الحركات الإسلامية الحديثة في ليبيا

book_libya

العنوان: الحركات الإسلامية الحديثة في ليبيا: منطلقاتها – قياداتها – تجاربها – مآلاتها

المؤلف: محمود النّاكوع – الناشر: دار الحكمة  لندن

السنة: 2010 عدد الصفحات: 111

قراءة: هيثم مزاحم


مقدّمة

كان للإسلاميّين دورٌ بارزٌ في الثّورة اللّيبيّة منذ انطلاقتها في 17 شباط / فبراير 2011؛  فقد تجنّدوا كمقاتلين عسكريّين وشاركوا بفعاليّة في مصراتة ومعركة تحرير طرابلس ثم تحرير سرت واعتقال القذّافي وقتله.

لقد كانت الحركةُ الإسلاميّةُ في ليبيا بتيّاراتها وأجنحتها المختلفة، مجهولةً بالنسبة إلى غير اللّيبيّين أو غير المُختَصِّينَ في الشّأن الليبيّ، نتيجة القمع والتّعتيم الإعلاميّ لنظام القذّافي من جهة، وضعف هذه الحركة ولجوئها إلى العمل السّريّ من جهة أخرى.

ومن المفيد جدا في هذا السياق العودة إلى كتاب الباحث الليبيّ محمود النّاكوع “الحركاتُ الإسلاميّةُ الحديثةُ في ليبيا: منطلقاتُها، قياداتُها، تجارِبُها، مآلاتُها”، الصّادر عام 2010، أي قبل أشهرٍ من اندلاع الثّورة، للتعرف على هذه الحركات الإسلاميّة ومنطلقاتِها وتَجارِبِها.

ولا يهدِف هذا الكتابُ – كما يقول المؤلّف – إلى التّوسّع في منطلقات وتراث الحركات والجماعات والأحزاب الإسلاميّة الأمّ أو الأصليّة، ولكنّه يهدِف إلى التّعريف الموجز بالفروع التي نشأت في ليبيا، وهي فروعٌ محدودةُ الإبداع والعطاء الفكريّ، فهو لم يَعثُر على كتبٍ أو مجلّاتٍ ولا حتّى صُحفٍ صدرت عنها، فقد ضُيّق عليها في عهد القذّافي، ولم يُسمح بنشر أيّ تراث لها، حتّى لو كان تاريخيًّا قديمًا.

وكان النّظام الليبيّ بشوكته الأمنيّة العسكريّة، وبقدراته الماليّة، وبعلاقاته الدّولِيّة قد انتصر على تلك الجماعات الصغيرة عددًا وعُدَّةً، وهو انتصارٌ فرضته ملابساتٌ وظروفٌ عِدَّةٌ، هي من طبيعة ليبيا جغرافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

وعلى الرّغم من ذلك الانتصار المادّيّ للسّلطة ومؤسّساتها، فإنّه بقي انتصارًا محدودًا؛ فهناك مسائلُ لا يُمكن أن تُقمع بأدواتها، وهي العقائدُ والأفكارُ. فمهما بلغت قوّة الدّولة وأجهزتها من “السّجون، وأدوات التّعذيب والقتل وهدم البيوت”، فإنّها لن تستطيع تغيير القناعات الدينيّة أو الفكريّة كما أثبتت تجارِبُ التّاريخ الإنسانيّ. وهذا ما يشير إليه الكاتب في تقديمه للكتاب (الصفحة الخلفية من الغلاف) قائلا: “إنَّ كلّ عقيدةٍ صحيحةِ المنطلقات، ومنسجمةٍ مع الفِطرة الإنسانيّة، وقابلةٍ عقليًّا للحوار، كانت هي المنتصرة في نهاية مسار الصّراع”، فكلّ فكر دينيٍّ أو بشريٍّ محض، قام على أُسسٍ من أنساقٍ عقليّةٍ وروحيّةٍ وأخلاقيّةٍ، لا يُمكن أن يُهزم بأدواتٍ مادّيّةٍ صمّاء.

ويرى النّاكوع أنّه إذا استطاعت الحركات الإسلاميّة أن تُراجع فكرها وعملها مراجعةً سليمةً، وفي وضعٍ لا ضغوطَ فيه، عندها ستكون العِبَرُ مُثمرةً، وذاتَ جدوى، بل وذاتَ مستقبل.

ولا شكّ في أنّ جميع الحركات، والجماعات الإسلاميّة التي خاضت تجرِبة التّنظيم والعمل، ودخل بعضُها في صراعٍ ضدّ السّلطة، كانت متأثّرةً بما يجري في البلاد من تحوّلات ثقافيّةٍ وسياسيّةٍ صاحبتها أعمال عُنفٍ وصداماتٌ داميةٌ في الجامعات وخارجها (قبل ثورة 17 فبراير)، كما كانت متأثّرةً بما كان يجري في المحيط الجغرافيّ العربيّ والإسلاميّ.

وقبل أن يتناول الكتاب الحركات الإسلامية الحديثة تاريخًا وفكرًا وممارسةً، استعرض بإيجاز الوضع السياسيّ في البلاد، وبالتّحديد منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانية، وحتّى الإعلان عن الاستقلال. فقد نالت ليبيا استقلالها في 24 كانون الأول / ديسمبر 1951 بعد كفاح عسكريّ وسياسيّ دام نحو أربعين عامًا (1911-1951)، وجاء الاستقلال ثمرة التّضحيات التي قُدّرت بأكثر من نصف مليون ليبيّ.

ويذكر الشيخ الطّاهر الزّاويّ أنّ بعض هؤلاء، استُشهدوا في ميادين الجهاد والصراع ضدّ الغزاة الطّليان، وبعضهم ماتوا من جرّاء مضاعفات الحرب ومنها: المعتقلات والهجرات والمجاعات والأمراض التي كانت تفتك بالنّاس دون أيّ عناية من الدّولة المُحتلّة، ودون وجود أيّ مساعدات إنسانيّة، لا من داخل الوطن الذي كان سكّانه يعانون من الفقر والجهل، ولا من جهات أخرى.

وعندما خسرت إيطاليا الحرب العالميّة الثّانية، وانسحبت قواتها من ليبيا عام 1943، أصبحت البلاد تحت حكم الإدارة العسكريّة البريطانيّة باستثناء المناطق الجنوبيّة (فزّان)، الّتي أصبحت تحت سيطرة القوّات العسكريّة الفرنسيّة. وقد أنشأ الإنجليز إدارةً عسكريّةً مؤقّتةً في المِنطقة الشّماليّة في كلٍّ من برقة وطرابلس، وكلّ واحدة منهما منفصلة عن الأخرى انفصالًا تامًّا، بينما خضعت المنطقة الجنوبيّة لحكم الفرنسيّين الذين أنشأوا بدورهم إدارةً عسكريّةً فيها، باعتبار أنّ الفرنسيّين هم الّذين قاموا بالعمليّات العسكريّة الّتي أخرجت الطّليان وحلفاءهم من هذه المِنطقة.

وخلال هذه المرحلة -أي ما بين 1943 و1951- كانت البلاد وقياداتها الوطنيّة تخوض المعركة السياسيّة لنيل الاستقلال، وكانت أجواءُ ما بعد الحرب العالميّة الثّانية تبدو مُناسِبَةً لتصعيد العمل السياسيّ وطنيًّا وعربيًّا ودوليًّا، وأعطت بريطانيا الضّوء الأخضر للقيادات السّياسيّة والثّقافيّة لإطلاق نشاطاتها، وبدأ مُناخٌ جديدٌ يختلف تمامًا عن أجواء الاحتلال الإيطاليّ وما جرّه من عذاب ودمار. وحتّى منتصف عام 1943، بدأ الحَراك العمليّ في تأسيس النّوادي الثّقافيّة، ثمّ الأحزاب السياسيّة، وقد بلغ عددُها خلال بضع سنوات أكثر من عشرة أحزاب سياسيّة منها:

  •  الحزب الوطنيّ بقيادة أحمد الفقيه حسن عام 1944.
  •  الجبهة الوطنيّة المتّحدة بقيادة سالم المنتصر عام 1946.
  •  حزب الكتلة الوطنيّة بقيادة علي الفقيه حسن وأخيه أحمد وعناصر أخرى انشقّت عن الحزب الوطنيّ.
  •  جمعيّة عمر المختار برئاسة خليل الكوافي عام 1943.
  •  الجبهة الوطنية برعاية السّيّد ادريس السّنوسي عام 1946.
  •  حزب المؤتمر الوطنيّ بزعامة بشير السّعداوي في يوليو 1949.

كما تأسّست أحزاب وجمعيّات صغيرة أخرى.

وكانت تلك الأحزاب والجمعيّات، وقياداتها كثيرة الاختلاف والتقلّبات، وتعكس المِزاج الثّقافيّ السّياسيّ الّذي لم تكن له أيّ خبرة سابقة في هذا المجال، وهو أمر طبيعيّ تمرّ به كلّ التّجارب الحزبيّة، خاصّة في مثل تلك الظروف الصّعبة.

المهمّ أنّ تلك المرحلة بكل ما فيها من سلبيّات وصراعات، أعدّت القيادات والجماعات السّياسيّة لمواصلةِ عمليّة الكفاح السياسيّ على المستوى الإقليميّ والدّوليّ، وتمكّنت مع عوامل خارجيّة أن تُحقّق هدفها، وهو انتزاع الاستقلال بقرار من الأمم المتّحدة، فأصبحت ليبيا، أوّل مرّة في التّاريخ، دولةً مستقلّةً، لها دستورها ومؤسساتها التّشريعيّة، بنظامٍ ملكيٍّ اتّحاديٍّ. ونُصّب محمد إدريس السّنوسي، حفيد المصلح الإسلاميّ محمد علي السّنوسي ( 1787-1859) مَلِكًا عليها.

 وإنَّ الدّارس لتلك المراحل من تاريخ ليبيا السّياسيّ، يلاحظ أنّ الوطنيّة هي البعدُ الثّقافيُّ الّذي أفرز كلّ النّشاطات والأحزاب، وأنّ الإسلام كان مصدرًا أساسيًّا في إلهام تلك التّيّارات الوطنيّة معاني الكفاح والثّبات والاستشهاد، خاصّة وأنّ الأمير إدريس، الزّعيم الرّوحي لذلك الحَراك، ينتسب إلى حركة إسلاميّة إصلاحيّة، هي الحركة السّنوسيّة.


الحالة السّياسيّة في البلاد قبيل الاستقلال

وقد تأخر ظهور الحركات الإسلاميّة، ولم تفرز المراحل السابقة لعام 1952 أيّ حركة أو تنظيم، أو حزب يُسمّى أو يستمدّ من الإسلام صفته السّياسيّة. وفي 19 شُباط / فبراير من عام 1952 تمّ تنظيم أوّل انتخابات نيابيّة في ليبيا، لكنَّ حزب المؤتمر شكّك في نزاهتها، ووقعت في أثنائها صدامات وأعمال عنف بين الشّرطة والمواطنين، أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى في المدن السّاحليّة في ولاية طرابلس، كما جرى اعتقال عدد كبير من أنصار حزب المؤتمر. وبسبب تلك الأحداث، تغيّرت الأوضاع السّياسيّة تغيّرًا دراميًّا، أدّى إلى نتائج سلبيّة، حيث أعلنت حكومة محمود المنتصر حالة الطوارئ، واعتُقل بشير السّعداوي، ثم جرى إبعادُه إلى خارج البلاد للتخلّص من وجوده كزعيم معارض طموح، وحُلّ حزبه الذي كان أكبر الأحزاب، ثم أُلغيت فكرة الأحزاب في كلّ البلاد وحُلّت جميعُها، لأنّ السّلطة الحاكمة؛ بحسب رأي مجيد خدوري، لم تكن تنظر بارتياح إلى النّظام الحزبيّ.

أدّى منع تشكيل الأحزاب بصورة قانونيّة وعلنيّة إلى خيار العمل السّرّيّ، ومن هنا كانت بدايات الحركات الإسلاميّة، وغيرها من الحركات القوميّة واليساريّة، وهو الذي سيقودها جميعًا إلى صراعات ومواجهات مع السُلطة الحاكمة.

وسوف تتّجه مآلات هذه الأحزاب التّنظيميّة إلى أوضاع في غاية الصّعوبة، وستنتهى قياداتها وعدد كبير من أعضائها إلى السّجون والقتل في الدّاخل، أو إلى الهروب والهجرة إلى خارج الوطن، وبعضها سيتوقّف عن النّشاط توقّفًا كاملًا في داخل البلاد وخارجها.

وعلى الرّغم من ضياع فرصة نظام الأحزاب في العهد الملكيّ وحكوماته المتعاقبة، ولجوء التّيّارات المُسيّسة إلى العمل السّريّ، إلّا أنّ النّظام الملكيّ تعامل معها بشيءٍ من التّسامح والأحكام المُخفّفة لمن تم اعتقالهم، مثل البعثيّين والقوميّين العرب؛ بينما اختلف الأمر بشدّة في عهد معمّر القذّافي، حيث أصبحت الحزبيّةُ جريمةً عقوبتُها الموت. وعلى الرّغم من ذلك، لم تتوقّف التّنظيمات السّرّيّة، بل  تضاعف عددُها، وهو ما يبحث فيه هذا الكتاب.


Islamists_libya

ظهور الإخوان المسلمين في ليبيا

يقسم الكاتب تاريخ حركة الإخوان المسلمين في ليبيا إلى ثلاث مراحل، كانت انطلاقة المرحلة الأولى منها في أواخر العَقد الرّابع من القرن العشرين، والتي يُمكن وصفُها بأنّها مرحلة التّعريف بالمنطلقات والأفكار العامّة للجماعة والدّعوة لنشرها، والعمل من أجل استقطاب الأنصار في أوساط الشّباب.

ومن أهمّ أسباب وصول فكر الإخوان إلى ليبيا -وخاصةً إلى مدينة بنغازي- قدوم ثلاثةٍ من الشّبّان المصريّين من جماعة الإخوان من مصر إلى ليبيا، وهم عز الدّين إبراهيم، ومحمود الشّربيني، وجلال سعدة، الّذين هربوا بسبب الاتّهامات الّتي وُجّهت إلى عدد من الإخوان في حادثة اغتيال النقراشي رئيس الحكومة المصريّة عام 1949.

واحتضنت مدينة بنغازي هؤلاء الشُّبّان، بعد إصرار الأمير إدريس على رفض تسليمهم للسّلطات المصريّة، واستطاع أحدُهم وهو الأستاذ عزّ الدّين إبراهيم من خلال التّدريس في المدارس اللّيليّة، ومن خلال العلاقات التي أقامها مع النّاس، أن يعطى صورة جيّدة عن الإخوان ودعوتهم، ونتيجة ذلك؛ انتمى عددٌ من الشّبان اللّيبيّين إلى الجماعة. وإلى جانب هؤلاء الشُّبّان الثلاثة الفارين، كان لبعض المُدرّسين المصريّين من الإخوان المسلمين، تأثيرهم في تلك المرحلة في ليبيا.

يذكر عبد الله أبوسن، أحد شخصيّات الإخوان في ليبيا، في مقابلة مع مجلّة المجتمع الكويتيّة، العدد 1054 “أنّ حركة الإخوان بدأت في ليبيا في أواخر أربعينيّات القرن العشرين، على أيدى مجموعة من المُدرّسين المصريّين المُنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك بعض الإخوان الّذين لجأوا إلى ليبيا، وعلى رأسهم الأستاذ الدّكتور عزّ الدّين إبراهيم”.

كانت الانطلاقة الأولى في ولاية طرابلس بعيد الاستقلال، حيث جاء إلى البلاد عددٌ كبيرٌ من المدرّسين المصريّين للتّدريس في المدارس الإعداديّة والثّانويّة وفي المعاهد، وكان بعضهم من الإخوان أو من المتعاطفين مع الإخوان، كما رجع إلى البلاد عددٌ من اللّيبيّين الّذين درسوا في مصر، أو كانوا مهاجرين في مصر، وتأثّروا هناك بدعوة الإخوان، وبعضُهم شارك معهم في حرب فلسطين عام 1948.

أمّا المُنطلقاتُ الفكريّةُ الّتي قامت عليها الحركةُ في ليبيا، فهي المنطلقاتُ ذاتُها الّتي وضعها مؤسّسها في مصر الإمام حسن البنّا عام 1929، والّتي ركّزت -في بدايات دعوته- على الأخلاق والتّعليم وبناء الفرد المسلم بناء سليمًا.

وفى رسالة المؤتمر الخامس، تبدو شموليّةُ فكره واضحةَ المعالم.. يقول حسن البنّا: “فكرةُ الإخوان المسلمين تضمّ كلّ المعاني الإصلاحيّة، فهي دعوةٌ سلفيّةٌ؛ لأنّهم (أي الإخوان) يدعون إلى العودة بالإسلام إلى مَعينه الصّافي من كتاب الله وسُنّة رسوله. وطريقةٌ سُنّيّةٌ؛ لأنّهم يحملون أنفسهم على العمل بالسُّنّة المطهّرة في كلّ شيء، وبخاصّةٍ في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا. وحقيقةٌ صوفيّةٌ؛ لأنّهم يعلمون أنّ أساسَ الخير طهارةُ النفسِ، ونقاءُ القلبِ، والمواظبةُ على العملِ، والحبُّ في الله، والارتباطُ على الخير. وهيئةٌ سياسيّةٌ؛ لأنّهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل، وتعديلِ النّظر في صلة الأمّة الإسلاميّة بغيرها من الأمم في الخارج، وتربيةِ الشّعب على العِزّة والكرامة والحرص على قوميّته إلى أبعد حدٍّ. وهي جماعةٌ رياضيّةٌ؛ ورابطةٌ علميّةٌ ثقافيّةٌ؛ وشِركةٌ اقتصاديّةٌ؛ وفكرةٌ اجتماعيّةٌ”.

بهذه الشموليّة تحدّث دُعاة حركة الإخوان في ليبيا إلى الشّباب لجذبهم نحو تيّارهم الّذي كان يَشُقُّ طريقه بصعوبة، خاصّة بعد قيام الثّورة المصريّة عام 1952، وحلّها لكلّ الأحزاب أوّلًا، ثمّ حلّها لجماعة الإخوان.. بعد أن تباينت السّياسات والأهداف بين قيادة الثّورة وقيادة الإخوان.

وبسبب ذلك الصدام الدّامي بين الإخوان في مصر وعبد الناصر، جاء إلى ليبيا في العهد الملكيّ عددٌ من الشّخصيّات الإخوانيّة، ومن هؤلاء: الدّكتور محمود أبو السّعود؛ وهو اقتصاديٌّ معروفٌ، والدّكتور مصطفى مؤمن؛ وهو مهندسٌ مِعماريٌّ مشهورٌ، والمهندس يوسف ندى؛ رجلُ الأعمال المعروف، والمهندس عمر الشّاوي. وكانوا يمارسون أعمالًا مِهنيّةً في مجالاتٍ تتناسبُ مع قُدراتهم.

وسط تلك الخلافات والصّراعات، وفى أجوائها الصّاخبة في مصر؛ حيث الحملات الإعلاميّة، وحيث الاعتقالات، ثمّ الإعدامات التي طالت عددًا من قيادات الإخوان، كانت ليبيا ما زالت تستقبل الكثير من المُدرّسين المصريّين للعمل في مدارسها ومعاهدها؛ ومنهم من يحملون دعوة الإخوان، دون الجهر بانتمائهم إلّا لمن يثقون به ثقة كاملة.

وفى العَقدين الخامس والسّادس من القرن الماضي -وبرغم الظّروف الصّعبة نِسبيًّا- نشأ تيّار الإخوان في ليبيا، وأصبح عددُ المنتمين إليه والمتعاطفين معهم يُقدّر بالمئات، وذلك برغم قانون تجريم الأحزاب، وبرغم المناوشات والهجمات الكلاميّة الّتي كان يقوم بها التيّار النّاصريّ في ليبيا ضدّ الإخوان بصورة عامّة، وهو التّيّار الأوسع شعبيّةً نتيجةَ تأثير خُطب عبد النّاصر وإعلامه.

في تلك المرحلة‘ لم يتبلور عملُ الإخوان في ليبيا في شكلِ تنظيمٍ له تَصوُّراتُه النّظريّة، وله أُطُرُهُ التّنظيميّة، وله قياداتُه المختارةُ اختيارًا مباشرًا من قاعدةٍ مُنتَظِمَةٍ على أُسسٍ انتخابيّةٍ متعارفٌ عليها. وربّما وُجدت بعضُ الأسر كوُحداتٍ تنظيميّةٍ لأغراضٍ تعليميّةٍ تربويّةٍ، ولكنها لم تَرقَ إلى أيّ مستوًى من مُستويات التّنظيمات الحزبيّة.

وقد تأثّر بمدرسة الإخوان العشراتُ من الشّخصيّات الليبيّة الّذين عُرفوا بمكانتهم السّياسيّة أو العلميّة أو الاجتماعيّة طَوال الخمسينيّات والستينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي؛ ومنهم من تولّى مراكزَ مرموقةً في مؤسّسات الدّولة.

وقد حافظ تيّارُ الإخوان -خلال تلك المراحل المتوتّرة سياسيًّا- على حضورٍ ملموسٍ، بفضل عددٍ من رموزه الّتي كانت تعملُ في المعاهد المتوسّطة، مثل معهد مالك بن أنس، وفي المدارس الإعداديّة والثّانويّة المنتشرة في كلّ البلاد، وفى كليّات الجامعة اللّيبيّة، وفي جامعة محمد بن علي السنوسيّ الإسلاميّة. كما كان لتلك الرّموز نشاط مهم من منابر المساجد في عددٍ من المدن اللّيبيّة ومنها: طرابلس، بنغازي، الزّاوية، البيضاء، درنه، مصراته، غريان، نالوت. ومن تلك الرّموز: الشّيخ فتح الله محمد أحواص، وهو أشهرُ خطيب إسلاميٍّ آنذاك، والشّيخ محمّد كريدان. وعمرو النّامي، الذي كان له نشاط في نالوت مع الأستاذ المربّي الشّيخ علي يحي معمر، ومن الرّموز الإخوانيّة في بنغازي، والتي كانت تمارس الخطابة، وإلقاء الدّروس، عبد الكريم الجهاني وادريس ماضي.

ومن المهم التّأكيد على دور الكتب والمجلّات الإسلاميّة، والتي انتجتها أقلام إخوانيّة ومنها كتب سيّد قطب. ومن المجلّات: مجلّة “المسلمون” ورئيس تحريرها سعيد رمضان، وكتاب الحضارة الإسلاميّة لمصطفى السّباعي، وكذلك كتب محمد قطب، وكتابات العلّامة الهندي أبو الحسن الندوي، والشّيخ محمّد الغزالي، وغيرهم.

ومن الشّخصيّات الإسلاميّة البارزة التي كانت على صِلةٍ بالإخوان في طرابلس، الدّكتور أحمد صدقي الدجاني، بل إنّ البعض كان يعتبره من الإخوان. وهو شخصيّةٌ لها نشاطُها الفكريّ المنتظمُ عبرَ المحاضرات العامّة، والأحاديث الإذاعيّة، والمقالات الصحفيّة.


الإخوان المسلمون: المرحلة الثانية

ألحقت إسرائيل خلال حرب حزيران / يونيو 1967 هزائم فادحة بعدد من الجيوش العربيّة، وخاصّةً الجيش المصريّ، ما أحدث ردود أفعال كبيرة لدى كلّ المستويات الشعبيّة في الوطن العربيّ، وخاصّةً على مستوى الأحزاب والحركات، ومنها التّيّارات والحركات الإسلاميّة.

وفي ليبيا، وبعد الحرب بشهور قليلة، بادرت مجموعة من الشخصيّات المنتمية فكريًّا إلى مدرسة الإخوان، ببحث إمكانيّة إنشاء تنظيمٍ يجمع أكبر عدد من الأشخاص المقتنعين بأفكارهم، وانتهت المشاورات والاتّصالات إلى عقد سلسلة من الاجتماعات في شقة محمد رمضان هويسة في منطقة زاوية الدّهماني في طرابلس. وكان هويسة الذي ينحدر من أسرة معروفة لها مكانتها الاجتماعيّة يعمل في التّجارة والمقاولات، وانتمى إلى الإخوان مذ كان طالبًا في الثّانويّة، وكان شديد الحماسة للجماعة وتاريخها وجهادها، فلم يُخفِ انتماءه إليها، وخاصّةً عندما كان يدرُس بجامعة بنغازي في أوائل ستينيّات القرن الماضي.

انتهت سلسلة الاجتماعات تلك، إلى الاتّفاق على تأسيس تنظيمٍ للإخوان في طرابلس، وضمّت لجنته القياديّة الشيخ فتح الله محمد أحواص (الذي كان يُعرف بالشّيخ فاتح أحواص): رئيسًا للتّنظيم، ومحمد رمضان هويسة: مسؤولًا للعلاقات الخارجيّة، ومحمود محمّد النّاكوع: مسؤولًا عن شؤون التّنظيم، وعمرو خليفة النّامي: مسؤولًا عن النّشاط الجامعيّ، ومختار ناصف: مسؤولًا عن الشّؤون المالية.

وبرزت هذه اللّجنة بحكم نشاطها وحضورها الفكريّ والاجتماعي وتاريخها في تَيّار الإخوان، ولم تكن مُختارةً أو مُنتخبةً من مجموع الأعضاء بصورة مباشرة، بل كانت موضع قَبولٍ بحكم المنزلة والقدرة والثّقة، ولم تَعرف تلك التّجرِبة ما يُسمّى عند الإخوان بالبيعة. ونظرًا لسِرّيّةِ العمل، فلم تَكتب المجموعةُ أيّ نظامٍ أساسيٍّ، أو ميثاقٍ، أو بيان.

في غضون ذلك، كان لإخوان بنغازي تنظيمٌ مُشابِهٌ، وكان من قياداته: عبد الكريم الجهاني، ادريس ماضي، مصطفى الجهاني، محمد الصلابي، صالح الغول وآخرون، وقد وُجدت علاقاتٌ تنسيقيّةٌ لتبادل الآراء والمعلومات حول النّشاط العامّ بسرّيّةٍ تامّةٍ، مُستغلّةً الهامش الذي أتاحه النّظام؛ وكان في ذلك متّسعٌ للنّشاط الثقافيّ وإلقاء الخطب.. وإن كانت سياسيّة. وطَوالَ العهد الملكيّ 1952 – 1969، لم تعتقل السّلطات أعضاء تلك التّجارب التّنظيميّة الإخوانيّة؛ لا في طرابلس ولا في بنغازي. ولكن الجميع كانوا تحت رقابة الأجهزة الأمنيّة.

ظلّت تلك المحاولةُ مقتصرةً في نشاطها على تنظيم بعض اللّقاءات لمجموعة الأُسَر، الّتي لا يتجاوز عددُ أعضائها الأربعين؛ وهؤلاء هم كلّ أعضاء التّنظيم في طرابلس وما حولَها من مدن في غرب البلاد، ولكنّ العشرات من قُدامى الإخوان لم ينضمّوا إلى المحاولة المذكورة لأسبابٍ متعدّدة.

تلك التجرِبة التّنظيميّة استمرّت نحو عام، ثمّ توقّف النّشاط تلقائيًّا، حيث انقطع كثيرون عن حضور لقاءات الأُسَر، وهي لقاءاتٌ روتينيّةٌ رتيبةٌ، تدور جلساتُها حولَ قراءةٍ في موضوعٍ تثقيفيٍّ في التّفسير، أو الحديث، أو التّاريخ. ولم يكن هناك أيّ نشاط سياسيٍّ أو صحافيٍّ يدفع إلى الحَراك بحيويّة، فلم تكن لدى الإخوان وقتها رؤيةٌ سياسيّةٌ واضحةٌ ومبرمجةٌ للتّعامل اليوميّ أو المرحليّ مع الواقع السّياسيّ والتّوقّعات المستقبليّة، واقتصرت بالإضافة إلى نشاطها الدّعَوِيِّ، على معارضة الفساد الّذي كان محدودًا، ومعارضةِ وجود القواعد الأجنبيّة، وذلك من خلال الخُطَب، وبعض الكتابات الصحافيّة.

وخشى الإخوان وقوع انقلاب عسكريّ، يضع البلاد في مَهبّ الرّياح العاصفة، ويكرّر في ليبيا ما حدث في المشرق العربيّ، حيث كانت الحركات الإسلاميّة -وخاصّةً الإخوان- ضحيةَ تلك الانقلابات. وكانت سرّيّة العمل من أهمّ معوّقات نموّ جماعة الإخوان نموًّا مناسبًا، كما كان الحال بالنّسبة للتّنظيمات الأخرى.

وعندما وقع الانقلاب العسكريّ بقيادة الضّبّاط الوَحدويّين في الأوّل من أيلول / سبتمبر 1969، والّذي أنهى النّظام الملكيّ، لم يكن هناك وجودٌ فعليٌّ للتّجرِبة التّنظيميّة الإخوانيّة، ولم يتمّ حلّها بصورة حاسمة من قِبَلِ اللّجنة القياديّة للانقلاب، وعبر مِلَفّات الأمن الموجودة لدى النّظام الملكيّ، والّتي تضمّنت قائمةً بأسماء العناصر الإخوانيّة النّشطة والمعروفة بحضورها الثقافيّ أو الصحافيّ أو الجامعيّ، جرى اعتقالُ نحو ثلاثين شخصًا من طرابلس في نيسان / ابريل عام 1973، أثناء الإعلان عمّا سُمّيَ رسميًّا بالثّورة الثّقافيّة والإداريّة، كان في مقدّمتهم اللّجنة القياديّة (يسمّيها البعض، الأسرة القياديّة).

واستمرّ الاعتقال لفتراتٍ متعدّدة، كان أقصاها حوالَى واحد وعشرين شهرًا، وبرغم البدء في إجراءات محاكمة تلك المجموعة، إلّا أنّ المحاكمة توقّفت بأمرٍ سياسيٍّ، وأُفرج عن الجميع، إثر خطابٍ للعقيد القذّافي رئيس مجلس قيادة الثّورة، قال فيه: إنّه إذا أراد الإخوان العمل للإسلام، فعليهم أن يعملوا له خارج ليبيا، وأن يتّجهوا إلى جمعيّة الدّعوة الإسلاميّة، ويهتمّوا بنشر الإسلام في إفريقيا وآسيا.

وفور الإفراج عنهم، طلبت الأجهزة الأمنيّة من عددٍ من الشّخصيّات، الاتّصال بجمعيّة الدّعوة في طرابلس، تنفيذًا لقرار القذّافي، وطلبت من عمرو النّامي أن يسافر للعمل خارج البلاد، وبذلك انتهى نشاط حركة الإخوان في ليبيا، وأصبحت محظورةً مثل كلّ الأحزاب الأخرى.

الإخوان المسلمون: المرحلة الثالثة

في أواخر العَقد السّابع، وأوائل العَقد الثّامن من القرن العشرين، انتشرت ظاهرة ما بات يُسَمَّى بالصّحوة الإسلاميّة، خاصةً بعد نجاح الثّورة الإسلاميّة في ايران عام 1979. وقد عجّت أوروبّا الغربيّة، والولايات المتّحدة، وكندا، بنشاط الشّباب المسلم، متمثّلًا في المؤتمرات، والنّدوات، والمخيّمات، والمنشورات، والتّظاهرات، ومن بينهم الآلافُ من الشّباب اللّيبيّ الّذين يدرسون في تلك البلدان الغربيّة، ويشاهدون ذلك الحَراك الإسلاميّ العامّ، ويتفاعلُ بعضُهم تفاعُلًا إيجابيًّا مع مدّه.

وقد كان أعضاء الإخوان المسلمين من البلدان العربيّة على اتّصالٍ مباشرٍ ونشطٍ في كلّ السّاحات الأوروبيّة والأميركيّة؛ وفي تلك الأجواء، انجذب كثيرٌ من الشّباب اللّيبيّ إليهم، وشاركهم في نشاطاتهم الثّقافيّة التّربويّة، وفي لقاءاتهم العامّة، ولاحقًا أسّس الشّباب اللّيبيّ في الولايات المُتّحدة أوّل تنظيمٍ للإخوان خارجَ البلاد، أطلقوا عليه اسم “الجماعة الإسلاميّة – ليبيا”؛ كان من قيادات تلك الجماعة عبد الله الشيباني وآخرون، وضمّت مجموعةً من أصحاب المؤهّلات العلميّة الّذين لم يُعلَن عن أسمائهم، وأصدرت الجماعةُ مجلّةً ناطقةً باسمها، تحت عنوان “المسلم”، والّتي صدر عددُها الأوّل في أيلول / سبتمبر 1980.

وعندما تأسّست الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا عام 1981، بمبادرة من مجموعةٍ من الشّخصيّات الإسلاميّة، انضمّ عددٌ من أعضاء الجماعة الإسلاميّة إليها، وكوّنوا مع عناصر أخرى تيّارًا مُهِمًّا داخلَها؛ وكان أحمد أحواس، أكثر قيادات الجبهة حماسةً واهتمامًا بذلك التّيّار، وظلّت الجماعةُ قائمةً بتواصُلَ نشاطِها.

وقد عاد عددٌ كبيرٌ من أعضاء الإخوان مطلعَ الثّمانينيّات إلى ليبيا بعد أن أكملوا دراساتهم العليا، ليستأنفوا سِرّيًّا تنظيم الإخوان، ومن بين الشخصيات التي شاركت في إحياء النّشاط الإخواني في تلك المرحلة: عماد البناني، عبد المنعم المجراب، الأمين بلحاج، عبد المجيد بروين. ومن العناصر السابقة، انضمّ كُلٌّ من إدريس ماضي ومصطفى الجهاني؛ وهذان انضمّا -في ما بعد- إلى حركة التّجمّع الإسلامي.

تُعتبر تلك؛ المحاولةَ التّنظيميّةَ الأولى من نوعها، التي تجمع قيادة وأعضاء كلّ حركة الإخوان في جميع أنحاء ليبيا. لقد تمّ ذلك عام 1987، وفي عام 1991، طوّرت المجموعة القياديّة أسلوبها في اختيار القيادات، وأجرت انتخاباتٍ لاختيار مجلسٍ للشّورى، يُنتخب أحدُ أعضائه مُراقبًا عامًّا.

لقد كانت القبضة الأمنيّة الحكوميّة في تلك الظروف بالغةَ الشّدّة، إذ لم يكن هنالك مجالٌ لأيّ نشاٍط سياسيٍّ أو دَعَوِيٍّ ملموسٍ؛ وكلّ الّذي كان مُتاحًا، هو توجيه بعض الشّباب تربويًّا، من خلال علاقات  العمل، أو في إطار العلاقات العائليّة، أو في بعض المناسبات الاجتماعيّة والدّينيّة. كما عمل الإخوان على جمع بعض الأموال لمساعدة الفقراء، وتخفيف الاحتقان السّائد في المجتمع، بحسب تعبير المراقب العامّ للإخوان سليمان عبد القادر، في مقابلةٍ مع قناة الجزيرة، عبر برنامج “زيارة خاصّة” في 30 / 5 / 2009.

في عام 1995، شنّت السّلطات الأمنيّة حملة اعتقالات واسعة، شملت تنظيمات عدّة، واستطاعت أعدادٌ كبيرةٌ من الشّباب المنتمي إلى تنظيماتٍ إسلاميّةٍ -ومنهم بعض الإخوان- الهروبَ من البلاد بشتّى الطّرق، ليتّجه أغلبُهم إلى أوروبّا الغربيّة،  بينما استأنفت مجموعات أخرى -أغلبهم من الطّلّاب العائدين- النّشاط من جديد؛  ومن هؤلاء: عبد الله عزّ الدّين المراقب العام، سالم أبو حنك نائب المراقب العام، ومجموعة من أصحاب الشّهادات العلميّة العليا.

وفى عام 1998، اكتشفت السّلطات الأمنيّة التّنظيم الإخوانيّ، فنفّذت حملة اعتقالات واسعة، شملت نحو مئة عضوٍ، حيث حُكم على المراقب العام ونائبه بالإعدام، وحُكم على أعضاء مجلس الشّورى بالمؤبّد، وعلى أعدادٍ أخرى بالسَّجن لسنواتٍ عِدّة. ومن أبرز العناصر التي كانت ضمن المعتقلين، الدّكتور عبد الله شاميّة، أستاذ الاقتصاد المعروف في جامعة قاريونس.

وخلال وجودهم في المعتقل، جرت محاولاتٌ عِدّة من جماعات إسلاميّةٍ وعلماءَ مسلمين، للتّحدُّث مع السّلطات اللّيبيّة للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين؛ مبرّرةً محاولاتِها بأنّ عملهم مؤسّسٌ على العمل السّلمي الدّعوِيّ، وليس على أيّ عملٍ عسكريٍّ، ولا يهدِف إلى التّغيير بالقوّة. وكان الشّيخ يوسف القرضاوي أحدَ أبرز أولئك العلماء؛ حيث زار ليبيا، وقابل العقيد معمّر القذّافي.. ويُعتقد أنّه تحدّث معه عن مسألة المعتقلين.

بقي الإخوان في السّجون حتى آذار / مارس عام 2006، حيث أُفرج عنهم جميعًا بعد تدخُّل سيف الإسلام القذّافي، الّذى جعل من مهامّ جمعيّة القذّافي للأعمال الخيريّة، تبني بعض مِلفّات حقوق الإنسان. فبعد سلسلة من الحوارات والاتصالات مع عددٍ من قيادات الإخوان في الخارج، وبعد حوارات مع المعتقلين، تمّ الاتّفاقُ – بعد مُوافقة العقيد القذّافي – على الإفراج عن الإخوان، بشرط ألّا يقوموا بأيّ نشاطٍ تنظيميٍّ ولا سياسيٍّ ولا اجتماعيٍّ عامٍّ، وأن يعيشوا مواطنين عاديّين، وأن يمارسوا حياتهم العاديّة.. وأُعطيت لهم أو لبعضهم تعويضاتٌ ماليّةٌ، وبعضُهم رجع إلى أعماله السّابقة، أو انخرط في أعمالٍ جديدة.

وظلّ عددٌ من الإخوان في الخارج، والّذين لم يتجاوز عددُهم مئتي شخص[1]، يواصلون نشاطهم، ويتابعون تطوّرات الوضع في البلاد؛ وواصلت قياداتُهم الإدلاء بتصريحات تؤكّد حضورهم، وتؤكّد أنّ نهجهم قائمٌ على الإصلاح والدّعوة إليه. وقد عبّرت مواقعُ تلك القيادات على شبكة الإنترنت، عن مواقفها في كثيرٍ من القضايا الوطنيّة.

هكذا نلاحظ أنّه ومن خلال مسيرة الإخوان المسلمين في ليبيا لأكثر من نصف قرن، لم يكن العمل العسكريّ واستخدامُ والعُنف يمثّل لديهم وسيلةً للتّغيير، وبالتّالي فقد ظلّت وسائلُهم فكريّةً ثقافيّةً تربويّةً؛ ولذلك برزت عبر المراحل الثّلاث المذكورة من تاريخهم في ليبيا، قياداتٌ وشخصيّاتٌ لها مكانتُها الاجتماعيّةُ والثّقافيّةُ. فالخُطباءُ والدُّعاةُ، وأساتذةُ الجامعاتِ، والكُتّابُ والصّحافيّون، والأدباءُ والشّعراءُ والتّجّار؛ جميعُهم من تلك القيادات.


حزب التّحرير الإسلاميّ

تأسّس حزبُ التّحرير الإسلاميّ بمبادرةٍ من الشّيخ تقي الدّين النّبهاني عام 1953، وهو شخصيّةٌ فلسطينية إسلاميّةٌ درس في الأزهر، وكان على صِلةٍ بالشّيخ حسن البنّا، مُنطلِقًا من ضرورة العمل على إعادة الخلافة الإسلاميّة، وقد ألّف النّبهاني مجموعةً من الكتب في السّياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والنُّظم، والدساتير ولاسيما الدستور الإسلامي. ومن أهمّ تلك الكتب “نظامُ الإسلام” الّذي يُدَرّسُ في الحلقات الأسبوعيّة الّتي يَعِقدُها الحزب.

إذًا، فالحزب تنظيمٌ سياسيٌّ إسلاميٌّ يدعو إلى استئناف الحياة الإسلاميّة، بإقامة دولة الخلافة من جديد، وهو يسعى إلى بلوغ هذه الغاية عبر ثلاث مراحل؛ الأولى: عبر استقطاب العناصر. والثّانية: بالتّفاعل مع المجتمع عن طريق نشر أفكار وآراء الحزب من خلال الدّروس والمحاضرات والنّشرات السّياسيّة وإرسال الوفود، والثالثة: بطلب النُّصرة ممّن لهم القدرةُ والتّأثيرُ لإقامة دولة الإسلام. هذا؛ والحزب لا يتبنّى ولا يُجيز استعمال القوّة وسيلةً للتّغيير أو الوصول إلى أهدافه تلك.

وبحسب رواية محمد سعد؛ أحد العناصر القياديّة، والّذي غادر ليبيا إلى الولايات المتّحدة،  فقد وصلت دعوةُ الحزب إلى ليبيا في أواسط خمسينيّات القرن الماضي، وأوّل من أنشأ حلقاتِه الأولى، هو: الشّيخ حسن عبد اللطيف أبو سلطان، الّذي كان مُدرّسًا في معهد التّعليم العالي في مدينة بنغازي، وهو فلسطينيٌّ من مواليد عام 1918، ولقد تمّ ترحيله من البلاد عقب انقلاب الضّبّاط عام 1969.

في العقد السّادس من القرن الماضي، شهد التّنظيم نُمُوًّا في أوساط المدارس الثّانويّة، وفي الكُلّيّات الجامعيّة، في كلٍّ من طرابلس وبنغازي؛ وقد كان المسؤول الأوّل في الحزب هو عبد الله أبو القاسم المسلاتي، أمّا المسؤول عن طرابلس وما حولَها هو حسن كُردي، ومن أبرز عناصره الآخرين: صالح النوال، محمد أحفاف، محمد الترهوني، على القصبي، علي كاجيجي، عبد الله حموده، علي العكرمي، ومحمد علي يحي معمر الّذي تمكّن من الهَرَبِ من السِّجن وتوجّه إلى مصر، بعد الاعتقالات التي حدثت خلال ما سُمِّيَ بالثّورة الثّقافيّة والإداريّة عام 1973.

وفي ذلك العام، اعتقلت السّلطات اللّيبيّة معظم قيادات الحزب وأعضائه، الّذين بلغ عددهم نحو أربعين شخصًا، أكثرُهم من الشُّبَّانِ الّذين تراوحت أعمارُهم ما بين السّادسةَ عشرةَ والخامسةِ والعشرين. والّذين سُرعانَ ما أُفرج عن أكثرهم، وهم من صغار السّنّ في تمّوز / يوليو عام 1974، مع الإبقاءِ على قُرابة عشرةٍ من العناصر القياديّة.

وفي نيسان / ابريل من عام 1981، اُعتقل ثلاثون من ناشطي الحزب في طرابلس وبنغازي وأجدابيا. وفي نيسان / ابريل عام 1982 جرت محاكمتُهم أمامَ المحكمة الثّورية، الّتي حكمت بالإعدام حُضوريًّا على كلٍّ من عبد الله المسلاتي، وحسن كردي الّذي كان يعاني من مرض السّل، وعبد الله حمودة، وصالح النوال، ومحمد أحفاف، ونمر خالد عيسى، وناصر سريس، وعلس عوض الله، وبديع حسن بدر. الأربعة الأخيرون من فلسطين، وكانوا يعملون بالتّدريس في أجدابيا. وقد نُفِّذَ حكمُ الإعدام فيهم جميعًا في نيسان / ابريل عام 1983. وحُكم غيابيًّا بالإعدام على كلٍّ من: محمد سعد امعزب، وأحمد أحفاف، بعدَما تمكّنا من مغادرة البلاد، حيث غادرها الأوّل في عام 1981، أمّا الثاني فقد غادرها قبله في عام 1978.

قبل ذلك؛ وفي عام 1981،  اغتالت قوّات الأمن كُلًّا من عبد الرحمن بيوض، وماجد المقدسي (وهو طبيبٌ فلسطينيٌّ)، وخليفة ميلاد الكميشي (وهو من ابو زيان بغريان)؛ ويُروى أنّ أمّه قد زغردت وكبّرت، عندما سُلِّمَ الجُثمانُ إلى الأسرة في “أبو زيان”.

ويَعتقدُ القياديّ محمد سعد، أنّ الحزب قد انتهى في ليبيا منذ حملة الإعدامات تلك.


جماعة التّبليغ والدّعوة

أسّس جماعة التّبليغ والدّعوة الشّيخ محمّد إلياس الكاندهلويّ ( 1302 – 1364 ه) عام 1867م في الهند، وسُرعان ما انتشرت في معظم بُلدان العالم شرقًا وغربًا، ومن مبادئها: الكلمةُ الطَيِّبَةُ “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، وإقامةُ الصّلوات، والعلمُ والذّكرُ، وإكرامُ كلِّ مسلم، والإخلاصُ، والنّفيرُ في سبيل الله.

بدأت الجماعة نشاطها في ليبيا منذ ستينيّات القرن الماضي، وهو نشاطٌ دَعوِيٌّ مفتوحٌ، يتبنّى أصحابُه أسلوبًا متميّزًا في مادّته وأدواته؛ فمضمونُه لا يقترب من السّياسة، ولا يخوضُ في أيّ شأنٍ من شُؤونها. تعتمد جماعةُ التّبليغ والدّعوة على تنقية النّفس من شوائب المادّة بتزكيتها بالقرآن وبالعبادات، وينطلق مريدوها من المسجد باعتباره مركزًا يستقطبُ عامّة المسلمين كبارًا وصغارًا، فيدعونهم إلى السّياحة، أي الخروج في مجموعاتٍ لممارسة العبادة الجماعيّة.

لقد لاحظ السّنوسي بسيكري، أنَّ المنتمين إلى خطّ التّبليغ كانوا ينشطون في المساجد، ويستقطبون الشّباب من أصحاب التّعليم الدّينيّ القليل، ومن ذوي الحماسة العالية؛، ومنهم عبد السلام المشيطي، ومحمد خضير. ومن أبرز عناصرهم محمد أبو سدرة الذى اعتقل منذ عام 1989 ولم يفرج عنه إلا عام 2009.

يقول السنوسي: “كان في ذلك الوقت نشاطٌ دَعوِيٌّ للشّيخ صالح التيناز، وهو من الشّخصيّات المعروفة بتديُّنها منذ زمنٍ سابقٍ للصّحوة الحديثة، واستمرّ في تديُّنه وفي سَمتِه التّعبّديّ الرّوحيّ الأخلاقيّ”. ويعتقِد السّنوسي أنّ نشاط جماعة التّبليغ توقّف في بنغازى حوالَى عام 1986.

نشِط أبناءُ الجماعة في طرابلس منذ ستينيّات القرن الماضي، وعُرفوا بدعوتهم النّاسَ إلى الخروج معهم في رحلات دَعويّة، وهو أسلوبٌ تربويٌّ تَعبُّدِيٌّ استفاد منه كثيرٌ من الشّباب، حيث أصبح بعضهم من كبار الدّعاة.

الشّيخ مبروك غيث المدهوني، كان من الّذين تأثّروا بطريقة جماعة التّبليغ، وعَرف عنه طلّاب جامعة طرابلس ذلك التّوجه، منذ أن كان معيدًا في كليّة العلوم 1976، كما عُرف بذلك شخصٌ آخر يُدعى محمود المصراتي. وقد واصل الشّيخ مبروك نشاطه الدّعويَّ عندما كان في الولايات المتّحدة في  الثمانينيّات، وأثّر في عددٍ من الشّباب، وكان من ناشطي تلك المرحلة أيضًا، بشير الخرّوبي، وحسن اللّيدي.

وفى مَوسم الحجّ من عام 1985، عُثِرَ على الشّيخ مبروك مقتولًا في مدينة جدة، وتقول أوساطُ المعارضة، إنّ المستفيدَ من قتله هو النظامُ اللِّيبيّ، وإنّ عناصر من اللّجان الثّوريّة أو من الأمن اللّيبيّ، هي التي نفّذت اغتيالَه. ويبدو أنّ نشاط جماعة التّبليغ قد توقّف في ليبيا منذ أواخر ثمانينيّات القرن العشرين.


الجماعة الإسلاميّة المقاتلة

تُعتبر الجماعة الإسلاميّة المقاتِلة، من أهمّ وأقوى التّنظيمات الإسلاميّة اللّيبيّة الّتي اعتمدت خيار التّغيير بقوّة السّلاح، وخاضت مواجهاتٍ عسكريَّةً مع قوّات السّلطة المُتمَثِّلَة في الجيش أو الشُّرطة أو اللِّجان الثّوريّة.

بدأت إرهاصات ميلاد هذه الجماعة في أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، وتزامنت مع بروز تنظيم “اللّجان الثّوريّة”، أحد أذرع السّلطة الحاكمة، وهو تنظيمٌ مسلّحٌ يجمع بين أعدادٍ من المدنيّين وبعض الضّبّاط العسكريّين، تمّت تعبئتُهم جميعًا بمنطلقات وأهداف الثّورة، وقد مارست تلك اللّجان العُنف، وصفّت الكثير من الشّخصيّات المعارضة، أو التي يُشَكُّ في ولائها للسّلطة الحاكمة.

ومن أبرز الشّخصيّات الإسلاميّة الّتي صُفِّيت بسبب خُطبها ومَواقفِها الإسلاميّة المُعلنة والرّافِضة للخطاب الرّسميّ، وخاصةً فيما يتعلّق بالسّنّة النّبويّة ودَور العلماء، هو: الشّيخ محمّد البشتي الّذي قتلته اللّجان الثّوريّة عام 1983.

ومنذ بداية أعمال العُنف الّتي نفّذتها اللّجان الثّوريّة عام 1980، واستهدفت عشرات الشّخصيّات  داخلَ البلاد وخارجَها. اشتدّ غليان الصّراع داخل المجتمع اللّيبيّ، وخاصّةً في أوساط الشّباب الّذين شاهدوا زملاءهم وإخوانهم يُعلّقون على أعواد المشانق في الجامعات وفي الميادين العامّة وداخلَ السُّجون. في تلك الأجواء المأزومة المُلتهبة، كانت بذورُ أفكار العُنف المُضادّ داخلَ البلاد وخارجَها تجدُ تربةً خِصبةً للنُّموّ والانتشار.

 وعلى المستوى العالمي، كانت هناك تحوُّلاتٌ إسلاميّةٌ كبرى، لها صداها وانعكاساتُها على كلّ المجتمعات الإسلاميّة، ومنها نجاحُ الثّورة الإيرانيّة في عام 1979، والثّورة الأفغانيّة (1979- 1992). كلّ تلك التّطوّرات الدّاخليّة والتّغيّرات الإسلاميّة العالميّة، كانت تصبّ في صالح التّيّارات الجهاديّة المُقاتلة، وأصبح الشّباب المُتديّن في ليبيا يبحث ويقرأ عن الفكر الجهاديّ.

لقد كانت الأشرطةُ وما تتضمّنه من مادّةٍ جهاديّةٍ، ومنها: خطب عبد الله عزّام، وغيره، إلى جانب خطب الشّيخ محمد البشتي، وأعمال سيّد قطب، وآراء أحمد بن تيميّة في مادّة الفَتاوى المتعلّقة بالجهاد، هي بعضَ المصادر التي ألهبت حماسة الشّباب، ودفعتهم إلى إنشاء تنظيمٍ سِرِّيٍّ مُعارض قُدّر عددُ أعضائه بالمئات.

أطلقت الجماعةُ مجلّةً بعنوان “الفجر” صدر عددُها الأوّل عام 1994، وهي مجلّةٌ شهريّةٌ تصدر عن مركز الإعلام الإسلاميّ، وُزّعت في لندن في تسعينيّات القرن الماضي، وكانت تحوي مادّةً تعبويّةً إسلاميّةً ضدّ الحُكم القائم في ليبيا.

وبالرّجوع إلى بعض أدبيّات الجماعة، ومقالاتهم، نجدُ صياغةً شديدةَ العُنف في نهج التّغيير الّذي اختارته تلك الجماعة، وتَجسّدَ ذلك العُنفُ في عِدَّةِ عمليّاتٍ انتظمت جميع مناطق ليبيا من غربها إلى شرقها؛ فقد وقعت صدامات مسلّحةٌ بينَ عناصر الجماعة وقوّات السلطة داخلَ البلاد، ما بينَ 1995 و1998. وتُقدِّرُ بعضُ مصادر التّنظيم أنّ خسائر الجماعة جرّاءَ تلك المصادمات، قد بلغت نحو مئة عضو.

وظلّ تنظيم هذه الجماعة يعمل بشكلٍ سِرِّيٍّ داخلَ البلاد وخارجَها، إلى 18 تشرين الأول / أكتوبر 1995، حيث صدر أوّل بيان بشأن الإعلان عن قيام الجماعة الإسلاميّة المقاتلة في ليبيا؛ وجاء فيه: “تُعلن الجماعة الإسلاميّة المقاتلة، عن قيامها من أجل اداء واجب الجهاد في سبيل الله.. وقد آن الأوان للجماعة الإسلاميّة المقاتلة، أن تخرُج من طور السّريّة إلى طور العلنيّة، نظرًا للمرحلة الحسّاسة الّتي يمُرّ بها العمل الجهاديّ في ليبيا. كما تُعلن عن تبنّيها للأحداث الجهاديّة المباركة الّتي اندلعت منذ شهر محرّم 1416 ه في مناطق ليبيا شرقًا وغربًا”.

وللجماعةِ منطلقاتٌ عبّرت عنها في كتاب يحمل عنوان: “خطوطٌ عريضةٌ في منهج الجماعة الإسلاميّة المُقاتلة” بقلم: أبو المنذر السّاعديّ، الّذي يُعتبر فقيهَ الجماعة، أو منظّرَها الشرعيّ.

وقد كشفت المواجهاتُ ثمّ التّحقيقاتُ التي تمّت في ما بعد مع أعضاء الجماعة، أنّ أعضاء الجماعة تمكّنوا من حيازة كميّات كبيرةٍ من الأسلحة، وتمكّنوا من استخدام عددٍ من المَزارع والمواقع الأُخرى لتخزين أسلحتِهم واستخدامها في الوقت المناسب. لقد دلّ ذلك على وجود خللٍ في مؤسّسات السّلطة. غير أنّ الخلل لم يدُم طويلًا، إذ سُرعانَ ما طوّرت المؤسّسات الأمنيّة قدراتِها، وأصبحت صاحبةَ اليد المسيطرة في كلّ البلاد.

وممن عُرف من قيادات ذلك التّنظيم الأسماء التّالية: عبد الحكيم الخويلدي بلحاج، ولقبه أبو عبد الله الصادق، وهو أمير الجماعة، وهو حاليًّا رئيس المجلس العسكري للثّوّار في طرابلس، وهو الّذي قاد عمليّة تحرير طرابلس من نظام القذّافي في أيلول / سبتمبر 2011؛ سامي مصطفى السّاعديّ، ولقبه أبو المنذر، وهو المنظّر الشرعيّ للجماعة؛ صلاح فتحي سليمان، ويعرف بعبد الرّحمن الحطّاب، وقد قُتل في درنه، أثناءَ مواجهات مع قوّةٍ عسكريّةٍ للنّظام عام 1997؛ خالد الشّريف (أبو حازم) نائب أمير الجماعة؛ ومفتاح الدّوادي، أمير الجماعة عام 1992؛ ونعمان بن عثمان، رئيس اللّجنة الإعلاميّة والسّياسيّة، والنّاطق باسم الجماعة تحت اسم (أبو تمامة اللّيبيّ، وعبد المجيد اللّيبيّ)، ومصطفى قنيفيد، مسؤول اللّجنة العسكريّة، وعبد الوهّاب قائد، آمر القطاع الجنوبيّ، وعبد الحكيم العماري، رئيس اللّجنة الأمنيّة الّذي قُتل هو وصالح عبد السيد، رئيس اللّجنة الشّرعيّة في عام 1996. وكان جلّ هؤلاء من طلبة كليّة الهندسة في طرابلس، وبعضُهم من كُلِّيَّتَيِ الطّب والعلوم السّياسيّة.

ومنذ المواجهات الّتي وقعت بين عناصر الجماعة وقوّات النّظام، والّتي تصاعدت وتيرتُها خلالَ عامَي 1995 و1996، وقيام الأجهزة الأمنيّة بتضييق الخناق عليهم، واعتقال العدد الأكبر منهم، انتهى نشاط الجماعة داخل البلاد، ثمّ جرى اعتقالُ أميرهم ونائبه من قبل الاستخبارات الأميركيّة وسُلِّما إلى السّلطات اللّيبيّة عام 2006.

سعى سيف الإسلام القذّافي عبر مؤسّسة القذّافي للأعمال الخيريّة، الّتي أبدت رغبتها في 15 / 6 / 2005 في فتح باب الحوار مع المنتمين إلى هذه الجماعة، في حال استعدادهم ورغبتهم في ذلك الحوار. ثمّ بدأت الجمعيّة في أيلول / سبتمبر 2006 حوارًا بنّاءً مع بعض قيادات الجماعة، بهدف إقناعهم بالعدول عن العُنف. ومنذ عام 2007، دخلت الحوارات مرحلةً متقدّمةً نسبيًّا، وتمّ الإفراج عن تسعين شخصًا لهم علاقةٌ ما بالجماعة المقاتلة.

واستمرّت الحوارات مع قيادات الجماعة، وشاركت فيها عناصر من كبار ضُبّاط الأمن، وشارك في بعض جلساتها كلٌّ من الشّيخ علي الصّلابي، ونعمان بن عثمان. وكلاهما كانا قبل مرحلة الحوار، على صلة بسيف الإسلام.

وقامت قيادة الجماعة بمراجعة منطلقاتها الفكريّة، وأعلنت عن تصحيحاتٍ تَنبُذُ العُنف ضدّ الدّولة، قام بها عبد الحكيم بلحاج، ونوّه بها الشّيخ يوسف القرضاوي، الذي لعب دورًا في محاولة الإفراج عن أعضاء الجماعة.


حركة التجمّع الإسلاميّ

بدأت الحركة على شكل مجموعة من الملتزمين إسلاميًّا، مع المحافظة على السُّنَّة النّبويّة بصورةٍ مُعتدلةٍ عام 1974، كما يروى الشّيخ محمد أحداش، وفي أوائل التّسعينيّات من القرن الماضي، انضمّوا إلى تنظيم الإخوان المسلمين في ليبيا لمدّة قصيرة، سرعان ما وقعت بعدها خلافات تنظيميّة أدت إلى انشقاقٍ فانسحب عددٌ منهم من التّنظيم، وأسّسوا “حركة التّجمّع الإسلاميّ”؛ على نمط التّنظيمات الجبهويّة المَرِنة التي تسعى إلى جمع أكبر عددٍ من الإسلاميّين دونَ فرض قيودٍ تنظيميّة، ودونَ الارتباط بأيّ تنظيمٍ إسلاميٍّ خارجَ البلاد.

تأسّست حركة التّجمّع الإسلامي عام 1990، ومن أبرز قياداتها: مصطفى الطرابلسي، جمال الورفلي، محمد أحداش، ادريس ماضي، مصطفى الجهاني، والأخيران  كانا من الإخوان المسلمين المخضرمين، قبل أن ينضمّا إلى التجمع، وكلاهما قُتل في مجزرة سجن “أبو سليم” الّتي نفّذها نظام القذّافي عام 1996، كما قُتل جمال الورفلي، وجمال الفيتوري، وتوفيق بن عمران، وجميعهم ينتمون إلى التّجمّع الإسلاميّ.

وقد قال الشّيخ محمد أحداش في كلمة رثائيّة للشّيخ إدريس ماضي، بعد إبلاغ أسرته رسميًّا بوفاته في صيف عام 2009: “أمّا الحركة الإسلاميّة في ليبيا، فهو أحد روّادها ومعالمها؛ بدأها بالانضمام إلى الإخوان المسلمين في الخمسينيّات إلى انفراط عِقدها في أوائل السبعينيّات، وتعرّض للسّجن والتّحقيق بسبب ذلك، ثمّ شارك في عودتها في أواخر الثمانينيّات، وصار مراقبًا عامًّا لها في بلدٍ يُجرّم الحزبيّة بالقانون ويعدمها في الواقع، بل يُجرّم ويعاقب عن مجرّد العلم بوجود حزب، فكيف بالله بترؤُّسه، وفي وقت كانت تعني فيه هذه الوظيفة الإرهاق الأمنيّ والنّفسيّ والبدنيّ والماليّ. ثمّ شارك في تأسيس التّجمّع الإسلاميّ، وتولّى قيادته إلى أن سُجن ظُلمًا وعُدوانًا في صيف 1995”.

ويُعتبر الدّكتور مصطفى الطرابلسي، وهو أستاذ جامعيّ متخصّص في الجغرافيا، المنظّرَ الرئيسَ للتّجمّع، وله بعض الأوراق التي تبحث في مسائل تتعلّق بالدّولة الإسلاميّة، والحكم الإسلاميّ، والطريق إلى ذلك؛ وقد كان مُعجبًا بأفكار حسن التّرابي في خياراته التنظيمية وتطويرها، وعدم ركونها إلى التّقليد والجمود، ومنها تَجرِبَتُه في التّنظيم الجبهويّ (جبهة الإنقاذ).

وتركّز المنطلقات الفكريّة للتجمع على التربية الشّرعيّة، وتدرّس في حلقات، كما تهتمّ بالعقائد، والفقه المالكيّ. ومن الكتب التي كانت متداولةً بين الأعضاء: “كبرى اليقينيّات الكونيّة” للشّيخ محمّد سعيد رمضان البوطي، و”الأصولُ الثلاثة: الله، الرسول، الإسلام” لسعيد حوى.

ويُروى أنّ أفكار الشّيخ راشد الغنّوشي رئيس حركة النّهضة الإسلاميّة في تونس، كانت إحدى مصادر التثقيف عند بعض عناصر التّجمّع، بل كان بعضهم يوزّع الأشرطة التي تتضمّن خطبه. وللتّنظيم نشرة داخليّة تُسمّى “السّبيل” تتكوّن مادّتها من توجيهات تربويّة، وتعليقات على الأحداث الداخليّة، ولهم ميثاق يعبر عن منطلقات التّجمّع.

وقد تضمّن التّجمّع مجموعةً تؤمن بالعمل الجهادي؛ أي العمل المسلّح، بقيت تحت لوائه نحو عام، ثمّ انسحبت وانضمّت إلى الجماعة الإسلاميّة المقاتلة. وعندما حدثت الصّدامات المسلّحة بين مجموعات من الجماعة المُقاتلة وقوّات الدّولة، وجرت اعتقالات عام 1995 شملت عناصر من الجهاديّين الّذين كانوا في التّجمّع، وعندها اكتشفت السّلطات تنظيم التّجمّع واعتقلت عددًا منهم، وفرّ الآخرون إلى خارج البلاد، واتّجهوا نحو بعض البلدان العربيّة ثمّ إلى أوروبّا، والولايات المتّحدة. ومن أولئك الّذين تمكّنوا من مغادرة البلاد: مصطفى الطرابلسي، محمد أحداش، عادل صنع الله، عبد الوهاب الهلالي، سالم بشاشة، وآخرون.

يُذكر أنّ كُلا من الشّيخ محمد أحداش وعادل صنع الله، قد انقطعت صلتُهما بالتّجمّع منذ سنوات كثيرة، ولكلٍّ منهما نشاطُه الثّقافيّ الشّخصيّ في المهجر.


المجموعات السّلفيّة

السّلفيّة بشكلٍ عامٍّ، لفظةٌ تعني التديّن على طريقة السّلف الصّالح، وهم صحابةُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومن تبعهم واقتدى بهم. وعلى هذا الأساس فإنّ جميع الحركات الإسلاميّة، تعتبر نفسها سلفيّةً بمعنًى من معاني الاقتداء الكثيرة، ومنهم ما ُيمكن تسميتُه بالسّلفيّة النّصّيّة الحَرفِيّة، وهي مدرسةٌ يكثُر روّادها والمنظّرون لها في المملكة العربيّة السّعوديّة وفي مناطق أخرى من العالم الإسلاميّ. هذه المدرسة لا تهتمُّ بالاجتهاد والفكر المقاصديّ الشّرعيّ، الّذى يذهب إلى ما وراء الألفاظ، ويبحث في معانيها، في إطار المكان والزّمان والحياة السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. تُعنى المدرسةُ النّصّيّةُ الحَرفيّةُ كثيرًا بالمظاهر الخارجيّة مثل: إعفاء اللّحى، وتقصير السّراويل وغيرها من الملابس لتصل إلى ما فوق الكعبين، ولا تُجِيزُ بعض آرائها للسّيدات قيادةَ السّيّارات.

ومنهم مجموعةٌ فكرُها يرتكز على الولاء للسّلطة ولوليّ الأمر فيها. هذا الفكرُ قد وصل إلى ليبيا في كثيرٍ من مفاهيمه من المدرسة السّلفيّة السّعوديّة، والّتي تُعرف في بعض فروعها بالمدخليّة، نسبةً إلى شخصٍ سعوديٍّ اسمُه ربيع المدخلي.

وتعرّف عددٌ من اللّيبيّين على أفكار ذلك التيار، خلال تأدية مناسك الحجّ والعمرة، كما تأثّر بعض الشّباب بآراء مقبل الوادعي، وهو من اليمن، وله آراء ومواقف متشدّدة، ومعادية لأفكار مدرسة الوسط والاعتدال، التي يُعتبر الشّيخ يوسف القرضاوي من أبرز رموزها والمنظّرين لها في هذا العصر.

ويبدو أنّ السّلطات اللّيبيّة الّتي كانت تُعاني من حركات الإسلام السّياسيّ (وبعضها مسلّح ومقاتل)، فضّلت أن تغضّ النّظر عن التّيّار السّلفيّ الّذى لا عداوة له مع السّلطة، بل يؤمن بطاعة وليّ الأمر على علّاته، لكنّ هذا التّيّار كان يُقلق بمفاهيمه وسلوكه الكثير من المواطنين، ومنهم روّاد المساجد الّذين يُزعجهم فرضُ سلوك معيّن أثناء الوقوف للصّلاة، من أولئك الشّباب الّذين يعملون على إلصاق أرجلهم بأرجل المُصلّين، وكأنّ الصلاة لا تجوز إلا بتلك الكيفيّة؛ كذلك يدخلُون في جدلٍ مع عامّة النّاس في كثيرٍ من العادات والتّقاليد الخاصّة بالأكل والشّرب واللّباس.

والجديرُ بالملاحظة، أنّ الفكر السّلفيّ ظلّ عند عموم المجتمع اللّيبيّ، كما عبّر عنه الأئمة الكبار من أمثال الإمام ملك بن أنس، صاحب المذهب السائد في ليبيا، فهو الأصلُ في عبادات ومعاملات المجتمع اللّيبيّ، وهو الأصلُ في الفَتاوى التي تتعلّق بشؤون الأفراد والأُسر.


خلاصة نقديّة

لمّا كان الكتابُ قد كُتبَ ونُشرَ قبل ثورات الرّبيع العربيّ، وتحديدًا الثّورة اللّيبيّة، فإنّ الباحث اللّيبيّ، الّذي كان ينتمي سابقًا إلى تيّار الإخوان المسلمين، لم يكن يتوقّع هذه الثّورات، وبالتّالي أيّ تغييرٍ جذريٍّ في النّظام أو سقوطه.

لذلك انتقد الباحثُ لجوءَ الحركات الإسلاميّة في ليبيا إلى السّلاح والعُنف، بناءً على فشل تجارِب الحركات الجهاديّة في مصر والجزائر وغيرهما في التّغيير، وجنوحها نحو العُنف ضدّ المدنيّين والإرهاب.

 وعوّل الباحث على بعض خطوات الانفتاح التي قام بها النّظام عبر سيف الإسلام القذّافي تُجاه الإسلاميّين وإطلاق بعضهم من السّجون، وبالتّالي فإنّه لا يُمكن لومُ الكاتبِ الّذي لم يتوقّع كغيره من اللّيبيّين والمراقبين سقوط النّظام اللّيبيّ أو إمكانيّة سقوطه، خصوصًا بعد تحسّن علاقات القذّافي مع الغرب والولايات المتّحدة الأميركيّة في السّنوات الأخيرة.

مع ذلك، يبقى الكتابُ دليلًا مفيدًا عن الحركة الإسلاميّة في ليبيا وتيّاراتها المختلفة، ولعلّ المرحلةَ المُقبلةَ من تاريخ ليبيا، ستبيّنُ الدّور الّذي ستلعبُه هذه الحركات في النّظام الجديد، وإمكانيّة تكيّفها وقَبُولِها بالديموقراطيّة والمشاركة وقَبُولِ الآخر.


[1]  وكان عددهم خارج البلاد حسب قول المراقب العام سليمان عبد القادر لا يتجاوز المئتي شخص. (الجزيرة، زيارة خاصة. تاريخ الحلقة 30 / 5 / 2009)

وزير التربية والتعليم الإسرائيلي يدعو إلى ضم الخليل ونابلس لإسرائيل

هآرتس“، 13/6/2014

 

قال وزير التربية والتعليم الإسرائيلي الحاخام شاي بيرون [“يوجد مستقبل”] إن أرض إسرائيل لن تكون كاملة من دون الخليل ونابلس باعتبارهما جزءاً من التراث الثقافي والروحاني للشعب اليهودي.

 

20130701-907151484452978

 

وأضاف بيرون في محاضرة ألقاها في جامعة أريئيل أمس (الخميس)، أنه لا يمكن بأي حال الموافقة على تقليص نطاق مفهوم أرض إسرائيل الكاملة.
وتأتي أقوال بيرون هذه بعد عدة أيام من قيام وزير المال الإسرائيلي يائير لبيد [رئيس “يوجد مستقبل”] بطرح خطة سياسية تنص على تعيين حدود دولة إسرائيل، وتجميد البناء في المستوطنات، ووقف البناء على نحو مطلق في الأراضي التي لن تبقى تحت سيطرة إسرائيل ضمن أي اتفاق في مناطق يهودا والسامرة [الضفة الغربية]. وفي الوقت عينه شدّد لبيد على أنه في حال إقدام الحكومة الإسرائيلية على أي محاولة لضم ولو مستوطنة واحدة إلى إسرائيل بصورة أحادية الجانب، فإن حزب “يوجد مستقبل” سيستقيل من الحكومة، ولن يكتفي بذلك بل سيعمل أيضاً لإسقاطها.

 

مستقبل الحرية

هيثم مزاحم

ثمة خطأ يقع فيه كثيرون عندما يتحدثون عن الديموقراطية والليبرالية باعتبارهما شيئاً واحداً، والواقع إن المفهومين مختلفان، فالديموقراطية هي عملية اختيار الحكام والحكومات، لكن الليبرالية الدستورية تتعلق بأهداف الحكومة وترجع إلى التقليد الضارب في التاريخ الغربي، والذي يسعى إلى حماية استقلالية الفرد وكرامته من الإجبار، أي الحقوق والحريات الأساسية.

يشير الباحث والصحافي فريد زكريا، في كتابه “”مستقبل الحرية: الديموقراطية الليبرالية في الداخل والخارج”، الذي نشره عام 2003 ثم نقحه عام 2007 إلى أن الليبرالية الدستورية تتميّز بالانتخابات الحرة النزيهة وبسيادة القانون والفصل بين السلطات وحماية الحريات الأساسية في التعبير والتجمع والتدين، إلا أنها ليست الديموقراطية ولم تتزامنا دائماً مع بعض.

ويلفت إلى أن هتلر أصبح مستشاراً لألمانيا من خلال انتخابات حرة وأن بعض الأنظمة الديكتاتورية في آسيا الوسطى وصلت إلى السلطة بالطريقة نفسها وأن الانتخابات في يوغسلافيا وإندونيسيا قد أدت إلى تفاقم النزاعات بين الجماعات والتوترات الإثنية.

ويؤكد زكريا أن هناك على أرض الواقع دولاً ديموقراطية غير ليبرالية ويضرب مثالاً بالسلطة الفلسطينية التي يرى أن من ينتقدونها لأنها غير ديموقراطية مخطئون، لأن مشكلتها ليست في عدم ديموقراطيتها بل في انعدام ما يسميه بالليبرالية الدستورية فيها، وعلى العكس يؤكد زكريا أن هناك دولاً كانت أكثر ليبرالية في ظل الديكتاتورية مثل يوغسلافيا تيتو التي ساء الوضع فيها بعد أن أصبح النظام فيها ديموقراطياً.

وتوقع زكريا أن تؤدي الديموقراطية في العالم العربي إلى أنظمة رجعية، مؤكداً أنه لو جرت فيه انتخابات حرة وتمت الإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية التي تحكمه، فإن النظم البديلة ستكون أكثر رجعية وعداء للغرب والولايات المتحدة. فالبلدان الحديثة العهد بالديموقراطية تتحول فيها إلى عملية زائفة تفرز الفوضى والعنف وأشكال جديدة من الاستبداد. فالانتخابات والتي تعتبر بمثابة جوهر للديموقراطية قد تفرز حكومات فاسدة وقصيرة النظر.

ولكن هذا لا يلغي ديموقراطيتها، ولذلك لابد من توافر بعض الشروط لهذه الديموقراطية كحماية حرية التعبير والتجمع ومنح المرأة حق الانتخاب.

وأما إذا لم تراعَ هذه الحقوق وكان فيها بعض الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فهي ديموقراطية غير ذات معنى.
ويؤكد زكريا أن الديموقراطيات الغربية تشهد تجاهلاً حقيقياً من قبل الشعب، إلا أنها تظل مع ذلك النموذج الذي يحتذي به سائر أنحاء العالم.

والديموقراطية ليست مطلقة وإلا ستؤدي إلى الفوضى، أما الولايات المتحدة، فهو يقول إن الأميركيين يعتبرون نظامهم الديموقراطي نظاماً معقداً يستحيل تطبيقه في أي بلد آخر، ويُرجع ذلك إلى وجود تعارض بين الليبرالية والديموقراطية، ويضرب مثالاً على ذلك بالكونغرس الذي يراه أكثر ديموقراطية وأقل تأثيراً.

جذور الديموقراطية:

يتناول زكريا جذور فكرة الديموقراطية، فيرى أن الحرية هي التي قادت إلى الديموقراطية وليس العكس فيعرض كيف كانت اليونان هي مهدها، لكنه ينتقدها لأنها لم تطبقها إلا في عدد قليل من مدنها، ولأنها -أي الديموقراطية- هي التي أصدرت الحكم بإعدام الفيلسوف الكبير سقراط، فاليونان لم تكن أصل الحرية بقدر ما كانت تمثل حضارة للفلسفة والعلوم والآداب وكانت أقرب إلى الديموقراطية بلا حقوق مقدسة للأفراد.

ثم يتناول تجربة الرومان التي يرى أنها أعطت العالم نموذجاً للحرية، عاش فيه مواطنوها سواسية أمام عدالة القانون، فالرومان أكدوا على حرية الأفراد أي أن يتمتع جميع المواطنين بمعاملة متساوية أمام القانون، وفي الجمهورية الرومانية تم تقسيم السلطة إلى ثلاثة فروع وانتخاب المسؤولين فيها لفترات زمنية محدودة. ومنها استقت أميركا المصطلحات السياسية: مجلس الشيوخ، الجمهورية، الدستورية، الولايات الخ. ولكن أكبر نقيصة في القانون الروماني كانت في عدم سريانه على الطبقة الحاكمة، حيث أدى ذلك إلى انحلال الجمهورية وتحوّلها إلى الملكية.

وبعد عرض تاريخي يعرض فيه كيفية علو سلطة الكنيسة على سلطة الدولة وصراع القبائل الجرمانية مع الإمبراطورية الرومانية التي أودت بها، يقف زكريا عند حركة الاحتجاج ضد الكنيسة التي قادها مارتن لوثر (غير الليبرالي) الذي كان صراعه مع السلطة أساساً لحرية الاعتقاد وحرية التفكير وحرية التعبير.

رجوع زكريا إلى تلك المراحل التاريخية كان له هدف محدد هو التأكيد على أن تجربة الغرب مع الديموقراطية والحرية وإن لم تكن ذات أصول جينية، إلا أنها مرت بمراحل عديدة مكّنتها من الانتقال من الليبرالية الدستورية إلى الرأسمالية إلى الديموقراطية الليبرالية، ليخلص إلى أن محاولات تقليد النظم الغربية حتما ستبوء بالفشل، وأن الدول التي حاولت أن تنتقل بسرعة من نقطة الصفر إلى الديموقراطية تحّولت إلى أنظمة ديكتاتورية تمارس أبشع أنواع القهر والطغيان.

يعود زكريا في كتابه بعيداً إلى الوراء ليلاحق بزوغ أول إشعاعات الحرية التي ستعتمد عليها بعد ذلك الديموقراطية في بناء نفسها، ويجادل بأن أضواء الحرية بدأت مع الكنيسة الكاثوليكية التي تتهم دائماً بأنها أكثر المؤسسات استبدادية على مدار التاريخ.

ومع أن زكريا لايعارض هذه الفكرة الا أنه يرى أن وقوف الكنيسة التي تمتلك نفوذاً واسعاً في وجه السلطة الملكية ساهم في الحد من سيطرة الدولة على أوجه الحياة، ويذكر القصة الأولى التي وقفت فيه الكنيسة هذا الموقف الصلب عندما قام الإمبراطور ثيوديسيوس يطلب المغفرة من الأسقف أمبروز الذي طلب منه أن يرتدي لباس الشحاذ ويقف خارج الكاتدرائية لمدة ثمانية أشهر، بعد ذلك تقوّت الكنيسة واتخذت خطاً استبدادياً وظلامياً، ولكنها ساهمت على الأقل بشق الصدوع الأولى التي انبثقت من خلالها الأضواء الأولى للحرية.

صعود الحرية في أوروبا:

أسهمت الجغرافيا والتاريخ في تشكيل الهيكل السياسي لأوروبا، حيث تحوّل ملاك الأراضي في أوروبا إلى أرستقراطية تملك المال والشرعية وتنافس الملوك.
وكانت تطالبهم بأن يكفلوا لها حقوقاً معيّنة لايستطيع الجالس على العرش انتهاكها. كما قاموا بتأسيس هيئات نيابية –برلمانات- ومجالس طبقات الأمة الثلاث (النبلاء- رجال الدين – الشعب) والمجالس التشريعية، للتعبير عن مطالبهم بصورة دائمة. وبعد المواجهة بين الكنيسة والدولة، وبين الملك واللوردات، كان الصراع التالي بين الكاثوليك والبروتستانت وعلى الرغم من دمويته، فقد كان له دور في تعزيز مسألة الحرية.

مع حلول القرن السابع عشر وبروز التحوّلات التكنولوجية، والمنافسة العسكرية المتصاعدة، وإثارة النزعات الوطنية، وظهور القدرة على تطبيق مركزية جمع الضرائب، استطاعت الدولة أن تفرض نفسها على الارستقراطيات والنبلاء، فقام الملوك بإغلاق غالبية البرلمانات ومجالس الطبقات والمجالس النيابية والتشريعية التي عرفتها القرون الوسطى. وبعد الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، بسطت الحكومة المركزية نفسها ونزعت القوة من السلطات المحلية والإقليمية.

وظهر مفهوم السيادة الشعبية على حساب السلطة المطلقة وأعلنت الأهداف الكبرى: “الحرية، المساواة، الإخاء”. وبحلول القرن الثامن عشر نسفت الرأسمالية أنماطاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية دامت آلاف السنين وخلقت طبقة مستقلة من رجال الأعمال أصبحوا يشكّلون القوة المهيمنة في المجتمعات المتقدمة في العالم. وبحلول أوائل القرن التاسع عشر ازدهرت في المملكة المتحدة الحرية الفردية وسادت المساواة في ظل القانون، ولكن لم تكن ديموقراطية، فقبل مرسوم الإصلاح لعام 1832 كان 1.8 في المئة فقط من الراشدين في بريطانيا يتمتعون بحق الانتخابات وبعد المرسوم ارتفع إلى 2.7 في المائة، وبعد عام 1867 أصبح 6.4 في المائة فقط وبعد عام 1884 وصل الرقم إلى 12.1 في المائة.

ولم تنل المرأة حق الانتخاب الكامل إلا في عام 1930، أما في الولايات المتحدة الأميركية، فقد كان 5 في المائة يقترعون بين  1824 و1848 ولم ينل السود حق الانتخاب إلا بعد عام 1960.
ويعود صعود الحرية في أوروبا عن غيرها من القارات لأسباب جغرافية أيضاً، فأوروبا التي تقطعها الأنهار والخلجان الصالحة للملاحة باتت عصية على الأباطرة من السيطرة عليها من نابليون وحتى هتلر، وهذه الميزة الجغرافية منحت المدن الصغيرة القدرة على الاستقلالية عندما بات بإمكانها كسب قوتها بنفسها، وهذا ما لم يكن موجوداً في آسيا التي كانت عبارة عن سهول منبسطة سهلت على الجيوش الكبيرة الزحف والسيطرة.

أما بالنسبة لأفريقيا فإن الحرارة الاستوائية التي تجلب الأمراض وأنهارها الضحلة والمليئة بالصخور فجعلها قارة غير مرغوبة، كما أن الصعود الكبير لطبقة التجار منحهم النفوذ والقدرة على معارضة الأباطرة الذين كانوا بحاجة إلى الدخول في مفاوضات طويلة معهم من أجل أن يوافقوا على الدخول في الحرب أو اتخاذ قرارات مصيرية.

ويعتبر زكريا أن الرأسمالية التي حطمت أسوار الإقطاعية وجعلت من التغيير والدينامية الفلسفة الحاكمة بدلاً من التقاليد، هي أكبر قوة غيّرت في وجه أوروبا ودفعتها نحو الحرية، وكذلك فإن الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت هو الذي منح الناس فكرة الاستقلال عن سلطة الكهنة والقساوسة،  ويرى أن الديموقراطية هي الشيء الذي عمّ في القرن العشرين كل بلاد العالم ولم تعدّ حكراً على أوروبا وأنها انتقلت من كونها أحد أشكال الحكم إلى كونها أسلوباً للحياة، حيث أن الاقتصاد والادخار والاستهلاك لم تعد حكراً على مجموعات صغيرة من رجال الأعمال المصرفيين البيروقراطيين بل أصبح ظاهرة جماهيرية، وأن الطبقة الوسطى هي الأساس في المجتمعات الراهنة، وأن الديموقراطية تعبّر عن هذه الكلية. ومن أهم القوى الموّلدة للموجة الديموقراطية هي الثورة التكنولوجية والثراء المتنامي للطبقة المتوسطة وانهيار النظم والإيديولوجيات، ثم كذلك ظهور أميركا كقوة مهيمنة على العالم بعد الحرب العالمية الثانية. فالتكنولوجيا بكل أشكالها كانت تعزّز المركزية، إلا أن الثورة المعلوماتية وشبكة الانترنت أزالتا الحواجز وجعلتا الجميع متواصلين من دون أن يتحكم أحد بأحد، حتى التكنولوجيا النووية أصبحت متاحة ومباحة للجميع، وعلى الانترنت.

يذهب زكريا إلى انتقاد الديموقراطية غير المشروطة بالليبرالية لأنها تؤدي إلى انتخاب عنصريين فاشيين أو نظام من دون قيود دستورية على سلطته، أما الديموقراطية الليبرالية فهي تعني – في نظره – نظاماً سياسياً ديموقراطياً علمانياً وقابلاً للتطوّر حسب موازين القوى.

كانت غالبية البلدان في أوروبا الغربية حتى القرن العشرين أوتوقراطيات ليبرالية أو نظم شبه ديموقراطية، وكان حق الاقتراع فيها مقيّداً للغاية، وكانت مجالسها التشريعية المنتخبة محددة السلطات.
وفي عام 1830 كانت بريطانيا تسمح بنسبة 2 في المائة بالكاد من سكانها بالتصويت لانتخاب مجلس نيابي واحد. ومنذ عام 1945 صارت الحكومات الغربية تجسّد في غالبيتها كلاً من الديموقراطية والليبرالية الدستورية.
والتاريخ الحديث لأوروبا وأميركا الشمالية سادت فيه الليبرالية الدستورية وليس الديموقراطية ولعب القاضي النزيه دوراً أساسياً فيه وليس الاستفتاء العام، بحسب الكاتب فريد زكريا.

المال وحده لا يكفي:

يربط زكريا بين نمّو الاقتصاد ونمّو الديموقراطية الليبرالية، بعد أن يوضح كيف انهارت ألمانيا النازية برغم ديموقراطيتها، وأن الديموقراطية الليبرالية لم تتحقق للألمان إلا بعد أن تم فرض نظام من الخارج إثر احتلالها وتقسيمها، وبعد أن ازدهرت اقتصادياً، ويشير زكريا إلى دول الخليج [الفارسي] العربية ليضرب بها المثل على أن غنى الدولة وحده ليس كافياً لنمّو الديموقراطية الليبرالية، لأن الثراء الذي يكون مصدره طبيعياً يجعل الدولة في غنىً عن الشعب، فهو لايستطيع محاسبتها، لأنها ليست في حاجة إلى ضرائبه، كما أن الأموال تأتيها من دون أن تكون في حاجة إلى تعديل قوانينها ونظام الحكم فيها، ومن هنا يصبح ثراؤها دافعاً لمزيد من الديكتاتورية.

ويسرد زكريا أسباباً كثيرة ومتعددة وجديدة حول أسباب صعود الحرية في أوروبا التي جعلها الأكثر قدرة على استيعاب النظام الديموقراطي الذي يحتاج إلى ثقافة تحرّرية حتى ينجح، ومن خلال هذا العرض الذي ينقلك بطريقة بين الماضي والحاضر، يتطرق زكريا إلى الأسباب التي جعلت ألمانيا تخفق في الوصول إلى الديموقراطية التحرّرية إلا بعد حرب سحقتها تماماً، ويقول إن عدم وجود ثقافة حقيقة للحرية هو الذي دفعها لاحتضان نظام نازي ووحشي مثل نظام هتلر الديكتاتوري، ألمانيا كانت فخورة بتقاليدها البيروقراطية، وكانت تملك صحافة دعائية، وللمجتمع الألماني ميول كبيرة للالتحاق بالدولة، فضلاً عن العمل في قطاع الأعمال بشكل مستقل وخاص، لكن عكس كل ذلك كان موجوداً في انجلترا التي اتجهت الى الحرية بينما اتجهت ألمانيا إلى الاستبدادية قبل أن تعدل بعد ذلك مسارها.

ويناقش زكريا قضية الثقافة وهل هي المساهم الرئيسي في دفع الشعوب إلى الأمام أو للخلف، ويعارض رأي أستاذه المفكر الأميركي الشهير صموئيل هنتنغتون، صاحب نظرية “صدام الحضارات”، الذي يقول بأهمية الثقافة القصوى للتغيير، ويعتبر زكريا أنه من الخطأ رد الديموقراطية إلى نوع من الثقافة أو الدين وإنما إلى السياسات التي يتبناها القائمون على النظام الحاكم، ويقول إن السياسة والاقتصاد لهما دور أكبر في التغيير وان الثقافة تلحق بهما، ويضرب على ذلك أمثلة حول الصينيين الذين يزدهرون خارج بلدهم ويفشلون داخلها مع أنهم لا يغيّرون ثقافتهم، ولم ينجحوا في الداخل الصيني إلا بعد ان انفتح النظام الصيني في العقدين الماضيين على اقتصاد السوق الحرة، وكذلك حدث مع اللبنانيين والهنود وحتى الإسرائيليين الذين يحتفظون بثقافة واحدة، ولكنهم يختلفون داخل أوطانهم عنهم خارجها.

وأما بخصوص أشكال الاستعمار فيرى أن الإمبراطورية البريطانية تركت وراءها ميراثين من القانون والرأسمالية.
أما فرنسا فلم تشجع إلا القليل من الحكم الدستوري أو الأسواق الحرة ولكنها أطلقت حق الاقتراع، إلا أن غالبية دول العالم الثالث التي أعلنت عن نفسها ديموقراطيات بعد الاستقلال، تحوّلت إلى نظم ديكتاتورية في غضون عقد واحد.

في أوروبا سقطت نظم حكم ملكية كثيرة بعد الحرب العالمية الأولى وتوزعت أممها نزعات الفاشستية والديكتاتورية والشيوعية، إلا انه وبعد عام 1945 استقرت الديموقراطية الليبرالية فيها بدعم أميركي مباشر واستطاعت أن تحتوي “الخطر الشيوعي”.
وبعد عام 1989 استطاعت أووربا الشرقية الانتقال إلى الديموقراطية وإن تعثر بعضها قليلاً، ويسأل زكريا هنا: أية عوامل تفرز ديموقراطية ليبرالية؟ ويؤكد بأن الموضوع يكمن في نجاح الدولة الاقتصادي وارتفاع نصيب الفرد من الدخل القومي، وكلما ارتفع الدخل – باستثناء الدول الريعية – تصبح الديموقراطية خالدة.

فقد تتغيّر الدول نحو الديموقراطية لأسباب مختلفة كالحروب، والأزمات الاقتصادية، والوفاة، ولكن ما يثبت الديموقراطية هي الثروة المتنامية. ويرى الكاتب الأميركي أن الإصلاح الاقتصادي يلعب دوراً أكيداً وتدرّجياً في الإصلاحات السياسية اللاحقة وهو ما تم في المكسيك وما سيتم لاحقاً في كثير من دول العالم، ولا سيّما الصين.

ويشير زكريا إلى أن في الديموقراطيات الليبرالية الناضجة يمكن عادةً احتواء الانقسامات العرقية من دون اللجوء للعنف أو الإرهاب، غير انه في غياب خلفية من الليبرالية الدستورية، فإن تطبيق الديموقراطية في مجتمعات منقسمة، أثار بالفعل النعرات القومية والنزاع العرقي والحرب ذاتها.

الديموقراطية ضيقة الآفاق:

يتناول زكريا الديموقراطية غير الليبرالية التي يسميّها بـ”الديموقراطية ضيقة الآفاق”، وفيه يفسّر كيف تراجعت حقوق الإنسان في دول نامية عديدة، لأنها طبقت الديموقراطية، سواء بما تمارسه الأغلبية من طغيان أو بصعود شخص أوتوقراطي إلى الحكم عبر الانتخاب. وتلميحاً يعود زكريا إلى العالمَيْن العربي والإسلامي، فيشير إلى أن الديموقراطية ستأتي بالمتطرفين في تلك البلاد التي تنفتح سياسياً قبل أن تبلغ درجة معيّنة من النضج السياسي.

ويحاول زكريا أن ينفي قدرة الديموقراطية على صهر الملل والأعراق داخل بلد واحد، مشيراً إلى أن الديموقراطية كثيراً ما أشعلت النيران بين القوميات والأعراق، الأمر الذي تسبّب في حروب عديدة. ويعطي مثالاً: إندونيسيا فهي لم تكن المرشح المثالي للديموقراطية، فهي تعتمد على الموارد الطبيعية ومحرومة من المؤسسات السياسية الشرعية وكان يحكمها الديكتاتور سوهارتو مع أتباعه، وكان دخل الفرد منخفضاً، ومع تحوّلها “الديموقراطي”، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 5 في المائة، وارتفع عدد الفقراء إلى 20 مليون نسمة، ووصل 20 من المائة من البرلمانيين الإسلاميين إلى البرلمان وزاد الفساد والمحسوبيات،لذلك كان الأفضل كما يستنتج الباحث الأميركي إطلاق إصلاح سياسي متدرّج بدلاً من ثورة شاملة.

مثال آخر: الهند الدولة المتعددة الأعراق، والكثيفة العدد، أًصبحت في نواح معيّنة ديموقراطية، ولكنها أقل تسامحاً وأقل علمانية وأقل التزاماً بالقانون وأقل ليبرالية، ولايزال التعصب الديني يشوّه الديموقراطية الهندية، عدا عن الفساد الواسع النطاق وعدم الاكتراث بسيادة القانون.

ثم يستعرض زكريا عملية انتقال روسيا من البيروقراطية السوفياتية إلى الديموقراطية غير الليبرالية، ففي زمن الرئيس بوريس يلتسين اتجه النظام نحو ديموقراطية هشة، وسياسات شبه ديكتاتورية ضد القوى السوفياتية القديمة. فقد حلّ يلتسين المجلس التشريعي وتقدم بدستور جديد عام 1992، وكان يصدر أوامر وقرارات رئاسية من دون المرور بالبرلمان، وكذلك حلّ نظام الحكم المحلي برمّته لأنه عارضه.

روسيا هذه لم تستطع الانتقال إلى ديموقراطية ليبرالية، ولكنها إنتقلت إلى حكم مطلق فردي وخاصة بعد مجيء بوتين، وهو ما تكرّس بانتخاب خليفته ميدفيديف، وبالتالي لم تستطع التطوّر المستمر بقضيتين اثنتين: التنمية الاقتصادية وبناء مؤسسات سياسية، في رأي زكريا.

الصين كدولة شيوعية بدأت بالإصلاح الاقتصادي الذي يتجه بها نحو دولة رأسمالية ولا تزال تؤجل الإصلاح السياسي.
أما في أميركا اللاتينية، فإن الديموقراطية في اثنين وعشرين دولة شهدت مستويات من الإساءة لحقوق الإنسان تتعارض مع تدعيم الديموقراطية الليبرالية، وأفريقيا التي شهدت انتخابات متعددة الأحزاب(42 بلداً) وحققت شيئاً من الحرية، تم في كثير من بلدانها تقويض الدولة وأفرزت تحديات إقليمية وإثنية أمام الحكومة المركزية. وبعض دولها وقعت في الفوضى وعدم الاستقرار واستشراء الفساد والخروج على القانون.

ويعلق الكاتب أن أفريقيا تحتاج إلى التنظيم والإدارة الجيدتين أكثر من الديموقراطية، ويتساءل: هل تفتح الانتخابات نحو المزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والقانونية أم توفّر غطاءً للاستبداد والشعبوية؟

الاستثناء الإسلامي:

يخصص زكريا فصلاً من كتابه للعالم العربي والإسلامي، واختار عنواناً له هو “الاستثناء الإسلامي”، يؤكد فيه أن الأنظمة العربية أنظمة مستبدة، تحكم قبضتها على الشعوب، ويسيطر عليها حكام فاسدون يستبدون وينفردون بالقرار، ولايتورعون في استخدام أبشع الأساليب لقهر معارضيهم والبطش بهم، لكنه يعود ليؤكد أن هذه الأنظمة هي الأنسب لحكم هذه الشعوب، وأنها أكثر ليبرالية من الأنظمة التي ستأتي بها الديموقراطية في حال تطبيقها.

ويروي زكريا حكاية لقاء ديبلوماسي أميركي مع الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، طالبه الديبلوماسي بتخفيف التشدّد الحكومي ضد المعارضين السياسيين، والسماح بمزيد من الحريات الصحافية، والإقلاع عن سجن المثقفين، فانتفض مبارك قائلاً: “إذا أقدمت على ذلك، فالأصوليون الإسلاميون سيسيطرون على مصر، هل هذا ما تريده؟”.

كما يروي زكريا أن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قال للرئيس الأميركي جورج بوش عندما طالبه أن يوافق على خطة تسوية كامب ديفيد في تموز/يوليو 2001، أنه إذا فعل ذلك، “فحماس ستكون في الحكم غداً”.

كلام زكريا هذا كتاب قبل أكثر من خمس سنوات على “الربيع العربي” وكان فيه استشراف للمستقبل في الدول العربية.
كما ينقل زكريا أن الأمير السعودي بندر بن سلطان كان يحذر المسؤولين الأميركيين دوماً أنهم إذا زادوا الضغط على حكومته، فإن البديل المحتمل لذلك النظام ليس ديموقراطية على النسق الغربي، بل حكومة دينية من طراز حركة طالبان، ويقول زكريا “إن السيء في الأمر هو أنهم على حق.. فالحكام العرب استبداديون فاسدون وقساة، لكنهم ما زالوا أكثر تحرراً وتسامحاً وتعددية من الذين قد يحلّون محلّهم، إذ أن الانتخابات في الكثير من البلدان العربية قد تنتج سياسيين أقرب إلى وجهات نظر أسامة بن لادن من الأفكار التحرّرية لملك الأردن عبدالله الثاني.

فعندما اقترح أمير الكويت بتشجيع من الأميركيين إعطاء النساء حق التصويت، رفض البرلمان الكويتي المنتخب ديموقراطياً والمليء بالأصوليين الإسلاميين هذه المبادرة بشدة”.

ففي نظره فإن “المنطقة الغارقة في نظرية المؤامرة لن تأتي الديموقراطية إلا بالإسلاميين الذين يجيدون لعبة الانتخابات، فيما هم يكرهون الديموقراطية في داخلهم ويعتبرونها مؤامرة غربية للسيطرة عليهم، وتلك هي السمة الغالبة لمن يطالبون بالديموقراطية في المنطقة العربية”.

عالم الإسلام العريض:

يقول زكريا: “منذ 11 سبتمبر، برز العطل السياسي في العالم العربي فجأة على عتبة الغرب، يمكن لك شخص التساؤل لماذا؟ لماذا هذه المنطقة هي العائق العظيم والمتطرف في ركاب المجتمعات الحديثة؟”.

ويرى أن أسامة بن لادن عنده جواب، فمشكلته مع الأنظمة العربية أنها ليست إسلامية بما فيه الكفاية، فقط من خلال العودة إلى الإسلام، يخبر أتباعه، يحقق المسلمون العدالة. فالديموقراطية بالنسبة إلى بن لادن هي اختراع غربي. وبن لادن وأشباهه يريدون إسقاط الأنظمة القائمة في العالم العربي والإسلامي واستبدالها بحكومات قائمة على حكم الشريعة الإسلامية.

يحاول زكريا أن ينفي مسؤولية الإسلام كدين عن غياب الديموقراطية والليبرالية في العالمَيْن العربي والإسلامي، ويقول إن الإسلام لا يعادي الديموقراطية بل إنه يملك خطاً معادياً للاستبداد بسبب عدم وجود أساقفة وكهنة يقفون بين العبد وربه. ولكن الإسلام ككل الأديان الأخرى يمكن قراءته بأكثر من طريقة وهو في النهاية ليس ما تقول عنه الكتب ولكن ما يفعله الناس، ومن دون ثقافة تحرّرية في الدول الإسلامية يمكن أن تستخدم آليات الديموقراطية للعمل ضد الحرية كما جرى في الكويت عندما عارض النواب الإسلاميون بشدة منح المرأة الكويتية حق التصويت.

فالمشكلة الحقيقية – في رأي زكريا – ليست في العالم الإسلامي، لكن في الشرق الأوسط حيث تتمثل الديكتاتوريات في أشكال مختلفة وتبدو الديموقراطية الليبرالية بعيدة المنال، ويبدو إغراء الأصولية الإسلامية قويا، فمن أصل 1.2 مليار مسلم، يعيش 260 مليون مسلم في بلاد العرب، ويذكر أمثلة على الاستبداد العربي فمن أصل 22 دولة عربية، لاتوجد بينهم ديموقراطية انتخابية واحدة، على عكس 63% من بلدان العالم.

ويشير إلى كيف كانت الجماهير العربية ترحب بجمال عبدالناصر والقذافي، ويستخلص من هذا الاستثناء أن المسار العربي الديكتاتوري هو الذي ولّد الإرهاب والحركات المتأسلمة، نتيجة الشلل الاقتصادي والركود الاجتماعي والإفلاس الفكري.
ويخلص زكريا إلى أن حل مشكلات العالم العربي والإسلامي ليس في الإصلاح الديني، وإنما في الإصلاح الاقتصادي والتحوّل نحو الليبرالية، وليس نحو الديموقراطية، ومع أن مشكلات منطقة الشرق الأوسط ليست اقتصادية، فإن بداية حلها قد يكون من الاقتصاد، فبمقارنة أوضاع الدول العربية الحالية بأوضاعها قبل 40 سنة مضت، يخرج زكريا بأن مساحة الحرية قلّت، والفشل الاقتصادي ازداد، وزاد التعداد السكاني بشكل ولّد فكراً احتجاجياً لدى الشباب، دفعهم إلى الأصولية التي ربطتهم بماضيهم، ولهذا السبب يرى أن على الولايات المتحدة أن تكون حريصة على مصر والسعودية، وألا تسمح لهما بالمخاطرة وتجربة صعود المتطرفين إلى السلطة فيهما، فعلى الرغم من أن النتيجة ستكون حتماً لصالح الحرية، لكنه يكون من العبث أن نترك الآخرين يسقطون في الهاوية وننتظر فرارهم منها بعد ذلك.

انحدار الديموقراطية الأميركية:

يتناول زكريا التجربة الأميركية التي يرى أنها تسير في طريق مظلم بجنوحها صوب إرضاء الأغلبية السطحية وإهمالها حقوق الأقليات، وهي بهذا الشكل ستفقد القدرة على إحداث التوازن بين الديموقراطية والحرية، بعد أن أصبح البيت الأبيض خاضعاً لاعتبارات قصيرة المدى كالانتخابات والاستطلاعات، الأمر الذي سيكون له أثر سيئ على كل النواحي.
فقد شهدت الولايات المتحدة بعد ثمانينيات القرن الماضي استقراراً وارتفاعاً في الدخل وتعزز موقعها العالمي، خاصة بعد انهيار الاشتراكية المتحققة، إلا أن الأميركيين بدورهم، فقدوا ثقتهم بديموقراطيتهم، وأصبحوا أقل حرية في بلادهم. فقد كانت مستويات التصويت بنحو 20 في المائة عام 1960.

وأما العضوية في حزب ما أو مدرسة ما، فقد انهارت بصورة كبيرة وشهد الانخراط في الشؤون العامة والمدنية بصفة عامة تراجعاً قدره 40 في المائة منذ منتصف الستينات.

ماالذي جعل النظام الأميركي ينحدر؟ يجيب زكريا أنه إضفاء الطابع الديموقراطي على السياسة وأن أحداً لايستمع للفقراء أو للفئات الوسطى وأن الجماعات المنظمة للمصالح الخاصة(اللوبيات) هي التي تدير واشنطن، ويشير إلى أن الأحزاب الأميركية تختار مرشحيها وبرامجها السياسية بعيداً عن الجماهير وأن النواب والشيوخ يلتقون في لجان من أجل المتاجرة والمقايضة والمساومة في القضايا، ولا يعتبر جيمي ماديسون واضع الدستور الأميركي أن أميركا ديموقراطية والأفضل تسميتها بالجمهورية، لأن نواب الأمة هم الذين يقرّرون وليس الأمة، والأحزاب السياسية في الساحة الأميركية لم يعد لها وجود أكثر من وسيلة لجمع التبرعات من أجل مرشح في دائرة ما، ففي النظام السياسي الأميركي نشهد فقط زيادة في عدد أبناء الأسر السياسية الحاكمة والمسؤولين الذائعي الصيت والسياسيين من أصحاب المليارات.

ويشرح زكريا دور جماعات المصالح، باعتبارها المتحكمة بالتعبير عن أهدافها ورؤاها، وباعتبار السياسيين يخافون على مصالحهم، وخشية إبعادهم عن السلطة، فإنهم يعملون دون هوادة على كسب رضا جماعات الضغط “اللوبي والمصالح” وبالتالي جلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع لانتخابهم. وتنتشر في السياسة الأميركية طبقة آخذة في الاتساع، هي الاستشاريون المحترفون وجماعات الضغط ومنظمي الاستطلاع والرأي والنشاطات، وهم الذين يسيطرون على السياسة العامة.

ويطرح السؤال التالي: من يتولى الرقابة على الاستشاريين وجماعات الضغط؟

الجواب: لا أحد.
وبالتالي المسؤولون عن السياسة في أميركا يديرون شؤونهم بشكل مستتر وعبر جماعات غير خاضعةٍ للمساءلة وغير مباليةٍ بالمصلحة العامة الكبرى.

ويوضح أن الولايات المتحدة تقع في تناقض خطير، فهي المدافع عن الديموقراطية غير المقيّدة في الخارج، ولكن النظام الأميركي يميّزه عدم ديموقراطيته فهو يضع قيوداً متعددة على الأغلبيات الانتخابية، وهناك ميثاق الحقوق الذي لايجوز للحكومة المسّ به، وأن أشخاص المحكمة العليا التسعة يرأسونها مدى الحياة وهي هيئة غير منتخبة. ويعتبر مجلس الشيوخ الأميركي أبعد المجالس عن التمثيل النيابي في العالم، ولكل ولاية عضوان من الشيوخ وبغض النظر عن حجم الولاية.

خلاصة:

حاول زكريا في كتابه هذا إظهار مدى الضرر أو الأضرار التي قد تسبّبها الديموقراطية ذات الأفق الضيّق سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، ليس على بلد بمفرده، وإنما على البشرية جمعاء.

ويخلص إلى أن الديموقراطية هي نظام منفتح وسهل الوصول إليه من الناحية النظرية، ولكنه خاضع في واقع الأمر لسيطرة أقليات منظمة أو متعصبة تحمي نفسها بنفسها من أجل الحاضر وتضحي بالمستقبل، وقد تؤدي أيضاً إلى العجز والفوضى، ولذلك هو يؤكد على الليبرالية الدستورية وديموقراطية التفويض وليس الديموقراطية المباشرة، أي أن يتحمل مسؤولون محددون نتائج القرارات التي تتخذ.

وبرغم أهمية أطروحة زكريا وتوصيفه لمشكلات الديموقراطية وعيوبها في العالم أجمع، وقصورها عن حل مشكلات العالم العربي والإسلامي، بسبب عدم اقترانها بالليبرالية، في رأيه، فإننا نسجّل استنتاجاتنا التالية:

1- على الرغم من عيوب الديموقراطية، فإنها أفضل من الاستبداد بجميع أنواعه شرط ألا تستخدم الديموقراطية للوصول إلى السلطة والاستبداد بها.

2- الإسلام لايتعارض مع الديموقراطية كآلية حكم لانتخاب الحكام، ولكنه يتعارض مع بعض مبادئ الليبرالية الاقتصادية والسياسية والفكرية.

3- ينطلق زكريا من التحذير من نشر وفرض الديموقراطية في العالم العربي والإسلامي من خشيته من وصول الإسلاميين المعادين لأميركا والغرب إلى السلطة، على غرار فوز حركة حماس في انتخابات 2005، بمعنى أن الديموقراطية سيئة عندما تأتي بحكام معادين للغرب، والعكس صحيح.

4- نستفيد من مقاربة زكريا لمسألة الديموقراطية والحرية لإسقاطها على واقعنا العربي والإسلامي اليوم، بعد ثورات “الربيع العربي”، حيث برغم وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وتونس من خلال الانتخابات، جوهر الديموقراطية، إلا أن ثمة مخاوف لفئات كبيرة من الشعب على الحريات وحقوق الإنسان وتداول السلطة، ولعل ما نشهده في مصر اليوم من انقسام دليل على أن اعتماد الديموقراطية وحدها لايكفي لحل المشكلات، وإنما يجب احترام الحريات والحقوق الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية والتعددية السياسية والدينية والتنوّع الفكري.

5- ظهر من خلال عدد من التجارب العالمية، أن التدرّج في الإصلاح السياسي والاقتصادي قد يكون أفضل من التغيير الشامل والفجائي وخصوصاً الذي يأتي عبر إنقلابات وثورات وحروب أهلية، على غرار تجربة إندونيسيا وبعض الدول الإفريقية، كما يشير زكريا.

المرجعية الشيعية تدعو العراقيين إلى التطوع لمواجهة “داعش”

حذرت المرجعية الشيعية في النجف الأشرف من “تحد كبير وخطر عظيم” يواجه العراق، داعية القادرين على التطوع لحمل السلاح، ولافتة إلى أن “الارهابيين” يسعون للسيطرة على جميع المحافظات لاسيما بغداد وكربلاء والنجف واستهداف جميع العراقيين.

وقال ممثل المرجعية في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي خلال خطبة صلاة الجمعة في الصحن الحسيني اليوم، إن “الاوضاع التي يمر بها العراق ومواطنيه خطيرة جداً ولابد ان يكون لدينا وعي بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا”، مشيراً الى انها “مسؤولية شرعية ووطنية كبيرة”.

وأضاف أن “العراق وشعبه يواجه تحدياً كبيراً وخطراً عظيماً وان الارهابيين لا يستهدفون السيطرة على بعض المحافظات بل صرحوا بانهم يستهدفون انهم جميع المحافظات، لاسيما بغداد وكربلاء والنجف”، لافتاً الى ان “انهم يستهدفون كل العراقيين وجميع مناطقهم ومن هنا فأن مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم لاتخص طائفة دون اخرى”.

واشار الكربلائي الى أن “التحدي وإن كان كبيراً إلاّ أن الشعب العراقي الذي عرف عنه الشجاعة والإقدام وتحمّل المسؤولية الوطنية والشرعية في الظروف الصعبة أكبر من هذه التحديات والمخاطر”، مشدداً “لايجوز للمواطنين الذين عهدنا منهم الصبر والشجاعة والثبات في مثل هذه الظروف أن يدبَ الخوفُ والاحباطُ في نفسِ أيِّ واحدٍ منهم بل لا بد أن يكون ذلك حافزاً لنا لمزيد من العطاء في سبيل حفظ بلدنا ومقدساتنا”.

ودعا القادرين على حمل السلاح ومقاتلة “الارهابيين” الى التطوع للانخراط في صفوف القوات الامنية، مطالباً بتكريم الضباط الذي “ابلوا بلاءً حسنا”. قائلاً إن “طبيعة المخاطر المحدقة بالعراق وشعبه في الوقت الحاضر تقتضي الدفاع عن هذا الوطن وأهله وأعراض مواطنيه”، مبينا أن “هذا الدفاع واجب على المواطنين بالوجوب الكفائي”.

واضاف الكربلائي أنه “اذا تصدى عشرة الاف وتحقق الغرض منهم سقط عن الباقين فإن لم يتحقق وجب على البقية وهكذا”، داعياً المواطنين “القادرين على حمل السلاح ومقاتلة الارهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم إلى التطوع للانخراط في القوات الامنية”.

“يديعوت أحرونوت”: تسوية الدولتين دفنت في خضم الحرب بين السنة والشيعة

غاي بيخور – مستشرق – “يديعوت أحرونوت”، 12 / 6 / 2014

انهار الجيش العراقي هذا الأسبوع مثل برج من ورق، لدى قيام مقاتلي القاعدة والجهاد العالمي باحتلال الموصل- ثاني أكبر مدينة في العراق. وكان الأميركيون هم من أسّس هذا الجيش ودرّبه، وعلى مدار العقد الأخير أنفقوا عليه عشرات مليارات الدولارات. وها هم الآلاف من جنوده يهربون بلا قتال تاركين وراءهم نعالهم وثيابهم ومعدات عسكرية أميركية متطورة ومطاراً ومستشفيات وسجوناً.

ووفقاً لآخر التقارير، فإن عناصر الجهاد العالمي موجودون الآن على بعد 200 كم من العاصمة بغداد ويطمحون للوصول إلى هناك أيضاً. ومعروف أن مقاتلي القاعدة سنة، أما الجيش العراقي فكله أو معظمه من الشيعة. كما تشير هذه التقارير إلى أن نظام الدمى الشيعي الذي أقامه الأميركيون في العراق وكان مصدر فخر بالنسبة إلى الرئيس باراك أوباما قد انهار. وما زلنا نذكر أن أوباما أصدر أوامره إلى الجيش الأميركي بالانسحاب لأن الجيش العراقي بات برأيه مستعداً لتحمل العبء كله.

والآن بعد سيطرة القاعدة على المدن السنية في غرب العراق، أضيفت إلى سيطرتها مدينة الموصل الشمالية أيضاً. وتتصل هذه “الدولة” السلفية بالدولة السلفية في سورية، ومن المتوقع أن تتصل بالأردن قريباً، وبذا تنهار الأوهام الأميركية وتمحى الحدود القومية.

يبدو أن الولايات المتحدة لن تقدم على فعل أي شيء، ولا أحد في الشرق الأوسط يعتقد أنها ستفعل شيئاً. وبعبارة أخرى يمكن القول إن إدارة أوباما الفائز بجائزة نوبل للسلام هي المسؤولة عن ولادة دول القاعدة في المنطقة حيث تشكل كارثة إنسانية لملايين البائسين.

ما هي أهمية كل هذه التطورات بالنسبة إلى إسرائيل؟ إن أهميتها ناجمة عن حقيقة أن هذه الإدارة الأميركية أعدّت لنا خطة أمنية في يهودا والسامرة [الضفة الغربية] كما أعدّت للعراق. ويعتقد وزير الخارجية الأميركي جون كيري وخبراؤه الأمنيون أن خطة أمنية على الورق تكفي لجعل الأنظمة والدول في الشرق الأوسط مستقرة.

إن ما يمكن استخلاصه من درس العراق أنه في اللحظة التي يخرج فيها الجيش الإسرائيلي من متر واحد من يهودا والسامرة، فستدخل عناصر الجهاد العالمي بدلاً منه كما حدث في قطاع غزة، وستهدّد مطار بن غوريون الدولي وبعد ذلك ستهدّد تل أبيب والقدس وحيفا، وبذا ينتهي أمر دولة اليهود. لقد فشل الأميركيون في العراق مع عشرات الآلاف من الجنود العراقيين المدربين، فكيف يتوقعون أن تنجح هنا عدة عصابات مسلحة فلسطينية؟.

فضلاً عن ذلك، فإن منطقة يهودا والسامرة أصبحت أخيراً مليئة بعشرات الآلاف من عناصر الجهاد العالمي وحزب التحرير وغيره، وهم ينتظرون الأمر بالانقضاض على السلطة الفلسطينية التي يعتبرونها كياناً مصطنعاً لا يقبلونه ولن يقبلوا به أبداً. والأنكى من ذلك أن وجود مساحة عربية مستقلة في يهودا والسامرة يعني زيادة مئات آلاف عناصر الجهاد التي سيتم جلبها من العراق وسورية ولبنان.

إن كل من لا يرى خطر الجهاد العالمي الذي يهدّد وجود دولة اليهود، ينكر الواقع السلفي الجديد، وينكر ما يحدث في سورية الآن، وينكر الفوضى العارمة في العراق. ربما كانت الحلول السياسية ذات صلة بالواقع قبل عشرات الأعوام مع وجود أنظمة حكم عربية مستقرة، لكن الحديث اليوم عن حلول كهذه وعن اتفاقات سلام بعد أن أصبح كل شيء من حولنا منهاراً، ضرب من الغباء.

إن حل الدولتين التي جرى الحديث عنه قبل الربيع العربي دفن في الموصل في خضم الحرب العالمية الآخذة في التوسع بين السنة والشيعة والتي تبدو إسرائيل بالقياس إليها أشبه بصخرة صلبة من الاستقرار والأمن.

المصدر: نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مقاتلو “الجبهة الإسلامية” في دير الزور بين ناري الجيش السوري و”داعش”
فرانس برس – تواجه كتائب مقاتلة ضد القوات النظامية السورية في مدينة دير الزور (شرق) صعوبات كبيرة في اجلاء جرحاها الذين يسقطون في المعركة بعد سيطرة تنظيم “الدولة الاسلامية في العراق والشام” (داعش) قبل ايام على المدخل الوحيد الذي كان مفتوحا امامهم الى خارج المدينة، بحسب ما ذكر المرصد السوري لحقوق الانسان اليوم الجمعة.

وافاد المرصد عن “اشتباكات عنيفة منذ يوم امس في عدد من احياء مدينة دير الزور”، ومقتل “مقاتل من الكتائب الإسلامية واصابة 34 عنصرا من الكتائب المقاتلة المعارضة بجروح بعضهم في حالة خطرة وحياتهم مهددة بالخطر، وذلك بسبب اغلاق الدولة الإسلامية في العراق والشام جسر السياسية، المعبر الوحيد لنقل الجرحى خارج المدينة”.

كما اشار الى مقتل 12 عنصرا من قوات النظام وقوات الدفاع الوطني في المعارك.

ويخوض مقاتلو المعارضة السورية في دير الزور معارك على جبهتين: الاولى تتركز اجمالا داخل المدينة مع قوات النظام، والثانية في ريفها الشمالي مع مقاتلي “داعش”.

وتسيطر القوات النظامية على غالبية مداخل المدينة والمناطق المحيطة، باستثناء مدخل جسر السياسية من الجهة الشمالية الذي استولى عليه تنظيم “الدولة الاسلامية” قبل ايام اثر معارك مع مقاتلي المعارضة الذين اضطروا الى الانكفاء الى داخل المدينة.

وكانت المعارك بين داعش وكتائب المعارضة السورية ابرزها جبهة النصرة المتطرفة احتدمت في ريف دير الزور منذ بداية ايار/مايو، مع محاولة واضحة من التنظيم الجهادي للوصول الى الحدود العراقية واقامة تواصل مع عناصره داخل العراق. وقد تمكن من دخول عدد من المناطق القريبة من الحدود والسيطرة عليها.

لكن منذ سقوط مدينة الموصل ومحافظة نينوى في العراق في 11 حزيران/يونيو بايدي “داعش”، توقفت المعارك في الجانب السوري، بحسب المرصد.

وبدأت “الدولة الاسلامية” هجوما مباغتا في العاشر من ايار/مايو على مناطق في شمال العراق، وتمكنت من السيطرة على محافظة نينوى ومناطق في محافظتي صلاح الدين وديالى.

على الجبهة السورية، اوضح مدير المرصد السوري رامي عبد الرحمن ان “الدولة الاسلامية في العراق والشام” باتت تحاصر تقريبا المناطق التي يتواجد فيها مقاتلو المعارضة في مدينة دير الزور، وان هؤلاء ينقلون اسلحة الى داخل المدينة عبر قوارب صغيرة في نهر الفرات مصدرها ريف حلب وبعض مناطق الحسكة.

وقال عبد الرحمن ان تنظيم “الدولة الاسلامية” في سوريا حصل خلال الايام الماضية على اسلحة من تشكيلاته في العراق عبر منطقة الهول الحدودية بين البلدين والتي لا توجد فيها معابر رسمية قانونية، وهي تقع جنوب شرق محافظة الحسكة السورية. وتمت ازالة الحواجز الترابية الموجودة على الحدود في المنطقة، وفتحت معابر غير قانونية يمر السلاح عبرها بشكل يومي.

وذكر عبد الرحمن ان قادة “الدولة الاسلامية في العراق والشام” الميدانيين في المنطقة هم “عمر الشيشاني وابو اسامة العراقي وكتيبة البتار الليبية”، وان عددا كبيرا من المقاتلين في التنظيم في المنطقة هم من الشيشان والصينيين.

 

 


الانعكاسات الاستراتيجية لانهيار العراق

عوديد عيران، ويوآل غوزنسكي – باحثان في معهد دراسات الأمن القومي – “مباط عال”، العدد 559 – 2014/6/12

 

سقوط مدن أساسية في العراق في يد المتشددين السّنة الذين ينتمون إلى التنظيم السني “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ستكون له انعكاسات تتخطى حدود هذه الدولة. ففي العراق نفسه سيقوى التوجه نحو التقسيم الفعلي الذي بدأ مع سقوط نظام صدام حسين من جراء الغزو الأميركي في العام 2003 . فقد أصبح الاستقلال الذاتي لمنطقة كردستان حقيقة منتهية معترفاً بها من جميع الأطراف. كما أن سيطرة الأطراف السّنية على مناطق وسط العراق في حال لم تكبح، ستؤدي إلى نشوء منطقة سنية مستقلة في الوسط، في حين سيقع جنوب العراق مثل ثمرة ناضجة في يد إيران. في ظل هذا الوضع، سيتحول العراق إلى مصدر للإرهاب وستحاول التنظيمات المختلفة الناشطة فيه استغلال ضعف سوريا من أجل توسيع نشاطها في الشرق الأوسط.

 

ومن غريب المفارقات أن جميع الدول المجاورة للعراق إضافة إلى الولايات المتحدة، تجد نفسها ضمن حلف غير رسمي. ولكل دولة أسبابها الخاصة للخوف والقلق الشديد من الانعكاسات المباشرة والبعيدة المدى للتطورات الأخيرة.

إن ضعف سيطرة النظام العراقي المركزي على أجزاء مختلفة من الدولة يخدم المصلحة الإيرانية في توسيع نطاق نفوذها ونشوء إمكانية إيجاد تواصل بري تحت سيطرة إيرانية مع سورية وحزب الله. ولكن انتصار التنظيمات السّنية التي لا تعتمد على المساعدة الإيرانية، لن تنظر إليه طهران بوصفه إنجازاً. واحتمال سقوط مدن مهمة بالنسبة للشيعة مثل النجف وكربلاء في يد التنظيم السّني [الدولة الإسلامية] هو بمثابة كابوس بالنسبة إليها.

 

ومن شأن تركيا أيضاً أن تنظر بقلق إلى هذه التطورات، لأن سيطرة جهات إرهابية على مناطق قريبة من حدودها تزيد المخاوف من قيام منطقة تقع جنوب تركيا تشمل أجزاء من سورية والعراق وتشكل مصدراً للقلق الأمني، بما قد يؤدي إلى أوضاع سيضطر فيها النظام في أنقرة إلى القيام بعمليات عسكرية امتنع عنها حتى الآن. وستضطر تركيا ذات الطابع الإسلامي- السّني إلى مراقبة تسلل العناصر القريبة من “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إلى أراضيها.

 

من جهته يراقب الأردن بقلق التطورات في العراق. فقد سبق أن تسببت الحرب الأهلية في سورية بتدفق أكثر من مليون لاجئ سوري إلى الأردن. وأدت حرب العراق سنة 2003 إلى عبور نصف مليون مواطن عراقي إلى الأردن. صحيح أن قسماً من هؤلاء عاد إلى العراق، لكن الشتات العراقي في الأردن يقدر اليوم بربع مليون شخص. ومن شأن هذا العدد أن يزداد قريباً من جراء النزوح الجماعي الكثيف الذي بدأ من المناطق التي احتلها تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق وسوريا”. لكن هذا لا يعدو كونه عنصراً من عناصر قلق الأردن، فحدوده مع سورية والعراق تشكل ضغطاً كبيراً على الجيش الأردني والأجهزة الأمنية الأردنية.

 

وما تجدر الاشارة إليه أن معبر الحدود مع العراق موجود في منطقة الأنبار التي حققت فيها “الدولة الإسلامية” انتصارات بارزة منذ بداية 2014 . حتى الآن واجهت السلطات الأردنية بنجاح، المخاطر العائدة إلى مشكلات داخلية، سياسية واقتصادية. لكن التطورات الأخيرة في سورية والعراق من شأنها تغيير التوازن الداخلي القائم.

 

iraq-1

 

وتنظر دول الخليج هي أيضاً بقلق إلى التدهور الداخلي في العراق، وإلى التوسع الجغرافي لتنظيمات متشددة لا يربطها أي التزام تجاه الأنظمة الخليجية المحافظة، برغم الصلة الدينية السّنية التي تربطهم بها. إن ضعف السلطة المركزية في بغداد برغم كونها شيعية في الأساس، سيؤدي إلى حرية أكبر للتحرك في الجزء الشمالي من الخليج، الأمر الذي يثير قلق دول الخليج التي تعاني أساساً ضائقة بسبب تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة. قد يكون من السابق لأوانه تقدير انعكاسات سيطرة “الدولة الإسلامية” على منشآت النفط الأساسية في العراق، بما في ذلك منشآت المصافي. لكن إذا استمر هذا لفترة طويلة فإنه سينعكس على تصدير النفط من العراق، وبصورة غير مباشرة على استقرار أسعار منتجات الطاقة. ومن المفارقات بروز تحالف من الدول التي من مصلحتها القضاء على التمركز الجغرافي “للدولة الإسلامية” وهو ما يزال في مهده. وبدأ يظهر في العراق تعاون بين قوات الجيش الكردي “البشمركة” والجيش العراقي بهدف وقف تقدم قوات “الدولة الإسلامية”. والسؤال المباشر الذي يطرح على الولايات المتحدة هو مسألة تسليح الجيش العراقي، فكميات السلاح التي جزء كبير منها من إنتاج أميركي، وقعت في الأيام الأخيرة في يد التنظيم، مما يطرح علامة سؤال كبيرة بشأن تسليح الجيش العراقي أو الثوار “الطيّبين” في سورية بسلاح متطور.

 

في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي في كلية ويست بوينت في 28 نيسان/أبريل، تطرق أوباما مطولاً إلى مسألة الحرب ضد ما أسماه إرهاب التنظيمات المنبثقة عن القاعدة والتي لا تخضع للسيطرة المركزية للتنظيم. ولم يستبعد أوباما في خطابه احتمال عملية أميركية من طرف واحد إذا تعرض أمن أحد حلفاء واشنطن للخطر. وأشار إلى أنه في ما يتعلق بالوضع في العراق، فهو يفضل العمل مع شركاء آخرين.

 

سوف يتعين على الولايات المتحدة أن تتولى مهمة القيادة، لكن تحتاج أولاً إلى اتخاذ عدد من القرارات بشأن مبدأ تسليح الجيش العراقي بسلاح متطور. ثمة مسألة أخرى من نوع آخر تماماً تتعلق بدور إيران في سبل مواجهة الوضع الجديد في العراق، فقد تلجأ إيران إلى عرقلة الجهد المشترك إذا لم يجر ضمها بطريقة أو بأخرى إليه، وسوف تطالب بمقابل لمشاركتها، على الصعيد النووي أو على الأقل بشأن كل ما له صلة بالعقوبات. لكن مشاركة إيران من دون أن يكون لذلك صلة بسلوكها في سورية وبتعاونها الوثيق مع حزب الله تبدو غير ممكنة، ومن الواضح أن التعامل مع إيران في ما يتعلق بالعراق مرتبط بمشكلات كثيرة. وثمة سؤال يُطرح هنا: هل جرى بحث هذا الموضوع خلال الاتصالات الثنائية التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل بضعة أيام؟ أم أن المحادثات اقتصرت على الموضوع النووي فقط؟

 

كذلك، فإن موقف دول الخليج من هذه المسألة غير واضح. لكن من المحتمل أنها ترى في قضية العراق فرصة جديدة للبحث في فتح صفحة جديدة من العلاقات مع إيران.

 

إن الإنجازات التي حققتها “الدولة الإسلامية في العراق والشام” تشكل علامة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط، على الرغم من أن هذه الإنجازات لا تشكل سابقة، فقد سبقها نجاح حزب الله في التحول إلى قوة سياسية تسيطر على لبنان وهناك سيطرة “حماس” على غزة. والخطر الكامن في تحول هذه الإنجازات إلى وضع دائم واضح بالنسبة لجميع المعنيين المباشرين وللولايات المتحدة أيضاً. ولذلك من الممكن أن تتحول هذه الإنجازات إلى انتصار باهظ الكلفة، فإذا تجندت دول المنطقة بقيادة أميركية لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” سيكون من الصعب على مقاتلي التنظيم وحتى الأكثر تشدداً بينهم، مواجهة الحرب ضدهم سواء من ناحية نوعية السلاح أو من ناحية الخطوات التي ستتخذ لقطع طريق الإمداد لهم.

بالطبع لإسرائيل مصلحة كبيرة في نجاح الحرب ضد تمركز “الدولة الإسلامية” في أي منطقة من الشرق الأوسط. فحتى لو كان هذا التنظيم لا يوجه عملياته في هذه المرحلة ضدها، فإنه مما لا شك فيه أن توجهات قادة التنظيم وتمركزهم الجغرافي يشكلان خطراً أمنياً محتملاً على إسرائيل.

 

المصدر: نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

بوروشنكو: القوات الأوكرانية تستعيد السيطرة على ماريوبول
 
   
 
فرانس – برس- استعادت القوات الاوكرانية السيطرة الجمعة على مدينة ماريوبول في ختام معارك وقعت فجرا واسفرت عن اربعة جرحى فيما امر الرئيس الاوكراني بترو بوروشنكو باقامة فيها موقتا الادارة الاقليمية لدونيتسك.

وقال الرئيس الاوكراني كما نقل عنه موقع الرئاسة “بفضل بطولة العسكريين الاوكرانيين، استقر الوضع في ماريوبول” المرفأ الواقع جنوب شرق اوكرانيا ويعد حوالى 500 الف نسمة.

وطلب من حاكم منطقة دونيتسك سيرغي تاروتا اقامة مقر الادارة الاقليمية موقتا في ماريوبول.

ويخضع مقر الادارة الاقليمية في دونيتسك منذ اكثر من شهرين لسيطرة انفصاليين اقاموا فيها مقر قيادتهم.

واصيب اربعة جنود اوكرانيين خلال معارك وقعت فجرا في ماريوبول كما اعلنت وزارة الداخلية الاوكرانية مشيرة الى “خسائر كبرى” في صفوف الانفصاليين.

واعلن الحرس الوطني الذي يضم متطوعين وعناصر من وزارة الداخلية في بيان ان “اربعة جنود من وحدة خاصة اصيبوا بجروح واحدهم في حالة خطرة”.

وكانت الحصيلة التي اوردها سابقا وزير الداخلية ارسين افاكوف اشارت الى وقوع جريحين. وقال افاكوف على صفحته على فيسبوك ان العملية الهادفة “لازالة” حواجز المتمردين بدأت عند الساعة 4,50 (1,50 ت.غ) واستمرت عدة ساعات.

وقال ان العلم الاوكراني اصبح يرفرف فوق مقر بلدية المدينة الجمعة. واضاف ان وحدات خاصة تابعة لوزارة الداخلية “دمرت مدرعات ومواقع لقناصة النخبة”.

وكتب الوزير الاوكراني ان “الارهابيين تكبدوا خسائر كبرى. واصيب جنديان بجروح من صفوفنا. العملية تتواصل”.

ويخوض الجيش الاوكراني منذ شهرين عملية ضد المتمردين الموالين لروسيا في شرق اوكرانيا اوقعت 270 قتيلا.

من جهتها اعلنت وزارة الدفاع الاوكرانية الجمعة ان “معارك طاحنة” جرت امس قرب الحدود مع روسيا في بلدات سنيجين وستيبانيفكا في منطقة دونيتسك.

وقالت الوزارة انه على طريق قرب سنيجين تم تدمير قوافل متمردين متجهة من روسيا وتنقل اسلحة من صنع روسيا لا سيما قاذفات صواريخ. واوضحت انه “بعض ضربات من المروحيات، تم انزال جنود” واكدت ان خسائر المتمردين تبلغ عشرات الرجال.

 

 

 
قطر تتعهد تحويل 20 مليون دولار لرواتب موظفي غزة
أكد المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية ايهاب بسيسو اليوم الجمعة أن رئيس الوزراء القطري عبد الله بن ناصر تعهد لرئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله بأن تحول قطر مبلغ 20 مليون دولار لمدة ثلاثة أشهر للمساهمة في حل أزمة رواتب موظفي غزة.وقال بسيسو في بيان تسلمت وكالة فرانس برس نسخة منه ان الحمد الله “تلقى اتصالا هاتفيا من رئيس الحكومة القطرية ابلغه فيه انه سيتم تحويل مبلغ 20 مليون دولار لمدة ثلاثة اشهر من اجل دفع رواتب موظفي قطاع غزة الذين تم توظيفهم بعد الانقسام” في 2007.

واضاف “سيصار إلى تشكيل صندوق خاص لدفع رواتب موظفي قطاع غزة الذين تم توظيفهم بعد 2007، لدفع رواتبهم كسلف بالتزامن مع عمل اللجنة القانونية الإدارية التي شكلتها الحكومة في إطار معالجة القضايا المدنية والمشاكل الإدارية الناجمة عن الانقسام”.

واكد “أن اللجنة ستعمل على أساس تحقيق العدالة والإنصاف دون تمييز بين الموظفين، والتأكيد على مبدأ الشراكة لأبناء الشعب الفلسطيني في المؤسسات الحكومية على أساس الكفاءة ومراعاة الإمكانيات المتاحة وبما يعالج التضخم الوظيفي في المؤسسات الحكومية”.

اعلنت سلطة النقد الفلسطينية الاربعاء في بيان عودة العمل في كافة المصارف العاملة في قطاع غزة تدريجيا بعدما اغلقها عناصر امن تابعون لحماس بعد احتجاجات وقعت من قبل موظفي حكومة حماس السابقة لعدم تلقيهم رواتبهم من حكومة التوافق الفلسطينية أسوة بموظفي السلطة الفلسطينية.

ولم يتلق موظفو حماس والذي يقدر عددهم بنحو 41 الفا، رواتبهم منذ ثلاثة اشهر على الاقل.

ووقعت منظمة التحرير الفلسطينية وحماس في 23 نيسان/ابريل اتفاقا جديدا لوضع حد للانقسام السياسي الذي نشأ بين الضفة الغربية وغزة منذ 2007. وأدت حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية اليمين في 2 حزيران/يونيو امام الرئيس محمود عباس في مقر الرئاسة الفلسطينية في مدينة رام الله في الضفة الغربية. وتضم الحكومة شخصيات مستقلة بدون تفويض سياسي ومكلفة تنظيم انتخابات خلال ستة اشهر.

 

 


هل تغيّر الموقف الأميركي من حزب الله؟

قاسم قصير – نقلاً عن مجلة الأمان 

 

طرحت المواقف التي اطلقها وزير الخارجية الاميركي جون كيري خلال زيارته الاخيرة الى بيروت، حول دور حزب الله وايران وروسيا في الحل السياسي في سوريا ،الكثير من علامات الاستفهام حول ابعاد هذه التصريحات وهل هي بداية تغيير في الموقف الاميركي من الحزب ام لا؟ وكيف سيتعاطى الحزب مع هذه المواقف ؟وهل هي مدخل لمفاوضات مباشرة او غير مباشرة بين الحزب والادارة الاميركية؟ وما هو تأثير ذلك على دور الحزب في لبنان والتطورات السياسية الحالية عامة والانتخابات الرئاسية بشكل خاص؟

لقد سارع السفير الاميركي في بيروت ديفيد هيل الى احتواء الاعتراضات اللبنانية على هذه التصريحات وخصوصا لدى قوى 14 اذار ، فقام بزيارة الى مقر الامانة العامة لهذه القوى وعقد لقاءا موسعا مع المسؤولين فيها ومن ثم اصدر بيانا اكد فيه على الموقف الثابت للادارة الاميركية من الحزب والذي يعتبره “منظمة ارهابية” داعيا الحزب لاخراج مقاتليه من سوريا وداعما القرارات الدولية حول لبنان واعلان بعبدا.

kerry

 

اما حزب الله فلم يعلق بشكل واضح على الموقف الاميركي وان كان امين عام حزب الله السيد حسن نصر الله وعدد من مسؤولي الحزب اعتبروا هذه التصريحات دليل على فشل المشروع الاميركي في المنطقة ودعوا لاعتماد الحل السياسي بوقف دعم المعارضة المسلحة في سوريا.

فما هي ابعاد موقف وزير الخارجية الاميركية حول دور حزب الله في الحل السياسي في سوريا؟ وهل لها علاقة بالمفاوضات الاميركية-الدولية مع ايران حول الملف النووي؟ وهل تكفي توضيحات السفير الاميركي في بيروت لازالة الالتباسات حول هذه التصريحات؟ وهل سقبل الحزب الذهاب نحو مفاوضات مباشرة مع الادارة الاميركية سواءا حول الملف السوري او غيرها من الملفات؟

ابعاد التصريحات الاميركية

مصادر سياسية ودبلوماسية في بيروت تعتبر ان التصريحات التي اطلقها وزير الخارجية الاميركي جون كيري من بيروت حول الدور السياسي لحزب الله وايران وروسيا في الحل السياسي في سوريا لم تأت من فراغ ولم تكن خطأ لغويا او موقفا عفويا ، بل هي تعبر عن موازين القوى القائم اليوم على مستوى سوريا والمنطقة واعتراف اميركي غير مباشر بان هذه الاطراف الثلاثة هي القوى الفاعلة في سوريا الى جانب النظام السوري وانها قادرة على المساهمة في الحل عندما يحين اوانه.

وتضيف المصادر :ان هذه التصريحات تزامنت مع بدء مفاوضات مباشرة بين اميركا وايران وبشكل علني وهذا يحدث للمرة الاولى منذ سنوات طويلة، فقد كان الاميركيون يعقدون  سابقا لقاءات ومفاوضات مع الايرانيين اما بشكل غير علني او بحضور اطراف اخرى، مما يعني اننا دخلنا في مرحلة جديدة على الصعيد الدولي والاقليمي.

وتتابع المصادر: انه في الاشهر الاخيرة وفي ظل التطورات التي حصلت في لبنان وسوريا والعراق يبدو ان هناك تقاطع مصالح غير مباشر بين الاميركيين من جهة والايرانيين وحزب الله من جهة اخرى في ظل تعاظم دور المجموعات الاسلامية المتشددة والصراع القائم معها، ورغم ان الحزب وايران يتهمان الادارة الاميركية والسعودية ودول اخرى حليفة لاميركا بدعم هذه المجموعات، فقد برزت رغبة اميركية بمنع انتقال هذه المجموعات خارج سوريا وحصر القتال بينها وبين الحزب في سوريا، كما عمد الاميركيون وجهات غربية اخرى الى دعم الجيش اللبناني والاجهزة الامنية اللبنانية لمواجهة الشبكات المسؤولة عن التفجيرات في لبنان.

اما على الصعيد السياسي الداخلي فقد تم تسريب معطيات سياسية عن قبول اميركي بوصول العماد ميشال عون الى الرئاسة الاولى كونه القادر على ايجاد حلول عملية للاوضاع اللبنانية ، ورغم نفي المسؤولين الاميركيين هذه الاجواء فانه حتى الان لم يبرز بشكل واضح وصريح ممانعة اميركية لهذا الخيار اذا تم التوافق عليه داخليا.

اذن الموقف الاميركي له ابعاد لبنانية واقليمية ويشير الى وجود توجه جديد في الاوساط الاميركية رغم حرص السفير الاميركي في بيروت ديفيد هيل على تثبيت الموقف الاميركي التقليدي باعتبار حزب الله ” منظمة ارهابية” ودعوته  للحزب للخروج من سوريا.

 

US_Hezbollah

 

 

موقف حزب الله

لكن ماهو موقف حزب الله من المواقف الاميركية الجديدة؟ وهل يمكن للحزب ان يدخل في مفاوضات مباشرة مع الاميركيين؟

لقد تعاطى المسؤولون في حزب الله مع تصريحات وزير الخارجية الاميركي بهدوء وبدون انفعال ، فهم لم يرحبوا به بشكل واضح وبالمقابل اعتبروه مؤشرا للاعتراف الاميركي بالتطورات الحاصلة في سوريا ودعوا الاميركيين للقيام بخطوات عملية لوقف دعم المجموعات المسلحة في سوريا اذا كانت تريد حلا سياسيا.

كما ان بعض الاوساط القريبة من الحزب اعتبرت هذا التصريح ضربة قاسية لقوى 14 اذار وتغييرا اميركيا في الاداء السياسي على صعيد الوضع اللبناني خصوصا ان الوزير الاميركي لم يلتق قيادات قوى 14 اذار وتم التعويض عن ذلك بلقاء توضيحي للسفير الاميركي مع وفد من الامانة العامة.

لكن هل يمكن ان تحصل علاقة مباشرة بين حزب الله والادارة الاميركية؟ المسؤولون في حزب الله يؤكدون انه ليس هناك اي علاقة مع الادارة الاميركية وهم يرفضون اي حوار مباشر او غير مباشر مع المسؤولين الاميركيين ولا يلتقون اية شخصية اميركية لها علاقة بالادارة او الجهات الاميركية الرسمية، كما ان الحزب لا يزال يعتبر ان الاميركيين يدعمون الكثير من المجموعات الاسلامية التي تقاتل في سوريا سواء بشكل مباشر او غير مباشر، يرفض المسؤولون ربط موقفه من الاميركيين بالمفاوضات النووية او مفاوضات ايران مع اميركا، ويؤكدون ان لديهم موقف مبدئي معارض للسياسة الاميركية.

لكن هل يتبقى الامور هكذا ام سنكون امام متغيرات ستدفع الجميع للبحث عن خيارات اخرى؟ يبدو ان ما يجري في لبنان والمنطقة وعلى الصعيد الدولي سيحمل الكثير من المفاجاءات في الشهرين المقبلين وعلينا ان نرى كيف ستتفاعل هذه الاحداث وما هي تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة.