف يكون لها 40 ألف عسكري في الخليج [الفارسي] بعد الانسحاب من العراق. لكن العدد الدقيق لهذه القوات وموقعها ومهمتها يكاد يكون من المستحيل تحديدها. وفي منتصف أيلول سبتمبر 2012، أكد بانيتا أن الجيش الأميركي ليست لديه أية خطط لتعزيز قواته في الشرق الأوسط برغم الاحتجاجات العنيفة التي استهدفت البعثات الدبلوماسية الأميركية في عدد من الدول العربية، بسبب الفيلم المسيء للرسول محمد(ص). وقال بانيتا: “لدينا وجود كبير في المنطقة”.

وقال أوسكار سيارا، ضابط الشؤون العامة في القيادة المركزية الأميركية، في رسالة البريد الالكتروني لقناة الجزيرة: “نحن مضطرون لاحترام الرغبات المعلنة من مختلف البلدان المضيفة، الذين طلبوا أن لا نعترف بتفاصيل أي وجود أميركي على أراضيها السيادية”، بسبب حساسية هذه الدول الشريكة.

إذاً، تتمتع القوات الأميركية من سلاح جو وبحرية ومشاة البحرية بوجود في سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة إلى الجنوب من إيران، وتركيا وإسرائيل إلى الغرب، وتركمانستان وقيرغيزستان في الشمال، وأفغانستان وباكستان في الشرق. وبالإضافة إلى ذلك، فإن للولايات المتحدة شراكات وثيقة عسكرية مع جورجيا وأذربيجان في منطقة القوقاز، حيث تشارك القوات الأميركية في مهمات تدريبية، تستخدم فيها المرافق المحلية في نقل الإمدادات عبر بحر قزوين نحو أفغانستان.

أصبحت دول آسيا الوسطى مثل أوزبكستان وطاجيكستان عندما أغلقت باكستان طرق إمداد حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، أكثر أهمية لشحن البضائع إلى منطقة الصراع في الجنوب. كما بدأت الولايات المتحدة بشكل مباشر تتنافس مع روسيا والصين على النفوذ الإقليمي.

وفي حين شهد عام 2012 بوضوح الحشود العسكرية الأميركية في الخليج، وخاصة زيادة في حجم القوة القتالية الاحتياطية في الكويت، إلا أن تحركات هذه القوات تحاط بالسرية التامة. يقول مسؤولون أميركيون إن الهدف من زيادة القوات في الخليج [الفارسي] كي تكون بمثابة “رد فعل سريع وقوة طوارئ”، وليس مقدمة لحرب.
كما أعلنت البحرية الأميركية في صيف 2012 عن إطلاق “القاعدة العائمة الأم” يرجّح أن يتم نشرها في منطقة الخليج [الفارسي]. ومن المقرر تحويلها إلى سفينة حربية “يو اس اس بونس” لاستخدامها من قبل القوات البحرية في مهمات مكافحة القرصنة وعملية احتواء إيران. وبينما تتحرك حاملات الطائرات بانتظام في جميع أنحاء الخليج [الفارسي]، فإن هذه السفينة العائمة الجديدة ستكون قادرة على البقاء في المكان نفسه لأسابيع عدة.

وهناك بارجتان حربيتان حاملتا طائرات تعملان في الأسطول الخامس الأمريكي، حاملة الطائرات “إنتربرايز (CVN 65)” التي تعمل في بحر العرب، لدعم عملية “الحرية الدائمة” في أفغانستان، وحاملة الطائرات “ابراهام لينكولن (CVN 72)” التي تجري عمليات الأمن البحري في الخليج [الفارسي]. وهناك نحو 16 الف عسكري في عرض البحر على متن سفن البحرية الأميركية.

فرنسا لديها هي الأخرى حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية، “شارل دي غول”، الذي أفادت التقارير بأنها توجهت إلى الخليج في فبراير شباط الماضي. وكانت فرنسا قد أقامت في عام 2009 محطة بحرية جوية في أبو ظبي.
وعلى الرغم من أن المنشآت الأميركية في تركيا، وإسرائيل، وجيبوتي، ودييغو غارسيا ليست ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية، لكن يمكن أن تستخدم أيضاً في حالة وجود أي صدام مع إيران.

وفي منتصف يوليو/ تموز الماضي، أفادت أنباء عن نية أميركية لتحريك حاملة طائرات إضافية من ميناء نورفولك العسكري في ولاية فيرجينيا باتجاه الخليج [الفارسي] لتصبح الثالثة من نوعها والثانية التي تتوجه الى المنطقة في أقل من ثلاثة أشهر، بعد حاملة الطائرات “ابراهام لينكولن” في ابريل الماضي. وذكرت المصادر أن حاملات الطائرات الثلاث، تحمل كل واحدة منها أكثر من 60 طائرة مقاتلة، إضافة الى عشرات السفن المرافقة من مدمرات وفرقاطات وكاسحات ألغام، مما جعل بعض المراقبين يتوقعون أنه استعداد أميركي لحرب ضد إيران.

قائد “القوات الجو – فضائية” في الحرس الثوري الإيراني العميد أمير حاجي زادة قد حذر قبل يومين أنه اذا اندلعت حرب في المنطقة فربما تتطور الى حرب عالمية ثالثة وأن بلاده ستستهدف القواعد الاميركية في الدول المحيطة بها. وهدد بأن بلاده تعتبر القواعد الأميركية في المنطقة “جزءاً من الأراضي الأميركية وليست أراضي قطرية أو بحرينية او أفغانية وعند وقوع أية حرب سندك جميع تلك القواعد”. وأضاف: “إننا نری أمیرکا والكیان الصهیوني في خانة واحدة ولا یمكن أن نتصور بأن کیان العدو سيخوض مثل هذه الحرب دون إسناد أميركي.. في حال بروز مثل هذه الظروف فستقع حوادث لا يمكن السيطرة عليها وادارتها ومن الممكن ان تتحول هذه الحرب الى حرب عالمية ثالثة”.

الباحثة الألمانية زابينه شميدكه: تأثّراللاهوتيون اليهود بفكرالمعتزلة

حوار خاص –  أجرى الحوار: هيثم مزاحم – مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط – 

الباحثة الألمانية زابين شميدكة (ولدت عام 1964) هي أستاذ الدراسات الإسلامية ومديرة وحدة البحوث في التاريخ الفكري للعالم الإسلامي في جامعة برلين الحرة. لديها درجة البكالوريوس (بامتياز مع مرتبة الشرف) من الجامعة العبرية في القدس (1986)، وشهادة الماجستير من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن (1987)، والدكتوراه من جامعة أكسفورد (1990). هي تلميذة المستشرق الألماني الشهير ويلفريد مادلونغ، الذي تخصص في الدراسات الإسلامية وبخاصة المعتزلة والزيدية والإمامية. هي رئيسة تحرير المقالات اللاهوتية والفلسفية في موسوعة الإسلام Encyclopedia of Islam (طبعة ليدن)، ومديرة مشاركة لتاريخ الفلسفة في الموسوعة نفسها.
نشرت شميدكة نحو 34 كتاباً و84 بحثاً والكثير من الكتب والدراسات والمخطوطات المتعلقة بالجدل اللاهوتي الإسلامي – اليهودي، وكتبت كتاباً عن الفيلسوف اليهودي من بغداد، إبن كمونة (683هـ)، ودراسة عن تأثير المعتزلة على اللاهوت اليهودي. أجرى موقع “البديع” حواراً مع الباحثة شميدكة لسؤالها عن أفكارها وأعمالها. وفي ما يلي نص الحوار:

pr_MG_6424

عمِلت مطوّلًا على دراسات حول فكر المعتزلة ونصوصِهم؛ ما هو عمَلك الأساسيّ في هذا المجال، وما كانت نتائجه؟
لقد تركّز بحثي على المعتزلة، على مدى العقد الماضي. وإنَّ النتيجة الأهمَّ لعملي كانت – على ما أعتقد – أنه باتت نصوص أوّليّة كثيرة لحركة المعتزلة في متناوَل الباحثين عمّا كان مِن قبل. كذلك؛ لقد حررت، مع عدد من الزملاء، مؤلَّف “كتاب الأصول لابن خلّاد” الذي ظلّ محفوظًا في طيّات تعليق مستفيض لأحد العلماء الزيديّينَ المتأخِّرينَ. كذلك؛ حرّرتُ الأجزاءَ الموجودة (المتداوَلة) لكتاب “تصفّح الأدلّة” لأبي الحسين البصريّ، وتعليقًا على “كتاب التذكِرة في الجواهر والأعراض” لابن ماسويه تلميذ عبد الجبار. وكتبت دراسات عديدة لحركة المعتزلة وأبرزِ شخصياتها، إلى جانب التحقيقات التي ذكرتها لنصوصهم؛ كما تمّ استحداث جردات تحوي مصادر لمخطوطات المعتزلة. ولقد نظمتُ مؤتمرات عدّة حول المعتزلة، على مدى العام المنصرم، وأسّستُ “فريق عمل مخطوطات المعتزلة”. وأرى النتيجة الأكثر إرضاءً، من بين ما قمنا به، أنه ازدادَ عدد العلماء الناشئين الذين يدرسون حركة المعتزلة؛ وهو ما يبيِّنه عددُ الأطروحات المقدَّمة في هذا المجال لنيل شهادة الدكتوراه. فباتت إذن حركة المعتزلة على خارطة البحث العلميّ بفعل جهودنا الرامية لذلك.

وماذا عن “القـرّائين” اليهود الذين تأثروا بفكر المعتزلة؟… هلّا حدثـتنا عنهم وعن أعمالهم؟
إنَّ رؤية علماء الدين اليهود للفكر الكلامي للمعتزلة هي أحد الوجوه المذهلة في تاريخ المعتزلة. فبخلاف المسيحية؛ أظهرت اليهودية تقبّلًا للأفكار العقيدية الإسلامية الأساسية (مثل الوُجهة الإسلامية – التوحيد – للاعتقاد بوجود الله). ولقد تبنّى الكتّاب “الربانيون” و”القـرّاؤون” الوُجهة المعتزليّة، بالتحديد، بدرجات متفاوتة منذ القرن التاسع الميلاديّ؛ حتّى ظهرت “المعتزلة اليهودية” مع القرن الحادي عشر. ولقد وضع العلماء اليهود مؤلفاتٍ لهم مضافةً إلى ما ورد إليهم من كتابات المعتزلة، كما أصدروا نُسَخًا مِن كُتب المعتزلة المسلمِين، منقولةً إلى العِبرية. لقد أثرت المعتزلة في صميم الحياة الدينية والفكرية اليهودية في الشرق؛ فقد تبنّى القـرّاؤون وعددٌ من رؤساء الأكاديميات الربانية القديمة (الـ”يشيفوت”) – في بغداد في القرن العاشر الميلادي – نظرة المعتزلة للعالَم. وعلى عكس شأن المعتزلة؛ فإنَّ الأعمال الأشعريّة والكتّاب الأشعريّين لَـقِيَا اهتمامًا قليلًا جدًّا مِن قِبَلِ العلماء اليهود، حتّى أنَّ الاهتمامَ القليل هذا كان على نحو النقد (التصحيحيّ) غالبًا.
إنه مذهلٌ كم من أجزاء من النصوص المعتزلية الإسلامية تُـرصد في المجموعات المتنوعة للجنيزا(وهو كنيس في القاهرة من أهم المصادر لمعرفة تاريخ اليهودية) حول العالَم. والأهمّ من بينها، في هذا المجال، المكتشَفات الشاملة لموادّ مخطوطيّة ضمن “مجموعة أبراهام فيركوفيتش” في المكتبة الوطنية الروسية في سان بطرسبرغ؛ التي يُبحث إلّا في القليل منها حتّى الآن. فنسخة “تصفّح الأدلّة” لأبي الحسين البصري مثلًا – التي ذكرتُها مِن قَبلُ في هذه المقابلة –مستحـدَثة حصرًا مِن أجزاء وُجدت في “مجموعة أبراهام فيركوفيتش” (في حين أنَّ المؤلَّف هذا مفقودٌ كليًّا في العالَم الإسلاميّ).

هل وجدت اختلافات كبيرة بين الشيعة الإثنَي عشريّة والمعتزلة في الفكر العقيديّ لكليهما؟

إن احتضان الشيعة لفكر المعتزلة ظاهرة معروفة جيداً وهو ما هذه الحركة تستمر بعدما توقفت عن الوجود في الإسلام السني الى ما بعد القرن الرابع ميللادي، سكما أن تأثيره استمر كبيراً في الدوائر السنية.
على كل حال؛ في حين قَبِلَ علماء الزيدية بجميع معتقدات المعتزلة، ويمكن اعتبارُهم ممثلين لفكر المعتزلة (فإنَّ مِن الزيديّين مَن تتلمذ على يد أبي عبد الله البصري وقاضي القضاة عبد الجبّار الهمذانيّ في القرن الحادي عشر)؛ رَسَمَ علماء الشيعة الإثنا عشرية (الإمامية) حدودًا واضحة بين الإمامية والمعتزليّة. وبفعل عقيدة “الإمامة” الخاصّة بالشيعة الإثني عشرية، وما تقتضيه من “الإيمان” الذي يرفض المحدَثات من المؤلَّفات (الخارجة عن الطريقة الإمامية الراسخة)؛ رفض علماء الشيعة الإثني عشرية باستمرار عقائدَ المعتزلة الخاصة بـ”الوعد والوعيد”، ومعها فكرة “المنزلة المتوسّطة” (“المنزلة بين المنزلتَين”) للفاسق بين الإيمان والكفر.

هل تعتقدين بأنَّ الزيديّة هم فعلاً الذين حافظوا على مؤلَّفات المعتزلة وهلّا أوضحتَ ذلك؟
بالفعل؛ لم نكن لنعلمَ شيئًا مما هو بين أيدينا اليوم عن المعتزلة، لولا تقبّل الزيدية للمعتزليّة، والنسخ المنظَّم– الذي تمّ بعد التوحيد السياسيّ للمجتمعَين الزيديَّين في شمال إيران واليمن منذ القرن الـ12- للكتابات المعتزليّة لصالح مكتبة الإمام في ظفر (ومن هناك تمّ نقل هذه المقتنيات المخطوطيّة إلى مكتبة المتوَكِّلية في صنعاء، خلال عشرينيّات القرن العشرين) وجميع مكتبات اليمن الصغيرة (العامّة منها والخاصّة). وينبغي أن نعيَ أنَّ الزيديِّينَ في ذلك الوقت كانوا ميّالِينَ إلى كتابات الفرع البهشميّ للحركة المعتزليّة؛ فليس لدينا إذن كتاباتٌ لفروع منافسة للبهشميّة، كالإخشيدية أو مدرسة بغداد. وبالنسبة إلى أفكار أبي الحسين البصريّ العقيدية؛ فإنه لدينا، في مكتبات اليمن، كتاباتٌ لِمُتَّبِعِهِ اللاحِق محمود ابن محمد الملاحميّ الخوارزميّ، في حين لم تصلِ اليمنَ كتاباتٌ دينية للبصريّ (لا سيّما مؤلَّف “غُرَرُ الأدلّة”— الأصغر حجمًا نسبةً إلى مؤلّفه: “تصفّح الأدلّة”). لكنفي الوقت عينه؛ كان مؤلَّفأبي الحسين البصريّ، “المعتمَد في أصول الفِقه”، واسع الشهرة في اليمن، بحسب ما يتبيَّن من خلال النسخ المخطوطة الكثيرة ذات الإسنادات إلى هذا المؤلَّف.

ثمّة ضورة ملحّة لتحرير ودراسة المخطوطات الإسلاميّة المهمَلة، لمساعدة البحث التاريخيّ حيالَ المصادر النَّصّيّة للمناهج المتنوِّعة للفكر الإسلاميّ… ما هي جهودكم في هذا السياق؟

على مدى العقد المنصرم تقريبًا؛ شاهدنا توجّهًا منتظمًا في دراسات اللغة العربية والدراسات الإسلامية نحو “علم فقه اللغة”؛ حيث انتحى كثيرٌ من الباحثين الناشئين منحى دراسة المخطوطات، إما على نحو كونها مَصَادِرَ لدراساتهم، وإما على نحو تقديم أوّل تحرير دقيق للمصادر النَّصّيّة المهمَلة غالبًا حتّى يومنا هذا. وهذا التطور هو نتيجةٌ للثورة الرقمية، وللاهتمام المتزايد للمكتبات ومعاهد البحث العلميّ حول العالَم؛ بحفظ مقتنياتها من المخطوطات عن طريق الوسائل الرقمية (التكنولوجية) وجعلِها في متناوَل الجمهور الأكاديميّ (العلمائيّ) الأوسع. لا يستطيع العلماء أن يهملوا حقيقة أنّه ثمة مئات آلاف المخطوطات في العالَم – في جميع مجالات المعرفة تقريبًا – يحتوي كثير منها على موادَّ نصّيّة قد أهمِلت بالكامل حتّى الآن، أو لم يتمَّ الاعتناءُ بها كما ينبغي. نتيجةَ ذلك؛ ظهر وعيٌ متزايد لحقيقة أنّه ستكون مراجعاتٌ مهمّة في مجالات كثيرة، فورَ إحضار الموادّ المهمَلة (حاليًّا) لتحليلها. ويجب أن تكون المهمّة الأساسية للعلماء المعاصرينَ، في العالم الإسلاميّ وفي الغرب، العملَ على جعل هذه الموادّ المهمَلة في متناول الباحثينَ والعامّة؛ من خلال فَهَارِسَ موثوقةٍ للمخطوطاتِ، وكتاباتٍ علميّة، ودراساتٍ معمَّـقة… ومن الواضح أنَّ هذا سيستغرق عقودًا من الزمن. إلى ذلك؛ إنَّ توزّع المخطوطات المهمَلة على مناطق العالم كافّة، يصعِّب الحصول عليها. وبمعزل عن العقبات السياسية؛ تشكل الحدود الاقتصادية عائقًا كبيرًا، وينبغي تخطّيها بطريقة ما. لذا؛ ينبغي التعاون العلمائيّ المشتـرَك غيرُ المقيّد، على صعيد عالَميّ.
إنّي أثمّن الدعمَ الذي نحظى به مِن قِبل علماءَ ومعاهدَ من حول العالم. وإنَّ جميع مشاريعنا البحثية التي ذكرتُها في هذه المقابلة حتّى الآن، هي ذات مخطوطات مهمَلة وغير معروفة على صعيد البحث العلميّ. ونحن معنيّون ومندمجون في جميع خطوات تحويل المخطوطات المهمَلة إلى مخطوطات متداوَلة على صعيد البحث العلميّ عالميًّا.

هل ثمّة تعاون بينكم وبين علماء أو مَعاهد بحوث من العالَم الإسلاميّ؟ وكيف تقيّمون التعاون بين المعاهد الغربية والمعاهد الإسلامية في هذا الوارد؟
إنَّ العالِم الجدّيّ يرى أهمية قصوى للتعاون بين العلماء والمَعاهد على مستـوًى عالَميّ. وبخلاف مجالات البحث الأخرى؛ ليس ثمة أنماط تقليدية علمائية وطنية في مجال الدراسات الإسلامية. وينبغي علينا إذن، أن نعيَ متى يكون بحثٌ جاريًا في مكان ما، يتماهى مع بحثنا في الموضوع والغاية التي نحن في صددها. وإنَّ المخطوطات الموجودة في أوروبا وروسيا وآسيا الوسطى وأميركا الشمالية تساوي بأهميتها تلك الموجودة في مراكز التعليم التقليدية في العالم الإسلاميّ في القاهرة ودمشق وإسطنبول وطهران، واليمن. وينبغي أن تُـتَاحَ نتائجُ أبحاثنا وأبحاثِ غيرِنا حول العالَم في منابـرَ مفتوحة للجميع، ليسهُل التطوّر في أبحاث المجالات ذات المخطوطات المهمَلة. نحن في “وحدة البحوث” نتعاون مع معاهدَ رائدة في طهران فنشاركَها في نشر “سلسلات كتبية”؛ وإنَّ أعضاء مِن بيننا ينشرون أبحاثُا باللغة العربية والفارسية، ويشاركون زملاء لهم في اليمن وتركيا وعُمان والمغرب وإيران، في أبحاثِهم. وبشكل منتظم؛ تستقبل “وحدة البحوث” في برلين علماء زوّار من لبنان وإيران والسعودية وفلسطين وتركيا. وننظّم مؤتَمرًا عالَميًّا سنويًّا يتمثّل فيه بشكل كبير علماءُ من العالم الإسلاميّ.

هلّا حدّثتنا عن المشاريع البحثية الراهنة والنشاطات، لدى وحدة البحوث في التاريخ الفكريّ للعالم الإسلاميّ؟
إن أعضاء وحدة البحوث مقتنعون بأنَّ البحث الأكاديمي يمتلك القوة لبرهنة أنَّ الأفكار والحركات الفكرية تتخطّى جميع الحدود، في عالم تزداد فيه الحدود الثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية أهميةً. وهذا ينطبق على الحركات الفكرية السائدة في الشرق الأوسط (مهد الديانات السماوية التوحيدية الثلاث) حيث أشدّ النزاعات الدائرة في العالم اليوم، وحيث تتالت أنماط الثقافة البشرية البارزة على مدى يفوق الألفَي سنة. وإذا كنا نرجو تأسيس علاقات متينة بين ثقافات وديانات وكيانات سياسية رئيسة، فإنه ينبغي أن نتعرف على الموروث الثقافي الخاصّ بنا، وذلك الخاصّ بالآخرين، وأن نتعرف على أوجه تشابههما. فإن هذه المعرفة ستؤسّس للاحترام المتبادَل، وستجنّب انتشارَ المفاهيم الآيديولوجية المشوَّشة عن الآخرين. وإنَّ العقل البحثيّ المنفتح، والجهوزية لتوسيع دائرة التحقيق العِلميّ، والإرادة لمشاركة النتائج البحثية مع جمهور أوسع؛ تساهِم بفاعليّة في تشكيل رأي عامّ أقلَّ انحيازا وأكثـرَ تهذيبًا.
وبعيدًاعن الاتجاه الأكاديمي الاعتيادي الذي غالبًا ما يركّز على الكتّاب المسلمين أو المسيحيين أو اليهود، وعلى كتاباتهم؛ فإنَّ وحدة البحوث لدينا فريدة في “اعتمادها الثلاثيّ الأبعاد” للتاريخ الفكريّ لمنطقة الشرق الأوسط. فهي تسعى جاهدةً للمساهمة في تهيئة أجواء مسالمة بين المسلمين وغير المسلمين، على صعيد العالم الإسلامي والعالم بأسره. نحن ملتزمون بالقيام بأبحاث فريدة حول مناحٍ متنوِّعة ضمن التاريخ الفكريّ للعالم الإسلاميّ، خاصة فترة العصور الوسطى، وفترة ما قبل الحداثة، والفترات المبكرة للحداثة؛ وإنَّ نتائج أبحاثنا ليست للأكاديميين فحسب، بل هي معروضة لجميع المهتمّين في الشرق وفي الغرب.

ممن يتألف فريق الباحثين وما هي جنسياتهم؟
إنَّ وحدة البحوث لدينا تدرس، وتعكس للمطّلعين، أوجهَ التكافل بين الفكر الإسلامي والفكر المسيحيّ والفكر اليهودي. فريقنا يضمّ باحثين من مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الديانات؛ حتّى أنَّ عدد الباحثين غير المسلمين لدينا يساوي عدد الباحثين المسلمين. فمنهم من ينتمون إلى الغرب، ومنهم من ينتمي إلى الشرق الأوسط. وفي حين نحن جميعًا مطّلعون كباحثينَ على عدد من الاتجاهات ضمن الدراسات الإسلامية، فإنَّ بعضنا متخصّص في الأدب المسيحيّ، والأدب اليهوديّ العربيّ، مع اطّلاع جيّد على لغات ذات صلة؛ كالسريانية والآرامية والقبطية والجودائية-العربيّة والعِبريّة والفارسية.
وقد تأسست وحدة البحوث لدينا في العامِ 2011؛ ويتمّ تمويلُها مِن قِبل طرف ثالث حصرًا. لكن النشاطات المتنوِّعة وبعض المشاريع التي يُعمل عليها ضمن “وحدة البحوث”، قد شُرِعَ بها منذ العامِ 2003.
وتركّز وحدة البحوث حاليًّا على دراسات (مشاريع) في مجال علم الكلام والفلسفة. ففي علم الكلام؛ نحن معنيّون بدراسة الموروث الأدبيّ الغنيّ – وغير المكتشَف على نحو كبير- للمعتزلة. وفي الأعوام المنصرمة؛ تمكّـنّا من تعريف الكثير من المخطوطات، ومِن جعلِها في متناول اليد، من خلال التحرير الدقيق والدراسات المتعمّقة. كذلك نركّز في مجال علم الكلام على الموروث الأشعريّ. فمن سنوات قليلة ماضية؛ تمكّنتُ من رصد مجلَّدَينِ لأكثر المؤلفات الدينية شموليةً لأبي بكر الباقلانيّ، وهو مؤلَّف “كتاب هداية المسترشِدين”، في سان بطرسبرغ وفي طشقند. ونحن على وشك إتمام تحرير دقيق لجميع المجلّدات الأربعة المعروفة لهذا المؤلَّف (والمجلَّدان الآخران موجودان في القاهرة وفاس). إلى ذلك؛ يُعِدُّ أحدُ أفراد طاقمنا حاليًّا دراسة منهجية للباقلانيّ وآرائه العقيدية. واثنان منّا معنيّان بتناول “كلام الأشعريّة” لعلماء دينيّين أقباط عاشوا في القرنَين الـ13 والـ14 الميلاديَّينِ. وقد أشرفنا كذلك على إنجاز كتيّب أوكسفورد عن العقيدة الإسلامية، الذي أحرّره أنا حاليًّا لمصلحة “Oxford University Press”.

ما هي مشاريعكم الحالية وبخاصة في مجال الفلسفة؟
أمّا مشاريعنا الحالية في مجال الفلسفة؛ فهي معنية، بالدرجة الأولى، بدراسة فترة ما بعد ابن سينا. كذلك؛ نقوم بدراسات متنوِّعة حول أبي البركات البغدادي وابن كمّونة ودافيد بن جاشوا بن ميمون، لتسليط الضوء على التداخل الكامن بين الفلسفة اليهودية والفلسفة الإسلامية في الفترة ما بين القرن الـ13 والقرن الـ15 الميلاديَّينِ. كما نقوم بدراسة الجيل الأوّل من المعلِّقينَ على شهاب الدين السُّهرَوَردِيّ، بمعزل عن ابن كمّونة وشمس الدين السهرُورديّ وقطب الدين الشيرازيّ. وبعض باحثينا معنيّون بالدراسة المنهجية للنهضة اليونانية – العربية في الفترة الصفوية (1502م-1736م) في إيران (وخارجها).
وفي الفترة الأخيرة؛ شرَعنا في التعاون الوطيد مع معهد “ماكس بلانك لتاريخ العلوم” المتمركز في برلين، بهدف دمج تاريخ العلوم في نشاطاتنا البحثية.
وقد بدأنا في الفترة الأخيرة كذلك بدراسة مجال: “الإنجيل باللغة العربية، بين اليهود والمسيحيّين والمسلمين”؛ فنحن – من جهة – مهتمّون بدراسة مؤسّسات وتقاليد الترجمة بين اليهود والمسيحيّين والسامِريّين. ومن جهة أخرى، نحن نحقّق في نظرةِ المؤلِّفِينَ المسلمينَ، وأنماطِ فهمهم للإنجيل.
إنَّ أعضاء فريقنا ينشرون نتائج أبحاثنا بشكل منتظم، باللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والعربية والفارسية، على الإنترنت؛ وفي مجلّات متداوَلة بين الأكاديميّين عبر الشبكة وفي “سلسلات كُتُبِيَّةٍ” مشهورة في الغرب وفي العالَم الإسلاميّ. كذلك؛ تنشر وَحدة البحوث لدينا رسائلَ إلكترونية شهرية، وتنظّم حدثًا جماهيريًّا بشكلٍ منتظم كلّ فترة لتنوير الرأي العامّ.

ما هي رؤيتُـكم للعمل وحدة البحوث في السنين المقبلة؟
“وَحدة البحوث” مركزٌ فريد من نوعه، لا في ألمانيا وأوروبّا فحسبُ، بل في العالَم بأسره. إنَّ الصدى الإيجابيَّ لنشاطاتنا على الصعيد المحلي والعالميّ، والبروزَ الهائل الذي حققناه على مدى السنين الماضية، يجعلان ضمانَ مستقبل “وحدة البحوث” أمرًا غاية في الأهمية. هذا يعتمد بشكل أوّليّ على مدى استطاعتنا جلبَ التمويل اللازم للمضي في عملنا. إنَّ رؤيتي هي تحويل “وحدة البحوث” إلى معهدٍ للبحوث، ذي هيكليّة مالية وبشرية متينة، يكون نقطة محورية للعلماء من العالم الإسلاميّ والغرب، الذين سيعملون عندنا متعاضدِينَ لحفظ وتحليل الموروث الفكريّ للعالم الإسلاميّ. أريدهُ أن يكون معهدًا يتدرّب فيه جيل جديد من العلماء. وسيظل التركيز في أبحاثنا على الدراسات البحثية المتطورة الرائدة في مجالها. ونحن نعمل باستمرار على توسيع دائرة تخصّصية “وحدة البحوث”، من خلال استحداث مجالات جديدة كليًّا في التحقيق العلميّ. ولقد تمّ إنشاء مجلّة “التاريخ الفكريّ للعالم الإسلاميّ” المخصّصة للأكاديميّين، والتي ينشرها “Brill, Leiden”. كلّ عدد من هذه المجلّة، حتّى الآن، يتطرّق غالبًا إلى مجالاتِ بحثٍ مهملةٍ ومهمَّشةٍ، بهدف وضعها على خارطة التداول والاطّلاع. وقد عُنِيَ الجزءُ الأول بموضوع “الإنجيل باللغة العربية بين اليهود والسيحيّينَ والمسلمينَ”. وسيكون موضوع الأجزاء المقبلة: “نمط الفهم اليهوديّ والمسيحيّ للعقيدة الإسلامية”(2014)، و”آفاق جديدة في الدراسات اليونانية-العربية”(2015)، و”تواريخ الكُتُبِ في العالَم الإسلاميّ: حياتها، تقلّباتها، وموتها”(2016).

إيران بعد ثورتين

د. هيثم مزاحم

تفتقد معظم الثورات العربية لنموذج تحتذيه في معركتها ضد الاستبداد والاستعمار الذي يدعمه. كما يفتقر بعضها إلى آيديولوجية موّحدة تتبعها، فيما يفتقد جميعها إلى قيادة جامعة توجّهها.
لكن أخطر ما تواجهه الثورات العربية هو محاولات الغرب لاحتوائها وتوجيهها لخدمة مصالحه في العالم العربي والإسلامي في ما يشبه الانقلاب على أهداف الثورات ومنطلقاتها الرافضة للاستبداد والاستعمار.
والثورة الإسلامية في إيران التي أجّجت الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي في نهاية السبعينات، تشكّل نموذجاً للدراسة والاستفادة من تجربتها بعد مرور 35 عاماً على انتصارها.

عرفت إيران خلال عهد الملوك القاجاريين استبداداً شديداً إذ كان هؤلاء الملوك يوسعون صلاحيّاتهم بلا حدود ويعزّزون سلطانهم، إلى الحدّ الذي جعل الشاه ناصر الدين (1848 ــ 1896م) يمنح الامتيازات للشركات الأجنبية بلا حدود وبلا استشارة أحد من الشعب الايراني بمن فيهم مراجع الدين.
وكان من أبرز هذه الامتيازات اتفاقية حصر بيع وشراء التبغ مع شركة بريطانية، إذ ضرب الشاه ناصر الدين بعرض الحائط كل الاعتراضات والمطالبات الشعبية بإلغاء هذه الاتفاقية الاحتكارية الاستعمارية التي كانت تؤدي إلى هيمنة بريطانيا على 20 في المائة من الاقتصاد الإيراني، وألحق ضرراً كبيراً بفئات كبيرة من الشعب الإيراني.

وهذا ما دفع بالمرجع الديني الأعلى للشيعة، الميرزا محمد حسن الشيرازي، الذي كان يقيم في مدينة سامراء في العراق آنذاك، إلى إصدار فتواه التاريخية الشهيرة بحرمة التدخين واستعمال التنباك بأية صورة، زراعة وشراء وبيعاً وتدخيناً، وذلك سنة 1309هـ/ 1891م.
وكان لهذه الفتوى أثر كبير جداً في الشعب الإيراني الذي يطيع المرجعية الدينية بصورة تامة، حيث التزم الإيرانيون بمن فيهم زوجات الشاه بعدم التدخين ممّا اضطرّ ناصر الدين إلى إلغاء امتياز الشركة البريطانية عام 1892 ودعوة العلماء إلى طهران للتعهد لهم باستشارتهم في المستقبل في جميع الأمور.
وقد فتحت المواجهة على خلفية انتفاضة التنباك بين العلماء الشيعة والشعب الإيراني وخاصة الطبقات الوسطى والنخب المثقفة من جهة، والشاه القاجاري ناصر الدين من جهة أخرى، ملف الاستبداد والفساد والانحلال في الحكم القاجاري وتزايد النفوذ الروسي والبريطاني في إيران.
حيث بدأ علماء الدين والمثقفون يطالبون بتطور النظام السياسي الإيراني وإصلاحه، داعين إلى حكومة مشروطة ودستور للبلاد يقيّدان صلاحيات الملك المطلقة بمجلس شورى (برلمان) منتخب من قبل الشعب، على أن يحكم الشاه وفق حكم ملكي دستوري مشروط بالبرلمان.

الثورة الدستورية

تأثرت هذه الحركة الدستورية التي عُرفت بحركة “المشروطة”، بعوامل داخلية وخارجية عدة أبرزها: انتشار الحركات الدستورية في أوروبا والعالم منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، والاستياء الشعبي وخاصة العلماء والتجار من الحكم القاجاري الفاسد والمستبد بسبب تهديده لمصالح الطبقة الوسطى عبر سياسة الامتيازات الممنوحة للدول الأجنبية، وتهديده لسلطات الفقهاء وتبنّيه لسياسات التغريب.
وقد نشأ تحالف بين علماء الدين والمفكرين والمثقفين الإيرانيين بهدف تغيير النظام الإيراني، وعمل السيّد جمال الدين الأسدآبادي المعروف بــ”الأفغاني” على نسج هذا التحالف وذلك لعلاقته وتأثيره في الجماعتين.
قُتل الشاه ناصر الدين عام 1896م على يد أحد تلاميذ جمال الدين، فخلفه ابنه مظفر الدين شاه (1896 ــ 1907م) الذي استوعب هذا الدرس بشدّة فحاول استرضاء المعارضة التي كانت تضغط لإقرار الإصلاحات السياسية والديموقراطية من قبيل وضع دستور وقيام نظام دستوري وإجراء انتخابات للبرلمان.

وعلى الرغم من تنامي دور المثقفين الليبراليين واليساريين المطالبين بهذه الإصلاحات، إلاّ أنّ تبنّي الفقهاء لها ووضعهم لها في إطار شرعي إسلامي قد كفلا نجاح هذه الثورة الدستورية.
وقد قاد هذه الثورة كل من الشيخ محمدكاظم الخراساني والملامحمد عبدالله مازاندراني والشيخ محمدحسين النائيني والشيخ محمد الطباطبائي.
وكان أهم منظّر للثورة والدستور الإيراني الشيخ النائيني (1860 ــ 1936م) الذي كان مرجعاً دينياً كبيراً مقيماً في مدينة النجف في العراق.
فأصدر كتاب “تنبيه الأمة وتنزيه الملة في لزوم مشروطة الدولة المنتخبة لتقليل الظلم على أفراد الأمة وترقية المجتمع”، عرض فيه الأدلة على شرعية الحكومة المشروطة ورد على اعتراضات الفقهاء الذين حرّموا هذه النظرية وخاصة الشيخ فضل الله النوري الذي كتب رسالة في حرمة المشروطة.
أسست نظرية الحكومة المشروطة لقيام حركة سياسية وشعبية للمطالبة بالديموقراطية وتحديد سلطات الشاه القاجاري حيث انطلقت التظاهرات والاعتصامات والإضرابات وخصوصاً في العاصمة الإيرانية طهران بقيادة علماء الدين.

وقد أسفرت هذه الانتفاضة عن رضوخ الشاه مظفرالدين وقيام أول مجلس برلماني دستوري، بإعلان الشاه في 15 آب 1906 “فرمان” أو قرار المشروطة، فأصبحت إيران لأول مرة في تاريخها المعاصر دولة ذات حكم دستوري.
وتشكلت لجنة من العلماء وبعض الشخصيات الوطنية والليبرالية وبعض أعضاء الحكومة وقامت بصياغة قانون الانتخابات وتشكّل البرلمان وصدر الدستور.
وفي كانون الثاني/يناير1907 صادق الشاه مظفرالدين على الدستور الذي استغرق إعداده أربعة أشهر، وكان شديد التأثر بالدستورين الفرنسي والبلجيكي.
وعندما توفي الشاه مظفر الدين، خلفه ولده محمد علي الذي استغل الحركة المضادة لإصلاح الدستور التي كان يقودها السيد كاظم اليزدي، بدعوى أنّ الحرية ضد الدين، فألغى الدستور وعطّل مجلس الشورى، الأمر الذي أثار غضب زعيم الحركة الدستورية آنذاك الشيخ كاظم الآخوند الخراساني (ت 1330هـ/ 1911م) الذي كان يقيم في النجف، فأصدر بياناً شديد اللهجة ضد الشاه، بالنيابة عن مجتهدي النجف وعلمائها.

فقد فجّر الخراساني ثورة جديدة ضد الشاه محمدعلي، الذي رفض الرضوخ لمطالب الحركة الدستورية الديموقراطية، أدت إلى خلع الشاه عن عرشه في سنة 1327هـ / 1909م، وإقامة مجلس الشورى مجدداً في إيران.
على الرغم من أن نجاح الثورة الدستورية كان محدوداً، إلا أنه كشف عن ضعف الدولة القاجارية سياسياً واجتماعياً، ما أفقدها الهيبة في عيون الجماهير التي تأكدت ارتهان الحكومة للسفارتين الروسية والبريطانية، الأمر الذي شجّع على ظهور حركات التمرد والعصيان من قبل العشائر والقبائل ضد السلطة المركزية في طهران. وعلى الرغم من إعلان إيران الحياد في الثاني من أكتوبر 1914، إلا أنها أصبحت أشبه برقعة الشطرنج التي أحكم المتحاربون سيطرتهم على أطرافها، خلال الحرب العالمية الأولى.
وبدأت القوى الروسية والإنجليزية والألمانية تدس عملاءها في كل مكان بين العشائر الكبرى، فأمدتهم بالسلاح واستمر سلوك بعض زعماء العشائر في التمرّد ضد الحكومة المركزية.

أصبح النفط المتدفق في إيران عامل إغراء لبريطانيا التي أقنعت مؤتمر الصلح بمسؤوليتها تجاه إيران، فوقّعت معها عام 1919 معاهدة تضمنت تنظيم المالية والجيش والجمارك وتطويرها في إيران.
وهكذا فرضت هذه المعاهدة الوجود البريطاني بغطاء قانوني، وهو ما أثار غضب الناس ضد الحكومة القاجارية، إذ شعرت الجماهير بأن هذه المعاهدة انتداب جديد لبريطانيا، فانفجرت التظاهرات في كثير من المدن.
ونتيجة التظاهرات، أعلنت الحكومة الإيرانية الأحكام العرفية، وهددت المعارضة بالسجن والنفي، وشددت الرقابة على الصحف. لكن بريطانيا فشلت في الحصول على موافقة البرلمان الإيراني على المعاهدة.

انقلاب رضا خان

بعدما ظهر بوضوح ضعف الدولة القاجارية، تطلّع الإيرانيون إلى قيادة سياسية جديدة، فيما شعرت بريطانيا بأنه بات ضرورياً استبدال العرش القاجاري بزعامة قوية قادرة على نيل احترام شعبها وإقناعه بأهمية تطوير العلاقات معها.
وكان المرشح على الساحة قائد قوات القوزاق الفارسي رضا خان، الذي نجح بمساعدة بعض القوى الداخية والخارجية، في قيادة انقلاب عسكري ناجح ضد العرش القاجاري في 12 فبراير 1921. وتمكن رضا خان بعد سنة ونصف من تولّي رئاسة الحكومة في أواخر أكتوبر 1923، بدعم من البريطانيين من خلع الأسرة القاجارية وتأسيس الأسرة البهلوية رسمياً في الثامن من فبراير 1925.
أجرى رضا خان بهلوي بعض الإصلاحات الاقتصادية لتعزيز سلطته، فسعى لاستصلاح الأراضي الزراعية البور أو المهملة، واستقدم خبراء زراعيين لزيادة الإنتاج.

كما اهتم بالصناعة والتجارة الخارجية وألغى الامتيازات الأجنبية، وأنشأ السكك الحديد وشبكة طرق وموانئ وشبكة البرق والهاتف والبريد.
كما إهتم بالتعليم فأنشأ المدارس المدنية وخصوصاً مدارس الإناث، وسمح بخلع الحجاب فيها ومنع الملابس القومية والدينية وفرض ارتداء الملابس الأوروبية، وقلّص عدد المدارس الدينية وألغى بعض المناسبات الدينية وأحل محلّها مناسبات قومية.
كما أنشأ المحاكم المدنية ومنع رجال الدين من ممارسة القضاء إلا بعد الحصول على شهادة الحقوق من جامعة معترف بها.
هنا بدأ الاصطدام برجال الدين حيث شنّ حملة دعائية ضد ما اعتبره “تخلّفاً” واتهمم بـ”العمالة للأجانب”.
كما شجّع الطلاب على الالتحاق بالمدارس العيا المدنية والعسكرية وقدّم لهم حوافر مالية، وأرسل البعثات العلمية إلى أوروبا.
افتتحت جامعة طهران عام 1934 ما ساهم في زيادة عدد الطلاب والطالبات.
ثم أصدر الشاه رضا بهلوي قراراً بإلغاء الحجاب نهائياً عام 1936.
في عام 1935، جاءت الضربة القاصمة للمؤسسة الدينية باستيلاء الشاه على ممتلكات الأوقاف التابعة لها.
وبذلك فقدت المؤسسة الدينية أهم مصادر الدخل الذي كان يعيش عليه رجال الدين ويضمن استقلالها عن الدولة.

وبرغم جهود الشاه لقمع المعارضة وشلّ الحركة الحزبية، إلا أن المعارضة برزت من المؤسسة الدينية والمثقفين واليساريين الذين شكلوا حزب توده الشيوعي.
إتسّمت سياسة رضا شاه بالاستبداد المطلق وآحادية التفكير والقرار، برغم أن مشروعاته الإصلاحية إستهدفت تحديث إيران، لكن وسائل تحقيقها اعتمدت على القهر وفرض التغيير عنوة.
إعتمد الشاه على فرض الضرائب المتنوّعة في تمويل خزانة الدولة، وكانت في الغالب تفرض على المواد الاستهلاكية الضرورية لعامة الناس، مما أرهق السكان.
إذ إرتفعت تكاليف معيشتهم، وانخفضت القدرة الشرائية لرواتبهم، وانتشرت البطالة، وأصبح الموظفون والعمال ينفقون أكثر من نصف دخولهم في تسديد فاتورة الطعام. واشتدت أزمة الطعام والسلع الضرورية إبان الحرب العالمية الثانية، وفرضت الدولة تصدير المنتجات الزراعية إلى الخارج، وانتشر تهريب السلع، وبدأت الرشوة والفساد بالانتشار، وتفسخ الجهاز الإداري والرقابي، ونخر الفساد ضباط الشرطة والجيش.

في هذه الأثناء، واصل الشاه رضا بهلوي في التضييق على المعارضة وإغلاق الصحف المعبّرة عن السخط العام، والتي كانت تفضح بعض حالات الفساد والرشوة. وكتب الوزير المفوّض البريطاني إلى حكومته يقول: “الشاه أصبح موضع كره عام ولايستطيع الاعتماد على مساندة جيشه، وإزاحة الشاه أو حتى إمبراطوريته ستكون شعبية ومطلوبة”.
وانتهى حكم الشاه بفعل الغزو الأنجلو– سوفياتي لإيران في11 سبتمبر1941، وأجبر على مغادرة طهران على متن بارجة بريطانية إلى منفاه في جزيرة موريشيوس ومن ثم إلى جنوب أفريقيا، حتى توفي عام 1944.
لقد أجبر الشاه على التنازل عن العرش لإبنه محمدرضا في 19 سبتمبر 1941، بتوافق بين البريطانيين والسوفيات والأميركيين، بذريعة عدم تعاونه معهم في طرد عناصر المحور من اليابانيين والإيطاليين من إيران.
واضطر الشاه الجديد محمدرضا للتعهد للأميركيين والبريطانيين بالتعاون معهم، وتطبيق بعض الإصلاحات الضرورية وتطبيق الدستور الإيراني.

جذور الثورة الإسلامية

بدأت جذور الثورة الإسلامية تنبت تدريجياً منذ عام 1949 عندما فكر الشاه محمد رضا في إنشاء دولة إستبدادية تحت حكمه الفردي المباشر، تقوم أعمدتها الأولى على سحق المعارضة بكل أجنحتها.
وكان للولايات المتحدة دور أساسي في تشجيع الشاه على الانفراد بالسلطة، على الرغم من أنها كانت مشاركة في عزل والده بحجة استبداده واستيلائه على موارد الدولة الزراعية والصناعية.
تعرّض الشاه لمحاولة اغتيال في الرابع من فبراير 1949، فاستغلها لقمع المعارضة وتبرير توسيع صلاحياته، فأعلن الأحكام العرفية في البلاد، ومنع الصحف من نشر أي نقد موجّه للأسرة الحاكمة، ثم ألغى حزب “توده” الشيوعي رسمياً، واعتقل الكثير من السياسيين، بينهم الدكتور محمد مصدّق.
كما أنشأ جمعية تأسيسية جديدة كانت باكورة أعمالها منح الشاه الحق بحلّ البرلمان. كما نجح الشاه في تأسيس مجلس للنواب يعيّن نصف أعضائه من أعوانه المقرّبين. وقد وافق هذا المجلس على منح الشاه الحق باسترداد جميع الإقطاعيات والأراضي التي سبق أن صادرها والده من الشعب، وأكره محمدرضا على إعادتها إلى أصحابها تحت إلحاح الحلفاء إبان الاحتلال عام 1941.

قوبلت هذه القرارات الجديدة بمعارضة شديدة من الإيرانيين، وخصوصاً مجموعة محمد مصدّق ومن إنضم إليه من التجار والأعيان وعلماء الدين برئاسة آية الله كاشاني، وجماعات من الوطنيين الليبراليين والأحزاب الاشتراكية الوطنية، الذين كوّنوا “الجبهة الوطنية”.
هذه الجبهة بدأت معارضتها بالمطالبة بإجراء انتخابات حرة وبحرية الصحافة، وإنهاء الأحكام العرفية، وتنفيذ القانون طبقاً للدستور، وتأميم شركة النفط الإنجليزية الإيرانية.
بعدما لقيت “الجبهة الوطنية” تأييداً كبيراً من مختلف فئات الشعب، اضطر الشاه إلى تعيين محمد مصدّق في مايو 1951 رئيساً للوزراء.
ازدادت مخاوف الأميركيين من نفوذ مصدّق الذي ازداد بعد تأميم النفط، فأنذرته الإدارة الأميركية بتجميد مساعداتها لإيران، إذا لم يضمن التسويات النفطية المعقولة التي تضمن حماية مصالحها.
لم يستجب مصدّق لذلك التحذير بل كثّف من تعاونه مع حزب “تودة” الشيوعي ليضمن تأييد السوفيات.
نجح مصدّق في صراعه مع الشاه على السلطة في وضع القوات المسلحة تحت سيطرة وزارة الداخلية التي كان يرأسها، ما حيّد الجيش وشكّل هزيمة للشاه.
كما أعاد جميع الأراضي المصادرة إلى أملاك الدولة، وقام بتطهير الجيش من العناصر الموالية للشاه، وأبعد130 من كبار قواد الجيش، وشكّل لجان تحقيق في الفساد المنتشر في المؤسسة العسكرية.
ونجح أخيراً في إجبار الشاه وعائلته على مغادرة إيران إلى إيطاليا عام 1953.

في أعقاب ذلك، بدأت مجموعة من الضباط المفصولين الاتصال بالاستخبارات المركزية الأميركية وطلبوا منها تمويل انقلاب عسكري للإطاحة بمصدّق وحكومته. تمكّن هؤلاء الضباط بمساعدة الاستخبارات الأميركية وتمويلها من تنفيذ انقلابهم والإطاحة بحكومة مصدّق عبر احتلال مقار الوزارات واعتقال الوزراء، ونسف مسكن رئيس الوزراء مصدق واعتقاله.
عاد الشاه إلى إيران، ولديه رغبة أقوى من ذي قبل في إقامة ديكتاتورية معتمدة على جهاز استخبارات قوي وجيش كبير وجهاز شرطة فعّال.
وبذلك أصبح قادراً على قمع المعارضة واستمر في سياسته القمعية هذه حتى عام 1963، عندما أعلن عن “الثورة البيضاء” حيث هدد كبار الملاك الزراعيين بنزع ملكياتهم، وأنذر رجال الدين بسحب الأراضي التي بحوزتهم.
لكن إصلاحات الشاه هذه واجهت معارضة شديدة من علماء الدين، واتّسعت المعارضة لتشمل الطلاب والتجار والحرفيين.
وكان على رأس هؤلاء الغاضبين الإمام روح الله الخميني، وآية الله طالقاني.
في مراسم عاشوراء عام 1963، بدأ الإمام الخميني يحرّض الجماهير على التظاهر والإضراب احتجاجاً على سياسات الشاه، فأضربت الأسواق وتحوّلت المواكب العاشورائية إلى تظاهرات ومواجهات مع النظام، وسقط فيها نحو ألفي شهيد من المتظاهرين. ومنذ ذلك الحين، استمر الحراك الجماهيري والثوري بفعل خطابات الإمام الخميني التي كانت توّزع عبر منشورات وأشرطة تسجيل(كاسيت) سراً من جهة، وكذلك عبر جهود المفكرين والمناضلين الآخرين، وخصوصاً المفكر علي شريعتي وخطبه وكتبه، والشيهد آية الله مرتضى مطهري وآية الله طالقاني، وغيرهم من المنظّرين والأحزاب والحركات السياسية المعارضة.
لكن الدور الأبرز والأكثر تأثيراً كان للإمام الخميني، الذي تمكن من منفاه في النجف الأشرف ثم في فرنسا، من قيادة الحركة الإسلامية الثورية التي نجحت في الإعداد للثورة وتنظيم صفوفها وتحريض الجماهير وتوجيهها في تظاهرات مليونية أسقطت نظام الشاه في شباط/ فبراير 1979، ومن ثم عاد الامام الخميني من نوفل لوشاتو قرب باريس، ليحصد الانتصار الجماهيري، ويؤسس جمهورية إسلامية جمعت بين مبادئ حركة المشروطة الدستورية ومبدأ ولاية الفقيه الديني الشيعي.

أسباب الثورة الإسلامية في إيران

يرى الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون أن سبب الثورة الإيرانية يعود إلى فساد الشاه وقمع الشرطة، وأن الادعاء بفقر الإيرانيين إن هو إلا أسطورة، لأن حياة الشعب الإيراني في عصره كانت أفضل من أي دولة أخرى في الشرق الأوسط.
وقد أكد له الشاه ذلك عندما قال لنيكسون أثناء لقائهما في المكسيك عام 1979، إنه “أرسل عشرات الألوف من الطلاب إلى العديد من الجامعات في الولايات المتحدة وحدها، ليعودوا وينضموا إلى الثورة ضده”.
لكن ما أغفله نيسكون يتمثل في عاملين أساسيين هما: أخطاء الشاه ومساوئ نظامه، وخصوصاً تبعيته للولايات المتحدة، وغرقه في الترف والتبذير والفساد وتقليد الغرب، وهو ما أثار غضب فئات كبيرة من الشعب الإيراني، المتديّن في معظمه، والمتمسّك بثقافته الإسلامية، والفخور بحضارته العريقة.

أما العامل الثاني، فهو إيمان معظم الشعب الإيراني بالعقيدة الدينية، والتي استطاع الإمام الخميني من خلالها تعبئة الجماهير، وكذلك ارتباط الإيرانيين الديني بمرجعية التقليد، حيث حوّل الإمام الخميني مرجعيته الدينية إلى مرجعية سياسية استناداً إلى مفهوم ولاية الفقيه.
وقد دفعت معارضة الشاه للاعتراف بالمعارضة الإيرانية والقيام بإصلاحات جوهرية استجابة لمطالبها، تجار البازار للمشاركة في الثورة، الذين كانوا يشكلّون طبقة رأسمالية كانت تعدّ القوة الثالثة في إيران، بعد مؤسسات رجال الدين والبلاط الملكي. ولرجال الدين سلطة كبيرة على رجال البازار الذين تضرّروا من سياسات الشاه الاقتصادية، نتيجة “الثورة البيضاء” والتضخّم والركود الاقتصادي، بفعل سياسة التسليح والتصنيع الضخمة للشاه بين عامي 1973 و1977.
وكان الشاه قد أعلن عام 1975 حزبه “راستاخيز” الذي استهدف بسط يده على الأسواق والمؤسسات الدينية.
تلك السياسة أدت إلى سجن ثمانية آلاف تاجر من أصحاب المحلات التجارية، ونفي ثلاثة وعشرين ألفاً منهم.
كل هذا دفع بالبازار إلى أن يلقي بثقله إلى جانب علماء الدين وخصوصاً آية الله الخميني، ما أدى إلى تدعيم معسكر الثورة، وضعضعة النظام الملكي، ومن ثم إنتصار الثورة.
لقد هيأت الظروف الداخلية والدولية للإمام الخميني فرصة زعامة الثورة التي اندلعت قبل عودته بسنتين، وقد تفوّق جناحه الإسلامي الثوري على ألاجنحة الأخرى من تيارات دينية وقومية وليبرالية ويسارية، لأسباب عدة أبرزها:

أولاً: كان الشاه قد نجح بشكل كبير في القضاء على الأحزاب السياسية وإضعافها، وأغلق الجمعيات المهنية والنقابات العمالية وصهرها في بوتقة الحزب الواحد الموالي له “رستاخيز”. لكنه استهان بقوة علماء الدين فتركهم داخل أروقة المساجد يشحنون طلابهم بافكارهم، ويعزّزون أواصر صلاتهم بالبازارات المنتشرة في جميع أنحاء إيران.
ثانياً: أجّج لجوء الشاه إلى القوة العسكرية في إخماد التظاهرات الميول الثورية وأثار السخط الشعبي ضده، ومنح الإمام الخميني فرصة كي يعلن رفضه لأي تسوية مع النظام، ويدعو لتغيير جذري وقيام حكم إسلامي يحقق العدالة الاجتماعية والمساواة ويقضي على الفساد وينصف الفقراء.

ثالثاً: تمكن الإمام الخميني من وضع آيديولوجية إسلامية بسيطة وملائمة لطبقات الشعب الإيراني الفقيرة، مثل الدعوة إلى إعادة توزيع الثروات، ونقل السلطة من الأثرياء إلى الفقراء، والقضاء على الفساد، وتسهيل القروض لصغار المزارعين، وإمداد القرى بالتيار الكهربائي، وبناء المدارس والعيادات الطبية والطرق والمساكن المناسبة للفقراء، فاكتسب تيار الإمام الخميني شعبية واسعة فاقت شعبية التيارات الأخرى.
رابعاً: شخصية الخميني التي جمعت بين الذكاء والوقار وبلاغة الخطاب وكاريزما القائد، وزهده وعرفانه الصوفي، فضلاً عن مرجعيته الدينية الفقهية، وتجسيده لولاية الفقيه باعتباره نائباً للإمام المهدي الغائب، يقوم بمهامه القيادية تمهيداً لظهوره.
كل هذه الصفات القيادية أضفت عليه قداسة وجعلته القائد المطلوب لإنجاح الثورة ومن ثم تأسيس الجمهورية الإسلامية.
دور علماء الدين في الثورة
يقول الباحث الإيراني مسعود كمالي إن إيران قد عرفت ثورتين خلال القرن العشرين، وتفسير هذه التغييرات بمصطلحات اقتصادية وسياسية يطرح أسئلة غير مجاب عليها أو أجيب عليها نصف إجابة.
منها على سبيل المثال: “لماذا نجح العلماء الذين فشلوا في الثورة الأولى(1905) في مجتمع أكثر تقليدية، في قيادة الثورة الإسلامية(1979) وتحقيق انتصارها في مجتمع أكثر حداثة؟

ويوضح كمالي أن جزءاً من تحليله يظهر كيف لعبت العقائد الثقافية الإسلامية دوراً مفصلياً في الثورة الإسلامية، فيما عزّز برنامج الشاه لتحديث إيران من قوة المجموعات الدينية والعلماء الإسلاميين في مجتمع سريع التطور.
ففي فبراير1979 تولّت السلطة مجموعة ثورية يقودها علماء الدين. وبعد شهرين، وعبر استفتاء عام، استبدل نظام الملكية الذي دام لآلاف السنوات، بجمهورية إسلامية يتولى فيها رجال الدين موقعاً قيادياً.
ففي القرن العشرين، شارك علماء الشيعة وقادوا ثورتين كبيرتين في إيران، ثورة الدستور والثورة الإسلامية.
ويرى كمالي أن تحليلنا الثورة الإسلامية في إيران ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أن الإسلام هو عامل اجتماعي وثقافي لعب ويلعب دوراً جوهرياً في الحياة السياسية في إيران.
ويقول إن الفرضية الأساس لدراسته هي أنه بينما شارك العلماء في ثورة الدستور(1905-1909) بهدف التأثير في النظام السياسي وتعزيز موقعهم في المجتمع المدني في إيران، فإن العلماء قد شاركوا في الثورة الإسلامية (1977-1979) بهدف الوصول إلى السلطة السياسية وإعادة بناء المجتمع الإيراني، أي القيام بتغيير جذري وليس إصلاحات جزئية.
لقد هُمِّشَ علماء الدين بوتيرة متزايدة وأقصوا عن مكانتهم المرموقة في المجتمع المدنيّ في إيران، خلال أكثر من خمسين عاماً من سياسة التحديث التسلّطيّة التي اعتمدها نظام بلهويّ.
واغتنم العلماء الفرصة التاريخية الفريدة التي أتاحتها الثورة الإسلامية، من أجل أن يصبحوا قادة المجتمع المدنيّ.

فقد كانت الثورة عمليّةَ إعادة بناء اجتماعي- سياسيّ للمكانة القياديّة للعلماء في المجتمع المدنيّ الإيرانيّ، فهي ثورة تحدث في زمن معاصر وفي مجتمع معاصر. وكان التحالف بين العلماء والبازار موجّهًا نحو إزاحة الشاه ونظامه المَلَكي الحاكم، وكان لعلماء الدين الحضور القياديّ الفعّال.
فقد كان لأحدهم أي الإمام الخميني نظريّةٌ لدولة بديلة عن النظام المَلَكيّ، كما عرف كيفيّة مخاطبة الجماهير الشعبيّة بلغة بسيطة يفهمونها.
بعد انتصار الثورة، جرى استفتاء للشعب في آذار/مارس 1979 أقرَّ الدستور الإسلاميّ بأغلبيّة ساحقة تخطّت الـتسعين في المائة من أفراد الشعب.
وأعلن الإمام الخمينيّ أنَّ الجمعيّة الشرعيّة الوحيدة المُخَوَّلة كتابة الدستور الجديد للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة هي مجلس الخبراء. فانتُخب هذا المجلس، والتَأَم أعضاؤه وَشَرَعوا في كتابة الدستور الإسلاميّ للدولة، ثم أجرِيَت الانتخاباتُ الرئاسيّة في يناير/كانون الثاني 1980.
ولاتزال الثورة الإسلامية في إيران تجربة جديرة بالدراسة لأنها آخر الثورات الكلاسيكية الجذرية حيث اقتلعت النظام الملكي الشاهنشاهي من جذوره وغيّرت البنى السياسية والثقافية والاقتصادية في البلاد لتقيم مكانها بنىً جديدة على أسس إسلامية ووطنية ترفض التبعية لأي دولة لا شرقية ولا غربية، وتنتهج التنمية وصولاً إلى هدف الاكتفاء الذاتي الاقتصادي والعلمي.

المرجعية الشيعية والجدل حول تقليد الأعلم

د. هيثم مزاحم

بعد هزيمة الاتجاه الأخباري الشيعي على أيدي الأصوليين نسبة إلى أصول الفقه بزعامة الشيخ وحيد البهبهاني 1706 – 1791 في كربلاء، حصل البهبهاني على لقب مجدّد الفقه الاثني عشري.
تركز جدل البهبهاني مع خصمه الشيخ يوسف البحراني توفي 1758م على ضرورة الاجتهاد بعد الغيبة الكبرى للإمام المهدي، واستحالة استفتاء الإمام الغائب في قضايا الدين والفقه. وهكذا اتجه البهبهاني إلى القول بـ”العلم الإجمالي” للمجتهد بعد غيبة الإمام، وإمكان تقليده بشكل لم يسبق له مثيل لدى الاثني عشرية، مشيراً إلى أن أحداً لا يستطيع إغلاق باب الاجتهاد برغم عدم تحقق العلم اليقيني. وهكذا، قاد البهبهاني القول ببلوغ المجتهد درجة العلم إلى القول بأنه بمثابة وكيل للإمام أو نائب عنه. ثم جاء الشيخ أحمد النراقي 1245هـ – 1830م فقال بذلك صراحة، مشدداً على أنّ المجتهدين الذين يبلغون هذه الرتبة قلة. وأوضح أن الفقيه الذي يستحق لقب نائب الإمام هو رأس المجتهدين وأعلمهم.
ويبدو أن ثمة تضارباً في الآراء بشأن بداية القول بوجوب تقليد الأعلم، فقد ذكر السيد مرتضى الجزائري، أنّ مسألة تقليد الأعلم، أي اتّباع عامة الناس للمجتهد الأعلم من بين المجتهدين الآخرين، هي مسألة حديثة نسبياً في التاريخ الفقهي الشيعي تعود فقط إلى ثلاثة قرون أو أربعة، إذ لم تكن مطروحة قبل ذلك، ففي العصر القاجاري استخدم العلماء كل التطوّرات التي تقول بتقليد المجتهد الأعلم لتأسيس مرجعية التقليد. وقد ظهر مصطلح الأعلم والأعلمية للمرة الأولى لدى حسن العاملي 1111هـ – 1601م في كتابه”معالم الأصول”.
ويعتقد البعض أن مسألة تقليد الأعلم طرحت في زمن الشيخ جعفر الكبير، المشهور بـ”كاشف الغطاء”1156?1228هـ، بينما يذهب آخرون إلى القول إنها طرحت في زمن شيخ الفقهاء مرتضى الأنصاري 1214 ? 1281 هـ / 1864 م، رائد المرحلة الخامسة من تطوّر الفقه الشيعي، فعندما استقر الشيخ الأنصاري كمرجع تقليد خلفاً للشيخ النجفي الأصفهاني 1266هـ/1849م، رأى أن المعتبر هو الأعلم في أصول الفقه.
وأوضح آية الله الطبطبائي اليزدي 1338هـ/1920م أواخر القرن التاسع عشر شرط الأعلمية، كما قال بضرورة تقليد المجتهد الأعلم. أما المجتهد الأعلم، فهو القادر – استناداً إلى معرفته الوثيقة بأصول الفقه – على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الفرعية. وأكد اليزدي ضرورة التقليد من جانب المكلّف للمجتهد الأعلم، واستحالة معرفة أحكام الدين من دون التقليد. وكان هذا التأكيد على ضروة التقليد ظاهرة جديدة في المذهب الاثني عشري في العصر القاجاري، إذ كان مجتهدو العصر المغولي اكتفوا بالحديث عن ضرورة المجتهد، وخاصة الشيخ حسن العاملي 1601. لكن الشيخ محمد إبراهيم جناتي يزعم أن بحوثاً قام بها تثبت أن مسألة لزوم تقليد الأعلم قد طرحت بعد زمن التشريع.

الدور التاريخي للمرجعية

لعبت المرجعية الدينية لدى الشيعة الاثني عشرية دوراً دينياً واجتماعياً وسياسياً متميّزاً منذ بداية الغيبة الكبرى، فقد أمّنت العلاقة المباشرة بين الفقيه مرجع التقليد وبين أتباعه ومقلّديه، استقلاليةً للمرجعية عن المؤسسة السياسية الحاكمة سياسياً ومالياً، نتيجة اعتماد مراجع التقليد على أموال الخُمس والزكاة، والتي يدفعها لهم مقلّدوهم ليصرفوها في مواردها الشرعية، ومنها سهم الإمام المهدي الغائب الذي يصرف منه على معيشة الفقهاء وعوائلهم وطلاب العلوم الدينية، فضلاً عن رعاية الأيتام والمحتاجين وأبناء السبيل.
وقد مارست المرجعية الدينية أدوراً مهمة في تاريخ الأمة الإسلامية عبر فتاواها التي أصدرتها، فكان لها تأثيرها الكبير في مجريات الأحداث، مثل فتوى آية الله السيد حسن الشيرازي من سامراء، التي حرّم فيها التنباك في إيران عام 1891، وذلك احتجاجاً على اتّفاقية احتكار التبغ الموقّعة بين الشاه ناصر الدين وبريطانيا، مما اضطر الشاه إلى إلغاء هذه الاتفاقية.
وكانت ثورة الدستور أو المشروطة عام 1905، والتي تزعمها اثنان من كبار الفقهاء في إيران، هما السيد محمد الطبطبائي والسيد عبد الله البهبهاني، والتي دعمها كبار مراجع التقليد، وخاصة الشيخ كاظم الخراساني والشيخ عبد الله المازندراني والشيخ محمد حسين النائيني، وكذلك فتوى الملاّ الخراساني بالجهاد ضد الغزو الروسي لإيران عام 1909، مروراً بالفتوى الشهيرة للميرزا محمد تقي الشيرازي في 23 كانون الثاني 1919، والتي حرّمت المشاركة في استفتاء يهدف إلى قيام إدارة بريطانية في العراق، وفتوى الجهاد ضدّ الاستعمار البريطاني التي صدرت عن المراجع في العراق عام 1919، والتي نصّت على قتال الإنكليز وحرمة التعامل معهم، ثم ثورة العشرين في 30 حزيران 1920 ضد الاحتلال البريطاني للعراق، وصولاً إلى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة الإمام الخميني.
وعلى الرغم من القاعدة الجماهيرية الواسعة والموقع السياسي والديني، التي تتمتع بهما المرجعية الشيعية، إلاّ أنها بقيت على شكلها التقليدي القائم على الدور المركزي للمرجع الفرد واستمرت في الغالب في تبنّي الأطر التنظيمية التقليدية نفسها في مسائل تحصيل الأموال الشرعية وصرفها، وفي إدارة الحوزة العلمية ومناهجها العلمية، إلى استمرار تعدد مراجع التقليد وبروز انقسامات وخلافات حول المرجع الأعلم وكيفية تعيينه أو اختياره وتقليده من قبل المكلّفين. كل ذلك جعل بعض العلماء والفقهاء يطرحون أفكاراً ونظريات عدة لتطوير المرجعية الدينية وجعلها مؤسسة قائمة بذاتها ومكوّنة من أجهزة ومستشارين وخبراء متخصصين.

الجدل حول تطوير المرجعية

ولعلّ أبرز المناقشات حول تطوير المرجعية ومأسستها تعود إلى خريف العام 1960 وشتاء العام 1961، حيث انطلقت نقاشات بين الفقهاء والعلماء في إيران حول اختيار مرجع التقليد ووظائفه، وذلك إثر وفاة المرجع الكبير آية الله البروجردي في آذار مارس 1960، وطرح فكرة خلافته والخشية من تدخل حكومة شاه إيران في اختيار مراجع التقليد وتحديد وظائفه. وكان من أبرز الذين طرحوا هذه الفكرة وكتبوا أبحاثاً حول تطوير مرجعية التقليد وآلية اختيارها ووظائفها وتحويلها إلى مؤسسة، آية الله السيد محمود الطالقاني 1979، والسيد مرتضى الجزائري، والشيخ مرتضى مطهري 1979، والشيخ محمد مهدي بهشتي 1980، ومهدي بازركان 1989. وقد صدرت هذه الآراء في كتاب يحمل عنوان”دراسة حول المرجعية والمؤسسة الدينية”، ولاقى الكتاب نجاحاً هائلاً.
ناقش السيد مرتضى الجزائري آلية نشوء مرجعية التقليد لدى الشيعة الاثني عشرية، وخلص إلى أنّ مسألة تحديد من هو الأعلم بين الفقهاء مهمة مستحيلة، إذ قد يتساوى فقيه مع آخر أو أنه لا يمكن فقيهاً أن يكون الأعلم في جميع أبواب الفقه. وبناءً عليه، اقترح الجزائري قيام مجلس شورى للفقهاء، يتألف من كبار الفقهاء المعاصرين.وذكّر بأن الاجتهاد لدى الاثني عشرية هو تطوّر حديث نسبياً. واعتبر أنّ قيام مجلس شورى الفقهاء يعتبر خطوة أولى في تحوّل المرجعية إلى مؤسسة، ويمنح المرجعية الدينية قوة واستقلالية أمام الدولة.
كما ناقش آية الله السيد محمود الطالقاني مسألة تمركز مرجعية التقليد، ورأى أنه لا يجب حصرها في شخص واحد، وذلك انسجاماً مع التطوّرات في العالم، بحيث لا يمكن أحداً من الفقهاء أن يكون الأعلم في جميع أبواب الفقه. وقد برّر رأيه بأنّ الحاجة إلى اتخاذ قرارات في مشكلات تتعلق بأنواع مختلفة من المساواة والمشكلات في الحياة العصرية، تدفع إلى عدم تركّز المرجعية الدينية، وإلى حاجة مرجعية التقليد إلى التوسّع في العلوم والتعمق والتخصص فيها. لكن الطالقاني نبّه إلى مساوئ تعدد مراجع التقليد وعدم مركزية المرجعية الدينية وعدم تعاون الفقهاء في ما بينهم، فاقترح إنشاء لجنة تشكَّل من علماء وفقهاء المحافظات وتلتقي لمناقشة المشكلات المطروحة.
واقترح الجزائري أن يشكَّل مجلس شورى فقهاء برئاسة أحد كبار الفقهاء في إحدى الحوزات العلمية الرئيسة، وأن يبحث هذا المجلس المشكلات الراهنة. أما الطالقاني، فلم يسهب في تحديد سلطات كل من هاتين الهيئتين، أي مجلس شورى الفقهاء ولجنة العلماء، والعلاقة بينهما.
بدوره، بحث آية الله مرتضى مطهّري مسألة مرجعية التقليد، وقارن رؤية الشيعة للاجتهاد والدولة برؤية أهل السنّة لهما، إذ كان الشيعة الاثنا عشرية يرفضون الاجتهاد القياسي الذي استخدمه السنّة، ولكنّهم عادوا وقبلوا به. ورأى مطهّري أنّ على الفقيه المجتهد الحقيقي ليس فقط التمتّع بالقدرة على استنباط الحكم الشرعي والمعرفة بعلوم الفقه والحديث والتفسير واللغة وما سوى ذلك من العلوم الدينية التقليدية، بل عليه أن يكون على صلة بالشؤون العامة المعاصرة في مواجهة المشكلات الجديدة والظروف المتغيّرة في العالم. وعليه، فإن مطهري، الذي يعتقد أن الإنسان له قدرات محدودة، قد ذهب إلى ما ذهب إليه آية الله عبدالكريم يزدي من الدعوة إلى التخصص في الدراسات الفقهية. كما دعا مطهري إلى التعاون بين الفقهاء والعلماء، الذي كانت تفتقده الحوزات الدينية الشيعية.
كما بحث مطهري في دراسة أخرى مسألة المؤسسة الدينية الشيعية ونقاط ضعفها، فدعا إلى جعل المرجعية الدينية مؤسسة. بدوره، دعا السيد محمد بهشتي، الذي اغتيل في بدايات انتصار الثورة الإسلامية عام 1980، إلى الحاجة لقيام مؤسسة دينية تقوم بالاهتمام بالتعليم الديني.
أما أبرز الطروحات الجدية والمنهجية لتطوير المرجعية الدينية ومأسستها، فهما أطروحة كل من آية الله السيد محمد باقر الصدر (توفي 1980)، التي أطلق عليها تسمية”المرجعية الصالحة أو الرشيدة”، وأطروحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله (توفي 2010)، التي سمّاها”المرجعية المؤسسة”، إضافة إلى أفكار متفرقة طرحها الشيخ محمد مهدي شمس الدين (توفي 2001)، والشيخ محمد جواد مغنية (توفي 1980)، والشيخ محمد رضا المظفر وآية الله علي خامنئي.

كيف تحدث الثورات؟

د. هيثم مزاحم

الكتابات النظرية الغربية الرصينة عن الثورة هي في معظمها دراسات لتجارب الثورات العالمية واستخلاصات لهذه الدراسات. وبالتالي تقدم هذه الدراسات بعض العناصر المشتركة للثورة التي تمكننا من فهم أسباب الثورات ودوافعها، لماذا تحدث وكيف، على الرغم من تباين الأسباب أحياناً، واختلاف العوامل والدوافع أحياناً أخرى، بحكم ظروف الزمان والمكان، واختلاف البنى الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية لمجتمعات الثورات.

وقد اختلف الباحثون في الثورات بشأن إمكان توقّع الثورات، فذهب البعض إلى أنها تكون فجائية، وذهب البعض الآخر إلى أن الحديث عن الثورة ينتشر عادة في المجتمع الذي سيشهد ثورة لاحقاً. وأعطى بعض المؤرخين والباحثين العامل الاجتماعي والاقتصادي الدور الأبرز في دفع الناس إلى القيام بالثورات، فيما رأى البعض الآخر أن الدافع السياسي نتيجة الاستبداد والظلم هو الذي يجعل الشعوب تنتفض ضد الحاكم الظالم والمستبد. وفي حالات أخرى، لعب العامل الثقافي الديني الدور الرئيسي في وقوع الثورة، من دون أن يعني ذلك أن عاملاً واحداً يكفي وحده لإشعال الثورة. بل إن اجتماع عوامل عدة وتراكم الدوافع والأسباب هي التي تؤدي إلى اندلاع الثورة، بحيث يطغى عامل أو سبب ما على العوامل والأسباب الأخرى. والثورة تحتاج إلى فترة زمنية حتى تختمر هذه العوامل وتتراكم الدوافع وتنضج ظروف الثورة. فكم من ثورة فشلت في التاريخ، بسبب عدم نضوج ظروفها وعدم توافر عواملها الموضوعية. والثورات الشيعية في العهدين الأموي والعباسي شواهد على ذلك، بينما كان مآل الثورة العباسية الانتصار بسبب نضوج الظروف وتوافر عوامل النجاح. والثورة تتطلّب قائداً أو قيادة تلهمها وتوجّهها وتقودها نحو النصر. فكم من انتفاضة أو حركة معارضة أو ثورة فشلت في تحقيق أهدافها أو انحرفت عن مسارها بسبب غياب القيادة وافتقادها للقائد الملهم والحكيم.

والثورة تحتاج عقيدة أو أيديولوجيا تحدد المبادئ والأهداف المنشودة للثورة وتساعد في تحريض الجماهير على الخروج والانتفاض والاحتجاج في سبيل تحقيق هذه الأهداف. وقد تكون هذه العقيدة دينية أو فلسفية، سياسية – اقتصادية ليبرالية أو شيوعية. وقد تحتاج الثورة إلى إعداد وتنظيم من قبل حزب أو تنظيم أو جماعة، يقوم بتعبئة الجماهير وتحريضهم على الانتفاض ضد السلطة. والتعبئة عمادها الإعلام، الذي تطوّر من الخطابة والمنشور السرّي، إلى الكتاب والصحيفة، ومن ثم الإذاعة والتلفزيون، وصولاً إلى الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. وثمة ثورات اندلعت فجأة من دون تخطيط وإعداد من أي حزب أو حركة، ولكن سرعان ما تلقفها حزب أو تيار سياسي واستثمرها للوصول إلى السلطة. حتى في الثورات الفرنسية والأميركية والروسية، لم يخطط الثوريون لها، بل بدأت كاحتجاجات محدودة وسرعان ما انفلت زمامها وتحوّلت إلى ثورات، إنضم إليها أحزاب وقوى وتيارات وشخصيات.

ولعلّ هذا النموذج شهدناه في ثورتي تونس ومصر مؤخراً، إذ بدأت كلاهما باحتجاج فردي (انتحار عاطل عن العمل)، لاقى تأييداً من بعض الناشطين والمواطنين الذين خرجوا في تظاهرات احتجاجية، سرعان ما تحوّلت إلى ثورة إنضم إليها الكثير من الناشطين والأحزاب والتيارات السياسية وحشود من المواطنين الغاضبين.

ومن الأسباب الرئيسية لانبثاق الظروف الثورية مختلف العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، ومنها: انعدام المساواة الاجتماعية، الضرائب الباهظة، ارتفاع أسعار السلع والخدمات الضرورية للفقراء، شيوع الفقر بين شرائح واسعة من المجتمع، فساد الطبقة الحاكمة، سيادة القمعية، ومصادرة الحريات الفردية والاجتماعية والسياسية، الهزائم العسكرية والدبلوماسية، وهيمنة ونفوذ الأجانب، وتجاهل القيم المقبولة لدى المجتمع.

وخلافاً لآراء كارل ماركس وأتباعه، لا يعدّ الحرمان الاقتصادي بالضرورة العام الرئيس لتكوّن الظروف المساعدة على الثورة. فالثورات لم تنبثق قط في المجتمعات التي شهدت تراجعاً في اقتصادياتها، بل ظهرت في بعض المجتمعات ومنها المجتمعان الأميركي والإيراني، في ظروف سادها لون من الرخاء الاقتصادي النسبي، ولم يكن الفقر والحرمان هو العامل الذي أدى إلى اندلاع الثورة.

بيد أن هذا لا يعني عدم وجود فئات اجتماعية كانت لها مطالب اقتصادية واعتراضات قبل الثورة في إيران، وكذلك الأمر في الولايات المتحدة، ويوجد قطبان رئيسيان عبّرا عن سخطهما بدوافع اقتصادية، القطب الأول والأقل أهمية هو البؤس الحقيقي لطائفة من المجتمع يعد تحريرها من الضغوط والحرمان من خصائص الثورة. والقطب الثاني وهو الأهم وهو شعور بعض الفئات بأن الظروف الحالية تحول دون نشاطها الاقتصادي أو تقيّده أو تحدّ منه.

يقول تروتسكي، أحد قادة الثورة الشيوعية في روسيا: “إن مجرّد وجود الحرمان لا يكفي لخلق التمرّد، فلو كان الأمر كذلك لكانت الجماهير دائماً في حالة تمرّد وثورة”.

ويرى الباحث الأميركي كرين بيرنتن في كتابه “تشريح الثورة” أن المجتمع، الذي يسبق ثورة كبرى، يجمع بين التوترات الاجتماعية والسياسية، وأن ثمة مساراً عاماً تتبعه معظم الثورات. لكنه يرى أن أعراض الثورة تميل إلى الكثرة والتنوّع وهي غير منتظمة في نمط متسّم بالتنسيق.

ورأت الباحثة الألمانية الأميركية حنة أرندت في كتابه “في الثورة” أن العنف لا يكفي لوصف ظاهرة الثورة وإنما مستوى التغيير هو الوصف الأجدر بها، ولا يمكننا الحديث عن الثورة إلا حين يحدث التغيير وحين يستخدم العنف لتكوين شكل مختلف للحكومة لتأليف كيان سياسي جديد، وإلا حين يهدف التحرّر من الاضطهاد إلى تكوين الحرية.

ولعلّ هذا التوصيف للثورة هو الذي ينبغي أن يكون معيار الحكم على الثورات العربية الراهنة، أي مستوى التغيير وجذريته، وتحقّق الحرية السياسية (Freedom) والتي تعني المشاركة في الشؤون العامة، وليس فقط التحرّر (Liberty)، بمعنى نيل الحقوق الأساسية الثلاثة، الحياة والحرية والملكية.

والمشاركة السياسية هنا لا تعني حق الاقتراع وانتخاب ممثلي الشعب في البرلمان والحكومة فحسب، بل أن يعبّر ممثلو الشعب المنتخبون في البرلمان والحكومة عن تطلعاته ومصالحه. تحذرنا أرندت من المبالغة في التفاؤل بشأن الثورة إذا لم تسر في طريقها المرسوم، مشيرة إلى أن ثمة حقيقة مؤسفة مفادها أن معظم الثورات المعروفة كانت أبعد ما تكون عن إنجاز تكوين الحرية، بل إنها لم تتمكن من الإتيان بضمانات دستورية للحقوق والحريات المدنية.

كما تنبّه أرندت إلى دور “الثوريين المحترفين”، وهم الذين لم يساهموا عادة في صنع الثورة، بل في القفز إلى السلطة بعد اندلاعها. كما أن ميزتهم الكبرى في صراع السلطة لا تكمن في نظرياتهم وفي الإعداد العقلي أو التنظيمي، وإنما تكمن في حقيقة بسيطة مفادها أن أسماء أولئك “الثوريين المحترفين” كانت الأسماء الوحيدة المعروفة لدى الجمهور.

كم تنطبق ملاحظة أرندت على واقع الثورات العربية عموماً، حيث قفز الكثير من السياسيين والأحزاب والمثقفين الذين لم يشاركوا في الثورة في بداياتها، إلى تلقفها ومحاولة تصدّرها وحصد نتائجها.

الثورة ليست عاصفة تهبّ فجأة تحت سماء صافية، وضربتها العنيفة المفاجئة ليست سوى الدَّاية التي تقوم بإخراج المولود الجديد، الذي أكمل نمّوه في تراكم تدريجي. فالثورة هي الشرارة التي تشعل النار الذي يرقد تحت الرماد.

ومن العلامات الأولية على الثورة: عدم كفاءة الحكومة وازدياد عيوبها وأخطائها وارتكاباتها وفساد مسؤوليها، تصاعد شكاوى المواطنين من الغلاء والضرائب وانتشار الفقر والبطالة، تفضيل الحكومة لفئة أو طبقة على أخرى ما يزيد من العداوات الاجتماعية، انتشار الفساد والرشوة بين المسؤولين والموظفين، ضعف أجهزة الرقابة والقضاء والشفافية، تغلغل الفساد إلى ضباط الشرطة والأمن والجيش، الهزائم العسكرية والدبلوماسية وارتهان الحكومة للأجانب، غياب المشاركة السياسية وانعدام التمثيل الشعبي في مؤسسات الدولة، حكم العائلة الواحدة والحزب الواحد والطائفة الواحدة، وغياب تداول السلطة وسيادة عامل التوريث، استهتار الحاكم بالشعب وإهماله لمطالبه واستناده إلى القمع واستخدام القوة للحفاظ على سلطته، الخ..

وقد يكون تشخيص الثورة في مراحلها المبكرة صعب للغاية. ففي عدد من المجتمعات التي شهدت ثورات كان هناك حديث متزايد عن الثورة مع اقتراب نشوبها، وكذلك شعور متنامٍ بالتوتر الاجتماعي وبالغضب المتعاظم. لكن الثورة الفعلية بمعنى توقيت اندلاعها مفاجئة دائماً، فهي كالبركان الذي يتوقع انفجاره ولكن لا يمكن تحديد توقيت ذلك. ففي المراحل الأولى التي تسبق اندلاع الثورة تشهد البلاد عادة تصعيداً للاحتجاجات ضد طغيان الحكومة وسيلاً من الحملات الإعلامية ضد الحكومة، وتصاعد نشاط مجموعات معارضة. الحكومة تلجأ عادة إلى استخدام القوة لكنها تفشل في قمع المعارضة لأن الأخيرة تكون قوية وفعالة ومصممة، بسبب كسرها لعامل الخوف من جهة، واستنادها إلى دعم جماهير واسعة.

وفي مواجهة تحرك الجماهير، تفتقد الحكومة عادة الحماسة والفعالية بل إن المعارضة تكسب الكثير من أنصار الحكومة وموظفيها. وغالباً ما يصاب الحاكم وأعوانه بالارتباك والحيرة والتخبّط، ما يقوده إلى قرارات متسرّعة وخاطئة تزيد من غضب الجماهير وانتشار الثورة. كما أن اللجوء إلى القوة قد يكون له أثر سلبي في تأجيج جماعات أخرى ودفعها لتأييد الثورة والانضمام إليها.

وقد يؤدي ذلك إلى حصول تمردات داخل أجهزة الأمن والجيش، أو تحييدها عن الصراع، مما يفقد السلطة قوتها القمعية ويجعلها عارية أمام زحف الشعب. وفي بعض الحالات، قد يقود لجوء الحكومة إلى استخدام قوات الأمن والجيش إلى اندلاع حرب أهلية وتدخل خارجي، أو إلى استعانة الحكومة بقوات أجنبية لقمع الانتفاضة.

المسيحيون في العراق.. ودرب التهجير

د. هيثم مزاحم

المسيحيون العراقيون هم من سكان بلاد ما بين النهرين الاصليين، احفاد البابليين والكلدانيين والأشوريين والعرب، المتمثلين بقبائل تغلب، واياد، ومضر، وربيعة، وسليم، وطيء. ولا شك في أن تاريخ المسيحية في العراق يعود الى بدايات هذا الدين السماوي، الذي ظهر في فلسطين، وانتشر في بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية.
ظهرت المسيحية في العراق في القرن الأول الميلادي، حين اعتنق معظم سكان بلاد الرافدين المسيحية، فيما كان بعض منهم يدين باليهودية والمجوسية والمانوية الى عبادة الأوثان.
ويروى أن طيمون، أحد الشمامسة السبعة، قد بشّر بالدين الجديد في البصرة وكان أسقفاً لها. وعلى الرغم من أن الاقبال على المسيحية كان بطيئاً في العراق، فقد شارك في اعمال المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية عام 381م أسقف واحد من بصرى (البصرة) في العراق.
ويعود الفضل في بدء التبشير بالمسيحية في غرب العراق الى بعض الاسرى المسيحيين، الذين نقلوا الى الحيرة وغيرها، عام 260م. خلال الصراع بين الغساسنة والمناذرة. ولكن الفضل الاول في الانتشار يعود الى القديس سمعان العمودي في النصف الاول من القرن الخامس الذي أثر في حركة التبشير كثيراً.
وقد أسهم ملوك الحيرة المناذرة في حماية المسيحية في العراق وفارس، وخصوصا المنذر الاول (418 – 462م) وشارك اساقفة الحيرة في القرن الخامس في مجامع محلية، ترأسها جاثليق سلوقية، ووافقوا على مقرراتها، فأمسوا من النساطرة. وفي مطلع القرن السادس الميلادي، نشط السريان لبث دعوتهم في الحيرة، فأمها شمعون الأرشمي، وأقام فيها، واستجاب له بعض المسيحيين، وبنى أشرافهم كنيسة أو أكثر في العراق. وعاصر شمعون ملك الحيرة آنذاك المنذر الثالث، واعتبر أكبر داع الى المسيحية في الحيرة عاصمة الدولة.
وكانت حيرة النعمان في الربع الاول من القرن السادس أرثوذكسية خاصة، على الرغم من تغلغل النسطورية في بلاد فارس. وذلك لأنها استأثرت بالنصيب الأوفى من عناية مار شمعون الأرشمي، ومن نضاله المرير في نصرة الدين المسيحي، منذ العقد الأخير من القرن الخامس وحتى العام 523 – 524م، كما كتب في رسالته الاولى الى “شهداء نجران”.
وبموت النعمان، تولى الملك الشاعر الشهير عمرو بن كلثوم (554 – 569م) وكان مسيحياً، وأنشأت أمه هند الغسانية، زوجة المنذر الميت، ديراً في الحيرة. ويبدو انه بعد موت عمرو، رجع خليفته المنذر بن المنذر الى الوثنية.
وثمة روايات متضاربة حول تنصر ملوك الحيرة، فالطبري يروي أن “امرأ القيس بن عمرو ابن عدي (288 – 328م) أول من تنصر من ملوك الحيرة، ويذكر ابن خلدون أن النعمان ابن شقيقة (النعمان الاعور 403 – 431م) هو أول من تنصر. ولا يتسع المقام هنا للحديث عن دور الحيرة في نهضة الشعر والأدب والخطابة والعلم. في تاريخ العراق والعرب قبل ظهور الاسلام، ودور المسيحيين في تلك النهضة.

ظهور الاسلام…

وبعد ظهور الاسلام نحو سنة 600 للميلاد وسيادته على الجزيرة العربية وبلاد الرافدين وبلاد الشام. ترك الاسلام لديانات أهل الكتاب، وخصوصاً المسيحيين حرية البقاء على دينهم وممارسة شعائرهم الدينية، كما كانت لهم مناظرات ومباهلات دينية مع الرسول محمد وأهل بيته. وبعد الفتح الاسلامي للعراق، تضاءلت اعداد المسيحيين على مدى قرون عدة لاسباب، منها اعتناق الكثيرين الاسلام. وأقدم كنيسة في العراق موجودة آثارها في محافظة كربلاء، قرب بلدة عين تمر، وهي تعتبر من أقدم الكنائس في العالم.
كما أسهم المسيحيون العرب،وخصوصاً في العراق، في النهضة في تاريخ الخلافة الاسلامية، ولا سيما في عهدي الامويين والعباسيين. فعندما بنيت بغداد، وانتقلت اليها الحكومة العباسية، شجعت السلطات حركة التأليف والترجمة، فبدأ العلماء والاطباء والمثقفون السريان المسيحيون يتوافدون الى بغداد للاسهام في هذه الحركة العلمية التي بدأت تزدهر في عهد هارون الرشيد، حينما اقيمت اكاديمية بيت الحكمة في عام 800 تقريباً. وبرز عدد من العلماء والاطباء والفقهاء السريان، الذين كانوا من اصول آرامية وعربية وكلدية وآشورية، فأسهموا منذ نهاية القرن السابع وحتى القرن العاشر في الحركة العلمية والحضارية العربية. وقد احصى ابن النديم عدد المساهمين في حركة الترجمة العربية، فظهر ان معظم هؤلاء كانوا من الصفوة المتعلّمة من السريان، ومعهم عدد من اهل حرّان ذوي الاصول البابلية – الكلدية الذين يطلق عليهم (الصابئة).
وعلى الرغم من طابع المد والجزر في العلاقات الاسلامية – المسيحية وفق الحكومات والحكام، الا ان التعايش الاسلامي – المسيحي استمر في العراق وصولاً الى الحقبة العثمانية التي لقي بعض المسيحيين وكثير من المسلمين، خصوصاً العرب منهم، ظلماً كبيراً خلالها. وعاش المسيحيون العراقيون مع اخوتهم المسلمين خلال فترة الحكم العثماني (1534 – 1918م)، وتحملوا صعوبات هذا العهد وشقائه من ظلم وفساد سياسيين، فضلاً عن عراقيل اجتماعية واقتصادية، الامر الذي ابقاهم بعيدين عن ميادين الفكر والنهضة، وذلك بسبب النظرة الشوفينية التركية. فكان العراقيون جميعاً مضطهدين، ينتشر بينهم الجهل والفقر والمرضى. ورغم ذلك، فإن بعض المسيحيين استطاعوا ان يبرزوا على الساحة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فأسهموا في حركة اليقظة والنهضة العربيتين مع اخوانهم المسلمين.

النساطرة واليعاقبة..

استمرت كنيسة العراق بين نساطرة ويعاقبة (ارثوذكس) حتى القرن الخامس عشر، حين انضم ثلاثة من مطارنة النساطرة الى الكنيسة الكاثوليكية، واختير “سولاقا” ليصبح بطريركاً للكلدان. من هنا، تأسست الطائفة الكلدانية الكاثوليكية التي تمثل حالياً غالبية المسيحيين في العراق، وهي لا تزال تحافظ على لغتها السريانية بلهجتها (السورث)، ومعها تراث مستمر من اخبار الكنيسة المشرقية في العراق، وكثير من المخطوطات الدينية، وكتب التاريخ القديمة المحفوظة في الاديرة التي لم تصل اليها التعديات المختلفة خلال القرون الماضية. اما دخول الكثلكة الى صفوف الكنيسة السريانية، فتم في القرن الثامن عشر، على يد الآباء الدومينيكان، الذين قدموا الى الموصل عام 1749. ولدخول الكثلكة الى الموصل والعراق عامة عاملان:
العامل الثقافي: كانت جهود الآباء الدومينيكان كبيرة في حقل الثقافة السريانية؛ فقد انشأوا اول مطبعة في الموصل وربما في العراق، وطبعوا الانجيل باللغتين العربية والسريانية. وهاتان الطبعتان كانتا وحيدتين في تاريخ العراق حتى مطلع القرن العشرين. كما ترجموا كتباً دينية وقصصاً عن الفرنسية، وألفوا كتباً مدرسية باللغتين العربية والفرنسية لتعليم الفرنسية لغة ثانية، كما أقاموا معهداً في عام 1875 باسم معهد يوحنا الحبيب. وصار على الكاهن منذ ذلك الحين ان يتعلم الديانة واللاهوت وتاريخ الكنيسة واللغات الاجنبية، فضلاً عن اللغتين العربية والسريانية. وظل ذلك النهج قائماً في ظل الكنيسة الكلدانية حتى تأسيس “كلية بابل للاهوت” في بداية التسعينيات من القرن الماضي. وصار على الكاهن ان يحصل على ثقافة بمستوى البكالوريوس على الاقل.
العامل السياسي – الاجتماعي: ساعد تأثير فرنسا الديبلوماسي في العهد العثماني مهمة الآباء الدومينيكان – من دون شك – في تطوير الثقافة المسيحية في الموصل، حيث انشأوا مدرسة ابتدائية، ومن ثم مدرسة ثانوية استمرت حتى بداية استقلال العراق عام 1920، عندما اقيمت مدارس حكومية في كل انحاء العراق. وكانت الدولة العراقية الفتية في عهد الملك فيصل الاول دولة متنوّرة، اقرّت الحرية للرسالات السموية، ومنها المسيحية، فتعددت مدارسها وكنائسها، وتعززت اديرتها، فتخلص المسيحيون، للمرة الاولى منذ قرون، من اثقال الجزية ونظام الضرائب والاتاوة العثماني التي كانت تفرض عليهم.

عهد الاستقلال..

في عهد الاستقلال، اقرّت الحكومة العراقية للمسيحيين حق انتخاب خمسة نواب من بين مئة نائب لمجلس النواب الجديد. كما استوزر عدد منهم منذ الحكومة النقيبية الاولى عام 1920 وعهد لبعضهم بوظائف مهمة. وكانوا صفوة من المتعلمين والمثقفين الذين تخرّج معظمهم في المدرسة الثانوية للآباء الدومينيكان في الموصل، وبعضهم تخرج في كليات تركية واوروبية، وكذلك في مدرسة الحقوق العراقية التي تأسست عام 1908. فقد كانت من اوائل كليات الحقوق في الوطن العربي، وتخرّج منها عدد من المثقفين والشخصيات العراقية. بينهم من المسيحيين المحامي انطوان شماس، وجورج جورجي، والاديب والصحافي روفائيل بطي، وهذا الاخير كان اول وزير للاعلام في العراق في حكومة فاضل الجمالي عام 1956، وهو صاحب جريدة “البلاد” الذائعة الصيت.
ومن المسيحيين الذين درسوا في اوروبا، او درسوا في كليات او جامعات اميركية في الشرق الاوسط، امثال الدكتور حنا خياط اول وزير للصحة في العراق في الحكومة النقيبية الثانية. وكان في الوزارة الاولى وزيراً بلا وزيرة، وذلك في عام 1920. والاب انستاس ماري كرملي، احد علماء اللغة العربية، وصاحب اول مجلة ادبية راقية في العراق “لغة العرب”. اما الدكتور متى عقراوي فقد اصبح اول رئيس لجامعة بغداد عام 1959. والمطران اغناطيوس افرام برصوم، مؤلف كتاب “اللؤلؤ المنثور في الآداب السريانية” عام 1946. واعتمد قسم آخر من النخبة على الثقافة الاميركية. ومن ابرز الذين تخرجوا في جامعات اميركية من المسيحيين عبد المسيح وزير، الذي تخرج في الجامعة الاميركية في تركيا، وعين مترجما في وزارة الدفاع العراقية، ويعود اليه الفضل في ترجمة الرتب العسكرية الى العربية للمرة الاولى في الوطن العربي، وترجمة الصنوف والاسلحة التي كانت مسمياتها تركية. وبرز في ستينيات القرن الماضي عدد من الادباء والعلماء والمفكرين المسيحيين، نذكر منهم كوركيس عواد الذي ألّف 51 كتاباً في التاريخ والبلدانيات والبيبلوغرافيا والمراجع والمكتبات؛ وبشير فرنسيس الذي ترجم بالاشتراك مع طه باقر ملحمة جلجامش كاملة وبدقة للمرة الاولى في اللغة العربية في عامي 1949 – 1950، ونشرت في مجلة “سومر”؛ اما فؤاد سفر فقد اشتهر كتابه عن مملكة حطرا او الحضر التي نقّب في آثارها، ودرس وترجم نحو 300 من الكتابات المنقوشة باللغة الآرامية – الحطرية في آثارها. وغيرهم.
ونصّ الدستور العراقي الجديد الذي اقر في عام 2005 على ضمان كل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين واليزيديين والصابئة. كما نص على ان العراق بلد متعدد القومية والدين والمذهب. كذلك ضمن الدستور تمثيل الاقليات في الحكومة والبرلمان بما يتناسب وحجمها.

الواقع الديموغرافي لمسيحيي العراق..

المسيحية هي ثاني رسالة سموية في العراق من حيث عدد الاتباع بعد الاسلام، وهي رسالة معترف بها وفق الدستور العراقي، الذي يقر بأربع عشرة طائفة مسيحية في العراق مسموح التعبد بها. ويتحدث غالبية اتباع الطوائف المسيحية اللغة العربية كلغة ام، في حين ان نسبة منهم تتحدث باللغة السريانية، بلهجاتها العديدة، وباللغة الارمنية.
وقُدّر عدد المسيحيين في عهد الاستقلال عام 1920 بـ5 في المئة من عدد سكان العراق الذين كانوا يبلغون خمسة ملايين نسمة، بعد ان كان المسيحيون في القرن السابع للميلاد نحو نصف سكان العراق. وشكّلت نسبة المسيحيين، بحسب احصاء عام 1947، 3,1 في المئة اي نحو 149 الف نسمة من اصل الاربعة ملايين ونصف مليون عراقي. وقدر عددهم في الثمانينات من القرن الماضي بين المليون والمليوني نسمة من مجموع السكان. وانخفضت هذه النسبة بسبب الهجرة خلال فترة تسعينيات القرن الماضي، وما اعقب حرب الخليج الثانية من اوضاع اقتصادية وسياسية متردية.
ووفقاً للاحصاء الذي اجري في العام 1977، فإن 2,14 في المئة من سكان العراق هم مسيحيون، وان نسبة النمو في صفوفهم تراجعت من 3 في المئة في 1957 الى 0,73 في المئة عام 1977. وكان عدد المسيحيين في العراق نحو مليون و684 الف نسمة عام 1977، تدنى في آخر احصاء عام 1987 الى مليون وربع المليون نسمة، بنسبة 5 في المئة من الشعب العراقي. وعشية الاحتلال الاميركي عام 2003 بلغ عدد المسيحيين العراقيين نحو 700 الف شخص، اي نحو 3 في المئة من اجمالي عدد السكان البالغ نحو 25 مليون نسمة. اما اليوم فمن الصعوبة تحديد عدد المسيحيين في العراق، وان كان البعض يقدّر عددهم بما بين 530 الفاً و650 الف نسمة، ويقدّر عدد الذين غادروا البلاد بنحو 350 الف نسمة. فقد تسارعت وتيرة هجرة المسيحيين بعد احتلال العراق عام 2003 واعمال العنف الطائفي والعمليات الارهابية التي عصفت به، وادت الى تهجير عدد كبير من مسيحيي بغداد – خصوصاً ضاحية الدورة – اضافة الى مسيحيي المدن الاخرى، الى خارج العراق، او الى منطقة اقليم كردستان الآمنة نسبياً. وغني عن القول ان هذه الاعمال الارهابية استهدفت المسلمين كما المسيحيين، وادت الى تهجير العراقيين من جميع طوائفهم.

التوزّع الجغرافي والطائفي..

ينتشر المسيحيون في العراق في كل المحافظات تقريباً، لكن وجودهم يتركز في العاصمة بغداد، حيث يوجد اكبر تجمع سكاني لهم، وفي المدن الكبرى: الموصل، وكركوك، والسليمانية، والبصرة، واربيل، والعمارة، والحلة، وبعقوبة، والحبانية؛ وفي الشمال، في منطقة كردستان حيث يعيشون في نحو 120 قرية؛ وفي منطقة سهل نينوى قرب الموصل، وفي مناطق تل كيف، وقراقوش، وشيخان التي تضم كنائس.
ويتوزع هؤلاء على كنائس تنتمي الى طوائف عدة تتبع طقوساً مختلفة. علماً ان معظمهم من اتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، فيما يتوزع الآخرون على الطوائف الآتية: السريانية الارثوذكسية، السريانية الكاثوليكية، الكنيسة الارمنية الكاثوليكية، الكنيسة الارمنية الارثوذكسية (وهم غالبية ارمن العراق)، كنيسة المشرق القديمة، كنيسة المشرق الآشورية او الكنيسة الآثورية، الروم الكاثوليك، الروم الارثوذكس، الطائفة البروتستانتية الانجيلية الوطنية، الطائفة الانجيلية البروتستانتية الآشورية، طائفة الادفنتست السبتيين، طائفة اللاتين الكاثوليك وطائفة الاقباط الارثوذكس (وهم من الجالية المصرية في العراق). ويتوزع هؤلاء حالياً بحسب النسب المئوية كالآتي: 65 في المئة كلدان (كاثوليك)، و14 في المئة سريان (كاثوليك وارثوذكس)، و16 في المئة اشوريون (من طوائف ثلاثة)، و4 في المئة ارمن (من طوائف عدة)، و1 في المئة من طوائف بروتستانتية.

christians of Iraq2

الطوائف المسيحية..

في ما يلي نبذة عن ابرز الطوائف المسيحية في العراق:
الكلدان: من اتباع الكنيسة الكاثوليكية التي تأسست بهذا الاسم عام 1445، حينما تحوّل الكثير من المسيحيين الذين كانوا يسمون بالنساطرة الى الكاثوليكية. ويُرجع الكلدان اصولهم الى البابليين – الكلديين الذين ينتمون الى احدى القبائل الآرامية، التي توطنت في منطقة الاهوار في جنوب بلاد الرافدين في القرن العاشر قبل الميلاد. ويشكّل هؤلاء معظم المسيحيين في العراق، وهم يتحدثون اللغة السريانية الشرقية منذ القرن الثاني الميلادي وحتى يومنا هذا. ينتشر الكلدان في مدينة بغداد خصوصاً وفي تل كيف، وبطنايا، وبارطلا والقوش في الموصل، وعينكاوة في اربيل وبعض البلدات في دهوك، تضم الطائفة أحزابا تألفت حديثا هي: حزب الاتحاد الديموقراطي الكلداني ويترأسه عبد الاحد افرام ساوا. تأسس عام 2000 ويصدر جريدة شهرية باسم “فجر الكلدان”. والمجلس القومي الكلداني الذي يترأسه فؤاد رحيم بوداغ، واتحاد بيت نهرين الوطني ويترأسه كوركيس خوشابا.
الآشوريون: يتبع معظمهم كنيسة العراق القديمة (النسطورية)، إلا أنهم ينقسمون الى ثلاثة مذاهب مسيحية. ويعود أصلهم الى الاقوام الآشورية، وقد جابهوا اضطهادات عدة، عثمانية ومحلية خلال القرون الماضية، مما جعلهم يهاجرون الى مناطق حكاري وبحيرة. وقد عادوا بعد عام 1915 بعدما اضطهد الارمن في تركيا العثمانية. وفي فترة الثلاثينات من القرن العشرين، عند اكتمال استقلال دولة العراق بدخولها الى المنظمات الدولية، طالب الآشوريون باحترام حقوقهم في مدنهم وبلداتهم في اربيل ودهوك، إلا أن الحكومة اعتبرت ذلك تمردا.
ويذكر الباحث رشيد الخيون، أن الآشوريين لم يذكرهم الدليل العراقي عام 1936 بسبب القتال الذي دار بينهم وبين الحكومة عام 1933، ويشير الى أنهم تعرضوا للقتل في مذبحة سميل بسبب مطالبتهم بحقوقهم القومية.
وأقدم حزب الحركة الديموقراطية الآشورية، الذي تأسس عام 1979 ويترأسه حاليا يونادم كنا، ويصدر حاليا جريدة أسبوعية بعنوان (بهرا) اي الضياء. كما تأسس حزب آشوري آخر عام 2003 باسم الحزب الوطني الآشوري الذي يترأسه نمرود بيتر حنا، الذي يشغل وزارة الصناعة في حكومة اقليم كردستان.
السريان: ينقسمون الى طائفتين: الكاثوليك، والارثوذكس. وهم من أتباع الكنيسة الغربية في سوريا التي سميت خطأ باليعقوبية، وكانت أبرز أبرشياتها في العراق، ومراكزها في تكريت وعانا ودير مار متى في الموصل. ويرجع السريان أصولهم الى الاقوام الآرامية والعربية. وقد أهمل معظمهم لغته التي كانت سائدة على الارجح حتى القرن السابع عشر وخصوصا في منطقة جبال لبنان.
لكن اللغة السريانية لا تزال تدرس في معاهد رجال الدين في العراق وسوريا ولبنان، بينما اضمحلت في فلسطين ومصر اللتين فضل مسيحيوها اللغة القبطية، وهي مزيج من اللهجة المصرية الفرعونية واللغة اليونانية التي سادت في مصر إبان السيطرة اليونانية والرومانية. ويتركز السريان في مدينة بغداد، وبلدات بخديدا (قره قوش)، وبعشيقا، وبحزاني وغيرها. عام 2005 قامت مجموعة منهم بتأسيس حزب باسم (حركة تجمع السريان) في مدينة بخديدا، وقد تولى رئاستها يشوع مجيد هدايا الذي اغتيل في بداية عام 2007.
الأرمن: معظمهم من المهجرين وضحايا الاضطهاد العثماني في تركيا، حيث كانوا يسكنون منذ مئات الاعوام. هربوا بعد “مذبحة الارمن” عام 1915 الى الدول المجاورة، ومنها العراق وسوريا ولبنان، وعاشوا فيها منذ ذلك الحين. ينقسمون الى طوائف فيما معظمهم من الارثوذكس والكاثوليك بنسبة أقل وغير ذلك. لهم نشاطهم وثقافتهم الارمنية الخاصة، ومن أشهر الشخصيات الارمنية في العراق “كولبنكيان” الذي حصل من الباب العالي على موافقة على التنقيب عن النفط، وتنازل عن هذه الاجازة الى شركة النفط البريطانية التي سميت “شركة نفط العراق” فمنحته نسبة 5 في المئة من أرباحها، حتى تأميم النفط العراقي عام 1973. وقدم مساعدات كثيرة لدعم المؤسسات الثقافية في العراق. واشتهرت سارة خاتون في العهد العثماني الاخير بمساعدتها للأرمن، وكانت أملاكها تضم منطقة كمب سارة قرب بغداد الجديدة. ومن الارمن العراقيين المتميزين عازفة البيانو العالمية بياتريس اوهانيسيان، والاديب يعقوب سركيس وغيرهما.
البروتستانت والطوائف الغربية الاخرى: لا تتعدى نسبتهم 1 في المئة من عدد المسيحيين في العراق وقد تفرعوا من المذاهب والطوائف الاصلية في العراق.

السلفية في لبنان

د. محمد مصطفى علوش

 

شكّل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، في 14 فبراير/ شباط 2005، نقطة تحول في تاريخ التيارات السلفية في لبنان، لاسيما أن الإغتيال رافقه بثّ شريط لـ”أحمد أبو عدس”، يعلن فيه باسم تنظيم جهادي مسؤوليته عن الإغتيال، جاء ذلك متزامناً مع بروز نشاط تنظيم القاعدة في العراق والخليج [الفارسي] وبعض بلدان المغرب العربي. إلاّ أنّ الحديث عن وجود التنظيمات السلفية الجهادية في لبنان لم يأخذ ذلك الزخم المتوقع، الى أن وقع الإعتداء الاسرائيلي على لبنان في يوليو/ تموز عام 2006، حيث بدأ الإهتمام ينصبّ حول حقيقة وجود خلايا أصولية متشددة قادمة من بلدان عربية الى لبنان، إمّا لإعادة ارسالها الى العراق أو لضرب حزب الله خوفاً من سيطرته على لبنان، معززاً ذلك الشعور باشتداد الصراع السني- الشيعي في العراق.
وهكذا تدحرج الأمر الى أن ظهر تنظيم “فتح الإسلام” في مخيم نهر البارد عام 2007، وأصبح لبنان محط أنظار العالم.

سُوّق لبنان في حينها أنه بلد مضطرب داخلياً إذ بات مسرحاً للحركات الأصولية، تصول وتجول فيه، سواء في المخيمات الفلسطينية(عين الحلوة – نهر البارد) أو في محافظات مثل البقاع وطرابلس وغيرها.
وكان من مقتضيات ذلك اتهام حاملي الفكر السلفي ومتبنيه في لبنان بالتعاطف والإحتضان لعناصر تنظيم “فتح الإسلام” الذي خاض معارك شرسة ضدّ الجيش اللبناني شمال طرابلس طيلة ثلاثة أشهر.
وقد كان خروج الجيش السوري من لبنان المتنفس للكثير من المرجعيات السلفية التي عادت للعمل الدعوي والإجتماعي من أوسع أبوابه ملتقية، ومتقاطعة في كثير من الأحيان مع توجهات “تيار المستقبل”، التيار السياسي الأكثر نفوذا حالياً داخل الطائفة السنية.

البذور الأولى للفكر السلفي

تعود البدايات الأولى لولادة الفكر السلفي في لبنان الى مطلع القرن العشرين مع “الشيخ محمد رشيد رضا”، صاحب “مجلة المنار” الذي لازم شيخ الأزهر الشيخ محمد عبده فترة من حياته، قبل أن يتحوّل إلى تبنّي الفكر السلفي والدعوة اليه، فالشيخ رضا هو من مواليد بلدة القلمون القريبة من مدينة طرابلس شمال لبنان، الأمر الذي دفع بالعلماء المحبين للشيخ، للتعرّف بشكل أوسع وأكبر على الفكر السلفي الذي يحمله، والذي كان يلقيه في روع هؤلاء، خلال زياراته لبلدته ومدينته قادماً من مصر.
يومها كان الأمر يقتصر على بعض النخبة من الإسلاميين، ولم ينفذ إلى عمق الشارع السني لغاية الستينيات من القرن الفائت، وذلك على يد “الشيخ سالم الشهال” الذي لُقب بـ”الأمير” من خلال تأسيسه لأول جماعة سلفية سميّت “جماعة المسلمون”، من مبادئها الدعوة لنهج الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

وكان الشيخ سالم يتنقل بين مدن وقرى الشمال، وخصوصا طرابلس والكورة، ويعتمد في دعوته على الوعظ والارشاد، ويسعى الى إقامة أفضل العلاقات مع البيئة التي تحيط به، وخصوصاً المسيحية.
يقول صهره حسن الشهال: “خلال نصف قرن من معاصرته للمسيحيين في الكورة، لم تحصل أية مشكلة بينه وبينهم، وكان يؤثر الحوار السلمي والبعد عن العنف”.
تحوّل العمل السلفي بعد ذلك، وبفعل المتغيّرات السياسية في لبنان، ليصبح تنظيماً عسكرياً جهادياً سُمّي “نواة الجيش الإسلامي” في السبعينيات من القرن الفائت على يد الشيخ داعي الإسلام، نجل الشيخ سالم.

الإجتياح الإسرائيلي محطة فاصلة

خلال الإجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، شعر السّنة في طرابلس أن الإجتياح سوف يكمل طريقه لمدينة طرابلس بعد سيطرته على بيروت وصيدا حيث الوجود الكثيف للسّنة في لبنان، فما كان من الإسلاميين، وعلى اختلاف توجهاتهم، سوى الإنخراط في العمل المسلح تحت لاءات الدفاع عن اسلامية وعروبة طرابلس بوجه الاحزاب القومية والشيوعية واليمينية المسيحية.
وقد كانوا يمدّون كلّ من بيروت وصيدا بالمال والمقاتلين، بعد ان انضوى الكثير من السلفيين، والذين كانوا قلّة انذاك، تحت راية “حركة التوحيد الإسلامي”.
بعد كسر الجيش السوري لشوكة الإسلاميين في مدينة طرابلس عام 1985، حاول السوريون إدارة ملف الإسلاميين في لبنان، على غرار غيره من الملفات، إلا ان علاقتهم بالسلفيين كانت الأكثر توتراً.
وقد شهدت أكثر من محطة حاسمة وقاضية أبرزها عام 1996 حين قرر السوريون إقفال أكبر جمعية سلفية، هي “جمعية الهدية والإحسان” التي يرأسها نجل الأمير سالم الشيخ داعي الإسلام الشهال، وبالتالي اغلاق كل معاهدها ومراكزها المنتشرة في أكثر من مدينة ومنطقة لبنانية.
بعدها شهدت الحالة السلفية عملية ولادات متكررة لكوادر ومراجع عديدة، تتنافس فيما بينها على كسب الشارع السني، وتنوّعت تسمياتها ما بين سلفية جهادية وسلفية تربوية وسلفية قطبية (سرورية) وغيرها من المسميات.

هكذا برز الوجود السلفي في لبنان عام 1982م، أي مع بداية الإجتياح الإسرائيلي للبنان الذي تشرزم فيه لبنان على كافة الصعد الإجتماعية والسياسية.
وقد كان العام 1982 بداية التراجع لنفوذ أهل السنة في لبنان بعد الغبش الذي لفّ مصير لبنان وهويته مع تعالي الأصوات الداعية لتغريب لبنان وإلحاقه بالمشروع الغربي، وحتى الإسرائيلي.
وإذا استثنينا بعض النشاطات الإجتماعية في مدينة طرابلس، فإن العمل الإسلامي كان شبه معدوماً.
ويُرجع الشيخ داعي الإسلام الشهال الوجود السلفي الى ما قبل عام 1982 وتحديداً لعام 1977م حيث كان أول نشوء سلفي مُنظّم، الاّ انه كان غير معلن، ويقول إن “أول بيان صدر باسم “نواة الجيش الإسلامي” كان سنة 1974.
أمّا ظهوره للعلن فقد كان في عام 1983م أثناء معركة “أبوعمار” التي كان أحد أطرافها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات”.

ويرجع الشيخ الشهال سبب نشأة “الجيش الإسلامي” لرغبة من يعتنقون الفكر السلفي في “تقوية شوكة أهل السنة بشكل عام، ومواجهة هجمة الفساد الخلقي التي ظهرت بوضوح آنذاك بسبب الأحداث، ومواجهة الأحزاب من يسارية وشيوعية وقومية، أي القوى غير الإسلامية المعادية للعمل الإسلامي في طرابلس” التي ظهرت وبقوة عام 1982 في لبنان، لاسيّما في طرابلس التي كانت الخزّان الحقيقي المموّل مادياً وبشرياً للجبهات، التي كانت مفتوحة في وجه العدو الإسرائيلي وعملائها كـ”جيش لحد” في صيدا وسائر مناطق الجنوب، فضلاً عن دعم الحركات التي وقفت في وجه الوجود الإسرئيلي في بيروت.
بعد عام 1985م، تمدد الفكر السلفي المنظم إلى العاصمة بيروت وجوارها وتحديداً منطقة إقليم الخروب، ومدينة صيدا، تحت مسمى “الجماعة والدعوة السلفية” المتولّدة من “نواة الجيش الإسلامي”.
وكان أحد أسباب هذا التوجّه نحو العاصمة وجوارها هو دخول الجيش السوري في سبتمبر/أيلول 1985م إلى مدينة طرابلس، ومقتل أحد مؤسسي الفكر السلفي في طرابلس “الشيخ اسامة القصاص” على يدّ جماعة الأحباش، بحسب ما يتهم السلفيون.

بعد اتفاق الطائف

استمرّ العمل على هذا الحال تناغماً مع الوضع السياسي في لبنان حتى عام 1989م، أي قبيل مؤتمر الوفاق الوطني بعام واحد 1988م، حيث لوحظ أن القيادات اللبنانية المتناحرة تتجه نحو حلّ ما للأزمة اللبنانية، وانسجاماً مع المتغيّرات الجديدة، فقد تمّ تغيير اسم الجمعية إلى إسم جديد هو “جمعية الهداية والإحسان”، ورُخص لها سنة 1989م، حيث حاولت أن يتخطى عملها العمل التنظيمي العسكري، ليطال مجالات اجتماعية وتربوية ودعوية وخدماتية، تمثل بـ”كفالة أيتام، والعمل الدعوي، ومنشورات ومساجد. تبع ذلك بناء معاهد للجمعية، بلغت خمسة معاهد عام 1991، وكذلك إذاعة، طالت معظم الأراضي اللبنانية، وغطّت جزءاً من الساحل السوري والمصري والتركي.
إلا انه تمّ حلّ الجمعية عام 1996م، برغبة مباشرة من الوصاية السورية في لبنان، وذلك على خلفية طبع الجمعية كتيباً في مدينة طرابلس يتناول الفرق والمذاهب في التاريخ الإسلامي، حيث تطرق الكتيب للمذهب العلويّ، واصفاً أصحابه بالفرقة الضالة الكافرة.

يعتبر هذا التاريخ محطة فاصلة في انفلاش العمل السلفي الهرمي وانشطاره، وقد أعقب حلّ الجمعية ظهور جمعيات ووقفيات عديدة، أسّسها تلامذة الشيخ الشهال، حيث انقلب كثير منهم على فكر الشيخ، وانقلب تلامذة التلاميذ على أساتذتهم، وراح الكلّ ينافس الكلّ على كسب الشارع الإسلامي، وما عزّز هذا التحوّل هو كثرة الجمعيات والهيئات، والشخصيات الخليجية الممولة مالياً وعقائدياً لهذه الوقفيات والجمعيات السلفية.
أما في بيروت، فلعل أولّ عمل سلفي فيها كان مع افتتاح اذاعة “صوت الإسلام” عام 1993، وقد اشرف عليها “وقف القدوة للعلم والدعوة” في بيروت، وهو عبارة عن اتحاد جمعيتين، هما “جمعية التقوى” و”جمعية العلم والإيمان” بإشراف الشيخ أحمد الميكاوي الذي تأثر بمدرسة الشيخ سفر الحوالي، والشيخ سلمان العودة، والشيخ سعد الحصين الذي كان وزيراً للأوقاف في السعودية. حصل بعدها خلاف داخل اذاعة “صوت الإسلام” بين تيارين، تيار قطبي قريب من أفكار علماء الصحوة في السعودية وتيار آخر محسوب على الشيخ عبدالهادي وهبة المتأثر بفكر الشيخ المدخلي.

وتعتبر “جمعية الهداية والإحسان” الجامع الأساسي للسلفيين في لبنان، بحسب ما يقول مؤسسها الشيخ داعي خلال حوار معه بقوله: “هي الأم لما نشأ من جمعيات سلفية تُعنى بأهل السنة والجماعة، وكانت الجمعية هي الأكثر انتشاراً جغرافياً ودعوياً في الأراضي اللبنانية.
وفي طرابلس خصوصاً حيث الثقل السني في لبنان لم يوجد غيرها من جمعيات لها أنشطة”.
هذا التحوّل في تركيبة التنظيم السلفي في لبنان من تنظيم هرمي بقيادة واحدة الى تنظيمات وجمعيات لها أفكارها ومناهجها ومصادر تمويلها، أدى في مابعد إلى إنحراف بعض هذا الفكر من فكر أساسُه إعادة المسلمين الى الأصول الأولى للدين بالتربية الى فكر يعتمد العنف في فرض ايديولجيات راديكالية، تمثلت باغتيال الشيخ نزار الحلبي، أحد أبرز تلامذة مؤسس “جمعية المشاريع الخيرية”(الأحباش) الشيخ الأثيوبي عبدالله الهرري عام 1995 في بيروت، ثم “أحداث الضنية” أواخر عام 1999م وبداية عام 2000، حيث كان أول احتكاك عسكري بين عناصر من حملة الفكر السلفي الجهادي والجيش اللبناني.

وبرغم عودة “جمعية الهداية والإحسان” للعمل من جديد بعد أن حكم مجلس شورى الدولة لصالحها باستئناف عملها من جديد عقب الخروج السوري من لبنان عام 2005، فإن العمل السلفي يبدو أنه شطّ عن طريقه وعصي على الإنضباط.
فما أحداث مخيم نهر البارد المتورط فيها عدد من اللبنانيين من حملة الفكر السلفي، وما الإتهامات التي وجهت لبعض مؤسسي “اللقاء الإسلامي المستقل” إلا مؤشر آخر إلى أن الوضع السلفي في لبنان بحاجة الى إعادة تقويم سواء من العلماء السلفيين أو من قبل الحكومة وأجهزتها الأمنية في كيفية التعامل مع هذا الفكر وحملته.
وكان من آخر تجلّيات هذا الفكر بروز الشيخ أحمد الأسير في مدينة صيدا منذ عامين وتمدد نشاطه الى مدن لبنانية أخرى.
ويعود سبب بروز الشيخ الأسير لطروحاته التي تتخطى قواعد اللعبة السياسية التي التزم بها منافسوه من حملة الفكر السلفي ومتصدريه تاريخياً. ولعل اللافت في ظهور الأسير هو قدرته على استقطاب الإعلام بوسائله المتعددة بشكل أكثر ممّا يفعل الآخرون.
وفي اعتقادي ان الأسير استطاع ان يخرج الفكر السلفي من كونه حكراً على شريحة اجتماعية، وقيادات أغلبها موجودة في شمال لبنان الى التمدد على طول الجغرافيا اللبنانية، وهو ما سيخلق استحقاقات جديدة سواء في تطوّر هذا الفكر، وتنافس متصدريه في لبنان أو في طريقة تعاطي الجّهات الرسمية والأمنية معه.
أحمد أبو عدس هو شاب فلسطيني يعيش في لبنان، لمع اسمه فجأة يوم اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005 حيث بثت قناة “الجزيرة” شريطا يعلن فيه أبو عدس مسؤوليته عن تنفيذ التفجير.
وكانت جماعة مجهولة، تطلق على نفسها اسم “النصرة والجهاد في بلاد الشام”، تبنت عملية اغتيال الحريري.
وقالت في شريط مصور بثته “الجزيرة” إنها نفذت القصاص العادل في رئيس الوزراء اللبناني السابق، على حد تعبيرها. وأضافت ان شخصا يدعى أحمد أبوعدس، نفذ الهجوم “ضد الحريري العميل للنظام السعودي وانتقاما لمن قتل في السعودية”. وتوعد المتحدث بأن تكون عملية الاغتيال فاتحة لعمليات اغتيال أخرى في بلاد الشام.