بين “إثنية القرم” و”يهودية اسرائيل”

علوان نعيم امين الدين*

فُتح الباب امام الاستفتاءات الشعبية. الكل متخوف من تفكك دول “عنوة” عبر تنظيم “استفتاءات تقرير المصير.” تسعة وعشرون مقاطعة اميركية تلوح بالانفصال بعد قرار استقلال جمهورية شبه جزيرة القرم وضمها الى روسيا. الاسكا تريد العودة الى روسيا ايضاً، وعريضة يتم التوقيع عليها الان من اجل اجراء استفتاء شعبي يقرر مصيرها. ماذا لو قمنا بــ “إسقاط” هذا المبدأ على “اسرائيل”؟ ماذا لو جرى استفتاء شعبي فيها على “يهودية الدولة” مستفيدةً من تجربة القرم والتجارب التي ستلي القرم؟!          ان ما يثير الخوف الكبير لدى الباحثين والمهتمين بالشأن السياسي في منطقتنا هو ان تصبح هذه الاستفتاء شكلاً من اشكال التصارع الدولي في مكان ما، او الاتفاق الدولي في مكان آخر. بعبارة اخرى، قد يبدأ استعمال هذه الورقة بين روسيا وامريكا في حال التصارع (حالة كوسوفو والقرم)، او التوافق (حالة “اسرائيل” المدعومة من الدولتين)، فيتم الاعتراف بيهودية “دولة اسرائيل” دولياً بناء على استفتاء قد تجريه السلطات فيها وتطلب من دول العالم الاعتراف به على قاعدة حق الشعوب في تقرير مصيرها وخياراتها، وتأخذ “تصديق” المجتمع الدولي على هذه الخطوة. فهناك سابقة مخيفة ومهمة في تاريخ هذا الكيان تتمثل باعتراف الاتحاد السوفياتي به بعد ساعات من اعلان ديفيد بن غوريون قيامه، بينما اعلنت الولايات المتحدة الاعتراف في اليوم التالي، علماً بأن الحرب الباردة كانت قد بدأت بين العملاقين عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.

من هنا، يمكن استنتاج العديد من الخلافات بين المسألتين:

  1. ملكية الارض:

تعتبر شبه جزيرة القرم جزءاً من روسيا اعطاها الرئيس السوفياتي نيكيتا خروتشوف الى اوكرانيا، بلده الام، عام 1954 حيث كانت لا تزال تشكل اوكرانيا احدى الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفياتي السابق. ولقد اكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن قرار التسليم كان شكليا فقط، لأن تسليم الأراضي تم داخل دولة كبيرة واحدة ولم يكن يتصور أحد انفصال روسيا وأوكرانيا عن بعضهما. واستطرد الرئيس الروسي قائلا: “لكن ذلك حصل، وما بدا أمرا خياليا صار واقعا، فالاتحاد السوفييتي تفكك. وكانت الأحداث تتطور بوتيرة سريعة إلى درجة أن قلة فقط من المواطنين كانوا يدركون مدى درامية الأحداث وتداعياتها”.

اما حال فلسطين مختلف تماما. فهي ارض سلخ عنها شعبها لتعطى لآخر كي يقيم عليه “دولة” لا حق له فيها، غير التعويل على “حق تاريخي”، وتوافق دولي تمثل في اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، تلاها وعد بلفور في 1917، اذ لا يزال العديد من اللاجئين الفلسطينين يحملون معهم حتى اليوم صكوك ملكية الاراضي التي تم تهجيرهم منها. فلو كانت الحقوق تعاد بعد آلآف السنين، لدبت الفوضى في العالم كله. كل حضارة في التاريخ كان لها جغرافيتها التي تمددت عليها، تقلصت ضمنها، حتى ان بعضها انتهى نهائياً. فماذا لو طالب من بقي من سلالة هذه الحضارات اعادة ما اخذ منه؟ ماذا لو طالب من بقي من الهنود الحمر، على سبيل المثال، في الولايات المتحدة اليوم باستعادة اراضيهم او على الاقل استعادة الحكم فيها؟

  1. طبيعة الاستفتاء:

لم يقم الاستفتاء في شبه جزيرة القرم على اساس اثني بالاصل، بل شاركت فيه العديد الاثنيات الموجودة، وهو ما يتضح من خلال التقسيم الديمغرافي للمنطقة. وفي خطابه عند توقيع معاهدة ضم شبه جزيرة القرم في 18 مارس/آذار 2014 الحالي، اشار الرئيس بوتين الى نسبة الاثنيات الموجودة في القرم، حيث اكد ان الجمهورية الحديثة تضم حوالي 2.2 مليون نسمة يشكل الروس 1.5 مليون منها (ما نسبته 67% من السكان)، ويليهم 350 ألف أوكراني يعتبر معظمهم اللغة الروسية لغتهم الأم، إضافة إلى ما بين 290 ألفا و300 ألف من تتار القرم “الذين يصبو جزء كبير منهم هم أيضا إلى روسيا، حسب نتائج الاستفتاء.” وبنظرة سريعة على نتائج الاستفتاء، يتضح بأن نسبة المقترعين الروس وصلت الى 82%، ونسبة التصويت كانت 96.77% من السكان. وهو ما يبعد فرضية “الضم الاثني.”

UKRAINE-RUSSI-CRISIS-POLITICS

اما في حال اجراء استفتاء شبيه لما جرى في القرم داخل “اسرائيل”، فإن هذا الاستفتاء سيقوم على اساس اثني ديني محض، اذ لن يشارك فيه سوى سكان هذا الكيان من اليهود، ومن المستبعد او حتى المستحيل ان يشارك فيه عرب 1948 حتى لما فيه من سلخ لتاريخهم واصلهم ووجودهم في المستقبل.

  1. مصير الاثنيات:

في خطابه السابق الذكر اعلاه، أيد بوتين مشروع إعطاء اللغات الثلاث الروسية والأوكرانية والتتارية صفة اللغات الرسمية في القرم قائلا “نحن نحترم أبناء جميع القوميات القاطنة في القرم، فهي بيتهم ووطنهم الصغير. وسيكون من الصواب أن تكون ثمة في القرم – وأنا أعرف أن مواطني القرم يؤيدون هذه الفكرة – ثلاث لغات متساوية في حقوقها هي الروسية والأوكرانية ولغة تتار القرم”، في خطوة منه تصب في تبديد ايه مخاوف لدى التتار خصوصاً بعد التنكيل “الستاليني” بهم.

اما الاستفتاء على “يهودية اسرائيل”، حال اجرائه، فلن يعترف بأي حق من حقوق الاقليات الموجودة داخل الكيان، فهم يوصفون بحسب كتاب التلمود بالــ “غوييم” (حيوانات على شاكلة الانسان)، وأي اعلان عن المحافطة على تلك الاقليات سيكون كوعد بلفور بانشاء وطن قومي لليهود “على ان يفهم جلياً انه لن يؤتى بعمل من شأنه ان ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين.” فماذا كانت النتيجة؟! تجهير السكان الاصليين، تنفيذ مجازر مروعة، سلب الحقوق الدينية (خاصة في القدس والاعتداءات المتكررة على المسجد الاقصى تحديداً)، والسعي الى ان يكون الاردن وطناً بديلاً. ان هذا الكيان لا يعرف سوى سياسة “خذ وطالب”، فما ان يأخذ “حقاً” الا ويبدأ بالمطالبة بغيره.

  1. لعبة المصالح:

يعتبر البعض انه لا يمكن النظر الى عملية ضم شبه جزيرة القرم بعيداً عن محافظة روسيا على مصالحها. فهناك العديد من المصالح التي ستجنيها روسيا من هذا الضم. اهمها على الاطلاق، القواعد العسكرية الموجودة فيها والتي تضم اسطول البحر الاسود الروسي، فالتنازل عن الاقليم يعتبر بمثابة “اختناق” لروسيا ومنعها من الوصول الى المياه الدافئة والى المتوسط تحديداً خاصة بعد تكثيف التواجد الروسي في المنطقة لاستثماره في حماية مصالحها في المنطقة حال استيلام شركة غاز بروم لحقول الغاز فيه وانشاء محطات للغاز المسيل.

كذلك توجد مصالح اقتصادية، حيث وفرت روسيا 100 مليون دولار سنوياً كبدل لقيمة ايجار هذه القواعد من اوكرانيا، ناهيك الحديث عن وقف العمل بنسبة الـــ 30% من الخصم في سعر الغاز المعطى لاوكرانيا بحسب الاتفاقية الموقعة بينهم عام 2010، اضافة الى مطالبة روسيا بديونها المستحقة عليها، والتهديد باعادة مطالبتها بديون سابقة للاتحاد السوفياتي عليها تقدر قيمتها بــ 20 مليار دولار كانت قد اعفيت منهم عند انفصالها.

اضافة الى ما سبق، ان وهب شبه جزيرة القرم لاوكرانيا، حينها، لم يكن من باب استخدام هذه المنطقة ضد الاتحاد السوفياتي. من هنا، كان التدخل الروسي “العنيف” لعملية استعادة شبه الجزيرة. ان العامل الاستراتيجي من عملية الضم هذه يعتبر من العوامل الاساسية.

اما فيما خص “اسرائيل”، فتكمن مصالحها في “البعد الديني” للموضوع، واعتبار الثروات الموجودة هي “إرت للشعب يهودي”، يعود الحق له فقط في استثمارها. ومن يعرف طبيعة تفكير هذا الكيان، لا يستطيع ان يفصل البعد الجغرافي الذي يؤمن به كعقيدة حول حدود الدولة من الفرات الى النيل (خاصة مع عدم وجود حدود حالية لهذا الكيان حتى الآن)، واعتبار الثروات الموجود فيها حق له.

  1. البُعد السياسي الدولي:

ان الاستفتاء الذي جرى في شبه جزيرة القرم هو استفتاء على “انشاء كيان سياسي”، حيث كان المقصود هو انشاء دولة مستقلة، وتم اخذ جميع الاجراءات القانونية من مجلس الحكم المحلي، الى برلمان القرم، الى تنظيم الاستفتاء، الى تقديم طلب رسمي للانضمام الى روسيا كجمهورية مستقلة ضمن الاتحاد الروسي. في المقابل، قامت روسيا بنفس الخطوات القانونية من حيت طلب الرئيس من البرلمان الموافقة على الطلب، ثم تصديق الاتفاقية من مجلس النواب الروسي (الدوما)، وتوقيع الرئيس على هذا التصديق، ثم تأييد الطلب من المحكمة الدستورية العليا واعتباره قانوني ويتوافق مع كل من القوانين الروسية والدولية.

اما الاستفتاء حال حصوله في “اسرائيل”، فسيكون على قاعدة انشاء كيان عنصري يقوم على الاساس الديني. والناظر الى التاريخ، لا يمكن له ان ينسى الكتابات الصهيونية المتعددة بشأن المحرقة على انها كانت موجة عنصرية موجهة نحو اليهود كـ “عنصر.” واليوم، يلعب الصهاينة اللعبة ذاتها ولكن “بالمقلوب”.

  1. التنافس الدولي:

ان الرد الروسي في شبه جزيرة القرم، كان بمثابة رد يعيد موسكو الى الساحة الدولية كبداية قطب ناشئ. وهو تحدٍ للولايات المتحدة تمثل في “استضعاف” روسيا خلال التسعينيات، والتدخل العسكري في يوغسلافيا السابقة وتقسيمها، وفصل كوسوفو عن صربيا ذات الولاء الروسي، مؤيدة ذلك برأي استشاري لمحكمة العدل الدولية الذي اكد شرعية اعلان الاستقلال الاحادي والصادر في 22 يوليو/ تموز 2010. اذا، هي محض لعبة على التنافس الدولي.

اما عنصر “يهودية الدولة” فهو ليس اكثر من عنصر ديني، مرتبط بظهور المسيح (“الاسرائيلي” طبعاً)، وتسليمه الحكم لليهود على الارض وتحقيق امنياتهم “الماورائية.”

ان المطلوب هو وعي جماعي حول الموضوع، حيث ان “اسرائيل” لا ولن تفوت ايه فرصة كي تستفيد من حركة الصراع العالمية فتسخرها لمصالحها ووجودها.

 

*باحث في العلاقات الدولية

انابيب الطاقة: التأثيرات الاستراتيجية على الممرات الدولية

علوان نعيم امين الدين*

لطالما سعت الدول الاستعمارية للسيطرة على المنافذ الاستراتيجية من مضائق وقنوات، كون التواجد فيها يؤمن التحكم بمفاصل حيوية تتزايد يوماً بعد يوم في ظل العولمة الاقتصادية والتبادل التجاري الضخم والهائل بين دول العالم من سلع وبضائع وخدمات. وبدلاً من ان تكون هذه المناطق سبيلاً للتعاون الدولي، اصبحت تشكل عاملاً للضغط والتسبب في الازمات، وخصوصاً بعد الاكتشافات الهائلة لمواد الطاقة في العالم وسعي الجميع للحصول عليها، حيث بدأ الحديث عن كيفية تأمين طرق توصيلها خصوصاً اذا ما كانت ستعبر مضيقاً او ممراً حيوياً يقع تحت نفوذ خصم اقتصادي. ولعل هذا هو احد الاسباب لبقاء جزيرة جبل طارق (برغم اعطائها الحكم الذاتي عام 1981) تحت السيادة البريطانية والتي تتنازع عليها مع اسبانيا التي تطالب بها وبالسيادة عليها، على الرغم من الاف الكيلومترات التي تفصل بين هذه الجزيرة وبريطانيا العظمى، حيث تعتبر هذه النقطة من اكثر النقاط حيوية، وتجعل من بريطانيا القوة القابضة على المضيق. ولعل ابرز الحروب على المضائق، كان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بعد تأميم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لقناة السويس، اذ قال رئيس وزراء بريطانيا آنذاك انطوني إيدن “أصبح عبد الناصر يطبق على قصبتنا الهوائية. وأنه لأفضل للإمبراطورية البريطانية أن تنهار من أن تظل تعاني سكرات موت بطيء.”

  1. موارد الطاقة ونسبة انتاجها:

في عام 2011 “بلغ مجموع الانتاج العالمي للنفط الى نحو 88 مليون برميل في اليوم الواحد (وارتفع إنتاج النفط الخام عالمياً عام 2012 بنسبة 2.9 في المئة إلى 75.72 مليون برميل يومياً بسبب عودة النفط الليبي إلى الأسواق العالمية والزيادة الكبيرة في إنتاج الولايات المتحدة التي بلغت 12 في المئة ورفعت إنتاج البلاد إلى 6.33 مليون برميل يومياً، بعدما كان في انخفاض مستمر لثلاثة عقود-قناة العربية)، وتم نقل أكثر من نصف هذا الانتاج بواسطة ناقلات من خلال طرق بحرية معتمدا بشكل أساسي في نقل النفط على مضيق هرمز الموصل الى منطقة الخليج ومضيق ملقا الذي يربط المحيطين الهندي والهادئ وهما من المضايق الاستراتيجية الأهم على مستوى العالم، وفقا لتقرير صادر عن ادارة معلومات الطاقة الأميركية. ويعتمد السوق الدولي للطاقة على النقل البحري، لذا فان انسداد تلك الممرات البحرية والمضايق ولو مؤقتا، يمكن ان يؤدي الى زيادات كبيرة في تكاليف انتاج الطاقة الاجمالية. بالاضافة الى ذلك، فان ضعف الامن في المضايق الحيوية سيجعل الناقلات النفطية عرضة لعمليات القرصنة، والهجمات الارهابية، والاضطرابات السياسية مثل الحروب أو أعمال الشغب، فضلا عن حوادث النقل البحري والتي يمكن ان تؤدي الى تسرب النفط.”

اما بالنسبة الى الغاز” كانت روسيا تاريخياً، أكبر منتج للغاز في العالم إلى جانب النفط. لكن الأمور اختلفت عام 2012 إذ أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للغاز في العالم تليها روسيا. إلا أن روسيا ما زالت تتمتع بأكبر احتياطات للغاز في العالم والتي وصلت إلى ألف و688 تريليون قدم مكعبة، وهي كمية تساوي نحو ستة أضعاف احتياطات الغاز في السعودية، علماً أن السعودية تحتل المركز الرابع في العالم. وتأتي إيران في المركز الثاني ثم قطر في الثالث. وتحتل الولايات المتحدة المركز الخامس، تليها تركمانستان فالإمارات ففنزويلا.”

  1. المجاري الاستراتيجية لنقل الطاقة:

هناك العديد من المجاري المائية التي تنقل عبرها موارد الطاقة، خصوصاً تلك التي تقع في العالم العربي، ويقع اهمها في:

–       مضيق هرمز: يتعبر من اهم المضائق التي تعبر عبرها مواد الطاقة قادمة من العراق وبعض دول الخليج العربي (الكويت-البحرين-قطر)، ولهذا المضيق اهمية استراتيجية كبرى، حيث يسعى الكثير من الدول الكبرى للسيطرة عليه لتأمين الوصول الآمن الى منابع النفط اضافة الى تأمين نقلها. وبعد الازمات الدولية التي تمر بها تلك المنطقة، بدأ الحديث عن مد لأنابيب الطاقة (النفط والغاز) تمر عبر دولة الامارات العربية المتحدة وصولا الى خليج عُمان، وبذلك تستطيع الناقلات البحرية تأمين حمولتها دون المجازفة والدخول في المضيق تحسباً لأي طارئ. وهذه الخطوط النفطية تستوعب ما قدرته “1.5 مليون برميل/ يوميا تمر عبر امارة أبوظبي وتنتهي عند ميناء الفجيرة الواقعة الى الجنوب من مضيق هرمز.” و لقد اعتبرت الولايات المتحدة بان هذه المنطقة تعتبر “جزءا من أمنها الوطني باعتبار أن تأمين حرية الملاحة فيه مسألة دولية بالغة الأهمية لا سيما وأنه الطريق الأهم لإمدادات النفط العالمية”، لذلك كثفت من وتواجدها العسكري في المناطق المحاذية له.

–       مضيق باب المندب: ويمر عبره ما يقارب” الـ 40% من نفط العالم… ويقدر عدد السفن وناقلات النفط العملاقة التي تمر فيه في الاتجاهين، بأكثر من 21000 قطعة بحرية سنوياً (57 قطعة يومياً).” في السنوات الاخيرة، كان العامل الامني مصدر القلق “الرئيس للشركات الأجنبية العاملة في المنطقة، بعد ان هاجم ناقلة نفط فرنسية قبالة سواحل اليمن من قبل الارهابيين في أكتوبر 2002… شهدت هذه المنطقة أيضا تصاعدا لعمليات القرصنة من عصابات صومالية على ساحل الصومال الشمالي في خليج عدن وجنوب البحر الأحمر بما في ذلك باب المندب.”

–       قناة السويس: وهي تقع كاملة في الاراضي المصرية، تمر عبرها البضائع ومواد الطاقة القادمة الى المتوسط وصولاً الى الشرق الاوسط واوروبا او حتى المياه الدافئة، وهي تخضع لاتفاقية القسطنطينية الموقعة عام 1888 بين الدولة التركية التي كانت تحكم مصر في ذلك الوقت ودول من الغرب.

–       مضيقا البوسفور والدردنيل: ويقعان ضمن اراضي تركيا وتحت سيطرتها. وتبرز اهميتة هذين المضيقين بوصول البضائع من بحر ايجه في المتوسط، الى بحر مرمرة (بين المضيقين) وصولا الى البحر الاسود. ولقد زادت اهميتهما بعد اكتشاف مواد الطاقة في بحر قزوين.

–       مضيق ملقة: هو واحد من “أكثر الممرات المائية حيوية في العالم من ناحية حركة السفن… بحيث يصل بين أربعة من أكثر البلدان كثافة سكانية ( الهند، الصين، اليابان، اندونيسيا) والأرقام التالية تشير إلى الأهمية الجيو-استراتيجية للمضيق: أكثر من 50000 سفينة تعبره سنوي، يمثل ما بين 20 و 25% من الملاحة البحرية العالمية، نصف تجارة النفط في العالم تمر عبر المضيق (أكثر من 11 مليون برميل يوميا في 2003، أي حوالي 1700000 متر مكعب)، وهذه الحركية في تزايد مستمر كونها مرتبطة بنمو الاقتصاد الصيني. إن الأهمية الاقتصادية والموقع الاستراتيجي للمضيق جعل منه منطقة مفضلة لعمليات القرصنة، وهدف محتمل لتهديدات إرهابية. فالقرصنة أصبحت المشكلة الأساسية التي تهدد أمن واستقرار الملاحة البحرية والتعاملات الاقتصادية خاصة بين الدول المطلة عليه.”

هناك العديد من المضائق الممرات المائية المهمة ايضاً في العالم، لكن التركيز على ما سبق يأتي في سياق الكميات الضخمة من المنقولات (بكافة انواعها التي تمر عبرها).

 

  1. فوائد نقل مواد الطاقة عبر الانابيب:

–       دفع كلفة تمرير الانابيب مرة واحدة اذ لا يبقى سوى تكاليف اعمال الصيانة الروتينية؛

–       يمكن اعطاء الدول التي تمر فيها الانابيب نسبة من هذه المواد بدل دفع الرسوم بشكل نقدي بسبب مرورها في اقليمهيا البري او البحري؛

–       تقصير مدة وصول هذه المواد الى المستهلك خصوصاً اذا ما تم انشاؤها بشكل مستقيم الامر الذي يوفر دوران الحاملات البحرية لمواد الطاقة عبر اليابسة؛

–       سهولة اعمال الصيانة على هذه الانابيب خصوصاً في الاقاليم البرية، ويمكن اعتماد وسائل مشابه للصيانة البحرية كتلك الخاصة بكابلات الاتصالات والانترنت مع اعطاء خصوصية لمواد الطاقة بسبب خطورتها (على سبيل المثال: وضع صمامات امان للتخفيف من آثار التسريب حال حدوثه)؛

–       التخفيف من الاعتماد على النقل البحري لمواد الطاقة لما في ذلك من خطورة عالية اذا ما حدث اي طارئة للناقلات (تفجير، تسريب، قرصنة)؛

–       التخفيف من وقوع الحوادث والاعتداءات بسبب وجود هذه المنشآت تحت نظر الدول التي تمر فيها، فيسهل عليها مراقبتها وحمايتها (انشاء مناطق عازلة، وضع نقاط عسكرية لتأمين الحماية)؛

–       وصول مواد الطاقة بسعر مقبول اكثر من وصوله عبر البحر. على سبيل المثال، ان تهديد ايران الدائم باقفال مظيق هرمز، اذا ما تم الاعتداء عليها، جعل شركات التأمين على الناقلات العملاقة تزيد من رسومها بسبب ارتفاع نسبة المخاطر، مما يجعل الغاز المنقول بحراً اعلى كلفة واكثر خطورة؛

  1. التأثيرات العملية على المناطق الاستراتيجية:

لا شك ان لنقل الطاقة عبر الانابيب تأثيرات بالغة على الدول ذات المواقع الاستراتيجية، وتتمثل في عدد من النقاط السياسية والاقتصادية وغيرها، اهمها:

–       التأثير على صناعة السفن عالمياً وبطريقة سلبية، كون العديد من الدول ستستغني عن التزود بالطاقة من السفن لمرور انابيب النفط والغاز في اقليمها، هذا من جهة. من جهة اخرى، يتم الحديث عن خطوط للسكك الحديد تمر عبر ما يعرف بــ “طريق الحرير” حيث سيتم نقل البضائع عبره “ويمتد من المحيط الهادئ إلى بحر البلطيق، وهو جسر يربط بين دائرة اقتصادية في آسيا والمحيط الهادئ شرقياً ودائرة اقتصادية أوروبية متقدمة غربياً، ليكون أطول ممر اقتصادي رئيسي ذي إمكانات أكبر في العالم”؛

–       التأثير على المردود الاقتصادي لهذه الدول من خلال الرسوم التي تستوفى على ناقلات الطاقة. وابرز مثال قناة السويس حيت ان الواردات السنوية المالية للقناة قدرت خلال العام 2012 (وبرغم ما تمر به مصر من ازمات) بـ “5 مليارات و129 مليوناً و600 ألف دولار امريكي… نتيجة عبور 17 ألفاً و252 سفينة مختلفة من خلال المجرى الملاحى لقناة السويس وذلك بحمولات بلغت932 مليونا و43 ألف طن.” اضافة الى ذلك، يعتبر خط انابيب “سوميد” والذي يمر بطول 200 ميل، من البحر الاحمر عند نقطة العين السخنة على ساحل البحر الاحمر الى سيدي كرير على البحر المتوسط من الامور التي تقلل من اهمية القناة بالنسبة لمواد الطاقة؛

–       التقليل من الاهمية الاستراتيجية لهذه المناطق او الدول. ففي مقابلة مع الرئيس الجيبوتي اسماعيل جيله عام 2012، كشف عن عدد من المشاريع الحيوية التي تقلل الاعتماد على باب المندب والتي تشرف عليه بلاده من جهة الغرب. من اهم هذه المشاريع “خط أنابيب من جنوب السودان إلى جيبوتي عبر الأراضي الاثيوبية بطول 2280 كيلومتراً… وتوسعة ميناء دوراليه الذي تديره شركة إينوك، وميناء الحاويات الذي تديره دبي العالمية… وفي ظل الاكتشاف الكبير والمهم لكميات كبيرة من مخزون الغاز الطبيعي في أثيوبيا، ومن خلال الاتفاقات بين البلدين سنقوم قريبا بتنفيذ ميناء رئيس جديد للغاز يضم مخازن خاصة ومستوعبات ضخمة…. وتقدمت شركة هندية كبيرة بتفاصيل ومخططات مشروع ضخم لإنشاء وتجميع القواعد البحرية للتنقيب عن النفط واستخراجه”؛

–       ايجاد ممرات بديلة واكثر امناً، منها ما كشف عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً وفي مناسبات متعددة عن “رغبة بلاده إنشاء وتعزيز طريق بحري جديد للملاحة العالمية مستغلا ذوبان الجليد في القطب الشمالي نتيجة التغيرات المناخية الحالية. والخط سيسمح بالإبحار من  جنوب شرق آسيا مرورا عبر اليابان والصين وروسيا ثم فلندا والنرويج والاتجاه نحو الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحتى أمريكا اللاتينية… وأكد بوتين على خطة تتجلى في إنشاء موانئ في سواحل روسيا القطبية لتسهيل مرور السفن التجارية واستثمار مليار و200 مليون يورو في السفن الكاسحة للجليد لمزيد من تسهيل الملاحة سنة 2014، حيث لن تقتصر فقط على فصل الربيع والصيف بل يمكن الملاحة كذلك خلال فصلي الخريف والشتاء. وعمليا، فقد قامت سفينة صينية في نهاية الصيف الماضي بالإبحار من الصين الى سواحل إيسلندا، ويعتبر المهتمون هذا بالمنعطف الكبير لأن كاسحات الجليد ساهمت في ذوبان الجليد وفتح المعبر المائي… وتؤكد موسكو أنه خلال سنوات قليلة خلال سيبدأ الاستغلال الفعلي للخط البحري الجديد بين جنوب شرق آسيا وشرق هذه القارة مع الولايات المتحدة وأوروبا، الأمر الذي قد يقلص من المسافة البحرية الكلاسيكية عبر قناة سويس بحوالي الثلث وهو ما يشكل ادخارا هاما للطاقة. وشددت المجلة الأمريكية تايم مؤخرا على هذا المعطى الجديد واعتبرته منعطفا هاما في التجارة الدولية. وكمثال، فالرحلة الحالية من ميناء شنغهاي الصيني نحو ميناء مومانسك الروسي بالقرب من الحدود النرويجية والفلندية تصل الى 17 ألف و700 كلم عبر قناة سويس ومضيق جبل طارق، في حين أنها عبر طريق الشمال القطبي ستكون عشرة آلاف و600 كلم، أي سبعة آلاف كلم أقل علاوة على انخفاض المصاريف المرتفعة بما فيها قناة سويس وربح الوقت”؛

–       بداية التوترات والنزاعات في المناطق التي ستمر بها تلك الخطوط والانابيب بهدف السيطرة عليها ومنع الاخصام الاقتصاديين من الاستثمار فيها او حتى التاثير على قرارت تلك الدول. وابرز النزاعات تتمثل في الصراع بين شركتي “غاز بروم” الروسية و “غاز نابوكو” الاميريكية والذي يترجم في التوتر الحالي الموجود في الشرق الاوسط والسعي لاحكام القبضة على المخزون الاستراتيجي الكبير من مواد الطاقة فيها، وتوقيع العقود لاستخراجها وبيعها.

 

*باحث في العلاقات الدولية

المراجع:

–         أ.د محمد المجذوب، القانون الدولي العالم، مكتبة الحلبي الحقوقية، بيروت – لبنان، 2004.

–         د.هيثم الكيلاني، الإستراتيجية العسكرية للحروب العربية-الإسرائيلية 1948-1988.

–         عمرو الاشموني، “الطاقة الأميركية”: إغلاق “هرمز” يضاعف تكلفة النفط عالميا.

–         د. حسين مجذوبي، مركز ألف بوست للدراسات الاستراتيجية، – 3 يونيو، 2013

–         ملحم الزبيدي، إسماعيل جيله رئيس جيبوتي في حوار مع الخليج: “الإمارات تسير بخطوات ثابتة ومتسارعة تحت قيادة خليفة”، على الرابط التالي: http://www.alkhaleej.ae

–         http://www.alarabiya.net

–         http://ar.wikipedia.org

http://www.nmisr.com 

القطب الشمالي: سباق مستقبلي على النفوذ

علوان نعيم امين الدين*

من الواضح ان معركة “التوسع والانحسار المؤجلة” بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الاميركية قد انطلقت. فالصدام في اوكرانيا، بعد سوريه، فتح الباب على الصراعات الدولية، ومناطق النفوذ الاسياسية ستكون محوراً للتنافس الدولي اذ لم نقل التصادم.

ومن هذه المناطق الحيوية، القطب الشمالي (للتذكير: يوجد عدد من الدول التي تشرف على هذا القطب لكن ليس لها اثر بارز في هذا الصراع الثنائي). لماذا القطب الشمالي؟ لما لا يكون التوسع والسباق على القطب الجنوبي مثلاً؟

لهذا التساؤل عدد من الاجوبة. يقع الجواب الاول في وجود اتفاقية دولية معقودة حول القطب الجنوبي تمنع استخراج الثروات الطبيعية الموجودة فيه حتى نهاية عام 2048. ولكن الصراع قد في المستقبل بين الدول الكبرى على هذه المنطقة في حال لم يتم توقيع اتفاقية اخرى مماثلة في سياق “حروب الموارد المفتوحة”. اما الجواب الثاني فهو جيوبوليتيكي. ليس للولايات المتحدة وروسيا ايه تقارب جغرافي في القطب الجنوبي. ان التقارب الجغرافي ضمن القطب الشمالي يقع في الاسكا. وللتذكير فقط ان الاسكا كانت ارضاً روسية تم بيعها، بقيمة 7.2 مليون دولار اميركي في وقتها، وضمت الى الولايات المتحدة كمقاطعة عام 1884. ان التقارب الجغرافي سيكون له اثر كبير ومؤثر، في المدى المنظور، على النطاق السياسي ايضاً خصوصاً مع بداية الحراك السكاني في هذه المنطقة ومطالبتهم باجراء استفتاء شعبي للانفصال عن الولايات المتحدة، وتوقيع عريضة انضمام الاسكا إلى روسيا مجدداً والتي نشرت على الموقع الالكتروني للبيت الأبيض وحصلت على 11500 توقيع خلال يومين، اذ لا بد من الحصول على 92500 توقيع حتى 20 نيسان/ابريل القادم لتقدم السلطات الأمريكية جواباً رسمياً على العريضة. وجاء في العريضة “صوتوا لانفصال ألاسكا عن الولايات المتحدة وضمها إلى روسيا.”

وتبرز اهمية القطب الشمالي في العديد من النقاط، ابرزها:

  1. الموارد الطبيعية:

يقدر الخبراء حجم هذه الثروات في القطب بـ 13 % من حجم الاحتياطي النفطي العالمي و30 % من الغاز الطبيعي.ونظراً للاهمية المستقبلية لهذه المنطقة، تم ادخالها ضمن اتفاقية الامن القومي الروسي حتى العام 2020. ففي 17 ايلول/سبتمبر 2008، أقر مجلس الأمن لروسيا الإتحادية “مبادئ سياسة الدولة في منطقة القطب الشمالي حتى عام 2020 وفي السنوات التالية، وكذلك صادق المجلس على خطة الإجراءات الرامية إلى تنفيذ المبادئ المذكورة. جاء ذلك خلال إجتماع مجلس الأمن لروسيا الإتحادية الذي أجراه الرئيس الروسي (السابق) دميتري مدفيديف وكرس لمنطقة القطب الشمالي. وأعلن مدفيديف خلال الإجتماع أن إستخدام موارد منطقة القطب الشمالي يعتبر ضمانة لأمن روسيا في مجال الطاقة.”

وما يجدر ذكره هنا ان منطقة القطب الشمالي الروسية تحديداً “تؤمن حالياً نسبة 11 % من الدخل القومي الروسي. وتنشأ هنا نسبة 22% من الصادرات الروسية كلها. وتستخرج في هذه المنطقة نسبة 90 % من النيكل والكوبالت و60 % من النحاس و96 % من البلاتين”، ولا يقتصر الموضوع على النفط والغاز فقط، بل يتعداه الى مواد اخرى كثيرة حيث “اكتشفت في الجرف القاري مطمورات صناعية من الذهب والقصدير والماس.”

لذلك تسعى الولايات المتحدة الى بسط نفوذها على المنطقة لاستثمار المقدرات الطبيعية فيها خصوصاً بعد الحديث عن مبدأ “ثلاثي” للتعاطي مع منطقة الشرق الاوسط وهو: “الخروج الآمن، الاتجاه شرقاً، حفظ امن اسرائيل”، يقابله تمدد روسي “استباقي” مستغلا التراجع الاميركي العالمي المرتكز على “تطويق” التمدد الصيني الذي تعتبره واشنطن الاهم استراتيجياً.

وبالفعل، بدأت روسيا في تنفيذ مشروع جديد لاستغلال مكامن الخامات في القطب الشمالي باستخدام مجمعات تقنية متكاملة تحت الماء، تديرها روبوتات. وقال نائب رئيس الحكومة الروسية دميتري روغوزين في تصريحات لوسائل الاعلام “إن المدن القطبية تحت الماء ستزود بأحدث منظومات المراقبة وبوسائط نقل واتصالات وطاقة خاصة. وسيحصل مركز الادارة، على المعلومات التي تخص الوسط المحيط الحرارة والضغط في الآبار وكذلك النشاط الزلزالي والوضع الايكولوجي في منطقة الاستخراج.”

وعبر روغوزين عن ثقته بان استغلال الموارد الطبيعية في القطب الشمالي سيكون “من بين الاولويات المهمة لروسيا.” وأضاف أن العمل بهذا المشروع بدأ في صيف السنة الماضية بمشاركة العديد من الشركات والمؤسسات الصناعية والتقنية والبحثية الروسية. وأشار الى ان منطقة القطب الشمالي بالنسبة لروسيا هي “قاعدة اساسية للثروة الطبيعية في المستقبل، حيث تضم، حسب الدراسات الجيولوجية، ثلث الاحتياطي العالمي البحري من النفط والغاز.”

  1. طرق المواصلات:

في السنوات الاخيرة، يولى الاهتمام الكبير بمسألة الملاحة في المحيط المتجمد الشمالي، إذ ان الخبراء يرون انه سيصلح للملاحة تماما في موسم الصيف بحلول عام 2030 لذوبان الجليد فيه. وشهد سبتمبر/ايلول عام 2009 مرور سفينتي شحن المانيتين عبر هذا الطريق. ويسمى هذا الممر “بالدرب البحري الشمالي” وهو طريق يمتد من كوريا الجنوبية مروراً بساحل روسيا الشمالي وصولا إلى أوروبا، حيث “تسير السفن التجارية عادة من آسيا إلى أوروبا عبر المضائق الجنوبية وقناة السويس. ويبلغ طول هذا الطريق 11 الف ميل بحري. اما الطريق الشرقي الذي يمر بالمنطقة القطبية فيبلغ طوله 3 آلاف ميل بحري. وشهد عام 2007 التحرر من الجليد للدرب الشمالي الغربي الذي يمر بالتخوم الشمالية لارض بافين ثم بمضائق لانكستر وبارو وفاينكاوت ملفيل ثم ببحر بوفورت ومضيق بيرنغ والمحيط الهادي. وسمح استخدام هذا الدرب بتقليص الطريق البحري إلى بلدان آسيا بمقدار 5 آلاف كيلومتر.”

  1. سياستي “التطويق والافلات”:

تتسارع كل من روسيا والولايات المتحدة الى القطب الشمالي، لكن الواضح بأن “الدب الروسي” اسرع من “النسر الاميركي” في هذا المضمار، فهناك سياسة اميركية لاستكمال “تطويق” روسيا وضمناً الصين، تواجهها سياسة “الافلات” التي تعتمدها روسيا خصوصاً عند تبلُّغ الاخيرة من قيادة حلف شمال الاطلسي باستكمال بناء الدرع الصاروخي بعد توقيع الاتفاق النووي الايراني “6+1” في اواخر 2013، الامر الذي قطع الشك باليقين لدى موسكو بان هذا الدرع موجه ضدها وليس ضد اوروبا لحمايتها من الصواريخ الايرانية.

امريكياً، يمكن تسجيل العديد من النقاط:

–       قررت الولايات المتحدة الاميركية انشاء قاعدة خاصة بالقطب الشمالي على ان تصبح جاهزة على عتبة العام 2020؛

–       الاسراع في الوصول الى القطب الشمالي لاستثمار موارده الطبيعية، خصوصاً بعدما اشرنا اليه سابقاً عن المبدأ الثلاثي. يضاف الى ذلك، ان الدراسات الاقتصادية تشير الى ان الولايات المتحدة ستصبح من اهم الدول التي ستمسك بالقرار “النفطي” في العالم ابتداء من العام 2035 تقريباً نظراً لاكتشاف كميات ضخمة من النفط الصخري فيها؛

–       استكمال الطوق الصاروخي لجهة الشمال بعدما سعى حلف الاطلسي الى محاصرتها من اوروبا عبر قواعده المتواجدة في بلغاريا وبولندا وتركيا (سواء قواعد اطلاق صواريخ او اعتراض صواريخ او محطات رصد رادارية)؛

–       تأمين خط مواصلاتها بقواعدها في المحيط الهادئ (جزيرة غوام، قاعدة اوكيناوا في اليابان، الخ) عبر الدرب البحري الشمالي، نظراً لقصر المسافة التي سبق وذكرناها اعلاه؛

–       منع او اعاقة روسيا من امكانية تصدير مواد الطاقة المستخرجة من القطب الشمالي حال بدء استخراجها قبل وصول واشنطن اليها؛

اما روسياً، فيمكن تسجيل النقاط التالية:

–       التمركز في القطب قبل وصول الولايات المتحدة اليه. ومن هنا صرح مصدر في هيئة الأركان العامة الروسية يوم 17 فبراير/شباط 2014، أن روسيا ستستحدث العام الجاري قيادة استراتيجية موحدة تعتمد على أسطول البحر الشمالي الروسي، وتنحصر مهمتها الرئيسية “في الدفاع عن مصالح روسيا في منطقة القطب الشمالي.” وأضاف المصدر أن القيادة العسكرية الجديدة ستحظى بصلاحيات منطقة عسكرية. يذكر أن وزارة الدفاع الروسية أعادت في نهاية العام الماضي، بناء قاعدة في جزيرة كوتيلني في المحيط المتجمد الشمالي، علماً ان هذه المنطقة لم تشهد هذه المنطقة أي نشاط عسكري على مدى الـ 30 عاما الأخيرة. ويقول خبير وكالة أنباء “انترفاكس” إن العلماء في مجال الدفاع “منذ فترة طويلة ينظرون في ضرورة استعادة ومواصلة تطوير أنظمة تغطي المجال الجوي للاتحاد الروسي من الشمال”؛

–       الافلات من الدرع الصاروخي الاطلسي الذي يحاصرها اوروبياً والذي يسعى الاطلسي الى مده نحو الشرق الاوسط، والمحاولات المتكررة لكسر الطوق في اسيا الوسطى، كانشائها مع الصين وبعض الدول منظمة شنغهاي للتعاون والامن، والتأثير على افغانستان لجهة عدم توقيع الاتفاقية الامنية مع الحلف الاطلسي، وطلب قرقيزيا من الولايات المتحدة اخلاء قاعدتها العسكرية فيها خلال نيسان 2014 كحد اقصى؛

–       تأمين طرق المواصلات البحرية من خلال قرار اتخذ في 17 مارس/آذار 2014 بانشاء مخافر بحرية لتأمين سلامة النقل ترافق ذلك مع تصريح لقائد سلاح البحرية الروسي الأميرال فيكتور تشيركوف في كلمة ألقاها يوم 21 مارس/آذار، ضمن مؤتمر أمن منطقة القطب الشمالي الذي عقد في بطرسبورغ اذ قال: “هدفنا هو زيادة قدرة قوات الردع النووي وغير النووي في الأسطول الشمالي وأسطول المحيط الهادئ عن طريق بناء سفن جديدة، بما فيها كاسحات الجليد واستحداث وحدات وتشكيلات الحرس الساحلي المخصصة للعمل في ظروف القطب الشمالي.” كما تنوي روسيا الاهتمام بتطوير شبكة المطارات والموانئ في هذه المناطق من أجل حماية مصالها الاستراتيجية هناك، منها إصلاح المطار العسكري بجزر سيبيريا الجديدة الذي استأنف عمله عام 2013، وكذلك العمل على تحديث المطارات في تيكسي وروغاتشوفو وغيرها من البلدات بمناطق القطب الشمالي وكذلك المرفأ في جزر نوفايا زيمليا؛

–       تأمين امدادات انابيب الغاز المتوقع استخراجها من القطب الشمالي وحمايتها، ومنع الاضرار بمصالح روسيا من خلالها على غرار ما يخطط له في الازمة الاوكرانية الحالية التي تهدف الى فصل اوكرانيا عن روسيا اقتصادياً استعداداً لاقفال السوق الاوروبية امامها وضرب عمق الامن الاقتصادي الروسي في عصبه الاساسي وهو تجارة الغاز؛

–       تم مؤخراً اكتشاف جزيرة جديدة في المحيط المتجمد الشمالي من قبل القوات الجوية الروسية، وتنوي روسيا التقدم بطلب الى الامم المتحدة لضم هذه الجزيرة الى اقليمها على غرار قرار الامم المتحدة الاخير الذي تبلغته موسكو في 15 مارس/آذار الحالي حول اعتبار بحر اخوتسك بحراً داخلياً روسياً. هذا الامر في غاية الاهمية والخطورة. ان ضم مثل هذه الاقاليم يوسع من الجرف القاري للدول حيث تتغير نقاط الاساس التي تحسب منها بداية المياه الاقليمية والمناطق الاقتصادية للدول. اضافة الى ذلك كله، وتقدر المعلومات بان بحر اخوتسك يحتوي على 1 مليار طن من الهيدروكاربونيات على مساحة 52 الف كيلومتر مربع.

في ظل هذا التنافس الدولي، قد لا يستطيع مجلس القطب الشمالي الدولي، (الذي يضم الدانمرك مع جزر فارو وجزيرة غرينلاند وآيسلندا وكندا والنرويج وروسيا والولايات المتحدة وفنلندا والسويد كاعضاء دائمة فيه) والذي تم تأسيسه عام 1996، من حل المشكلات التي ستنشأ عن هذا التنافس والتوسع في القطب، اذ قد ينشأ عن ذلك بروز حرب باردة جديدة ولكن من نوع آخر.

 

*باحث في العلاقات الدولية

الدول بين سياستي “الالغاء” و”الاحتواء”

علوان نعيم امين الدين*

1. سياسة الالغاء:

أ. النازية في المانيا:

بعد خسارة المانيا للحرب، انشأت اتفاقية لندن في 8/8/1945 محكمة نورمبرغ لمحاكمة كبار القادة الالمان. واللافت ذكره ان نظام هذه المحكمة العسكرية لم يقتصر على محاكمة الافراد، بل امتدت الى المنظمات ايضاً، وظهر ذلك في نص المادة التاسعة من لائحة المحكمة. وجاء في المادة العاشرة انه اذا قررت المحكمة اعتبار احد الهيئات ذات طبيعة اجرامية، فانه يحق للسلطات المختصة في كل دولة موقعة ان تحيل اي شخص امام المحاكم بسبب انتمائه لها. بذلك، يكون قرار المحكمة في هذه الحالة قرارا نهائيا يحتج به امام الجهات القضائية. بالفعل، ادانت المحكمة ثلاث منظمات: جهاز حماية الحزب النازي، والجستابو، وهيئة زعماء الحزب النازي.

إن الخوف من اعادة انبعاث الحركة النازية مازال يسطر على اوروبا، وهذا ما برز في معاقبة الاتحاد اليوناني لكرة القدم لاعب وسط نادي ايك اثينا جيورجوس كاتيديس في 17/3/2013 بالايقاف مدى الحياة عن جميع الانشطة المتعلقة بالمنتخبات الوطنية بعدما بدا انه وجه تحية نازية للجماهير خلال احدى مباريات الدوري المحلي.

ب. الاخوان المسلمين في الجزائر ومصر:

كان إقدام الجيش في الجزائر عام 1992 على إلغاء الانتخابات التشريعية التي فاز في جولتها الأولى الجبهة الإسلامية للإنقاذ بمثابة الشرارة التي فجرت الأوضاع، فانتشرت اعمال الانتقام، وعمت الفوضى، ودخلت البلاد في دوامة العنف المسلح.

ويرى البعض ان قرار الجيش كان متناسقاً مع وجهة النظر الفرنسية حينها والتي تقضي بضرورة اقصاء الجماعات الاسلامية من الوصول الى الحكم ولو بالقوة، بعكس وجهة النظر الاميركية التي تقول بوصولهم الى السلطة مع اغراقهم بمشاكلها للقضاء عليهم سياسياً. وهذا ما ظهر بوضوح في مصر مع وصول الاخوان المسلمين الى السلطة عام 2012، وعدم قدرتهم على ادارة ازمات البلاد وسقوط مشروعهم في اقل من سنة.

ج. البعث في العراق:

بعد سقوط نظام الحكم في العراق عام 2003، وتعيين حاكم مدني اميركي عليه، كان من اولى الخطوات اصدار “قانون اجتثاث البعث” الذي هدق الى ملاحقة اعضاء الحزب، ومحاكمتهم، وابعادهم عن مفاصل القرار. كما تم انشاء الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث وتم التصديق عليها في الدستور العراقي عام 2005، ومن اهم اهدافها أزاحة كبار اعضاء الحزب أو المشتركين في جرائم عن الوظائف العامة، وأزالة أثار البعث من المجتمع، واعادة تأهيل كوادره.

2. سياسة الاحتواء:

أ. الشيوعية والاتحاد السوفيتي:

اتبعت الولايات المتحدة الاميركية هذه السياسة بوجه الاتحاد السوفياتي، وكان الرئيس الاميركي هاري ترومان من مطلقي نظرية “الحرب الباردة” التي دامت حتى اول ثمانينات القرن الماضي، وتتلخص بما يلي:

– تحجيم الدور السوفيتي وحصر تحركاته؛

– ربط السياسة الاوروبية بسياسة واشنطن واحتواء قرارها السياسي؛

– استغلال نتائج الحرب العالمية الثانية في الشق الاقتصادي الذي تمثل في “مشروع مارشال” لإعادة إعمار الدول التي دمرتها الحرب لخلق حليف قوي يناهض السوفيات، والعسكري من خلال انشاء حلف شمال الأطلسي.

واستمرت الولايات المتحدة في هذه السياسة لحين وصول الرئيس الامريكي الراحل رونالد ريغن الى سدة الرئاسة، الذي وصف الاتحاد السوفياتي بـ “امبراطورية الشر” رافضاً احتواءها بل عمل على تفكيكها والقضاء عليها.

ب. النهوض الصيني:

بهدف وقف التمدد الصيني، تسعى الولايات المتحدة للاستيلاء والسيطرة على البترول ومصادر الطاقة خصوصاً بعد اكتشاف كميات هائلة من البترول والغاز في دول غير نفطية، ما يمكنها من الامساك بالاقتصاد العالمي والتفوق العسكري. لذلك، وضعت الكثير من المخططات ابرزها “مشروع الشرق الاوسط الجديد” الذي بدأ تنفيذه -بحسب رأي وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كوندوليزا رايس- في حرب تموز 2006. ومع فشل الحرب على لبنان، بدأ البحث عن نظريات عديدة منها “الانظمة الفاشلة” و”الفوضى الخلاقة”، فتغيرت الاستراتيجية من الحرب الى تغيير الانظمة عن بعد وعدم التورط العسكري المباشر كافغانستان (2001) والعراق (2003).

وتجدر الاشارة هنا الى ما كشف عنه المرشح للانتخابات الرئاسية الاميركية لندون لاروش في 20/10/2004 عن مذكرة للأمن القومي الاميركي ارسلها هنري كسينجر للرئيس ريتشارد نكسون عام 1974 بعنوان “مذكرة الأمن القومي 200″، جاء فيها أن النمو السكاني خاصة في دول العالم الثالث يعتبر تهديداً للامن القومي للولايات المتحدة وحلفائها المقربين، لأن تزايد أعداد السكان في تلك البلاد سيؤدي إلى إستهلاك الثروات المعدنية من قبل الشعوب إما عن طريق التطور التكنولوجي أو بسبب الحاجة إلى إعالة الأعداد المتزايدة من السكان. واشارت تلك المذكرة الى مجموعة من البلدان الأفريقية والآسيوية ومن بينها مصر التي أوصت المذكرة بضرورة تحديد النسل فيها.

3. نتائج تطبيق السياستين:

من خلال ما سبق يتبين لنا التالي:

أ. فشل كلتا السياستين من وقف الحروب؛

ب. سياسة الالغاء استعملت ضد الدول الضعيفة، اما سياسة الاحتواء فاعتمدت لمواجهة الدول القوية؛

جـ. ان المجال الزمني لتطبيق سياسة الاحتواء اطول منه في سياسة الالغاء؛

د. قد يحتاج اعتماد سياسة الاحتواء قدرات في التخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل اكثر منه في سياسة الالغاء؛

هـ. سياسة الالغاء فشلت في مكان ما ونجحت في آخر. ففي ألمانيا مثلاً، ومازال هناك حركات تدعمها بعض الأحزاب السياسية في البرلمان الألماني وتدعو الى طرد المهاجرين وتحرض على معاداتهم، بحجة ان عاداتهم وتقاليدهم لا تتفق مع مجتمعهم. ولقد عبرت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة الراحلة مارجريت تاتشر في 10/9/2009 عن مخاوفها المتزايدة إزاء احتمالات عودة النازية إلى ألمانيا، وتذكر بعض التقارير حينها أنها كانت تنظر إلى انهيار حائط برلين باعتباره علامة سيئة تنذر بالخطر طالما أن توازن القوى بين الألمانيتين قد انتهى وتوحدت ألمانيا، الامر الذي سيؤدي بلا شك إلى صعود النزعة القومية الألمانية، وشاركها الراي الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران الرئيس من خلال تقديمه وثيقة عام 1989 تضمنت التحذيرات حول مخاطر أن يؤدي توحيد ألمانيا إلى ظهور هتلر جديد.

كما فشلت سياسة الالغاء في العراق، حيث تم الانتقال من “قانون اجتثثاث البعث” المتشدد الى “قانون المساءلة والعدالة” الوسطي الذي وضع اولوياته في “تشييد عراق منفتح على كل العراقيين العاقدين العزم على بناء عراق حر ديمقراطي بعيد عن الطائفية والعنصرية والاستبداد والتمييز والاقصاء والتهميش ويتوازى ذلك مع تقديم اولئك الذين اجرموا بحق الشعب العراقي الى قضاء عادل ينالون من خلاله جزاءهم.”

إن عملية “اجتثاث البعث” نسختها قوى المعارضة العراقية من تجارب شعوب اخرى شهدت تغييرا لكنها اختلفت في الشكل والطبيعة لذا كانت تداعياتها مختلفة، إذ لجأت بعض الشعوب الى الانتقام فتدهورت أوضاعها الامنية، وأخرى لجأت الى العفو العام فحافظت على أمنها وسلمها الأهليين. هذا الاختلاف في التجربة حصل داخل العراق نفسه، فإقليم كردستان لجأ الى مبدأ “عفا الله عما سلف” منذ عام 1991 بعد الانتفاضة وانسحاب القوات الحكومية.

في المقابل، نحجت سياسة الالغاء في القضاء على الجيش الاحمر الياباني الذي اسسته فوساكو شيغينوبو في شباط 1971 بعد انشقاقها عن الجيش الأحمر التابع للمنتخب الشيوعي الياباني، حيث تم ملاحقة عناصره ومحاكمتهم وحبسهم الى ان اعلنت مؤسسته في بيان وجهته لأنصارها حل الجيش. واعترفت شيغينوبو في بيانها بأن كفاح الجيش الأحمر “كان خاطئا وغير كاف لفشله في اتخاذ مكانة في تاريخ المجتمع الياباني”، مؤكدةً أن شكلا آخر من الكفاح سينطلق من اليابان “وسيكون حديثاً وشرعياً ومنفتحاً”؛

و. قد تكون سياسة الالغاء مقدمة لجرائم دولية على غرار ما اكدته صحيفة “الأوبزرفر” البريطانية في عددها الصادر في 3/3/2013 من أن قانون اجتثاث البعث تحول إلى تطهير طائفي لسنة العراق، يضاف إليه التعذيب الذي مارسته القوات الأميركية في سجن أبو غريب والفشل في فرض الأمن، ما سمح للعصابات الطائفية بقتل عشرات الآلاف من العراقيين. كما اعتبر البعض ان هذه القانون هو بمثابة “جريمة ضد الانسانية”، فحزب البعث حكم العراق لفترة طويلة اصبح خلالها حزبا واسع العضوية يقدر عدد اعضائه بالملايين، “فهل كان جميع اعضائه ذوي طبيعة واحدة؟ ان الملايين من اعضاء حزب البعث مقسمون الى ثلاثة اصناف على الاقل. الصنف الاول هو القيادة…، الصنف الثاني هو الاعضاء الذين انتموا اليه عن قناعة وعن ايمان بالمبادئ التي قام عليها…، والصنف الثالث هو الاعضاء الذين انتموا الى الحزب مضطرين من اجل ضمان معيشتهم او ضمان مستقبلهم الاقتصادي والثقافي. هل يمكن معاملة كافة هؤلاء الاعضاء بنفس الطريقة؟”؛

زـ ان سياسة الاحتواء تقوم على الاستغناء عن مبدأ استعمال القوة العسكرية واستبداله بمبدأ “القوة الناعمة”، فالاختلاف في الوسائل وليس الاهداف؛

حـــ. قد لا تجدي سياسة الاحتواء الاميركية للصين نفعاً او تدوم طويلا دون اللجوء الى مواجهة عسكرية ولو غير مباشرة (اي مواجهات في دول موالية للنظامين) خصوصاً بعد التغيرات التي يشهدها النسق الدولي بالانتقال من احادية القطب الى الثنائية القطبية، ان كان عبر منظمة شنغهاي او حتى دول البريكس.

إلى جانب سياستي الالغاء والاحتواء، تفرض البراغماتية الواقية للاحداث وجود بعض السياسات الاخرى، مثل:

– سياسة توازن الرعب: التي تقوم على فكرة الردع المتبادل بين القوى المتصارعة، فتكون اشبه بحالة اللا سلم واللا حرب، سواء كان هذا التوازن في القوى قائم على الردع النووي، او حتى على بعض الحسابات الجغرافية او الديغرافية او العسكرية؛

– سياسة التسويات: التي تقوم على التنازلات من اجل الوصول الى قاسم مشترك يتم الاتفاق عليه والعمل بموجبه.

اخيراً، ان ما نحتاج اليه اليوم قيام السياسات الدولية على قاعدة العدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الافراد والدول، والتنمية المتوازنة الدولية من خلال تبادل الثروات بعدالة وانصاف، فالاوضاع الحالية تعتبر بيئة حاضنة وسبباً محفزاً لنشوء حركات متشددة، خاصة بوجود ازمات اقتصادية عالمية بدأت في الولايات المتحدة ولن تنتهي مع دول الاتحاد الاوروبي. وبالعودة الى التاريخ القريب، كانت الازمات الاقتصادية احد اهم مقدمات الحروب الكونية ونذكر منها الازمة المالية عام 1929 التي مهدت بطريقة او بأخرى الى قيام الحرب العالمية الثانية.

*باحث في الشؤون القانونيةوالدولية

 

“الجرف الاوراسي”: محور الصراع الدولي

علوان نعيم امين الدين*

ركز الكثير من الباحثين الجيوبوليتكين على منطقة اوراسيا بشكل كبير، فاعتبروها الاهم على الصعيد الدولي. من هذا المنطلق، قسِّموا العالم كله الى ثلاثة مناطق جيوبوليتيكية:

  1. الارض الام: وهي تشمل القسم الاعلى من أسيا ودولاً عدة من اوروبا خاصة الملاصقة للقارة الآسيوية؛
  2. الهلال الداخلي: وهو نطاق من الشريط البري المحاذي للبحار (البلطيق، المتوسط، الاحمر، الخليج الفارسي) والمحيطات (المحيط المتجمد الشمالي من الاعلى والمحيطين الهادي من ناحيتي روسيا والصين والمحيط الهندي من الاسفل)، اضافة الى القسم الشمالي لافريقيا اذ يعتبر البعض ان هذه المنطقة “مفصولة عن باقي افريقيا بواسطة الصحراء الكبرى”؛
  3. الهلال الخارجي: هو كل ما تبقى من اراضي غير تلك المشار اليها اعلاه. ومن الجدير ذكره هنا، انه لم يتم اعطاء الولايات المتحدة الكثير من الاهمية، فهي لا تشكل سوى جزءاً من الهلال الخارجي ليس الا.

وبالنظر الى تعريف “الاوراسية”، نجدد عدداً منها:

–       المعنى الواسع: “أوراسيا هي كتلة أرضية مساحتها 54,000,000 كم2 وهي مكونة من قارتي اوروبا وآسيا… تقع أوراسيا في شمال الكرة الأرضية. اسم الكتلة مركب من كلمتي “أوروبا” و”آسيا”. يحدها من اقصى الغرب جزر آيرلندا والمحيط الأطلسى الذي يمتد بذراعه الجنوبى وهو متمثل في البحر المتوسط بأحواضه المختلفه ومن الشرق مضيق بيرنج وبعض الجزر مثل كامشتكا وسخالين والمحيط الهندى ومن الشمال يحده جزر فرانس جوزيف والمحيط المتجمد الشمالى ومن الجنوب جزر تيمور والمحيط الهادى بذراعيه المتمثلين في البحر الأحمر والخليج العربى… اعتبرها العديد من الجغرافيين كقارة واحدة مثل الأمريكيتين وأفريقيا، حيث أن القارتين غير منفصلتان بمحيط أو بحر كبير.”

–       المعنى الضيق: تشمتل اوراسيا على المناطق التي تلتقي فيها القارة الأسيوية بالقارة الاوروبية، متمثلة بالجمهوريات السوفياتية السابقة والمناطق المطلة على البحر الاسود، والشرق الاوسط من الجانب الآسيوي، ودول كـ “بلغاريا ورومانيا وكذلك دول شرق أوربا المتوسطية كاليونان ومقدونيا فى الجانب الأوربي.”

–       المعنى الجيوبوليتيكي: اما تقسيم اوراسيا حسب الكثير من المفكرين الجيوبوليتكيين فهو يعتمد على اعتبار “الارض الام” من اوراسيا هي تلك المنطقة التي تضم الاتحاد الروسي، والصين، واليابان، والكوريتين، نزولا الى بعض الاجزاء العليا من الهند وباكستان وافغانسان، وغالبية ايران، والعراق، وتركيا، صعوداً الى دول البحر الاسود، ومروراً ببعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق آخذاً معه بعض الدول الاوروبية او قسماً منها، وصولا الى الدول الاسكندنافية، ليعود ويلف روسيا مجدداً من المحيط المتجمد الشمالي وصولا الى المحيط الهادئ.

 

يعطي هؤلاء الباحثين اهمية كبيرة لـــ “الارض الام” فهي بنظرهم العالم الحضاري والقسم الثابت في الصراع بين “قوى البر” و “قوى البحر”، ويعتبرون ان قوى البر هي الاثبت كونها تستند على واقع جغرافي، بينما قوى البحر تتمدد وتنحسر بحسب المعطيات. وما بين الارض الام والهلال الخارجي، يتمحور لبُّ الحديث حول الهلال الداخلي، والذي يطلق عليه ايضاً “الحيّز الحضاري من التاريخ”، وبنظر هؤلاء المفكرين “ان من يسطير على هذا الجزء يحكم العالم.”

ان ما يحدث اليوم على الساحة الدولية من احداث وتطورات بين محوري الولايات المتحدة من جهة، والاتحاد الروسي والصين الشعبية من جهة أخرى، يقودنا الى احداث نوع من الاسقاط لهذه النظرية على الواقع الحالي، حيث يتكشف من خلال الاحداث صحة التقسيمات الواردة اعلاه، اذ ان ثقل الصراع الدولي يتمركز في هذه المنطقة او الهلال الداخلي.

  1. السعي الاميركي للسيطرة على الجرف:

–       الدرع الصاروخي في اوروبا: وهو مثار جدل كبير في العلاقة بين موسكو وواشنطن ومحل خلاف حقيقي، اذ تعتبره الاولى موجهاً ضدها وتريد توضيحات عليه، ويرى البعض ان “التهديد الروسى بضرب بولندا بالنووي فى حال وافقت على نشر الدرع الصاروخي على أرضها لهو تهديد على محمل الجد لحماية الأمن القومى الروسي”، فيما تعتبره الثانية ضرورة للمحافظة على وجودها والدفاع الاستباقي عنها وعن الدول الحليفة لها في اوروبا من تهديدات “الدول المارقة”؛

–       الغزو الاميركي لافغانستان والعراق: وهدفهما السيطرة على جزء من هذا الجرف الغني بمصادر الطاقة والذي يحتوي على بعض من النقاط الاستراتيجية (خصوصاً المضائق) في هذا الجرف؛

–       الضغط الاميركي على ايران “النووية”: من خلال فرض العقوبات عليها، علاوة على استمرار تجميدها لأموال ايرانية منذ انتهاء حكم الشاه الموالي للغرب واستيلام الخميني السلطة وبدء الحكم الاسلامي فيها. ومن الجدير ذكره هنا، الحرب التي اندلعت بين كل من العراق (ايام صدام حسين المدعوم اميركياً) وايران (النامية) لعدة سنوات والتي خدمت الولايات المتحدة واتخذتها كوسيلة لاضعاف طهران وانهاكها؛

–       التقارب الاميركي-الايراني: وهو ما يحدث اليوم من تقارب بينها، خصوصاً مع ما يصيب الولايات المتحدة من تراجع على صعيد التفرد بالقرار الدولي، ورغبتها في البقاء في جزء من هذا الحيِّز لأخذ دور ما وان كان ذلك عبر السياسة وليس من خلال العسكر؛

–       التواجد العسكري في بعض دول الخليج: واقامة العديد من القواعد العسكرية الاسترايجية، والسيطرة على القرار السياسي لبعض هذه الدول وتماهي قراراتها مع السياسة العليا والمصالح الاميركية، ووجود علاقة جدلية محورية بينهما؛

–       اقامة علاقات مع كل من الهند وباكستان: على مدى سنوات عديدة، وهي منطقة الشمالية للحزام الاوراسي من جهة المحيط الهندي، وذلك بهدف “غلق” هذه المنطقة على التمدد الروسي-الصيني تجاه المياه المحاذية للهلال الداخلي؛

–       اقامة علاقة مع دول الغرب الآسيوي: من كوريا الجنوبية الى الفليبين وصولاً الى اليابان من سياسية (مواقف متوافقة) الى عسكرية (مناورات عسكرية مشتركة)، والتمركز العسكري الاميركي في جزر استراتيجية كجزيرة غوام، وذلك بهدف السيطرة والتحكم بالجرف الاوراسي غرب المحيط الهادئ؛

–       المشاريع والنظريات الاميركية للاطباق على هذه المنطقة كـ نظرية “الاناكوندا” (التي تستهدف هذا الجرف) ومشروع “الشرق الاوسط الجديد” وغيرهما، والتي تهدف الى السيطرة على هذه المنطقة الغنية والاستراتجية من العالم.

  1. السعي الروسي-الصيني للسيطرة على الجرف:

–       قيام كل الاتحاد الروسي الصين (اللتيات تقعان في قلب الارض الام) بانشاء علاقات جيدة مع الدول التي تشكل الحزام او الجرف الاوراسي: وابرز هذه العلاقات منظمة شنغهاي للتنمية والتي تضم عدداً من الدول التي تحتل الحيز ما بين الارض الام والهلال الخارجي، وذلك ليس رغبة او طمعاً في اقتصادياتها او تطورها، بل في ضمها الى هذا المحور بدلا من خسارتها كونها تقع في مناطق استراتيجية حساسة؛

–       تقاسم النفوذ الروسي-الصيني: فالروس تركوا المحيط الهادئ وتوجهوا الى المياه الدافئة والمتوسط، اما الصينيون فتولوا امر المحيط الهادئ والسيطرة عليه؛

–       السعي الى ابعاد الولايات المتحدة: وخصوصاً من المناطق التي لا تزال فيها ضمن هذا الحزام، وابز مثال على ذلك طلب قرقيزيا من الولايات المتحدة تسليمها لقاعدة ماناس في العام 2014، وهذه القاعدة انشاتها واشنطن “لمحاربة الارهاب ومن اجل الامن والاستقرار في افغانستان”. كما تسعى روسيا الى تمتين خاصرتها الغربية من خلال اقامة العلاقات الودية (مع اليونان مثلا) والحزم مع بعض الدول التي لاتزال تدور في الفلك الاميركي (الازمة الجورجية 2008)؛

–       اعادة احياء “طريق الحرير” التجاري التاريخي بين دول اسيا وصولاً الى اوروبا، والذي كشف عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته الى كوريا الجنوبية ورغبته في اعادة وصل الطريق عبر شبكة السكة الحديد والسعي الى حل الازمة في الجزيرة الكورية لما له من تأثير مباشر على سير هذه الخط. وهذا الطرح يلتقي مع “سياسات التعاون في تنفيذ الخطط الروسية لتنمية منطقة شرق سيبيريا، ودعم مشاركة الشركات الكورية الجنوبية في المشروع الثلاثي المشترك بين سيول وموسكو وبيونغ يانغ لإنشاء خط سكك حديدية يربط بين ميناء راجين الكوري الشمالي ومدينة خاسان الروسية الحدودية، ومشروع تطوير القطب الشمالي، وغيرها من المشروعات المشتركة”، ويلتقي هذا المشروع مع المبادة التي اطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ حول “فكرة بناء حزام طريق الحرير الاقتصادي أثناء الجولة التي قام في أوائل شهر أيلول الماضي في دول آسيا الوسطى، وقد لقيت هذه الفكرة إجماعاً واسعاً في قمة مجموعة شانغهاي للتعاون التي عُقدت في العاصمة القرغيزية بيشكك. ويستند حزام طريق الحرير الاقتصادي على مفهوم طريق الحرير القديم، ويشكل منطقة التنمية الاقتصادية الجديدة. ويمتد من المحيط الهادئ إلى بحر البلطيق، وهو جسر يربط بين دائرة اقتصادية في آسيا والمحيط الهادئ شرقياً ودائرة اقتصادية أوروبية متقدمة غربياً، ليكون أطول ممر اقتصادي رئيسي ذي إمكانات أكبر في العالم”؛

–       اقامة علاقات متينة مع دول الجرف: من خلال التعاون العسكري (روسيا-مصر بعد الازمة مع الولايات المتحدة وعرض روسيا تسليم اسلحة للجيش المصري وهو ما قد يكون محور المحادثات بين كل من وزيري الدفاع والخارجية الروسيين ونظيرهما المصريين في 14 و15 تشرين الثاني الجاري، الصين-تركيا وصفقة الاسلحة التي يطالب فيها حلف شمال الاطلسي اسطنبول بالرجوع عنها، صفقة الطائرات الروسية الى العراق) والطاقة (التعاون الروسي الايراني وانشاء المعامل النووية فيها بهدف الحصول على الطاقة، والحديث عن قيام شركات روسية بانشاء معامل للطاقة في الاردن، وتشغيل معمل في مصر) والاقتصاد (التدخل الروسي في قبرص بعد الازمة المالية التي لحقت بها وانتشالها منها، احتكار شركات الغاز الروسية وخصوصاً غاز بروم على كثير من عقود استخراج موارد الطاقة) والسياسة (الازمة السورية ابرز الامثلة على ذلك)؛

–       التدخل الروسي في الازمة السورية: حيث تعتبر سوريه “شاطئ روسيا على المتوسط”. ومع بدء النهوض الروسي بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، تعود روسيا بقوة الى المتوسط لتأمين اسمترار وحرية حركتها من والى المياه الدافئة والبحر الاسود الذي يعتبر ذا اهمية استراتيجية كبرى.

ان هذه الاحداث وغيرها على الصعيد الدولي تعطي لهذه النظرية (اوراسيا بالمتنى الجيوبوليتيكي الوارد اعلاه) اهمية كبرى وتجعلها اقرب النظريات لتفسير الاحداث الدولية المعاصرة، اذ يتبين اهمية الحزام الاوراسي (او الهلال الداخلي) والمدى والبعد الاستراتيجيين لهذه المنطقة.

ان ما تمر بها منطقتنا في المشرق اليوم وما تشهده من نزاعات وحروب ليس سوى جزء من هذا الصراع الدولي للسيطرة على العالم، اذا ان كل الدول الكبرى تسعى للامساك بالقرار الدولي على حساب شعوب اختبرت الحضارة منذ قرون خلت وكانت مصدراً لحضارة العالم ككل، حيث اصبحت بؤرة للصراع بدل ان تكون بقعة من التلاقي الحضاري. يرى الباحث في التاريخ الاستاذ عفيف غصن ان للمشرق “فضل على العالم كله عبر ثلاثة اختراعات غيرت وجه التاريخ: الرقم والحرف والدولاب (العجلة).”

 

*باحث في العلاقات الدولية

المراجع:

–       الكسندر دوغين، اسس الجيوبوليتكا، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت 2004.

–       جريدة الاخبار

–       معمر عطوي، بوتين ينسج “طريق الحرير” على خط اوراسيا، جريدة الاخبار، 14/11/2013.

–       محمد حافظ، اوراسيا قلب العالم، على الموقع التالي: http://www.ahewar.org

–       http://ar.wikipedia.org

التنظيمات الدولية في عالم متغير

علوان نعيم أمين الدين*

سعت دول لتكوين العديد من المنظمات الاقليمية والدولية والانخراط فيها، بهدف خلق مجتمع يسوده السلم والامن.

  1. الامم المتحدة:

كان مقدرا لها ان تكون “الحكومة الدولية” التي تدير العالم خاصة بعد سقوط عصبة الامم والنتائج الكارثية التي افرزها الحرب العالمية الثانية بشرياً واقتصادياً. وكانت اولى التحديات التي واجهتها نشوب الحرب الكورية في حزيران 1950، لتأتي بعدها الحرب الباردة التي سقطت مع جدار برلين عام 1989، وظهور القطبية الآحادية الاميركية.

لذلك، برزت العديد من المساعي لتجديها وتطويرها عبر تقارير للامين العام السبق لها كوفي انان، اهمها:

أ‌.       تقرير بعنوان “تجديد الأمم المتحدة: برنامج للإصلاح” في 23 أيلول/سبتمبر1997 حيث اعتبر أن “الغرض من إصلاح الأمم المتحدة هو تعزيز مؤسسة لا غنى عنها وإعدادها لمواجهة تحديات المستقبل. وليس الإصلاح في جوهره مجرد عملية خفض تكاليف أو تقليل عدد الموظفين. لكنها عملية تستهدف تأكيد أهمية المنظمة في عالم متغير. وضمان تنفيذ المهام التي كلفتها بها الدول الأعضاء … بفعالية وكفاءة في حدود الموارد التي تم تخصيصها لهذه الغايات”؛

ب‌.  تقرير بعنوان “في جو من الحرية أفسح: صوب تحقيق التنمية، والأمن، وحقوق الإنسان للجميع” تاريخ 21 أذار/مارس 2005 بيَّن فيه المشاكل والصعوبات التي تواجه البشرية من الحروب والإرهاب إلى الفقر مروراً بالأمراض الخطيرة والأوبئة، مؤكداً فيه عدم قدرة “أي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تحمي نفسها بنفسها”؛

ت‌.  تقرير بعنوان “إصدارات الولايات وتنفيذها: تحليل وتوصيات لتسيير إستعراض الولايات” في 26 آذار/مارس 2006 راى فيه عدم تمكن مؤسسي هذه المنظمة التنبؤ “بصورة كاملة بنطاق التحديات التي نشأت وتطورت، ومدى تعقيدها. إن المهمة التي تقع على عاتق الأمم المتحدة هي مهمة هائلة. واليوم، تتراوح الولايات (المهام) المنبثقة عن الأجهزة الرئيسية المختصة ما بين المساعي الحميدة لمنع نشوب العمليات، وحفظ السلام، وبناء السلام، والإنقاذ.”

وبدأ الحديث عن توسيع مقاعد مجلس الامن (ضم الهند والبرازيل مثلاً) وايجاد آلية تسهل الجمعية العمومية وتسرع عملها، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل في ظل تولي المحافظين الجدد مقاليد الحكم في الولايات المتحدة. فلقد كان صقور هذه الادارة من اشد الناس عداوة للأمم المتحدة، ومن أشهرهم سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة جون بولتون إذ قال ذات مرة أنه “لو إختفى عشرة طوابق من طوابقها الثمانية والثلاثين فإن ذلك لن يؤثر في العالم بشيء.” وقال أحد المعلقين آنذاك “إن هذا الرجل (بولتون) ذاهب إلى الأمم المتحدة لتدمير ما تبقى منها.”

اما “مهندس” الحرب على العراق ريتشارد بيرل فيقول “لقد أوشك عهد الإرهاب الدولي الذي يتولاه صدام حسين على نهايته. سيتلاشى بسرعة لكن ليس بمفرده: سيأخذ الأمـم المتحدة معه في سقوطه. حسناً، ليس الأمـم المتحدة بأكملها. فسينجو جزء الأعمال الحسنة، ستبقى بيروقراطيات حفظ السلام القليلة الخطر، وسيستمر التفوه بالحماقات في المبنى الذي يلوح من الهدسون. ما يسموت في العراق هو فانتازيا الأمم المتحدة كأساس لنظام عالمي جديد.”

  1. الاتحاد الاوروبي:

لم يكن الاتحاد الاوروبي وليد تسعنيات القرن الماضي، بل مر بتطور تاريخي على ثلاثة مراحل. المرحلة الاولى عبر انشاء منظمات اقليمية تعاونية كالمنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي في 16/4/1948 المكونة من 16 دولة. والمرحلة الثانية ظهور نزاعات اتحادية لدول قوية اقتصادياً ادت الى انشاء المجموعة الاوروبية للفحم والصلب في 18/4/1951. اما المرحلة الثالثة فقد عرفت كثيرا من التنظيمات التي ادت في نهاياتها الى توقيع اتفاقية ماستريخت في 7/2/1992 التي حلت مكانها اتفاقية امستردام لتشمل دول اوروبا الشرقية (سابقاً) ودخلت حيز التنفيذ عام 1999.

  1. منظمة شنغهاي للتعاون:

وتضم ستة دول: الصين، روسيا، طاجيكستان، اوزباكستان، كازاخستان، وقرقيزيا. وتقع ابرز اهدافها في:

أ‌.       تعزيز سياسات الثقة المتبادلة وحسن الجوار ما بين الدول الأعضاء؛

ب‌.  تطوير التعاون الفاعل بينها في السياسة والتجارة والإقتصاد، والعلوم والتكنولوجيا والثقافة،وفي شؤون التربية والطاقة والنقل والسياحة وحماية البيئة؛

ت‌.  العمل على توفير السلام والأمن والإستقرار في المنطقة؛

ث‌.  العمل على تطوير وتقدّم الأفكار للوصول الى نظام سياسي واقتصادي عالمي ديمقراطي، عادل وعقلاني متوازن.

  1. مجموعة البريكس:

تضم مجموعة البريكس خمس دول من ذوي الاقتصادات الناشئة هي: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. وتضم دول البريكس حوالي 45 في المئة من سكان العالم، ومساحات جغرافية شاسعة، وثروات طبيعية هائلة، وطاقة إنتاجية قوية. وحسب إحصائيات العام 2010، بلغ إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول: الصين 5 تريليونات دولار ونصف، والبرازيل 2 تريليونات دولار، وكل من الهند وروسيا تريليون و600 مليار دولار، وجنوب أفريقيا 285 مليار دولار.

وخلال العام 2012، بلغ الناتج الإجمالي المحلي لدول البريكس مجتمعة نحو 13.6 تريليون دولار بينما بلغ مجموع احتياطي النقد الأجنبي لتلك الدول أربعة تريليونات دولار. أما متوسط نمو الناتج الإجمالي المحلي في المجموعة فقد بلغت نسبته 4%، فيما بلغ المؤشر ذاته في مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى 0.7%.

وتستحوذ الدول الخمس على نحو 18% من الاقتصاد العالمي بناتج محلي يقارب عشرة تريليونات دولار سنويا، كما تستحوذ على أكثر من 15% من إجمالي التجارة العالمية وأكثر من ثلث السوق العالمي. ومن المنتظر أن تتجاوز نسبة مساهماتها الإجمالية 50% من إجمالي النمو الاقتصادي العالمي بحلول العام 2020.

واحتل مشروع إنشاء المصرف الإنمائي الحيّز الأكبر من نقاشات دول البريكس، وهو مشروع يفترض أن يشكل منعطفاً حقيقياً في مسار سحب بساط السيطرة الاقتصادية حيث يساعد المصرف في التخلص من التبعية للبنك الدولي واحتياطي صندوق النقد وارتباط التجارة الدولية بالدولار الاميركي، ويفترض أن يبدأ المصرف الجديد عمله برأسمال قدره 50 مليار دولار بحسب الدراسات، أي 10 مليارات لكل دولة.

لقد استطاعت مجموعة البريكس خلال السنوات القليلة الماضية أن تصنع لنفسها مكانة شديدة الأهمية داخل المجتمع الدولي، فهي أسرع دول العالم نمواً حالياً وأقلها تأثراً بالأزمة المالية، يحكمها رابط مهم ترتكز عليه قيامه رفض الهيمنة الغربية على الاقتصاد والسياسة العالمية، وينعكس ذلك من خلال تبنيها لمواقف مشابهة طرحتها في القمة الأخيرة حول سوريا والملف النووي الإيراني وأفغانستان وقضايا الشرق الأوسط.

  1. خلاصة:

في الختام، يمكن تسجيل بعض الملاحظات:

أ‌.       خضوع المنظمات في عملها لارادات للدول القوية، كتشريع الامم المتحدة الحرب الاميركية على العراق عام 2003، اذ يعتبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546 الصادر في 7/6/2004 من أهم الأمثلة الحية على ذلك، فهو يقر بضرورة تشكيل حكومة عراقية إنتقالية موافقاً ضمنياً على الطريقة التي أُبعد بها النظام السابق اي استعمال القوة دون الرجوع اليها؛

ب‌.  قيام بعض الدول بتجفيف المصادر المالية للمنظمات من خلال عدم دفع متوجباتها المالية ودفعها الى فرض سياساتها عليها، مما يضعف عملها ودورها التي قامت من اجله. فعلى سبيل المثال، ذكر الأخضر الإبراهيمي –وزير خارجية الجزائر السابق- في تقرير للجنة الدولية التي شكلها الأمين العام عام 2000 وتقع مهمتها في إعداد تقرير شامل حول عمل الأمم المتحدة في حفظ السلام، أنه يجب “توفير الإعتمادات المالية المناسبة التي تمكّن عمليات حفظ السلام من الإضطلاع بمهامها، حيث تعاني إدارة عمليات حفظ السلام من نقص حاد في الموارد المالية، نتيجة تأخر دفع الدول أنصبتها للأمم المتحدة”؛

ت‌.  إنخراط بعض الدول في الاحلاف السياسية والعسكرية يضعف من قدرة هذه التنظيمات وتفضيلها (حلف شمال الاطلسي)؛

ث‌.  عدم اقتناع بعض الدول بجدوى بقائها في هذه التنظيمات والتفكير بالانسحاب منها خاصة وان اقتصادها يتحمل العبء الاكبر من النفقات في ظل ازمات مالية تعصف بعض الدول الضعيفة اقتصادياً. فاذا ما اخذنا الاتحاد الاوروبي مثلا، فان الاقتصاد الالماني يعتبر من اقوى اقتصادات

ج‌.    بروز الازمات بين الدول الاعضاء، وخصوصاً ما طرحته اليونان مؤخراً من تحضير ملف قانوني يطالب المانيا بتعويضات مالية نتيجة الحرب العالمية الثانية، آخذة بالمقولة “التاجر المفلس يفتش في دفاتره القديمة”، علماً ان الاقتصاد الالماني يعتبر أحد اقوى رافعات اقتصاد الاتحاد الاوروبي.

إن بعض الدول التي تتمتع بصفة مراقب في منظمة شنغهاي (الباكستان مثلا) أقرب إلى التحالف مع الولايات المتحدة منها إلى موسكو وبكين، وهو ما سوف يؤثر على عمل المنظمة في حال انضمام مثل هذه الدول اليها؛

أ‌.       ان المنظمة تضم دولا غير متكافئة مما يبقيها بعيدة عن تشكيل نواة مشروع قطب دولي؛

ح‌.    التنافس بين بكين وموسكو على الزعامة داخل المنظمة، ووجود خلافات بين البلدين بشأن قضايا التوسع الإقتصادي والسياسي الصيني في آسيا الوسطى.

أ‌.       أن العديد من الدول الناشئة تخشى من ان تؤدي مؤسسات بريكس الى ترسيخ هيمنة الصينيين المتنامي، الامر الذي حذا بقادة البريكس الى لقاء مع عدد من القادة الأفارقة شمال دوربان؛

ب‌.  فشل دول البريكس في تأسيس أجسام مشتركة ماليا، واعتبار المصرف المزعم انشاؤه سيبقى رمزياً، حيث اشارت مجلة فورين بوليسي عن الاختلاف الحاصل في نمو الدول الخمس، وابرز مثل على ذلك اقتصاد جنوب أفريقيا الذي لا يعد مصدر فائدة كبرى أو إنتاجية بعكس ذاك في الهند أو البرازيل، فاقتصاد روسيا (على سبيل المثال) وهو الأصغر بين الدول الاعضاء، لكنه يتفوق بأربع مرات على اقتصادها؛

ت‌.  هناك فروقات شاسعة في سلم أولوياتها؛

ث‌.  عدم وجود ترابط على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية؛

ج‌.    وجود تباينات متعددة على مواضيع اقتصادية، ابرزها الخلاف الروسي–الصيني حول تسعير النفط الروسي، وفرض الهند ضرائب على بعض السلع الصينية، واغراق الاسواق بالمنتجات الصينية بشكل كبير.

 

*باحث في الشؤون القانونية

الاستراتيجية الزراعية الروسية

علوان نعيم امين الدين*

خبر مر مرور الكرام. لم تكتب فيه وكالات الاخبار سوى اسطر بيسطة. روسيا ستعين 30 ملحقاً زراعياً لدى سفاراتها في الدول التي تربطها بها “مبادلات زراعية”. الهدف الذي ذكره وزير الزراعة الروسي نيكولاي فيودوروف أثناء حضوره المعرض الزراعي “الاسبوع الأخضر”في برلين أن الملحقين الزراعيين سيعملون على “حماية المنتجين الزراعيين الروس من مختلف التدابير التمييزية والحواجز وأيضا للترويج للمنتجات الروسية في الأسواق الخارجية، بما في ذلك تنسيق المشاركة الروسية في المعارض المتخصصة.” ولقد شاركت روسيا في منتدى “الأسبوع الأخضر” للمرة الـ 19 وتقدمت انجازاتها في القطاع الزراعي حوالي 400 شركة من 20 منطقة روسية.

بُررت هذه الخطوة على قاعدة انضمام روسيا الى منظمة التجارة العالمية، والتي اعتبرتها خطوة على طريق التعاون الدولي وفتح اسواق جديدة لها في الخارج، اذ رأى رئيس مجلس المستقبل الوطني الكسي كوزمين “أن الأسواق الروسية هي كبيرة جدا ورحبة، ولكن بسبب نظام الضرائب المغلق لم تستطع الشركات الامريكية والاوروبية او الكورية من اختراقها. اما اليوم فهي تفتح ابوابها على مصراعيها للأوروبيين والكوريين والأمريكيين. اذا كان هذا يشكل صداعا للامريكيين فان دخول روسيا الى منظمة التجارة العالمية على المدى الطويل يبدو ايجابيا حيث يرى البنك الدولي ان انضمام روسيا الى هذه المنظمة سوف يزيد الناتج المحلي الاجمالي بأكثر من 10%، أو 215 مليار دولار.”

  1. الزراعة في “استراتيجية الامن القومي الروسي لعام 2020”:

لم يغيب عن بال موسكو بعد الازمة الاقتصادية التي مرت بها عقب انهيار الاتحاد السوفياتي واستيلام الرئيس الروسي الراحل بورس يلتسن مقاليد الحكم في بلد “صُدرت قراراته السياسية بسبب ازمته الداخلية والاقتصادية.” لقد احتاجت روسيا للقمح بينما كانت تمتلك اجود واكبر الاهراءات في العالم. احتاجت الى الولايات المتحدة الاميركية، “غريمتها السياسية” الدائمة، كي ترسل لها هذه المادة الاسياسية والحيوية.

وصل “القيصر الروسي” فلاديمير بوتين الى سدة الرئاسة وتبادل للمناصب مع رئيس حكومته الحالي ديمتري مدفيديف، دون تغيير للسياسة العليا التي اسس لها خلال تلك الاعوام. رجل المخابرات ذو الخبرة العالية والاستشراف الدوليين، وضع استراتيجية للامن القومي الروسي لغالية العام 2020 تضمنت قسماً خاصاً يشير الى الزراعة واهمية دورها في “الصعود الروسي العالمي المستقبلي.”

فبعد التطور في الاستراتيجية العسكرية التي تعتبر الاساس في حيثيات الدول الكبرى، وخصوصاً روسيا التي تعتبر من اهم الدول المصنعة والمصدرة، والتركيز على “الثالوث النووي” والانظمة الحمائية والعديد والعتاد في شتى المجالات، اتجهت الى “استراتيجية كفاية الحاجة” المتمثلة في تأمين اساسيات البقاء.

ففي مقدمة مذكرة استراتيجية الامن القومي الروسي، “اشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى ان الفكرة الرئيسية للاستراتيجية يمكن ان توصف بانها “تحقيق الامن عن طريق التنمية”. وتهدف الاستراتيجية الى النهوض بنوعية إدارة الدولة، ومن شأنها ان تنسق عمل اجهزة سلطة الدولة والمنظمات الحكومية والاجتماعية فيما يتعلق بحماية المصالح القومية لروسيا وضمان أمن الفرد والمجتمع والدولة. ووضعت في اساس الوثيقة المنطلقات المحورية الخاصة بتنمية روسيا وضمان الأمن القومي التي سبق ان طرحها الرئيس الروسي في رسالته التي وجهها الى الجمعية الفيدرالية لروسيا الاتحادية يوم 5 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2008. والجدير بالذكر ان هذه الاستراتيجية تأتي استمرارا لكرة الأمن القومي التي تم اعتمادها في عام 1997.”

في الباب الرابع للوثيقة الذي يحمل عنوان “ضمان الامن القومي”، تأتي الفقرة الثالثة التي تشير الى اهمية “النهوض بنوعية معشية المواطنين الروس” من خلال بعض النقاط:

“- ان الاهداف الاستراتيجية لضمان الامن القومي في مجال النهوض بنوعية معيشة المواطنين الروس هي تخفيض الفارق في معيشة السكان واستقرار عدد ابناء البلاد في المستقبل المتوسط المدى والبعيد المدى والتحسين الجذري للوضع الديموغرافي في روسيا.

– قد تحدث ازمات في المنظومات المالية والمصرفية العالمية وتزداد تنامي المنافسة في الصراع من اجل استحواذ موارد الطاقة والمياه والمواد الغذائية والتخلف في مجال التقنيات مما يشكل خطرا على الأمن القومي.

– يتم ضمان الأمن الغذائي من خلال تطوير التقنيات البيولوجية وايجاد بديل وطني للمواد الغذائية المستوردة وايقاف استنزاف الموارد من باطن الارض وانكماش الاراضي الزراعية، والحيلولة دون السيطرة الاجنبية على سوق الحبوب وانتشار المنتجات الغذائية المستحصلة من النباتات والجسيمات المتغيرة وراثيا.”

واشارت الفقرة الرابعة من الباب الرابع تحت عنوان “النمو الاقتصادي” وتحديداً البند الرابع منها الى مخاوف من “العلاقة الجدلية” بين النمو والموارد اذا اشارت الى انه “قد يؤثر سلبا على الامن القومي في المجال الاقتصادي نقص موارد الطاقة والمياه والافتقار الى الموارد البيولوجية واتخاذ اجراءات مجحفة وتنامي المنافسة غير الشريفة ضد روسيا ووقوع ازمات جديدة في المنظومات الاقتصادية والمالية العالمية.”

  1. ما هي الزراعات الاستراتيجية؟

هناك انواع كثيرة ومتعددة من الزراعات، ولكن لا تحمل كلها صفة “الاستراتيجية” والتي تتمثل في بعض ما يلي:

–       طبيعة المواد: وهي المواد التي تعتبر ضرورة في حياة الشعوب. ونظراً لاهميتها الكبيرة فهي تخضع لتقلبات الاسواق العالمية بشكل بارز ولتقلبات العرض والطلب العالميين؛

–       مدة التخزين: هي المواد التي تخزن لاكثر من ستة اشهر على التأكيد، والتي تستطيع تحمل الظروف الطبيعية ومقاومتها الى حد معين (كالحبوب مثلاً)؛

–       معدة للتصنيع: وهي المواد التي يمكن حفظها لمدة زمنية من خلال تعليبها او توضيبها دون ان تتأثر بعملية التصنيع هذه (المواد التي تدخل ضمن صناعة المعلبات على سيبل المثال)؛

–       استعمالها سياسياً: خصوصاً في المساعدات “الانسانية” كأداة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية؛

–       تستخدم كمواد للطاقة: خصوصاً التي يستخرج منها مادتي الاثانول (بعد تخمير السكر على سيبل المثال) والميثانول (من تقطير الخشب)؛

–       اعادة استخدام: قد تشكل نفايات هذ المواد بعد التصنيع حاجة للاستهلاك في اماكن متعددة وحيوية، كالثروة الحيوانية (علف من بقايا قصب السكر)، او الرزاعية (اسمدة عضوية)، او مواد للتدفئة (كبس بقايا الذرة).

 

  1. الانتاج والصادرات الزراعية الروسية:

أعلن وزير الزراعة الروسي نيكولاي فيودوروف أن روسيا جمعت ما مجموعه 91.3 مليون طن من الحبوب بوزنها الصافي في العام 2013. وقال الوزير في تصريحات صحفية “إن المزارعين الروس حققوا هذه النتيجة التي تفوق مؤشر العام الماضي (70.9 مليون طن) بنسبة 28.8 بالمائة، رغم الأحوال الجوية السيئة في عدد من المناطق الزراعية الروسية.”

وأفادت وزارة الزراعة الروسية أيضا أنها صدرت ما مجموعه 15 مليونا و700 ألف طن من الحبوب منذ بداية موسم 2013-2014 الزراعي الجديد في الأول من يوليو/تموز وحتى 26 ديسمبر/كانون الأول 2013، وتتوقع الوزارة أن يصل إجمالي صادرات الحبوب الروسية إلى 16 مليون طن، و22 مليون طن بحلول 30 يونيو/حزيران 2014. يذكر أن روسيا قامت بتصدير ما مجموعه 15.7 مليون طن من الحبوب فقط في موسم 2012-2013  بسبب الجفاف بالمقارنة مع 27.2  مليون طن في موسم 2012-2013 السابق.

الى ذك، صرح أركادي زلوتشيفسكي، رئيس اتحاد الحبوب الروسي، إن حجم صادرات الحبوب الروسية خلال شهري يناير/كانون الثاني – فبراير/شباط 2014 لن يزيد عن 1.6–1.8 مليون طن إجمالا. ونسب زلوتشيفسكي سبب انخفاض وتيرة الصادرات الروسية من الحبوب خلال هذين الشهرين إلى الأحوال الشتوية الطبيعية وانخفاض أسعار الحبوب في الأسواق العالمية إلى حد ما.

وتختلف الدول التي تصدر لها روسيا هذه المنتجات بجسب الطلب عليها. فمصر مثلا طلبت من روسيا الاستثمار في بناء عدد من مخازن الحبوب بقيمة 260 مليون دولار، كونها تعتبر أكبر مستورد للقمح في العالم، حوالي 10 مليون طن من الحبوب، الجزء الأكبر منها من روسيا، علماً انها اشترت الموسم الماضي نحو 2.7 مليون طن من القمح الروسي، لكن الرئيس المعزول محمد مرسي قرر التركيز على الانتاج المحلي، مما خلق نقصاً حاداً للقمح في البلاد.

 

اما اليابان، فقد ارسلت لها روسيا أول شحنة من الذرة في ديسمبر/كانون الأول 2013 بوزن 50 ألف طن. وأفادت وزارة الزراعة الروسية، بأن اليابان “قد تصبح إحدى الدول المستوردة للذرة الروسية بشكل دائم وفق تفاهمات أولية بين الجانبين.” وتحتل تركيا حالياً المركز الأول بين مستوردي الذرة الروسية حيث بلغ حجم مشترياتها منها 427 ألف طن منذ بداية الموسم في 1 يوليو/تموز 2013 وحتى بداية السنة الجارية. وتليها كوريا الجنوبية (308 آلاف طن). كما تستمر صادرات الذرة الروسية بشكل نشط إلى كل من إيران وإيطاليا وإسبانيا. يذكر أن روسيا جمعت محصولا قياسيا للذرة في العام الماضي بلغ 11.3 مليون طن. ويقدر خبراء طاقات البلاد التصديرية على صعيد مبيعات الذرة بحوالي 2 مليون طن في موسم 2013-2014.

 

  1. شراء النواقص والاستثمارات الزراعية:

لا تستطيع روسيا تأمين كل حاجياتها الزراعية، فهي بحاجة الى شراء بعض النواقص او الاستثمار (في اراضيها او خارجها) في بعض القطاعات او الاراضي على غرار ما تقوم به الصين باستثماراتها الزراعية في السودان.

على سبيل المثال، تستورد روسيا البطاطا المصرية على الرغم من الحظر الذي فرضته الهيئة الروسية للرقابة على الحاصلات الزراعية بعد وجود مرض باكتيريا “العفن البني” عليها، لكنها عادت واعطت الضوء الأخضر لاستيرادها مشترطة فحص البطاطا المستوردة للتأكد من خلوها من الأمراض التي تمنع تداوله في الأسواق. وأشارت الهيئة في بيان لها إلى “تعهد الجانب المصري بفحص البطاطس المخصصة للتصدير إلى روسيا”، هذا من ناحية.

من ناحية اخرى، تعتمد روسيا على استثمار الاراضي الزراعية سواء داخل اراضيها (بغية جذب الاموال الخارجية واستصلاح الاراضي) او خارجها (لتأمين النقص في المواد التي لا تنتج في روسيا) علماً بان هناك العديد من المناطق في العالم تستطيع ان تنتج اكثر من موسم في عام واحد بسبب كثيرة المياة والمناخ الجيد والتربة الخصبة (بعض المناطق في القارة الافريقية على سبيل المثال).

لهذا تجري روسيا العديد من المحاولات والمساعي لعقد اتفاقات او تفاهمات مع بعض الدول من اجل الاستثمار في الزراعة، ومن ابرزها الحديث عن احتمال التوصل الى اتفاق مع الاردن على مشروع مشترك لزراعة الحبوب. فلقد أعلن المكتب الصحفي التابع لوزراة الزراعة “أن الاقتراح ظهر أثناء لقاء وزير الزراعة الروسي نيكولاي فيودوروف مع السفير الأردني في روسيا أحمد الحسن حيث يشكل كل من القمح والحنطة في الوقت الحالي أساس الصادرات الزراعية الروسية إلى الأردن. وقد أعرب الطرفان عن اهتمامهما بتطوير التعاون الزراعي.” وقد ركز الجانب الأردني على رغبته بزيادة صادرات الفواكه وزيت الزيتون والخضار. كما أشار الوزير إلى أن الجانب الروسي راضٍ عن نوعية المنتجات الأردنية. حيث ازدادت نسبة الصادرات الزراعية من الأردن إلى روسيا بمرتين ووصلت إلى 18.7 مليون دولار، أما الصادرات الروسية إلى الأردن فقد زادت على 70 مليون دولار.

كذلك، يشير العديد من الخبراء إلى وجود مساحات هائلة من الحقول القابلة للزراعة في الشرق الروسي، وقد بدأت مشاريع زراعية كبيرة تتطبق بالتعاون مع الصين وكوريا الشمالية، وما زالت الآفاق كبيرة في هذا المجال، اذ يقول ألكسي كُزمين رئيس مجلس الخبراء لصندوق الآفاق الوطنية ان روسيا اصبحت “لاعبا كبيرا في السوق الغذائية العالمية، ومن الطبيعي أن تتوجه إلى الأسواق الآسيوية، من الواضح أن الشرق الأقصى الروسي ليس أفضل المناطق للزراعة، لذلك أرى أن التوسع الأنجع سيكون باتجاه سيبيريا الغربية والشرقية، حيث يمكن زيادة الإنتاج بشكل كبير.”

اضافة الى ذلك، صرح رئيس بنك التطور الإسلامي أحمد محمد علي المدني في مقابلته مع رئيس جمهورية تترستان الروسية رستام مِنيخانَف أن مجال الزراعة في هذه الجمهورية قد يكون جذابا للإستثمار السعودي. وجرى اللقاء في مدينة جدة في إطار زيارة الوفد التتري إلى المملكة، حيث قال الرئيس مِنيخانَف “إن مسألة المنتجات الزراعية تصبح أكثر إلحاحاً مع الزمن، ولدى تترستان جميع الإمكانيات كي تقوم بالإنتاج الزراعي المعد للتصدير، ويفسر ذلك بوجود الأراضي الزراعية الشاسعة وتوفر الثروة المائية، بينما تبقى الجمهورية بحاجة للإستثمارات الأولية، التي تبدي السعودية استعدادها لتقديمها.”

  1. التحكم في السوق:

رأى الامين العام لمنظمة التعاون الإقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي ادوارد بدروسه (خلال انعقادها في مدينة فلادفستوك الروسية في ايلول/سبتمبر 2013) أن روسيا يمكن أن تصبح المزود الرئيس للمواد الغذائية في آسيا، ولذلك على السلطات الروسية “أن تستغل إمكانيات الشرق الأقصى الروسي الزراعية”، ويقاسم الخبراء الأمين العام للمنظمة هذا الرأي مشيرين إلى أن الزراعة ستكون أحد العوامل المهمة في تطور الشرق الأقصى الإقتصادي في روسيا. وفي هذا المجال يقول الخبير في معهد الإقتصاد التابع للأكاديمية العلمية الروسية البروفسور باريس خيفِتس “لا شك بإمكانية زراعة الحبوب والخضار وغيرها في هذه المنطقة ويمكن لهذه المحاصيل أن تغير في هيكلة السوق الغذائية في الدول الآسيوية، فإذا أعفيت الصناعات القائمة على هذه المنتجات من بعض الضرائب وخلقت الظروف المناسبة، سيثير الأمر اهتماما كبيرا، وخاصة أن الدول الآسيوية بحاجة للمواد الغذائية، ولا يتوقف ذلك على دول المنظمة بل يتجاوزها إلى دول آسيا الوسطى.”

  1. الخلاصة:

لقد استفادت “روسيا البوتينية” من دروس “روسيا اليلتسينية” التي تصميم على عدم العودة الى الوراء وضرورة بناء استراتيجية (على غرار ما سبق) لتأمين متطلباتها التي ستزيد رويدأ رويداً من تعاظم قوتها. ولا شك بأن السياسات الحالية المتبعة قد اعطت ثمارها في بعض المجالات بشكل ايجابي، وابرز الامثلة على ذلك ما قاله رئيس الوزراء الروسي دميتري مدفيديف في اجتماع مع نوابه في الثالث من شباط/فبراير 2014 من هذه السياسات ادت الى تحقيق نمو سكاني في روسيا عام 2013 والفضل يعود الى انخفاض نسبة الوفيات، مضيفا أن هذا النمو بلغ نحو 23 ألف شخص.من جانبها أشارت نائب رئيس الوزراء أولغا غولوديتس إلى أن انخفاض نسبة الوفيات في روسيا تعود إلى “العمل الكبير الهادف مجال تحديث قطاع الصحة. وعبّر دميتري مدفيديف عن أمله باستمرار نمو السكان في روسيا في السنوات المقبلة.”

 

*باحث في العلاقات الدولية

 

المراجع:

–       وثيقة الامن القومي الروسي للعام 2020؛

–       صوت روسيا؛

–       روسيا اليوم؛

–       انباء موسكو؛

–       ويكيبيديا

وجهات نظر الأكاديميين الصينيين حول التطورات السياسية في مصر

بقلم: د.نادية حلمي*

لعل من الأسباب الرئيسية التي دفعتني لعرض بعض المقالات الأكاديمية لعدد من الكتاب الصينيين حول أهم التغيرات السياسية والاجتماعية التي تشهدها مصر في الفترة الأخيرة، هو رغبة عدد كبير من الزملاء والأساتذة والاعلاميين بل ورجل الشارع المصري البسيط في التعرف على وجهة نظر أخرى تماماً لم يألفها أو يتعرف عليها من قبل ألا وهي “الوجهة الصينية“، فباعتباري خبيرة في الشأن السياسي الصيني ومتمرسة به منذ عدة سنوات فضلاً عن إجادتي للغة الصينية والتي تعلمتها خلال إقامتي في العاصمة الصينية “بكين” للدراسة، لذا رأيت أن أهم جسر للعلاقات بين بلدين هو “نقل وجهتي النظر المتقابلتين“، وبما أنني قد حملت أمانة ومسئولية الكلمة والحرف الذي أنقله من هذا العالم الآخر الذي يسمي “الصين” إلى الرأي العام المصري والعربي، لذا آثرت أن أختار بنفسي وبعناية فائقة أهم المقالات والتقارير الصينية التي عبرت عنا بصدق وعمق بل وحيادية.

 

فهذه المقالات الأكاديمية الصينية، والتقارير التي سأقوم بعرضها ركزت على تطور الوضع السياسي في مصر بدءاً من 30 يونيو وحتى الانتخابات الرئاسية المصرية في 27 مايو 2014. وكل مقال أو تقرير يركز على أحد المتغيرات التي مست الشأن الداخلي المصري في فترة من الفترات، مع اعتراف جميع الكتاب والأكاديميين الصينيين على الدور المصري الذي لا يمكن إنكاره في منطقة “غرب آسيا وشمال أفريقيا“، وهو التعبير الدارج لدي الأكاديميين وصناع القرار الصينيين بديلاً عن مفهوم “الشرق الأوسط“.

 

ونأتي إلى أولي تلك المقالات الأكاديمية لصديقي الصيني الدكتور “دينغ لونغ“، الذي طالما تقابلت معه في لقاءات وبرامج حوارية على قناة “السي سي تي في” الصينية العربية، وهو الآن معاون عميد كلية الاقتصاد والتجارة الخارجية في بكين، ونشر مقاله في صحيفة “الشعب اليومية“، بتاريخ 20 أغسطس 2013، بعنوان: “البلدان النامية يجب أن تشعر بالخطر من فخ الديمقراطية“.

فجاءت أفكار الكاتب “دينغ” كي تعبر عن الأحداث والتغيرات السياسية التي تمر بها مصر، مؤكداً أن “الولادة المبكرة” للديمقراطية تتجاوز مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان النامية، بحيث لا يزال المجتمع في “مرحلة ما قبل الحداثة“، وهي مرحلة من ​​الصعب تحملها.

ويمضي الكاتب الصيني في تحليلاته بأن “الحرب الديمقراطية” في مصر ليست هي القضية. فالعديد من البلدان النامية تحتفظ بقدر من السلطوية حتى بعد انتهاء الأنظمة الاستبدادية بها، خاصة مع فشل نظم الحكم المنتخبة كنظام محمد مرسي في مصر، فمصر تمر الآن بمرحلة انتقالية، متمثلاُ في عدم وجود تنظيم اجتماعي واضح، فضلاً عن انخفاض مستوى المؤسسات السياسية، والنتيجة أن العديد من البلدان النامية ومنها مصر أضحت تعاني من العديد من الاضطرابات السياسية، والتي تقف كحجر عثرة في طريق الديمقراطية. فهذه البلدان النامية ومنها مصر تمر بحالات من التحول الاجتماعي والسياسي، وانتشار حالة من “تسييس المجتمع“، وانغماس العديد من القوى الاجتماعية المختلفة المعنية في لعبة السياسة، وهنا يصبح البديل في مثل هذه الحالات هو أن التدخل العسكري وتدخل رجال الدين في السياسة هو النمط الأكثر شيوعاُ في مثل هذه الحالات. ويري “دينغ لونغ” بأن هاتين الحالتين موجودة في المجتمع المصري الراهن، فبروز جماعة الاخوان المسلمين والقوى الإسلامية الأخرى، أبرز دور الدين كأداة للتعبئة السياسية، وتدخل الجيش المصري في نهاية المطااف لانهاء حكم الاسلاميين لو دليل آخر على صحة هذه النظرية. والأمثلة على ذلك عديدة مثل التدخل العسكري في عام 1960 بعد وقوع أربعة انقلابات عسكرية في تركيا، وإطاحة الجيش بالحكومات الأفريقية المنتخبة ديمقراطياً هو أيضاً نمط شائع.

ويري “دينغ” أن أسباب أزمة الديمقراطية في مصر والبلدان النامية هي: عدم التجانس الاجتماعي، وعدم وضوح الرؤية مما يؤدي في النهاية لبروز “دولة مصطنعة“، والتي تعني أن “الولادة المبكرة” للديمقراطية بها تتجاوز مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان، بحيث لا تزال في المجتمع “مرحلة ما قبل الحداثة” من الصعب تحملها، وتصبح النتيجة في النهاية هي نشوء الحكم الاستبدادي، واندلاع الصراعات العرقية والدينية وغيرها مما يؤثر على عملية التحول الديمقراطي. على سبيل المثال، أصبح الصراع الطائفي في العراق هو النتيجة الحتمية لما يسمي بـ “انفجار الديمقراطية“، في الأمر ينطبق على الصراعات القبلية في كينيا وانتشار القتل والتخلص من الخصوم بسبب لعبة انتخابات. كما أظهرت الانقسامات الاجتماعية الناجمة عن التحول الديمقراطي في مصر عن إثارة الجدل حول العلاقة بين الدولة المدنية (العلمانية) والدينية، نفس الأمر ينطبق على الصراع السياسي المحتدم في تايلاند بين قوى متصارعة على كرسي الحكم.

ويري “دينغ لونغ” بان الديمقراطية هي نظام هندسي، وانتخابات ديمقراطية على مستوى البرامج. كما أن جوهر الديمقراطية ليس فقط “شخص واحد“، ولكن على أساس روح التسامح والتنازل بحيث تصبح هي الثقافة الأساسية.  ولكن الحادث في مصر الآن هو انتشار حالة من مع الروتينية والتسلط السياسي، والافتقار إلى المصالحة السياسية والتسويات السياسية، فأصبحت اللعبة السياسيى محصلتها صفر. ويمضي “دينغ” في توصيف الحالة بأن الجيش في مصر لعب دور “المنقذ” مع تدابير شعبوية لذلك. فالناس في مصر الآن يعتقدون أن السياسة في الشارع هي أكثر فعالية من صناديق الاقتراع، وتمثل ذلك في انخفاض مستوى إقبال الناخبين وتدني معدلات المشاركة السياسية.

ويخلص الكاتب الصيني بأن التحول الديمقراطي في مصر والبلدان النامية يتطلب “فترة إعداد“، بحيث يتم التركيز على التنمية الاقتصادية في هذه المرحلة، وتعزيز القوة الاقتصادية لصالح الديمقراطية والمنظمات الاجتماعية والمجتمع المدني، والتي تهدف في النهاية لإرساء الديمقراطية من الجذور، وذلك حتى لا تذهب هذه البلدان في الاتجاه المعاكس ونحو مزيد من الاضطرابات والقلاقل.

 

بينما يشير الكاتب الصيني “تشنغ مينغ يو” في مقاله المنشور في مجلة “الشرق الأوسط وأفريقيا“، بتاريخ 5 إبريل 2014، لفكرة أخرى، بعنوان: “رئيس مصر القادم… متنكراً في زي مدني“.

 

وتدور فكرة المقال أن ترشح السيسي للرئاسة يأتي كرغبة من المصريين للتخلص من حكم الرئيس المعزول “محمد مرسي” وكرهاً في جماعة الاخوان المسلمين.

 

ويري الكاتب الصيني أن السيسي هو الأصلح لرئاسة مصر حالياً لأنه يحظي بدعم قوي من الجيش والشرطة، فضلاً عن دعم سبعة ملايين من الموظفين والمسؤولين الحكوميين من ذوي النفوذ في الدولة.

 

ويري الكاتب الصيني، أنه من المرجح بأن حوالي 20% من المصريين الذين ربما يكونون قد صوتوا ضد ترشح السيسي في الانتخابات الرئاسية بدلاً مقاطعة الانتخابات، لا يزالون يؤيدون جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من الحملة الشرسة لأجهزة الدولة لدعم ترشحه للرئاسة، يرافقه في هذا الأمر عدد من صفوف الشباب المصري الثائر، الذين يرون السيسي كرمز لهذه “الثورة المضادة” وتراجع لآمال التغيير الكاسح التي أثيرت خلال الأيام العنيفة من الربيع العربي قبل ثلاث سنوات.

ويمضي الكاتب الصيني قائلاً بأن استطلاعات الرأي في مصر لا يمكن الاعتماد عليها بشكل ملاحظ خاصة في الآونة الأخيرة، خاصة تلك التي تشير لارتفاع نسب تأييد السيسي بشكل كبير للغاية، فعلى سبيل المثال وجد أنه في أحد الاستطلاعات في شهر فبراير الماضي لعام 2014 أعلن51٪ ممن شملهم الاستطلاع أنهم سيصوتون لصالحه. انخفض ذلك إلى 39٪ في شهر مارس من نفس العام، بينما أعلن أقل من 1٪ أنهم سيصوتون لصالح أي شخص آخر، وبذلك ارتفعت نسبة المترددين لدعم المرشح السيسي من عدمه، والآن فإن أكثر ما يحرك المصريين هو ميل للنداءات العاطفية القومية، خاصة مع تسليط الضوء على الزي العسكري للمرشح، ويورد الكاتب الصيني مثالاً واضحاً على ذلك بأن المرشح الرئاسي “السيسي” ظهر يبتسم مؤخراً في صورة وهو يقود الدراجة، وذلك في محاولة واضحة منه للفت الانتباه.

 

ويمضي الكاتب الصيني في شرح فكرته بأن كل هذا له بالفعل صدى جيد مع العديد من المصريين الذين يتوقون للاستقرار فوق كل شيء بعد سنوات من الاضطراب، ولكن لا بد أن يصاحبه ذلك أيضاً وقف الزيادة في حدة الفقر في مصر، خاصة مع تراجع الإيرادات وحالة الركود التي يشهدها الاقتصاد المصري. فضلاً عن الانقطاع المتواصل للكهرباء في مصر، وهو الأمر الذي عكسته المؤشرات العالمية “للسعادة” برعاية الأمم المتحدة، والتي وضعت مصر في مقدمة الدول الأقل سعادة في العالم في الوقت الحالي، حيث شهدت مصر أكبر انخفاض في المؤشرات العالمية لنسب “السعادة”، يفوق حتى إفلاس اليونان، بين عامي 2006 و 2012.

ويختتم الكاتب الصيني تصوراته بأن نتائج الانتخابات الرئاسية قد تكرر نمط المنصوص عليها في تصويت شهر يناير 2014، عندما صوت المصريون على الدستور الجديد، والذي أقرته أغلبية محرجة تعدت الـ 98٪، ولكن أظهرت نسبة المشاركة حوالي 38٪ فقط من المجتمع في إشارة لحالة اللامبالاة والاستقطاب التي أضحي يعانيها العديد من المصريين.

 

وحول السياسات المصرية الجديدة بعد ثورة 30 يونيو في مصر، يمضي الكاتب الصيني “تشاو يان” في مقال له على شبكة أنباء “شينخوا” الصينية يوم 14 فبراير 2014، بعنوان: “زيارة السيسي لموسكو يسلط الضوء على الاعتبارات الدبلوماسية المصرية الجديدة“.

 

ويعتقد الكاتب الصيني أن زيارة السيسي لروسيا يكشف عن الاتجاهات الجديدة في سياسة مصر الخارجية بمعني أن: الدبلوماسية التي تسعى إلى تنويع وتسعى إلى الاقتراب من روسيا، للحد من الاعتماد على الولايات المتحدة.

 

   ويري “تشاو يان” بأن مكافأة روسيا للسيسي قد تمثلت في دعم الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” له في انتخابات الرئاسة في مصر. ودلل على ذلك من خلال كلمة “بوتين“: “هذا قرار مسؤول جداً، وأنا بالنيابة عن الشعب الروسي أتمنى لكم التوفيق والنجاح”.

كما أشار الكاتب الصيني لكلمة “بوتين” بأن: “استقرار الوضع في منطقة الشرق الأوسط بأكملها يعتمد إلى حد كبير على استقرار مصر، كما أعتقد أنك قادر على ذلك، بحكم التجربة الخاصة بك لحشد المؤيدين، وضبط العلاقة بين مختلف قطاعات المجتمع المصري”.

 

   ويري الكاتب الصيني أن التعاون العسكري المصري الروسي قد سبب قلقاً لأطراف أخري، خاصة مع اتفاق الجانبان على تعزيز التعاون في المجالات العسكرية والفنية، وانتشار الأخبار الساخنة حول عقود الأسلحة الروسية التي قد وصلت إلى مصر.

 

ويحلل الكاتب الصيني ذلك بأن رغبة مصر في السعي إلى “تنويع الدبلوماسية“، بدلاً ن سياسة الالتزام على المدى الطويل المؤيدة للولايات المتحدة، والتي كانت حتى وقت قصير “حليف قوي” لمصر. في المقابل، فأن الولايات المتحدة تقدم سنوياً مساعدات كبيرة لمصر لتوفير الدبابات والطائرات والمروحيات والصواريخ وغيرها من الأسلحة. وبعد خروج الرئيس المعزول “محمد مرسي” من الرئاسة في شهر يوليو 2013، أعلنت الولايات المتحدة تعليق جزء من المعونة العسكرية المصرية. وبالتالي زاد هذا من توتر العلاقات المصرية الأمريكية.

 

وهنا يعتقد الكاتب الصيني بأن زيارة “السيسي” لروسيا يمثل اتجاهاً جديداً في السياسة الخارجية لمصر، وهي إلى حد ما، نفور من الولايات المتحدة، وتحولت إلى روسيا طلباً للمساعدة، ولكن هذا لا يعني أن روسيا قد اكتسبت حليف استراتيجي جديد. ويؤكد الكاتب الصيني في مقاله أن زيارة السيسي قد تكون “ليست ضد أي طرف، ولكن لتنويع سياسة مصر الخارجية في إقامة شراكات”.

 

ويعتقد “تشاو يان” أن مصطلح “السياسات الموالية للولايات المتحدة” تعوق التنمية في مصر، لذا تأتي أهمية الزيارة في بحث الحكومة المصرية عن سياسة خارجية أكثر توازناً،

نفس الأمر ينطبق على روسيا في كسب حليف جديد لها، فمصر لها أهمية استراتيجية هامة نظراً لوقوعها في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، وتطوير العلاقات الروسية مع مصر يعني أن نفوذها في الشرق الأوسط سيشهد مزيد من التوسع. كما يتوقع الكاتب الصيني أن سياسة مصر الخارجية ستكون أكثر مرونة في الفترة المقبلة، وسيتم تطوير العلاقات بين مصر وعدد من القوى الأخري بسرعة، وسوف يعزز ذلك إلى حد كبير مستوى التعاون بين مصر وغيرها من الأطراف الدولية الأخرى.

أما عن الحدث الأكبر، والمتمثل في الانتخابات الرئاسية المصرية الحالية، فلقد تبارت أقلام وتقاربر الكتاب والأكاديميين الصينيين لتفسير وتحليل ما تم خلالها. وفي مقال منشور لوكالة أنباء “شينخوا” للكاتب الصيني “هان تشنغ لي” في 29 مايو 2014، بعنوان: “تمديد الانتخابات الرئاسية المصرية يوماً يطرح تساؤلات؟”.

 

وهنا يشير الكاتب الصيني لتمديد موعد الانتخابات الرئاسية إلى يوم آخر، من أجل السماح للمزيد من الناخبين للمشاركة في التصويت. وهو ما يطرح علامات استفهام كثيرة وتساؤلات عند الكاتب الصيني، خاصة وأن الانتخابات كانت بين اثنين مرشحين فقط. متناقضاً بذلك مع القرارات السابقة للجنة الانتخابات العليا بأن الانتخابات ستجري فقط على مدار يومين.

 

ويبرز الكاتب “هان تشنغ لي” تصاعد الكثير من الاحتجاجات الصغيرة من قبل جماعة الاخوان المسلمين للتشكيك في مدى نزاهة وشفافية الانتخابات الرئاسية.

 

ويعطي الكاتب الصيني بعض التفسيرات لتمديد الانتخابات ليوم آخر، وهو ما يشير إلى تفسيران. أولاً، بالنظر إلى الطقس الحار في يوم الاقتراع نهاراً لكثير من الناخبين وتركز التصويت ليلاً، مما أدى إلى مزيد من الضغط للتصويت في المرحلة النهائية من العمل. ثانياً، التمديد لتسهيل عودة المغتربين والوافدين إلى ديارهم وإمهالهم يوماً آخر للتصويت بعد العودة.

كما أن ضعف إقبال الناخبين على التصويت في اليومين الأولين أدي لاتخاذ مثل هذا القرار بمد التصويت ليوم آخر.

 

بل ويعطي الكاتب الصيني تفسير آخر لفترة المد، بأنه قد لا يفضي إلى الحفاظ على انتخابات نزيهة، ويؤدي حتماً إلى تمديد اليوم للمرشح الذين كسب المزيد من الأصوات لخلق أغلبية أصوات مريحة له. بل ويذهب الكاتب الصيني إلى القول بأن التمديد يؤدي لتعزيز الاعتراف بالانتخابات الرئاسية والمرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر من خلال تشجيع التصويت.

 

ويعقد الكاتب الصيني مقارنة بين نسبة المشاركة الانتخابية العامة في هذه الانتخابات بـ 37٪. إذا نظرنا إلى الوراء بعد تنحي مبارك، بحوالي 50٪ من الناخبين على التصويت في انتخابات 2012 الرئاسية، نفس الأمر حدث في الاقبال على الاستفتاء على دستور جديد في وقت مبكر بنسبة ضعيفة هي 38.6 في المائة.

ويخلص الكاتب الصيني إلى القول بأن التمديد كان هدفه فقط السعي إلى حضور جماهيري أعلى، لتوحيد الشعب، وتعزيز الاعتراف العام بخريطة الطريق، ولرئيس الجديد والفترة الانتقالية، وكذلك المشاركة في خطة سياسية لإعادة الإعمار في البلاد.

 

 

وفي تقرير آخر نشره الموقع الصيني “جين فو زي” “Jin Fu Zi” بتاريخ 29 مايو 2014، بعنوان: “لقد انتهت الانتخابات الرئاسية المصرية“.

 

فلقد ذكر هذا الموقع بعض التحليلات بشأن مسار ومجري الانتخابات الرئاسية في مصر، ومنها: أن هذه الانتخابات كانت تجري في ظل وضع سياسي غير مستقر في البلاد، كما أن نسبة المشاركة ليست عالية، والاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية هما قضيتان رئيسيتان تواجهان أي رئيس آخر قادم لمصر.

 

كما أكد الموقع الصيني حرص الحكومة المصرية على تأمين هذه الانتخابات من خلال نشر أكثر من 432،000 جندي وشرطي لحماية سلامة المواطنين، فضلاً عن تواجد عدد كبير من المراقبين لمراقبة الانتخابات.

 

وأشار الموقع لمظاهرات الاخوان المسلمين لمحاولة عرقلة سلامة وعملية التصويت من خلال مسيرات مناهضة للانتخابات الرئاسية، وترديد شعارات ضد الجيش، وإحباط الناخبين، ولكن الشرطة سيطرت على الوضع بسرعة، كما نجحت أجهزة الأمن المصرية في تفكيك ثماني قنابل محلية الصنع بنجاح، كما أشار الموقع للانفجار الصغير الذي حدث أمام كنيسة شمال العاصمة القاهرة، مما أدى إلى إصابة شخص واحد.

 

بالإضافة إلى ذلك، رصد الموقع الصيني عدداً من “المخالفات” خلال الانتخابات. منها: تدخل أعضاء فريق حملة السيسي لتوجيه الناخبين أمام مراكز الاقتراع، فضلاً عن عدم الالتزام بفترة الصمت الانتخابي، ورصد الموقع مظاهر توزيع بعض المنشورات الانتخابية وبعض مظاهر الفرح أمام اللجان الانتخابية للناخبين من خلال ترديد بعض الأغاني العسكرية.

 

 

بينما رصد الموقع الصيني أنه بالمقارنة مع الانتخابات الرئاسية لعام 2012 في مصر، فإنه وهذه المرة الناخبين عموماً أكثر هدوءاً وعقلانية، كما أن تحقيق الاستقرار الاجتماعي وتعزيز التنمية الاقتصادية هي القضايا الأكثر قلقاً. وأشار الموقع إلى بيانات وكالة الإحصاءات الحكومية بأن معدل البطالة في مصر ارتفع إلى حوالي 13.4٪ حالياً، وحوالي 40٪ من الناس ينفقون أقل من 2 دولار يومياً، وبالتالي فأن حياة وسبل العيش تصبح أولوية قصوى بالنسبة للمواطنين.

 

وفي تقارير أخري رصدها الموقع للناخبين المصريين فأنه أشار إلى تزايد نسبة الاقبال على التصويت للسيسي لأنه الوحيد الذي لديه القدرة على استعادة الاستقرار في البلد بعد “أكثر من ثلاث سنوات من الاضطرابات السياسية التي لحقت بالاقتصاد المصري، خاصة صناعة السياحة كدعامة للتأثير في الاقتصاد الوطني”.

 

بينما أشار الموقع لرؤية بعض المواطنين الذين صوتوا للمرشح المنافس “حمدين صباحي” بأنه لا ينبغي أن ندع الناس الذين لديهم خلفية عسكرية رئيساً، دور الجيش هو الدفاع عن البلاد، وعدم التدخل في السياسة من أجل مستقبل مصر، ينبغي أن تصبح البلاد ديمقراطية وإقرار سيادة القانون.

 

ويرصد الموقع بأن نسب الاقبال على الانتخابات ليست عالية، مشيراً إلى أنه قبل يومين فقط من إقبال الناخبين بأكثر من 21 مليون ناخب، وهو ما يمثل 40٪ من أكثر من 53900000 من الناخبين المؤهلين. ولكن مراسل الموقع لاحظ أنه على الصعيد المحلي فأن إقبال الناخبين في هذه الانتخابات الرئاسية ليست عالية، حتى في العاصمة المكتظة بالسكان في القاهرة، والعديد من مراكز الاقتراع الفارغة. بالإضافة إلى ذلك، يصوت معظمهم من كبار السن والنساء، والشباب ليسوا متحمسين للتصويت.

 

ولذلك، ولتشجيع المزيد من الناس على التصويت، أعلنت الحكومة المصرية المؤقتة حالة الطوارئ على التصوي يوم 26 مايو، وفي اليوم التالي 27 مايو، باعتباره عطلة رسمية، ثم أعلنت اللجنة العليا للانتخابات في مصر أن وقت التصويت تمتد إلى 28 مايو.

 

لهذه الظاهرة، يضع الموقع خمسة أسباب رئيسية لتمديد فترة التصويت: أولاً، من منظور تاريخي، فأن الاستفتاء على الدستور في مصر، والانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية، ونسبة التصويت ليست عالية، حتى بعد ثلاث سنوات من ثورة 25 يناير شهدت خلالها العديد من الاستفتاء والانتخابات العامة، ونسبة المشاركة لم تكن تتعدي نسبة الـ 50٪ ، وثانياً، لاعطاء الفرصة لحشد أكبر عدد من الأصوات للسيسي ودفع الناخبين وحثهم على الادلاء بأصواتهم، وثالثاً، تم استبعاد الإخوان المسلمين والقوى الدينية الأخرى تماماً، مما دفع بأنصارهم إلى مقاطعة الانتخابات؛ ورابعاً، أنه وبعد مرور ما يقرب من عام من عزل الرئيس السابق “مرسي“، فإنه لم يتحسن الوضع الاقتصادي في مصر، لا يزال هناك بطالة بين الشباب على مستوى عال، الأمر الذي يجعل موقف السيسي في قلوب الشباب قد انخفض؛ وخامساً، تأثرت فترة التصويت في مصر بالطقس الحار الذي ضرب البلاد مما أدي لتراجع الحماسة للتصويت.

 

وبذلك نخلص، ومن خلال التحليلات الصينية السابقة، بأن مصر دولة كبيرة ذات ثقل في المجال الدولي، وتتركز أنظار المجتمع الدولي بأسره على التجربة المصرية، كما أن الصين ومما هو معروف عنها بانتهاجها سياسة “عدم التدخل في الشأن الداخلي“، فإنها قد تبنت سياسة “الانتظار“، وعدم الادلاء بأي تصريحات قد تثير طرف ضد الآخر، وهو ما أفرزته معظم تحليلات الكتاب الصينيين والاتفاق على أن الثورة الحقيقية ليست بتعدد هباتها ورموزها، ولكن بما أفرزته من تغييرات في الثقافة السياسية السائدة وفي منظومة القيم المجتمعية اللتين تعكسهما الأوزان النسبية لقوى الثورة في الشارع.

 

*خبيرة في الشؤون السياسية الصينية مدرس العلوم السياسية – كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية/ جامعة بني سويف- مدير وحدة دراسات جنوب وشرق آسيا

الكيان الإسرائيلي يتخوف من تطور قدرات المقاومة بعد حرب تموز 2006

تقرير خاص – بيروت – لبنان

شهد العام 2000 الحدث الأهم بالنسبة للبنان حينذاك، وهو انتصار المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله، وتحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، تلاه الانتصار الثاني للمقاومة في تموز/ يوليو 2006، والذي جاء مدوياً أكثر من سابقه على المستويين الإقليمي والدولي، وقد تناولت وسائل الإعلام ومعاهد الدراسات الإسرائيلية تلك الحرب على أكثر من صعيد، وطرحت العديد من التقارير والمعالجات والرؤى التي عبّرت عن الجدل الذي دار في الداخل الإسرائيلي أيام حرب تموز/يوليو حول القضايا الأساسية آنذاك، وحول مرحلة “ما بعد الحرب” وتطور قدرات المقاومة وسلاحها.

ومن أهم تلك المراكز كان مركز “يافي” للدراسات الاستراتيجية، الذي يعد من أهم مراكز الدراسات الاستراتيجية في إسرائيل، تأسس عام 1977 تحت اسم “معهد الدراسات الاستراتيجية” بناءً على مبادرة قدمتها جامعة تل أبيب، وفي عام 1983 أطلق عليه اسمه الحالي وضم عدد من الباحثين الإسرائيليين والأجانب.

المقاومة اللبنانية التي ولدت بعد مرحلة من الفوضى المسلّحة إبان الحرب الأهلية والوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، ضمت أعداداً كبيرة من الشباب الذين نذروا أنفسهم للجهاد والشهادة. وقد نجحت المقاومة في التحوّل إلى ظاهرة راسخة، اعترف بها العدو في “تفاهم نيسان” عام 1996، وكانت العقيدة الراسخة للمقاومين والإحتضان الشعبي لهم من أهم عوامل الانتصار في تلك الحرب، وهي العوامل التي كانت ولاتزال حتى اليوم أساس انتصارات المقاومة اللبنانية وصمودها.

حرب تموز

مما لاشك فيه أن تلك الحرب كانت غير تقليدية وكانت المرة الأولى التي تخوض فيها إسرائيل حرباً ضد “مجموعة من المقاومين” أو ما هو أشبه “بحرب العصابات” – على حد تعبيرهم – وليس حرباً كلاسيكية ضد جيش دولة كما هو المعتاد.

أظهرت حرب تموز قصور الجهاز العسكري الإسرائيلي، على عكس ما كانت اسرائيل تروّج له (نظام القبة الحديدية). كما أظهرت نقص التخطيط للمواجهات المحتملة، وقصور تجهيز الجيش بالعتاد الحربي خاصة قوات الاحتياط، وإخفاقات الجانب الاستخباري أيضاً. عدا عن الفشل الذريع للحكومة الاسرائيلية على الصعيد الداخلي وانتشار “فوبيا حزب الله” في الأوساط الاجتماعية الاسرائيلية.

التطور النوعي والفضيحة المدوية للمنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، كان طائرة “أيوب” من دون طيار، التي عجزت كل تلك المنظومات عن كشف أمرها واستمرت في تحليقها وصولاً إلى أماكن حساسة في إسرائيل.

شكلت طائرة “أيوب” عملاً نوعياً جديداً في وجه اسرائيل وطموحاتها العدوانية وتركت أجهزة استخباراتها حائرة عن هوية مطلق هذه الطائرة لفترة ليست بالقصيرة، لتكشف بعدها عن الفضيحة الأمنية لأجهزة العدو في عدم اكتشاف الطائرة ومنع وصولها إلى أماكن استراتيجية ومنشآت مهمة في إسرائيل.

وبعد مضي ما يقارب الــ8 سنوات على حرب تموز، ومشاركة حزب الله في الحرب الدائرة على الأرض السورية، أعلنت إسرائيل أكثر من مرة على لسان مسؤوليها تخوفها من تطور القدرات العسكرية للمقاومة وتأثير ذلك على مستقبل المواجهة الحتمية مع حزب الله، حيث أن القلق الإسرائيلي في هذا السياق مرتبط بما تلمسته القيادة العسكرية الإسرائيلية خلال المواجهات مع الحزب في حرب 2006 من نجاح مقاتلي الحزب في الحد من تقليل كفاءة الكاميرات الحرارية الموجودة في دبابة الميركافا وفي المواقع الإسرائيلية على الحدود. فقد أدى هذا «الاجراء» المبهم من قبل مقاتلي الحزب الى تشتيت الرؤية الحرارية عن المقاتلين الذين يحملون صواريخ مضادة للدبابات، ولم يتم اكتشاف 75% من هؤلاء في جميع الاتجاهات، إذ تمكنوا من التخفي بشكل جيد على بعد يتراوح بين 50 و500 متر.

واليوم يرسل الحزب اشارات واضحة لمن يعنيهم الأمر أنه لا يزال يطور نفسه تقنياً ويستعد لخوض مواجهات تقنية معقدة في المستقبل، وما تخشاه إسرائيل جدياً هو امتلاك الحزب الجيل الأخير من تلك الأسلحة، حيث تستخدم فيها نظرية «إضرب وانسَ» حيث يتولى السلاح المستخدم التفتيش عن الأهداف معتمداً على بصمتها الحرارية. وعند استخدام هذه التقنية في أسلحة الضرب غير المباشر، مثل مدافع الهاون، فإن عملية الانقضاض من أعلى تكون ذات تأثير قاتل للهدف، حيث توجد أقل مناطق الهدف تدريعاً، وأكثرها تعرضاً للخطر الخارجي.

السؤال هو: هل وصلت تلك الأسلحة الى حزب الله أم أنها ستصل؟ من هنا يمكن فهم إصرار إسرائيل على المستمر على عدم إدخال الأسلحة “الكاسرة للتوازن” الى الحزب، وبالطبع ستبقى «المفاجآت» واحدة من أسرار نجاح المقاومة في أي حرب مقبلة مع الكيان الغاصب.

 

هل يريد السوريون القتال حتى النصر، أم يريدون وقف إطلاق النار؟

بقلم: جميس ماكمايكل – موقع Syria Comment

Reuters
Reuters

أظهرت نتائج استطلاع للرأي، أجري حديثًا، تباينًا كبيرًا بين آراء المَدنيّين السوريين وآراء المقاتلين الثائرين على النظام؛ في ما يخصّ الحرب الدائرة حاليًّا والمستقبل السياسي لسوريا. ببساطة؛ يريد المدنيّون سلامًا تنتجه مفاوضات، في أسرع وقت ممكن؛ فيما يعزم المقاتلون الثائرون على القتال حتى تحقيق النصر العسكريّ. كذلك بعدُ؛ يريد المدنيّون حكومة، بعد الحرب، تكون محدودة التأثير الديني؛ فيما يريد المقاتلون الثوّار حكومة يسودها الحيّز الديني، بعد الحرب. وتتناقض نتائج الحرب مع بعض النظريات القائمة حاليًّا، حيال طبيعة وأسباب هذه الحرب. أجرى ثلاثة باحثينَ، هم فيرا ميرانوفا ولُبنى مْرِي وَسَامْ وِتْ، استطلاعًا لرأي مدنيّين وثوّار يعيشون في مناطق تسيطر عليها القوى الثائرة، في حلب، خلال آب/أيلول 2013، وفي إدلب، خلال تشرين الثاني/كانون الأوّل 2013.

 
طلِب من مدنيّين ومقاتلين ثوّار اختيار الأفضل من مجموعة خيارات بالنسبة إلى مفاوضة أو مقاتلة رئيس النظام الحاكم بشار الأسد. أغلبية ساحقة من المقاتلين الثوّار، تمثّلت بـ 89.29% اختارت “الاستمرار في القتال حتى هزيمة الأسد”، لكن 36.36% فقط كانت نسبة المدنيّين الذين فضّلوا هذا الخيار. وعلى العكس من ذلك؛ فقد فضّل 45.45% من المدنيّين خيار “وقف فوريّ لإطلاق النار للبدء بالمفاوضات”، فيما بالكاد نسبة 3.57% من المقاتلين الثوّار فضّلت هذا الخيار. إذا تسنّى للـ”مدنيّين” التمثيل في مفاوضات للسلام، فربّما سيتمّ المضيّ بغير “جنيف 2” في هذا السياق. ومهما يكن؛ فإنه فيما تلقى آراء المقاتلينَ الثوّار والمعارَضة الخارجية اهتمامًا من الغَرْب وحكوماتِ الخليج العربي، لا يبدو أنَّ آراء المدنيّين السوريّين تلقى اهتمام أحد خارج سوريا.
وقد سُئل المدنيّون والمقاتلون الثوّار عن حجم الدور الذي ينبغي أن يؤدّيه الدِّين في الحقل السياسي في سوريا في المستقبل. فمن بين المدنيّين؛ نسبة لا تطال شيئًا من الأغلبية، هي 39.3%، فضّلت دورًا مهمًّا جدًّا يؤدّيه الدِّين؛ ونسبة 22.2% فضّلت دورًا للدِّين لا يكون ذا أهمية كبيرة، ونسبة 6.2% فضّلت ألّا يكون أيّ دور للدِّين في الحقل السياسي في سوريا في المستقبل. ومن بين المقاتلين الثوّار؛ فضّلت نسبة 53.3%، بأغلبية واضحة، أن يكون للدين دور ذو أهمية كبيرة، فيما فضّلت نسبة 13.3% فقط منهم دورًا للدّين لا يكون ذا أهمية كبيرة، ولا أحد من المقاتلينَ الثوّار فضّل ألّا يكون اي دور للدِّين في الحقل السياسي في سوريا في المستقبل. وتبيّن أنه، إذا حدّد المدنيّون طبيعة الحكومة ما بعد الحرب، فيُحتمل أن يكون توازنٌ بين الدين والعلمانية في الحكومة. وبخلاف ذلك؛ إذ كان للمقاتلينَ الثوّار تحديدُ طبيعة تلك الحكومة، فيبدو أنَّ الدولة الدينية هي التي ستكون مطروحة.

 
يبدو أن الرأي القائل إن الحرب هذه هي ثورة سياسية، هو غير صحيح. فقد سئِل المقاتلون الثوّار عن السبب الرئيس لانضمامهم إلى المجموعات الثائرة. 46.3% قالوا إنَّ السبب هو الثأر من الرئيس الأسد، و18.5% قالوا إنه تقديم الدعم للمجموعة الثائرة، و13% قالوا إنه الدفاع عن بلدتهم، و11.1% قالوا إنه إلحاق الهزيمة بالرئيس الأسد. إذن؛ بأغلبية 57.4% تريد محاربة الأسد، و18.5% فقط يقاتلون لتحقيق أهداف مجموعاتهم الثائرة؛ نرى المقاتلين الثوّار مهتمّينَ بمحاربة الطَّرَفِ الذي يحاربونه، لكن غير مهتمّينَ بالهدف المنشود المُفتَرَضِ من قتالهم. هذا يشير إلى أنَّ الحربَ الدائرة ليست ثورةً ترنو إلى تحقيق نظام سياسي جديد، لكن هي حرب أهلية مرتكِزة على نَزَعَاتِ الهُويّة الشخصية على؛ غرار نموذج “بيافرا” (الانفصالي في نيجيريا) وآيرلندا الشمالية والعراق (الماضي والحاضر).

 
وقد قدِّمت تفاسيرُ تَصف نشوءَ الحراك الذي بدأ – في سوريا – في 2011، إلى جانب تقليد نموذج “الربيع العربي” البادي في بلدان أخرى؛ بأن الأسباب هي الحرمان الاقتصادي المتأتّي من الاقتصاد المتردّي، ومعدّل الولادة المرتفع، والقطاع العام المزدحِم حتى الخنْق، والقحط المستمرّ لسنوات. تدحض نتائج الاستطلاع هذه الفرضية. لقد طلب الاستطلاعُ من المقاتلينَ الثوّار تحديد مِهَنِهِم قبل نشوء الحراك (الحرب)؛ فتبيّن أنَّ 35.59% منهم كانوا طلابًا (في طور التحصيل العلمي)، و27.12% كانوا محترفينَ في مِهَنٍ شتّى، و13.56% كانوا عاطلينَ من العمل. ولم يشغل المحرومون اقتصاديًّا المراتِبَ العسكرية المتقدمّة، في المجموعات الثائرة المقاتِلة (وهذا دليل على غياب عنصر السببية الاقتصادية في نشوء الحراك ضدّ النظام الحاكم في سوريا).

 
وقد ذكرت نتائج الاستطلاع معلوماتٍ معمّقةً حول الآثار الاجتماعية للحرب؛ تتمثّل في كوارثَ جسديًّا وإنسانيًّا واقتصاديًّا ونفسيًّا. وهذا كلُّه يفسّر تفضيلَ المدنيّين لخيارٍ سريع بالتفاوض السلميّ لإنهاء القتال، وتجنّب الاستمرار في الحرب “حتى الانتصار”. ولَيت وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظرائه في أوروبا والخليج العربيّ يَعُونَ ويفهمونَ مدى قابليّة التوصّل للسلام، في حال تجاوزوا المجموعات الثائرة والمعارَضة الخارجية، وأفسحوا المجالَ للمدنيّين السوريّين ليُصبحوا “الممثلَ الشرعيَّ الوحيدَ” للسوريّين (لأنفسهم…). لكن؛ لا شيء من هذا القبيل يبدو مطروحًا في الأجندة الديبلوماسية!

 
كان ثمة بعضُ العوائق التي لم يُسعفِ الباحثين أثناء إجراء استطلاع الرأي؛ فقد حالت الهواجس الأمنية دون استطاعة فريق الباحثين تنفيذ بعض الأساليب العلميّة في أخذ العيّنات، كما أنه كان نطاق إجراء الاستطلاع محدودًا جغرافيًّا (ولم يغطِّ كامل مساحة سوريا)، إضافة إلى أن حجم العيّنة التي تمّ استطلاعُها هو 150 شخصًا فقط. أخيرًا؛ لم يتمّ تحديد هامش الخطأ المتوقّع، الكائن في الاستطلاع. على كل حال؛ هذا لا يلغي كون الاستطلاع المقدَّم يساعد، إلى حدّ مُعتَـبَرٍ، على فهم طبيعة الحرب وإمكانات السلام والأشكال المحتمَلة لحكومة ما بعد الحرب. ثمّة ثلاث دراسات، الآن، آخذة في تحليل نتائج هذا الاستطلاع؛ وخلاصاتُها ستكون، بالتأكيد، قيّمةً بالنسبة إلى من يريدون فهم سوريا.