قراءة في أفكار عبد الكريم سروش

نادين الطفيلي

ملخص:
يقول المفكر الإيراني عبد الكريم سروش : ” لا التشيّع هو الاسلام الخالص ، ولا التسنن ، ولا الأشعرية هي الحق المطلق ، ولا الإعتزال ، لا الفقه المالكي ، ولا الفقه الجعفري ، ولا تفسير الفخر الرازي ولا تفسير الطبطبائي ، لا الزيدية ، ولا الوهابية ، لا كافة المسلمين في معرفة الله وعبادته خالون من الشرك، ولا قاطبة المسيحيين إدراكهم الديني خالٍ منه ، كلا بل لقد ملأت الدنيا الهويات غير الخالصة ، فلم يتربع الحق في جهة من الجهات دون أخرى لتكون باطلاً محضاً ، وعندما نذعن لهذا الأمر فسوف يتسنى لنا هضم الكثرة بشكل أفضل”.

مقدمة

شهد العالم الإسلامي منذ مطلع القرن التاسع عشر ، حركات إصلاح وإحياء ونهوض ، تسارعت وتائرها إلى النصف الثاني من القرن العشرين ، ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا . ومن المتفق عليه بين المؤرخين ، أن تاريخ الشعوب العربية والإسلامية في القرنين الأخيرين ، هو تاريخ مشروع تحديثي شامل ، لكنه مشروع لم يكتمل بعد ، اذ لا تزال أخطر مشكلة تواجه العرب والمسلمين هي مشكلة دخول العصر بكل ما للكلمة من معنى ، ورغم إنخراط المجتمعات العربية والاسلامية – بدرجات متفاوتة – في مخاض الحداثة ، واستفادتها من بعض مكتسباتها المادية ، والتقنية والفنية ، إلا أنها لم تفلح بعد في تشكيل المجتمع والدولة الحديثين ، لأن الحداثة ليست قراراً يتخذ فتكون ، أو جملة تدابيروتعديلات بسيطة ، إنما هي أساساً فعل تاريخي ، يتم خلاله نزع تأثيرات الإرث التقليدي عن الفرد والمجتمع . والتحديث يترافق مع سلسلة حالات من التحرر تكون عادة مكلفة وخطرة .
ليس شيئاً من باب الاكتشاف العظيم أن يُقال إن فكرة الحداثة وُلِدَت في التاريخ العربي الحديث في ركاب زحفٍ سياسيٍ ، وعسكريٍ أوروبي ، امتدّ زماناً من غزوة نابوليون بونابارت لمصر ، في خواتيم القرن الثامن عشر . فأجمع المفكرون المسلمون بعد هذه الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 ، على إعادة قراءة التراث الاسلامي . فالإسلام عندهم لا يُشخَّص بما هو نظام جامد مغلق ، ذو جسم فيزيقي آلي ، لا يقبل أي تغيير أو تطور ، وإنما هو نظام حي يستجيب بمرونة لتعاقب الأزمنة وتحوّلها ، ويتقبّل أحكام الخبرات والتجارب والأحداث الزمنية ، أي انه قابل لتطورات تدريجية ، وللحظات تتقدّم به في الزمان والمكان ، وتنخرط في حركة العالم. كانت مقاصد مفكّري الاسلام “تقدمية” ، “تجديدية” ، “تحديثية” ، تتردد بين حركة دينية اصلاحية مثلما فعل الأفغاني ومحمد عبده ؛ وحركة تحديثية ” شبه علمانية ” ، مثلما فعل قاسم أمين وعلي عبد الرزاق ، والطاهر الحداد … فارتبطت كتاباتهم ودوافعهم منذ ما دعي بالنهضة العربية ، بمقياس الغرب – تقدمه وتأخرنا ، عقلانيته وغيبياتنا ، علمه وجهلنا- . وعلى الرغم من مرور قرنين من الزمن على الإرهاصات الأولى للفكر الاسلامي الحديث ، لا تزال مسألة إعادة قراءة التراث الديني مطروحة وبحدةٍ في جميع أنحاء العالم الاسلامي .
ومن ضمن الفضاءات الاجتماعية التي مرّت بهذا الهاجس الفكري ، الفضاء الإيراني ، بما امتاز به من سمات اجتماعية وسياسية جعلته يعيش صراعاً ثقافياً مختلفاً عن غيره من جهة الخصوصية المذهبية ، والتمايز الحضاري ، واختلاف نمط الشخصية الايرانية .
فبعد قيام التغيير السياسي عام 1979 ، المتمثّل بالثورة الإسلامية ، التي كانت حدثاً متميزاً في تاريخ القرن العشرين ، حيث أطاحت رمزاً عتيداً للقوة الإقليمية وهو الشاه محمد رضا بهلوي ، وحوّلت ايران من نظام ملكي ، لتصبح جمهورية اسلامية عن طريق الاستفتاء بقيادة روح الله الخميني . لكن لم تكتفِ الثورة باستبدال حاكم بآخر فحسب ، بل ثبّتت مكانه فكرة ، أو نظرية ما زالت تحكُمّ حتى اليوم في ايران . هذه النظرية هي ، “ولاية الفقيه” ، التي تطغى على واقع ايران السياسي وعلى المنطقة منذ صعودها وحتى اليوم ؛ على الرغم أن العديد من الأنظمة انقلبت ، وتغيّر شكل المنطقة العربية الاسلامية من المغرب حتى اندونيسيا ، وتبخّر النظام العراقي وقبله طالبان بفعل الآلة العسكرية الأميركية ، وأعادت أنظمة عديدة النظر في أولوياتها وتحالفاتها الخارجية ، ولكن ايران تحت حكم ولاية الفقيه لم تنقلب حتى الآن .على الرغم من دخول هذا النموذج في صراعات متعددة منها عسكرية وأخرى سياسية ، لتمهّد هذه الصراعات الطريق أمام النخب الثقافية الايرانية لتأسيس صراعها الفكري مع هذا النموذج وبناء مفاهيم فكرية جديدة .

sorouch2مقدمة

ضمن هذا البحث ، تندرج الأفكار التي قدّمها – ولا يزال – المفكر الإيراني “عبد الكريم سروش”، الذي عاش التجربتين الفارسية والغربية ، والذي واصل بجرأته ، ولغته الممزوجة بشعر جلال الدين الرومي، وجمعه بين موروث الفكر الإسلامي ومستجدّ الفكر الغربي ، التنظير في حقل المعرفة الدينية ، فامتاز جهده بشيء من الخصوصية لكونه يتحرر من قيد مذهبيته لينفتح على فضاء التجربة الإنسانية بتنوعها، والوصول إلى ما وصلت إليه الدول المتقدمة ، ليس بالتخلي عن الدين ، وإنما بفهمه له بشكل جديد ليواكب العصر وتطوراته ليصل بالإنسان إلى بر الأمان في الدنيا والآخرة .
فتناول اشكالية نهضوية ، تنبع من رؤيته للواقع غير المتقدّم الذي تعيشه المجتمعات الاسلامية ، ساعياً الى تجديد وتنشيط وتحديث الفكر الإسلامي عموماً والإيراني خصوصاً ، وجعله مسايراً لما يقتضيه العصر من حداثة فكرية ، من خلال بلورة تصوّر لفهم جديد للدين ، يتناسب مع تطور العلوم ، و مقتضيات العصر ، ومع الحداثة ، التي قضت أزيد من ثلاثة قرون في التبلور والتشكّل هناك على الضفة الأخرى من البحر المتوسط دون أن يشارك فيها العقل الاسلامي . فمنطلقه ديني محض ، ولم يكن ضد الدين . لكن التديّن هو المتحوّل التاريخي الذي يمكن النظر اليه وصولا الى الأصل . فالدين ثابت لكنّ التديّن متحوّل ، لذلك رؤية “سروش” للدين تاريخية وليست تأويلية جديدة ، أو بعبارة أخرى الانتقال الى حدود راهنية الدين ، وكيف يكون الدين معاصراً ؟ وهل التديّن بصيغته التقليدية الذي تعيشه المجتمعات الاسلامية ، هو العائق لها في مواكبة العصر ، وتطور العلوم والمعارف ، والمانع لحركة اندراجها بمسارات الحداثة الثقافية والمادية ؟ وهل يمكن للمقاربة المنهجية والفلسفية التي اقترحها “سروش” لفهم الدين ، ان تُشَكّل صراطًا يواكب تطور العلوم ما قد يُحدث قطيعة عن المنظومة التقليدية ويُدخل الاسلام في مسار الحداثة ؟

قراءة جديدة للنص الديني

يدعو سروش إلى قراءة جديدة للنصوص الدينية ، قراءة مختلفة منهجياً من حيث الأغراض والدوافع عن القراءة الموروثة . وأبرز ما يميَز القراءة المقترحة، خروجها عن إطار الفهم التقليدي للدين ، الذي يعتبر الفقه محور التديَن ، أو تجسيده في الحياة العامة . فالفقه هو أحد أجزاء الدين ، والدين أوسع من أن ينحصر في حدوده.
إن أهم أثر لسروش حول الدين والمعرفة الدينية جاء في ثلاث كتب :
القبض والبسط في الشريعة” ، “بسط التجربة النبوية” ، “والصراطات المستقيمة“، القبض والبسط والتجربة النبوية نظريتان إحداهما مكملة للأخرى ، تهدفان إلى غاية إصلاحية غرضها الجمع بين نقاء الدين وبين تأثيره وقدرته ، في محاولة للجمع بين التراث والتجديد لإيجاد حلٍّ لعصرنة الدين .

ان نظرية القبض والبسط تنظر إلى المعرفة الدينية كواحدة من المعارف البشرية ، فهي كأي معرفة ، حصيلة جهد البشر وتأملهم ، وهي دائماً مزيج من الآراء الظنية واليقنية ، ومن الحق والباطل ، ولا مجال لإنكار تطور هذه المجموعة وتكاملها .هذه النظرية لا تقول إن الوحي الذي أتى به الأنبياء يكمًله البشر ، إنما تقول إن فهم البشر لمفاد الوحي يتطوَر . فالمعارف البشرية غير الدينية مثل فهم البشر للطبيعة والوجود، والعلم والفلسفة ….. يطرأ عليها التحوَل والقبض والبسط ، لذلك تتحول المعرفة الدينية تبعاً لها ويطرأ عليها القبض والبسط . ففهمنا لكل شيء ، بما في ذلك الشريعة – في سيلان دائم ، واذا حصل في جانب المعارف البشرية الموَاج تحوَل أو تغيَر ، ترك هذا التغيير بصماته على الجوانب الآخرى ، ولعب دوراَ في اثبات أو دحض مسائل أخرى .
اما بيت القصيد في نظرية بسط التجربة النبوية ، يتمحور حول تأثير شخصية النبي البشرية في عملية التشريع ، والتجربة الدينية ، ودور ولايته في استمرار ظاهرة التديّن ، ويعتقد سروش أن الثقافة الإسلامية والعرفانية تؤكد كثيراً على الأهمية السماوية لشخصية النبي ، وتهتم بالجانب الباطني لمقولة النبوّة، وتسحق الجانب الأرضي على حساب الجانب السماوي ، وتُهمل النصف البشري على حساب النصف السماوي . ويرى أن الفراغ المعرفي في الثقافة الدينية الإسلامية يتركّز حول معرفة النصف الأرضي من شخصية النبي ، وكيفية إدارة السلوك الإجتماعي مع جماعته وقومه تحت سقف التاريخ ، وفي سياق ثقافة عصره . فالنبي كان يتحدّث بلسان قومه ويبتكر الحلول للتحديات والمعضلات التي تواجهه ، وفي الوقت عينه يستلهم الوحي من السماء . ويؤكد في نظريته على نقطة أساسية ، أنه بالرغم من أنّ المُقوّم الأساسي لشخصية ونبوة الأنبياء هو “الوحي” أو “التجربة الدينية” في الإصطلاح الجديد، إلا “أن التجربة الدينية نفسها لا تجعل من الشخص نبيّاً ، ومجرد رؤية الملك ، أو شهود عالم الغيب، لا يُحقق حالة النبوة في الإنسان” . فالوحي ظهر لمريم ، وأهدى إليها عيسى ومع ذلك فإن مريم لم تُصبح نبيّة . فالوحي والرسالة تابعان لشخصية النبي ، وليس النبي تابعاً للوحي ، وليس النبي تابعاً لجبرائيل ، بل جبرائيل تابع له .
اما كتاب الصراطات المستقيمة فيعدّ من ابرز طروحاته ، يناقش فيه إشكالات دقيقة تتعلّق بمسألة الدين والتعددية الدينية والثقافية وينطلق سروش من مقولة “جون هيك” اللاهوتي البريطاني، في تأسيس التعددية الدينية أو الصراطات المستقيمة ويعتبر سروش إن المجتمع المتعدد هو المجتمع غير المتأدلج ، أي الذي لا يوجد فيه تفسير رسمي، ومفسرون رسميون . وهو مجتمع قائم على عقل تعددي ، لا على طائفة أحادية ، يبدأ هذا المجتمع حينما يعرف الجميع فيه أن الأصل في عالم الطبيعة والإجتماع هو الكثرة لا الوحدة، محاولة لتوفير نموذج واحد للحياة ، والدين ، واللغة ، والثقافة ، والأخلاق ، والعادات والأداب الإنسانية ، يفسّر الإيمان الديني بالحالة الروحية وعدم كونه من مقولة الأفكار الذهنية ،فلذلك يرى أن كل إيمان هو من جنس واحد ، بحيث ان ايمان اليهودي باليهودية ، والهندوسي بالهندوسية ، والمسيحي بالمسيحية ، وايمان المسلم بالإسلام هما من جنس واحد ولا فرق بينهما . فالإسلام وكأي دينٍ آخر ، هو إسلام بذاتياته لا بعرضياته ، والمُسلم الحقيقي هو الذي يعتقد بالذاتيات فقط . فماهية أو ذات الدين ليست ماهية أرسطية بل إن الشارع يتحرّك نحو مقاصد معينة وهذه المقاصد تُمثِّلُ ذات الدين ، ومن أجل إظهار هذه المقاصد ، وتجسيدها على أرض الواقع الإجتماعي فإن الشارع يستخدم : لغة خاصة – مفاهيم خاصة – أساليب ومناهج خاصة ” الفقه والأخلاق” – وهذه الأمور تقع ضمن : زمان معيّن – مكان معيّن ” محيط اجتماعي وثقافة خاصة ” – يتوجه الخطاب لقوم معينين يعيشون حالات بدنية وذهنية خاصة بهم . ويكون ابلاغ الشريعة ضمن : ردود الفعل المتحركة في الساحة الاجتماعية – طرح أسئلة معينة وصوغ الأجوبة على غرارها – الأشخاص الذين يصدقون ويؤمنون والأشخاص الذين لا يصدقون ولا يؤمنون بهذه التعاليم – المناسبات الخاصة والحروب والتمدّن على الساحة العلمية – الأشخاص الذين يتحرّكون على مستوى فهم وبسط التجربة الدينية أو تخريب وإضعاف هذه التجربة . وهذه العرضيات المتضخمة تختزن في داخلها ذات الدين الاصيلة ومن اجل الكشف عن تلك الذات وتلك الجوهرة ليس هناك طريق سوى ازالة القشور وتمزيق الحجب. ومعرفة هذه القشور والعرضيات وتمزيقها يتوقفان على تفكيك الجسد التاريخي للدين ، وفرز التعاليم الدينية من غير الدينية .
يقول سروش : ” لا التشيّع هو الاسلام الخالص ، ولا التسنن ، ولا الأشعرية هي الحق المطلق ، ولا الإعتزال ، لا الفقه المالكي ، ولا الفقه الجعفري ، ولا تفسير الفخر الرازي ولا تفسير الطبطبائي ، لا الزيدية ، ولا الوهابية ، لا كافة المسلمين في معرفة الله وعبادته خالون من الشرك ، ولا قاطبة المسيحيين إدراكهم الديني خالٍ منه ، كلا بل لقد ملأت الدنيا الهويات غير الخالصة ، فلم يتربع الحق في جهة من الجهات دون أخرى لتكون باطلاً محضاً ، وعندما نذعن لهذا الأمر فسوف يتسنى لنا هضم الكثرة بشكل أفضل “.
انه مفكر يطمح إلى شقّ طريق نحو نوع جديد من التعامل مع التراث الإسلامي ، فقدّم قراءات تستجيب في آن واحد للشروط العلمية التي يفرضها العصر اليوم ، ولأفكارنا الإيديولوجية التي تحركنا نحو التراث. فاعتبر واحداً من أبرز الوجوه والأصوات التي أسست ما يسمّى “علم الكلام الجديد” الذي يدرس الدين من خارجه ، موظفاً الإمكانات السوسيولوجية المعاصرة ونظريات التأويل في تفسير الدين ، ونشأته، والتعامل مع الوحي والنص الديني . حيث تناول القضايا الدينية لا بوصفه رجل دين مختص بل بوصفه متديناً من خارج المؤسسة الدينية يرفض أن تحتكر السلطة الدينية أو تحصر في طبقة أو فئة . ومن المحتمل أن يكون قد هدف في نظرياته الدينية عموماً ونظرية الصراطات المستقيمة خصوصاً ، إلى تأصيل التعددية وشرعنتها الدينية لتحقيق التعددية السياسية والإجتماعية .

الآذان يرفع من داخل الفاتيكان لأول مرة في تاريخه

يفتح الفاتيكان أبوابه الأحد لبادرة تحدث فيه لأول مرة في التاريخ، حيث ستردد أرجاؤه صدى لأذان يصدح فيه، والصلاة وتلاوة من القرآن، ترافقها في الوقت نفسه صلاة مسيحية مع قراءة مقاطع من الإنجيل، ومثلها يهودية وقراءة فقرات من التوراة، في لحظات روحية من أجل السلام بامتياز.

البادرة أطلقها البابا فرنسيس الأول حين زار عمان وبيت لحم والقدس المحتلة أواخر الشهر الماضي، وبموجبها دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كما ونظيره الإسرائيلي شيمون بيريس، للصلاة في الحاضرة الفاتيكانية من أجل السلام “من دون أن تكون الدعوة وساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل صلاة من دون مشاورات، وبعدها يعود كل طرف إلى بلاده” على حد ما شرح قصده من الدعوة لصحافيين رافقوه على متن الطائرة التي عاد بها إلى الفاتيكان.

Pope Francis Holds His Weekly General Audience

ويحتفظ الفاتيكان سراً للآن بالمكان الذي ستجري فيه الصلاة الثلاثية، التي يتوقع إقامتها في حديقة ما بالحاضرة، أو ربما داخل سكن البابا نفسه، وفق ما طالعت “العربية.نت” في وسائل إعلام إيطالية، أشارت أيضا إلى أن إماماً مسلماً ورجل دين مسيحياً سيرافقان أبو مازن إلى الحاضرة، فيما سيرافق أحد الحاخامات بيريس حين ينتقل إليها صباح الأحد.

بيكاسو: نجاحه وإخفاقه

د. هيثم مزاحم

picasso

“بيكاسو: نجاحه وإخفاقه” كتاب للكاتب البريطاني جون بيرجر نقله إلى العربية فايز الصياغ ونشرته المنظمة العربية للترجمة في بيروت عام 2010. نشر الكتاب لأول مرة في العام 1965، فتوالت عليه الهجمات من أكثر من مكان، باعتباره يطرح موقفاً نقدياً متغطرساً وخبيثاً، تنقصه الحساسية، من أعمال الفنان الإسباني ـ الفرنسي الشهير بابلو بيكاسو. نبذ الكتاب في انجلترا بوصفه فاسد الذوق.
وكان بيكاسو آنذاك على قيد الحياة وفي أوج عظمته. يقول الكاتب بيرجر إنه تفاجاً من رد الفعل النقدي الذي واجهه كتابه هذا، فقد اعتقد أنه وضع مقالة تنبض بالتعاطف مع الفنان ومع الإنسان الذي يمثله. وتبدأ المقالة على سبيل المثال بمناقشة ثروة بيكاسو، وإذا قدرت المبالغ التي ذكرها الكاتب آنذاك بما يعادل أسعارها بالعملة الراهنة لكان علينا مضاعفة الرقم عشر مرات على الأقل. وما إن توفي بيكاسو في العام 1973 عن واحد وتسعين عاماً، حتى بدأت جولات مضنية من التقاضي أمام المحاكم حول ثروته.
ويقر الكاتب بيرجر أنه عندما ألف الكتاب لم ينوه بما فيه الكفاية بجملة من الأعمال النموذجية التي رسمها بيكاسو بين عامي 1902 ــ 1905، إذ كان ينتظر بفارغ الصبر الوصول إلى المرحلة التكعيبية. ويضيف بيرجر أنه نتيجة إخفاقه بإيلاء ما يكفي من العناية لهذه الفترة المبكرة، فقد فاته واحد من المؤشرات عن طبيعة بيكاسو بوصفه فناناً. فقد تلمس عبقريته ودار حديثه حولها من دون أن يتغلغل في صلبها. وفشل بالتالي في صوغ أفكاره على نحو كاف. ويقول إنه يمكن أن يعوض عن هذا التقصير الآن.

Picasso3

لوحة “صورة ذاتية”

إن الرسم هو الفن الذي يذكرنا بأن الزمن والشيء الظاهر للعيان إنما يتجليان أمامنا سوياً، في وضع تزاوجي. أما المكان الذي يتجليان فيه فهو العقل البشري، الذي يستطيع أن ينسق الأحداث في متولية زمانية وتمظهرات على هيئة عالم ظاهر للعيان. وفي اللحظة التي يتبلور فيها العنصران الزمني والمرئي، يبدأ الحوار بين الحضور والغياب، ونحن جميعنا نعيش هذا الحوار. فلننظر سوية إلى لوحة بيكاسو “صورة ذاتية” المرسومة عام1906
ما الذي يحدث في هذه اللوحة، لماذا تستطيع هذه الصورة الساكنة ظاهرياً أن تحرك مشاعرنا بهذا العمق؟
إن تعبيرات هذا الفتى، وهي لا تدعو إلى الاستغراب في شاب في الخامسة والعشرين من العمر، توحي بالوحشة والتنبه والفضول. إنها تعبيرات يجتمع فيها الإحساس بالفقد والانتظار. غير أن ذلك هو الانطباع على المستوى الأدبي فقط. ولكن ما الذي يحدث تشكيلياً؟ إن الرأس والجسد يتوجهان إلى ما هو مرئي، وما زالا يبحثان عن شكل ملموس دون أن يجداه تماماً حتى الآن. إنهما يوشكان على استكشافه والهبوط عليه، كما يفعل طائر على سطح بيت. إن الصورة تتحرك، لأنها تمثل حضوراً يوشك على الترائي والظهور للعيان.
غير أن ما هو خارج عن المألوف هنا هو أن بيكاسو يجد ــ أي يعثر على شيء ولكنه على نحو ما يتبينه ــ أساليب الرسم الضرورية للتعبير عن ذلك “الترائي” الطارئ إلى حد الاستماتة. وفي الفترة الممتدة بين عامي 1902 و1907 ، وهي السنوات التي أدت إلى ظهور لوحة آنسات أفينيون وصوراً عديدة تعبر عن بوادر الأمل بتسوية قضية المرئي ــ وهي تسوية تمثل الضمان الذي كان مستحيلاً قبل ذلك ــ بأنه قد أخذ بالترائي. إن في هذه الصورة الذاتية أدوات تصويرية تساعد في التعبير عن لحظة الترائي تلك: الطريقة التي تندلق فيها بقع اللون اللحمية على الملامح العامة؛ التصوير الاختزالي المنقوص للظلال؛ خطوط قسمات الوجه المرسومة على الوجه لا فيه، كما لو كانت أشكالاً مرسومة على مزهرية.(إنه مثل آدم في البرهة التي أعقبت خلقه وقبيل أن يأخذ أول أنفاسه).
وقد استخدم أدوات أخرى في لوحات أخرى رسمها خلال تلك الفترة ذاتها، يشك الكاتب في أنه استخدمها استخداماً واعياً. لم يقبل بيكاسو الواقع البصري بوصفه أمراً صميمياً أصيلاً لا محيد عنه. لقد كان مدركاً على الدوام أن كل شيء يراه ربما كان قد اتخذ شكلاً آخر، وأن ثمة مئة رؤية ممكنة أخرى وراء كل مرئي لم يقع عليها الاختيار بعد.
بيد أن بيكاسو، في مواجهة المرئي الماثل أمامه، وفي غمرة توقه لبلوغ إجابة ما، قد بدأ يبعث بمرئيات محتملة ممكنة، قبل التأكد من ضمان المرئي كما نعرفه. وكا اندفعاه الشيطاني العارم للاختراع مستمداً من ذلك الإيمان البعيد الغور بأن المرئي، أصلاً، هو أمر اعتباطي.
ومن الأساليب الأخرى لوصف الحدة الشعورية في الصورة الذاتية المرسومة في عام 1906 القول إنها صورة لحالة ما قبل الوجود، صورة تتمخض عن ولادة موضوعها. إن تساؤلات بيكاسو وبحثه عن ضالته المنشودة لم ترتكز على التجربة الفنية وحسب، بل انبثقت وترسخت في سياق تجارب إنسانية أعرض بكثير، ولا سيما تلك التي تتجاوز فيها طاقة الجسد النزعات الفيزيائية المعتادة. ولهذا السبب كان بيكاسو مسكوناً بصورة العاطفة المشبوبة والألم، وكان قادراً على خلقها كذلك: صور تتجاوز فيها الطاقة ما هو موجود، صور تكشف لنا النقاب عن أن ما هو موجود ليس كاملاً أو ناجزاً على الإطلاق.
لقد كان بيكاسو هو المعلم السيد لما هو ناقص غير مستكمل، بل لتجربة عدم الاستكمال. فإذا كان الرسم معنياً بحوار يدور حول الحضور والغياب، فإن فن بيكاسو، في أعمق حالاته يتموضع على العتبة التي تفصل بين هذا وذاك، على باب ما هو آخذ بالتبلور، باب ما قد بدأ للتو، وما لم يكتمل بعد.

ثروة بيكاسو

كان بيكاسو يتمتع (عام 1965) ، أي قبل وفاته، بثروة وشهرة لم يتمتع بمثلها فنان آخر في أي وقت مضى، فثروته أكبر من أن تحصى. فهو يحتفظ بمجموعة تضم مئات عدة من لوحاته الزيتية من جميع مراحل حياته. وكانت تساوي نحو خمسة وعشرين مليون جنيه استرليني آنذاك. ومجموعة بيكاسو الخاصة من أعماله تضم خمسمئة لوحة على القماش على الأقل، وهي أكبر وأهم من لوحات الطبيعة الصامتة، مما مثل ثروة كبيرة له بملايين الجينيهات أنذاك. وفور انتهاء الحرب العالمية الثانية، ابتاع بيكاسو بثمن لوحة واحدة من نوع “الطبيعة الصامتة” بيتاً في جنوب فرنسا. ووصلت شهرة بيكاسو وثروته ونفوذه في العقد الخامس من القرن العشرين، مرحلة جعلته قادراً على امتلاك ما يريد. فإذا رغب بامتلاك شيء ما ليس عليه إلا أن يرسمه. فيحصل ثمنه من بيع الرسم. لكن بيكاسو كان ثرياً قبل ذلك بوقت طويل، فقد شرع السماسرة بشراء لوحاته منذ عام 1906، وفي عام 1930 اشترى قصر بواجيلو الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر. وتحرر بيكاسو في سن الثامنة والعشرين من الهموم المالية وبعد الثامنة والثلاثين أصبح ثرياً، وبعد الخامسة والستين أضحى مليونيراً.
أما شهرته ففاقت شهرة بوذا ومريم العذراء ورؤساء الوزراء عند البعض. لكن معرفة اسم بيكاسو لم ترق إلى معرفة شخصيته والتعرف على لوحاته من قبل الناس. وما خلق أسطورته الشخصية هي تلك المتداعيات التي تحيط ببيكاسو: فهو عجوز ما زال بوسعه أن يتزوج الصبايا.. بيكاسو عبقري.. مجنون.. أعظم الفنانين الأحياء.. ثري مليونير.. شيوعي بيكاسو يضحك على ذقوننا.. إنتاجه هراء في هراء.. لوحة نساء أفينيونففي العقود الخمسة ما بين العشرينات والسبيعينات منت القرن الماضي، استفحل ظمأ رهيب لكل ما هو غير معقول. يقول جيم سابارت، رفيق بيكاسو طيلة حياته والمؤرخ الرسمي لسيرته: “لو كان بوسع بيكاسو أن يعوق مسيرة الزمان، فسوف تتوقف الساعات، وسوف يفنى الزمن، وتنتهي الأيام. وسيتعين على الأرض أن تكف عن الدوران وتنتظره إلى أن يغير فكره.. هكذا وجد بيكاسو، وهكذا سيبقى”. بهذه الطريقة يدخل سابارت بيكاسو الإنسان عالم الآلهة الأسطوري.
يقول بيرجر إن بيكاسو هو أشهر رسام في العالم، وتكمن شهرته في معاصرته. إنه إمبراطور الفن الحديث بغير منازع. وعلى الرغم من ذلك، فإن في موقفه من الفن ومن مصيره الشخصي جنوحاً عن روح العصر، ينتمي على نحو أكثر ملاءمة إلى أوائل القرن التاسع عشر. وثمة علاقة بين الغموض التاريخي لبيكاسو وبين طبيعة نجاحه وعلو شأنه. إن أسطورة بيكاسو الشعبية التي تدعمها شهادة أصدقائه ليست في واقع الحال تشويهاً فظيعاً للحقيقة، كما يراها بيكاسو. فإن إيمانه الرومانسي بعبقريته بوصفها حالة كينونة لا بد أن يفضي إلى الأسطورة. وأوشكت العبقرية تلك أن تكون على بعد خطوات فقط من قدسية شبه الإله.
فبيكاسو يتمتع بشخصية قوية غاية القوة تستثير حولها الخرافات، وربما كان هناك وجه للمقارنة بينه وبين نابليون في هذا المضمار. فلديه قدرة على اجتذاب الولاء والاحتفاظ به، وهو ما نادراً ما يتعرض للنقد ممن يعرفونه شخصياً. إن ماهية بيكاسو، بمعزل عما يعمله، أمر جدير بالاعتبار، وربما كان ذلك هو السبب في عدم إمكانية تحديده وتعريفه.
ويرى المؤلف أن ما كتب عن بيكاسو، بوصفه شخصية، أصبح مجرد عبث لا طائل منه. فقد أحاط نفسه بحاشية، وأضحى هو الملك. وكان للتملق والعزلة الناجمين عن ذلك أثر مخرب لا على أحكام معارفه فحسب، بل على عمله نفسه، وابتدع نوع خاص من التهويم الشعري المقرف للتعبير عن آيات الإجلال والتكريم.

عزلة بيكاسو

ولد بيكاسو في ملقا عام 1881، ومنها يمكن مشاهدة سلسلة جبال الأطلس. وفي عام 1900، وكان عمره تسعسنوات، غادر إسبانيا لأول مرة في حياته وأمضى عدة أشهر في باريس واتسقر فيها عام 1904 بصورة دائمة. ومنذ عام 1934 لم يزر موطنه إسبانيا قط، فقد أمضى جل حياته في منفى اختياري.
وقد تبنى بيكاسو فرنسا مثلما تبنته، وكان أصدقاؤه من الفرنسيين، وكان يتكلم الفرنسية ثم أصبح يكتب بها. وأتيح له أن يسهم في الكفاح الوطني الفرنسي ضد الغزو الألماني. ومع ذلك كله، يعتقد بيرجر أن بيكاسو كان يحس بالنفي بشكل متزايد. فهو لم يجد في فرنسا ما يشبع نوازعه العميقة. لقد بقي وحيداً، والوحدة الظاهرة تعم عالم المدينة في هذه الآونة في غرب أوروبا وأميركا الشمالية.ووحدة بيكاسو هي من النوع الذي لا يندرج في فئة الذين يشعرون بالوحدة كالأثرياء والشيوخ المتقاعدين والعظماء. إنه وحيد وحدة المجنون: إذ يخيل للمجنون أن بوسعه عمل أي شيء ما دام لا يلقى اي معارضة. إنها وحدة الاكتفاء الذاتي، هي الوحدة التي تستثير في النفس نشاطاً موصولاً ولا تسمح بالراحة. لكن بيكاسو ليس مجنوناً.. ولتفسير الأمر، علينا العودة إلى الموطن الذي نفي منه بيكاسو، إسبانيا طفولته وصباه.
فقد عاش بيكاسو في ملقا حتى العاشرة من عمره. ثم انتقلت عائلته إلى كورونا على شاطىء إسبانيا الشمالي. وعندما كان في الرابعة عشر انتقل ثانية إلى برشلونة. وتختلف كل واحدة من هذه المدن عن الأخرى، من حيث المناخ والتاريخ والمزاج. فلقد كانت إسبانيا لم تحقق وحدتها بعد على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ما أوجد عدداً كبيراً من الإسبانيات. وإسبانيا بلد معزول لأنها كانت لا تزال بلداً إقطاعياً، ومساهمتها في الحصارة الأوروبية خادعة أيضاً إذ تقتصر على الأدب والرسم، ولا تشتمل الفنون أو العلوم، ولم تساهم إسبانيا إلا قليلاً في فن العمارة أو الموسيقى أو الفلسفة أو الطب أو الفيزياء في أوروبا.

تأثير إسبانيا في بيكاسو

كانت إسبانيا معزولة إذاً، وكان الإقطاع هو الطابع المهيمن على اقتصادها. ولم تقم طبقتها الوسطى بالثورة البورجوازية التي قامت بها مثيلاتها في أوروبا. إن مأساة إسبانيا كانت ــ وما تزال ــ تكمن في هذا التناقض التاريخي.. وكانت الفوضوية هي الحركة السياسة النموذجية الحديثة في إسبانيا. وعاش بيكاسو مرحلة شبابه في برشلونة على هامش تلك الحركة. وكانت الفوضوية التي ضربت جذورها في الأرض الإسبانية من نوع فوضوية باكونين، أعتف المفكرين الفوضويين وأكثرهم ضراوة.
إننا هنا أمام سمة إسبانية مميزة: ألا وهي الاعتقاد بأن كل شيء ــ الوضع الإنساني برمته ــ يمكن تغييره بصورة فجائية ومهولة في لحظة واحدة. وقد تولد مثل هذا الاعتقاد لأن شيئاً ما لم يحدث منذ زمن بعيد زمن بعيد، ولأن الإسباني مدفعو للإيمان بتحول سحري تستطيع فيه قوة الإرادة أن تنتصر على جميع الشروط المادية، وأن تنتصر على التراكم البطيء لوسائل الإنتاج المستجدة، التي هي الشرط الوحيد للتقدم.
وثمة منطق اقتصادي أيضاً في فورة هذا الفوضوي المطل على ملقا، مؤداه أن الطبقة الإسبانية الحاكمة لم تؤسس شيئاً يمكن أن يفيد منه الفلاحون الذين أطاحوا بسلطانها ولو شروى نقير: انزعوا ملكية نازعي الملكية.

guernica_pablo_picasso

لوحة غرنيكا

في مثل هذا الوضع، لا مندوحة للطاقة الثورية من أن تنكص على عقبيها، أي أن تنزع إلى إقامة شكل من تنظيم العلاقات الاجتماعية أكثر بدائية، ولكنه أكثر عدالة، يعتق البشر من العبودية الإنسانية، غير أنه يحول بينهم وبين إمكانية إعتاق أنفسهم من عبودية الطبيعة. ويقال إن لوحة بيكاسو (غيرنيكا) تجسد الاحتجاج ضد الحرب الحديثة، حتى أن بعضهم ليزعم أحياناً أنها احتجاج تنبؤي ضد الحرب النووية. غير أن في الوقت الذي كانت فيه قاذفات القنابل الألمانية من نوع “هاينكل” تدمر مدينة “غيرنيكا” عن بكرة أبيها، كان أغلب الفوضويين في أندلوثيا(الأندلس)، الذين أشاعوا الملكية الجماعية للأرض، عاجزين عن انتزاع قطعة واحدة من الآلات الزراعية. وهكذا يكون التعذيب على المخلعة. وقد يقول قائل إن برشلونة ليست أندلوثيا، فهي مدينة صناعية والفوضوية التي عايشها بيكاسو كانت خلاف ذلك. نعم لقد كانت خلاف ذلك في الظاهر فقط. لقد قرأ بيكاسو نيتشه وسترندبرغ. لم تكن برشلونة فاشية بل كانت ببساطة مدينة متمردة، وبدأ إلقاء القنابل عليها منذ العقد التاسع من القرن التاسع عشر. وفي كل عام كان يجري أكثر من مئة اغتيال سياسي. ونجمت حالة العصيان هذه عن المخلعة التاريخية نفسها، إذ كانت هناك ثلاث مجموعات ذات مصالح تتناحر في سبيل البقاء. كانت مدريد تحارب من أجل حقها المطلق الذي أقره آل هابسبرغ في القرن السابع عشر في التمتع بالثروات المتدفقة من مصانع إقليمها. وكان أصحاب المصانع في برشلونة يحاربون من أجل الاستقلال عن مدريد، وتأسيس دولة رأسمالية. وهناك أخيراً طبقة البروليتاريا قليلة الخبرة، ولكنها عنيفة ضارية يتألف أغلبها من الفلاحين الذين هاجروا مؤخراً هرباً من الفقر في الجنوب.
وقد عملت مدريد على إذكاء التناحر بين أصحاب المصانع والعمال لمصلحتها. وقد ضرب أصحاب المصانع بالشرعية عرض الحائط وحكموا بالسلطة المباشرة لضبط عمالهم الذين كان عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم ضد ممثلي مدريد(أي الجيش والكنيسة) وضد أصحاب المصانع. وكانت أهدافهم انتقامية وقصيرة المدى فاكتسبت الفوضوية قدرتها على الاستهواء الدائم. وهكذا فإن كل ما سوي في البلدان الأخرى بصورة قانونية، إنما سوي في برشلونة بطريقة خاصة في زنزانات قلعة مونخويش أو في حرب عصابات في الشوارع.
يقول المؤلف بيرجر أنه قد يخيل للقارىء أن كل ما قاله عن إسبانيا لا يمت بصلة قوية لتجربة بيكاسو الذاتية.بيد أننا لا نستطيع أن نشارك الآخرين تجاربهم الحاصة إلا في القصص، ولا أحد يعرف جميع الوقائع والصور التي كانت تعتمل في وجدان بيكاسو، وجميع الأفكار التي كونت نفسيته. لكنه من خلال تجربة أو أخرى أو أكثر لا بد أنه تأثر تأثراً عميقاً بطبيعة البلد والمجتمع اللذين ترعرع فيهما. وكل ما يمكننا عمله هو أن نستخدم تلك الحقائق لنعلل ـ بالرجوع إلى معاناة بيكاسو الذاتية ــ بعض الظواهر اللاحقة في حياته وفنه.

نبوغ بيكاسو

إن أبسط الحقائق الجلية عن بيكاسو أنه إسباني والثانية أنه كان نابغة منذ طفولته، وظل كذلك في ما بعد.
لقد استطاع بيكاسو الرسم قبل أن يستطيع الكلام. وفي العاشرة من عمره كان بوسعه أن يشكل سبائك الملاط مثلما يفعل والده الذي كان معلماً للرسم في الإقليم. وقبل أن يبلغ الرابعة عشرة، أعطاه والده لوحة الألوان والفراشي، وأقسم أنه لن يرسم منذ ذلك الحين، لأن إبنه قد تفوق عليه. وفي سن الرابعة عشرة، قدم بيكاسو امتحان الدخول إلى القسم الأعلى من مدرسة الفنون في برشلونة.وقبل بحفاوة في أكاديمية مدريد الملكية، وهو في السادسة عشرة.
لقد أثر نبوغ بيكاسو الطفل على موقفه من الفن طيلة حياته. وذلك هو السبب الذي يجعله معجباً كل هذا الإعجاب بقدرته الخلاقة، ويدفعه إلى أن يعلق عليها أهمية أكبر مما يعلقه على ما ينتجه. ومن هنا نراه يعتبر الفن جزءاً من الطبيعة.
يقول بيكاسو: “إنني لا أكاد أفهم الأهمية التي تعلق على البحث الكلامي في الرسم الحديث. وفي اعتقادي أن البحث لا يعني شيئاً في الرسم، أما المهم فهو العثور والاكتشاف”.
هذه العبارات هي أكثر ملاحظات بيكاسو ذيوعاً واقتباساً أوقعت الناس في حيص بيص منذ أن قالها في عام 1923. ولا مراء في أنها تصدق على الفن الحديث بصورة عامة. فهل قالها لمجرد إثارة الدهشة؟ أم أنها مجرد طريقة أخرى للإدلاء بالملاحظة العادية بأن النسيات الحسنة لا تكفي؟
كلا. إنها ــ شأنها شأن كل منا يقوله بيكاسو ــ إنما تصدق عليه أكثر مما نتصور. إن تجربته كلها لغزية في طابعها، وهو يؤمن بما يقوله لأن تلك هي الطريقة التي حدث الأمر بها بالنسبة إليه.إنه يستسلم كل الاستسلام للفكرة أو للحظة الراهنة. ويتخلى عن الماضي والمستقبل وعن الخطط والعلة والمعلول جميعاً. إنه يضع نفسه كلياً تحت تصرف التجربة الراهنة. وكل ما عمله أو حققه، إنما يكتسب أهميته بمقدار ما يؤثر في وجدانه في لحظة الاستسلام تلك. تلك هي الطريقة التي يعمل بها بيكاسو من الوجهة النظرية على الأقل، وهي كثيرة الشبه بالطريقة التي يستسلم بها النابغة للقوة التي تعتمل في داخله.
وتلك هي النتيجة الإيجابية لهالة الغموض التي وجد بيكاسو نفسه محاطاً بها في طفولته. وباحترامه لهذا الغموض، أصبح أكثر الفنانين قدرة على التعبير في هذا العصر. بيد أن ثمة نتيجة سلبية، ربما كانت تتصل بنجاحه في طفولته بقدر ما كانت تتصل بالغموض. فبيكاسو ينكر قوة العقل وينكر الرابطة السببية بين البحث والاكتشاف. كما أنه ينكر أن هناك نمواً في الفن، ويمقت النظريات والتفسيرات. إنه يمقت التفكير بصورة عامة ويزدري تبادل الآراء. فهو يريد أن يكون كل شيء بدهياً مسلماً به من دون نقاش وأبعد من أن تطاله البينة.

تطوّر بيكاسو

يرى الباحث بيرجر أن الفترة الوحيدة التي تطور فيها بيكاسو كفنان على نحوة متسق هي الفترة التكعيبية الممتدة بين عامي 1907 و1914، وهي الاستثناء الكبير في حياته. ولولا ذلك لما تتطور.ويتعذر رسم خط بياني دائم الصعود لتبيان مسيرة حياة بيكاسو. فهو مختلف عن الفنانين العظام الآخرين بهذا الأمر، إنه نسيج وحده. ولا نجد في إنتاج أي فنان آخر أن كل مجموعة من الأعمال مستقلة استقلالاً تاماً عما سبقها، وغير ذات قيمة في ما يتعلق بما تلاها. ويمكن ملاحظة انعدام الاستمرارية هذا في إنتاج بيكاسو بمجرد النظر إلى ثلاث لوحات رسمت في غضون سنتين ومقارنتها بلوحتين نموذجيتين بريشة الفنان براك، رسمتا في الوقت ذاته.
وكثيراً ما يعتبر عدم استمرارية بيكاسو دليلاً على حيويته وعلى الطريقة المذهلة التي ظل بها محتفظاً بشبابه، وذلك ما يفترض جدلاً أن بيكاسو قد ظل يحتفظ بشبابه بالفعل، ويتحايل على التضمينات الفاجعة لعدم استقراره. فقد ظل متدفقاً بالعنفوان لأنه لم يتطور على نحو منسق. وذلك أنه، باستثناء الفترة التكيعبية القصيرة، لم يكن منفتحاً على التفسيرات والاقتراحات والمجادلات. وبدلاً من ذلك، كان عليه أن يعتمد أكثر فأكثر وبشكل كامل على غموض قدرته العبقرية الخلاقة.
فنبوغ بيكاسو في طفولته قد أطال وزاد في الآثار التي خلفتها سنواته الأولى. فقوة عبقريته التي يوليها كل ثقته، وقفت حائلاً دون التأثيرات الخارجية، بل ودون أي خطة واعية خاصة به. لقد استسلم لإرادتها في حضور أبدي. لقد بقي شاباً.

إقامته في باريس

في عام 1904 وفد بيكاسو على باريس بقصد الإقامة فيها. لقد كان غازياً شقولياً، هبط من اسبانيا، عبر الباب السفلي لبرشلونة، على مسرح أوروبا. ولقي الصدود أول الأمر. وبسرعة فائقة استولى على رأس أحد الجسور. وأصبح آخر الأمر فاتحاً. فقد كان بيكاسو حاذقاً إلى درجة الخبث، وسرعان ما عرف مقياس المجتمع الذي وجد نفسه فيه. ولا نجد دلائل على أن السنوات الأولى ن الفقر والإهمال قد غيرته أو أضرت به، بل سرعان ما اتضح أن لهذه الميزة فوائدها، إذ منحته معايير معينة ينتقد على أساسها ما يراه.
ولم يشك بيكاسو قط في أن عليه أن يقيم في باريس، فقد كان بحاجة إليها، وإلى الاقتداء بالرسامين الآخرين واحتذاء حذوهم، وللأصدقاء الذين تعرف عليهم، ولفر النجاح التي مهدتها باريس وطابع المدينة المعاصرة ومقاييسها الأوروبية. ولم تكن تعمر رأسه الأوهام بشأن إسبانيا، إذ أدرك أنه لو بقي رساماً في إسبانيا، لكان عليه أن يتعامل مع أفراد الطبقات الوسطى بمفاهيم الإقليمية الضيقة. وأدرك تمام الإدراك أم باريس تمثل التقدم وأن علي أن يسهم في هذا التقدم الذي ألقى الرعب في قلبه. فالفقر الذي عرفه في باريس كان مختلفاً، ففي اللوحة الذاتية المرسومة عام 1901 في باريسن نرى وجه رجل لم يقتصر أمره على الإحساس بالجوع والبرد، بل هو أيضاً صامت لا يكلمه الآخرون. وليست وحدته ناجمة عن كونه غريباً، بل إنها تمثل بشكل جوهري فقر المنبوذين في المدينة العصرية.
ويمكن تبين أهمية إقامة بيكاسو في باريس بما حدث بعد عام 1907، فبدأ يعقد صداقات مع الرسامين والشعراء الفرنسيين، وبخاصةمع ماكس جاكوب وغيوم أبولينير. وفي عام 1907 التقى براك، وما حدث بعدئذ هو تاريخ الحركة التكعيبية، التي ولدت على أيدي الرسامين لكن الشعراء هم الذين تكفلوا بالحفاظ عليها وإمدادها بالروح والثقة بالنفس. ومنذ 1907 وحتى 1914، حولت التكعيبية بيكاسو، وذلك يعني أن باريس وأوروبا هما اللتان حولتاه. فالتكعيبية منحته الفرصة كي يخرج خارج نفسه ويهيىء لحنينه إلى موطنه وسيلة يصبح معها شاهداً حاد الطباع ليس على الماضي بل على المستقبل. فبيكاسو كان أحد مؤسسي الحركة التكعيبية التي كانت ثورة عظيمة في الفنون البصرية تعادل تلك التي حدثت في أوائل عصر النهضة الأوروبية. أما آثارها في ما تبعها من فنون، سواء في صناعة الأفلام أو في الهندسة المعمارية، فهي من الكثرة بحيث لا نكاد نلاحظها. فقد أسهمت في إثراء لغة الفن أكثر من مجرد ثورة أسلوبية على ما سبقتها، إذ غيرت طبيعة العلاقات القائمة بين الصورة المرسومة والواقع. وبفعلها هذا وضعت الإنسان في منزلة لم يكن فيها من قبل.
إن بيكاسو برسمه لوحة “آنسات أفينيون”، قد ابتعث الحركة التكعيبية. وكانت انتفاضة عضوية وبدائية تطورت عنها الثورة التكعيبية. وبعد هذه اللوحة لم يعد متوحداً وأصبح جزءاً من مجموعة وعمل مع براك وغدا متورطاً في الحركة التي ابتعثها.

عبثية بيكاسو

عندما عثر بيكاسو على موضوعاته، أنتج عدداً من روائع الأعمال الفنية. أما ما عدا ذلك ــ في رأي بيرجرــ فيندرج في عداد العبثي واللا معقول. ويشير الباحث الناقد أن لا أحد تمتع بالشجاعة الكافية للجهر بذلك آنذاك، خوفا من استفزاز أدعياء الثقافة الذين يعتبرون الفن كلع عبثاً، لأنه ليس مرآة يتملونها ويتملقون أنفسهم من خلالها. وقد حاول المؤلف من خلال الاعتماد على سبع لوجات أن يبين كيف أن بيكاسو، منذ عام 1920، كان يخفق أحياناً في العثور على موضوعات يعبر من خلالها عن نفسه، وكيف أنه في تلك الحالة يكاد يدمر موضوعه الأصلي الذي اختاره، ومن ثم يجعل اللوحة كلها عبثية. وهناك لوحات كثيرة من هذا النوع، مثلما أن ناك لوحات أخرى عثر فيها على موضوعه الناجح.
ومن الغباء إنكار الأصالة التي تتجلى في إخفاقات بيكاسو، مثلما أن من الغباء الادعاء بأن أصالته تضع هذه الإخفاقات في مصاف الروائع. إن بيكاسو نسيج وحده، إلا أن كونه إنساناً لا إلهاً يضع على عاتقنا مسؤولية الحكم على قيمة تفرده هذا.
وإذا استثنينا سنوات المرحلة التكعيبية، فإن جميع لوحات بيكاسو الناجحة تقريباً قد أنجزت بين عامي 1931 و1942 أو 1943. وحدث إبان هذه الفترة أن امتنع عن الرسم كلياً، عام 1935. لقد كانت فرتة من الإرهاص الوجداني، إلا أنها الفترة التي نجح فيها كل النجاح في العثور على موضوعات ارتبطت بتجربتين شخصيتين عميقتين هما: علاقة غرامية لاهبة، وانتصار الفاشية في إسبانيا أولاً ثم في أوروبا.
إن الكتب العديدة التي وضعت عن بيكاسو لا تتكتم قط على علاقاته الغرامية العديدية، فقد غدت جزءاً من الأسطورة. غير أن ثمة علاقة واحدة يمر عليها الدارسون مرور الكرام، وهي تشهد بالافتقار إلى الواقعية الذي يحيط بسمعة بيكاسو. إن لوحاته ومنحوتاته ومئات الرسوم في دفاتر مسوداته تدلنا على أن أهم علاقة في حياته من الوجهة الجنسية كانت مع ماري تيريز والتر التي تعرف بها عام 1931. إنه لم يرسم امرأة قط بمثل الطريقة ولا بنصف عدد المرات التي رسمها بها. وربما غدت بمنزلة الرمز لديه وأن نجرد فكرتها أصبحت تعني بمرور الوقت أكثر مما تعغنيه هي نفسها في الواقع. فقد ظلت لثماني سنوات تسكن وجدانه. ومن أصل لوجاته التي تربو عن الخمسمئة لوحة يحتفظ بها بيكاسو من إنتاجه السابق، هناك أكثر من خمسين لوحة تدور حول ماري تيريز. إن ما يميز هذه اللوحات هو حدة الطابع الجنسي فيها.

the-mother-leading-two-children-1901

تكريم وداعي

إن أكثر اللوحات التي رسمها بيكاسو الشيخ، عندما كان بين السبعين والتسعين من العمر، لم تعرض على نطاق عام إلا بعد وفاته، وبعد وضع هذا الكتاب. وتظهر أغلبية هذه اللوحات نساء أو قرينين كأنما تجري مراقبتهما أو تخيلهما ككائنات جنسية. لقد أخذ بيكاسو يتحول إلى عجوز ولكنه ظل كعهده دائماً معتداً بنفسه ومولعاً بالنساء مثلما كان من قبل، وواجه العبثية التي كانت تنطوي عليها عنته النسبية الخاصة.
وكان في الوقت نفسه يعيش في عزلة غير عادية عن العالم، لم يخترها كلياً بنفسه، بل كانت من نتائج شهرته التي دوت في الآفاق. وهكذا وجد نفسه وحيداً شأنه شأن المعمرين على الدوام.
لقد أصبح الإسبان مضرب المثل في اعتزازهم بالطريقة التي يكيلون بها اللعنة والسباب. وهم يتباهون ببراعتهم في الحلف بالإيمان المغلظة، ويدركون أن التجذيف قد يكون من الشمائل الكريمة، بل من الخصال الدالة على علو المقام. غير أن أحداً لم يسبق له أن كال السباب بالألوان قط. هذه عبقرية بيكاسو.

رحلة جيوسياسيّة: أراضي الحدود

بقلم: جورج فريدمان، مدير مركز ستراتفور الاستراتيجي الأميركي

ترجمة: هادي نعمة – خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

الأرض الحدودية هي منطقة حيث التاريخ ثابت على واقع التغيّر المستمر. وتحتل البلدان التي سنزورها في هذه الرحلة (وهي تركيا ورومانيا ومولدوفا وأوكرانيا وبولندا) الأرضَ الحدودية بين الإسلام والكاثوليكية والأورثوذكسية المسيحية. ولقد كافحت النمسا التي تحكمها عائلة هابسبورغ (وهي ذات الانتماء الديني إلى “الروم الكاثوليك”) ضدّ الإمبراطورية العثمانية المسلمة، لقرون، مع توسّع نطاق الإمبراطورية العثمانية في الاتجاه الشمالي الغربي؛ حتى وقعت معركة مفصلية في فيينا العامَ 1683. ومبتدئةً في القرن الثامن عشر؛ توسّعت روسيا الأورثوذكسيّة من الشرق، عابرةً بيلاروسيا وأوكرانيا. ولأكثر من قرنَين من الزمن؛ ظلّ حزام الدول الممتدّ من بحر البلطيق إلى البحر الأسوَد، الأرضَ الحدوديةَ التي حاربت لأجلها ثلاثُ إمبراطوريات.
ولقد شهدت هذه المنطقة تبدّلات وتغيّرات لا تُحصى. وكانت الحرب الباردة المواجهةَ الواضحةَ الأخيرة، التي فيها تحاربت أوروبا الغربية، المدعومة — والمهَيمَن عليها أميركيًّا إلى حدّ بعيد – من قِبل الولايات المتحدة الأميركية. كان حزام الدول هذا، بنمط وطيد، ضمنَ الإمبراطورية السوفياتية. والآن استعادت دول هذا الحزام سيادتها. منحى اهتمامي بهذه المنطقة هو فهمُ كيفية تَـبَلوُرِ الأُطُر الجيوسياسية في الكرّة المقبلة؛ بشكل أوضح. اليوم، روسيا أقوى بكثير مما كانت عليه منذ عشر سنوات، والاتحاد الأوروبي يمرّ بمرحلة تعقيدات داخلية، وألمانيا تعيد حسابات موقفها، فيما تعلب الولايات المتحدة لعبةً غيرَ مضمونةٍ ومعقدةً. أريد فهمَ كيفية تفكير القوى الفاعلة، من تركيا إلى بولندا، حيال تموضعها في الكرّة المقبلة من اللعبة الإقليمية.

Friedman

مؤسس ومدير موقع ستراتفور، جورج فريدمان

اتهِمت بالتفكير على نحو محارب مسنٍّ يخوض الحرب الباردة. لا أعتقد أنَّ تقييمَ متّهِميَّ صائب؛ فإنَّ الاتحاد السوفياتي انهارَ، وتأثير الولايات المتحدة في أوروبا انخفض مستواه. فمهما كان في ما سيكون — في هذه المنطقة — فلن يكونَ حربًا باردة. وما لا اعتقد بأنه سيكون، في هذه المنطقة، هو أن تكون منطقةَ سلام سائد؛ إذ لم تكن من قبلُ كذلك قطّ، ولن تكون كذلك، إذن، في المستقبل. أريد فهمَ نمط الصراع الذي سيقع في المستقبل. لذلك؛ علينا أن نبدأ من الماضي، تحديدًا بالحرب العالمية الأولى لا الحرب الباردة.

إعادة تشكيل المنطقة بعـد الحرب العالمية الأولى

خلقت الحرب العالمية الأولى هندسةً جديدة جذريًّا للمنطقة. فقد انهارت الإمبراطورية العثمانية ومعها انهارت الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية، وحلّ الاتحاد السوفياتي محلَّ الإمبراطوريّة الروسيّة، وأزيحت الإمبراطورية الألمانية واسـتُبدِلت مكانها جمهورية. لم تُعانِ منطقة في العالم من الحرب، أو آل أمرها إلى الفقر والتعاسة، أكثر من هذه المنطقة. ولم تنتهِ الحرب لشعوب هذه المنطقة في العامِ 1918، فقد استمرّت تزامنًا مع خمود الإمبراطوريات المنازِعة من أجل البقاء، ومع كفاح الدول الجديدة داخليًّا وفي ما بينها.
سمح انهيار الإمبراطوريات بنشوء عدد من الدول المستقلّة. فمن دول البلطيق إلى بلغاريا، تحوّلت الدول إلى حالة “الولاية-الدولة”. وكثير من حدود بعض الدول تمّ تحديدها من قِبل القوى المنتصرة في معاهدتَي “فرساي” و”تريانون”. اخترعت هذه القوى “يوغوسلافيا”، التي تعني، حرفيًّا: “أرض الصقالبة الجنوبيّين”، من بين مجموعة من الدول العدائية (المتعادية). بذلك أعادت هذه القوى تشكيل حدود هذه البلدان. وإذا كانت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، هي من أعاد تشكيل المنطقة، فإنَّ البولنديّين هم الذينَ أتقذوها.
تنقسم الحدود بين الإمبراطورية الروسية/الاتحاد السوفياتي وأوروبا إلى قسمَين. تشكّل جبال كارباثيا حدودًا قاسية وَعِـرَة بين الروس وباقي أوروبا من سلوفاكيا إلى الجنوب. ليست هذه الجبال مرتفعة بالتحديد، لكنها وعرة، تشتمل على قرًى متناثرة وقلّةٍ من الطُرُقٍ السالكة. ولطالما انتمى أهالي كارباثيا إلى جميع بلدان المنطقة، لكنهم ليسوا هيّـني الخضوع. حتى اليوم؛ يسود هولاءِ قُطّاع الطُّرُقِ اللصوصُ. ليس من المستحيل تحريك قوى عسكرية في مناطق أهالي كارباثيا، لكنَّ الأمرَ ليس بالسهل كذلك.
ويسودُ الجزءَ الشماليَّ من أوروبا سهلٌ واسعٌ يمتدُّ من فرنسا إلى موسكو؛ مسطَّح وسَـبِخٌ لجهة الشمالِ منه، لكن عمومًا هو أرض صالحة للجنود ليعبروها. وباستثناء بعض الحواجز المائية (على شكل أنهار)، فإنَّ هذا السهلَ هو الطريق الذي يعبره الغزاة الأوروبيون. فقد عـبَر نابوليون هذا السهلَ ليصل إلى موسكو، ومثلُه هتلر (الذي عبر القوقاز كذلك). أمّا ستالين فقد عاد إلى بلاده سالكًا هذا الطريق عينَه الذي اعتمده نابوليون وهتلر للوصول إلى الأرض الروسية.

الـ “إنترماريوم”

بعد الحرب العالمية الأولى؛ نشأت بولندا من جديد دولةً ذات سيادة. وكان الروس قد أذعنوا لألمانيا في العامِ 1917 ووقّعوا على معاهدة “برست-ليتوفسك” العامَ 1918؛ وبها تخلّوا عن قسطٍ وافر من الأراضي، من ضمنها أوكرانيا، لصالح ألمانيا. ومع هزيمة ألمانيا؛ فقدت “برست ليتوفسك” فاعليَّـتها وحاول الروس استعادة ما تخلَّوا عنه سالفًا في هذه المعاهدة. جزءٌ من ذلك كان بولندا. وفي العامِ 1920؛ وقعت معركةٌ مفصليّة في وارسو، إذ صدَّ جيشٌ يقودُهُ الجنرال جوزيف بيلسودسكي غزوًا سوفياتيًّا؛ وكان الجنرال بيلسودسكي قد عقد حلفًا مع أوكرانيا لم يُجدِ نفعًا.
بيلسودسكي شخصية مثيرة للاهتمام؛ فهو رجعيّ تارةً وأصوليٌّ أخرى. لكن ما يهمّني منه هو رؤيته الجيوسياسيّة. فلقد كان بيلسودسكي وطنيًّا، واستطاعَ فهمَ أنَّ هزيمة روسيا من قِبل ألمانيا كانت الخطوة الأولى على طريق يؤدّي إلى بولندا مستقلّة. كذلك؛ آمن بيلسودسكي بأنَّ هيمنة بولندا على أوكرانيا – وهي من الخِدَعِ القديمة – سـتؤمّن حرّية بولندا بعد هزيمة ألمانيا. إلّا أنَّ محاولته التحالفَ مع أوكرانيا فشلت؛ فقد هزم الروسُ الأوكرانيّينَ واستثاروا بولندا، فهزمهم بيلسودسكي.
وإنه مثيرٌ للاهتمام التكهُّـن حول التاريخ، في حال خسر بيلسودسكي وارسو. فإنَّ السهلَ الشمالي الأوروبيّ كان “مفتوحًا على مصراعيه”، وكان في وسع السوفيات التحرّك نحوَ ألمانيا. بلا شكّ؛ كان الفرنسيّون ليتحرّكوا بُغيةَ صدّهم، لكنه كان ثمة حزبٌ شيوعيٌّ قويّ في فرنسا لا يتحمّل خوضَ الحروب. كانت الأمور لتسيرَ على مساراتٍ كثيرة مختلفة لولا أن صدّ بيلسودسكي الروس؛ لكنه فعل.
كانت لدى بيلسودسكي فكرةٌ أخرى. كانت ألمانيا غارقة في الفوضى، ومثلها كانت روسيا؛ لكن كلتاهما ستقومان بعدها من غرقهما. فاعتقد بيلسودسكي بأنَّ تحالفًا في موضعه، من شأنه أن ينقذ المنطقة. كانت رؤيته ما يسمى “إنترماريوم” — وهو تحالف بلدان ما بين البحرَينِ يدور في فَلَكِ بولندا، ويضمُّ تشيكوسلوفاكيا والمجر ورومانيا وفنلندا ودوَل البلطيق. لم يُكتب لهذا المشروع ان يتحقّق؛ لكن لو كان ليتحقّق، لعلّه لما وقعت الحرب العالمية الثانية، أو أنها كانت لتأخذ مساراتٍ غير التي كانت واقعًا. هي فكرةٌ شغلني التفكير فيها أخيرًا، مستشرفًا ما قد ينشأ بعد الحلف الأطلسي، ومفاهيمَ طموحةً لفديراليةٍ أوروبية. يبدو مشروع “إنترماريوم” الذي سعى له بيلسودسكي منطقيًّا، وإن لم يكن قد لاقى طريقَه للواقع فعلًا. لم يتحقّق هذا المشروعُ لأنَّ هذه الأراضي الحدودية طالما كانت مساحة صراع للآخرين؛ ولم تتّحد قطّ لتحدّد مصيرها.

العلاقة الروسية-الألمانية

بِطُرُقٍ كثيرة، ليست هذه المسألة خاضعة لهاتين الدولتين؛ فهي، بجزء منها، تعتمد على ما تريده روسيا وتخطّط له، كما تعتمد على ما تريده أوروبا وتخطّط له. وكما دائمًا؛ الـ “إنترماريوم” معلّق بين روسيا وأوروبا. ليس ثمة قوّة أوروبية جنوبية اليوم (إذ إنَّ الإمبراطورية النمساوية-الهنغاريّة طيّ الذاكرة)، لكن في الشمال ثمّة ألمانيا دولةً تكافح لإيجاد مكان لها في أوروبا وفي التاريخ.
بِطُرُقٍ كثيرة؛ ألمانيا هي اللغز. وقد صدمَت أزمتا العامِ 2008 والاقتصاد اليوناني الألمان؛ فقد كان الألمان يرونَ في الاتحاد الأوروبي الحلَّ للقومية الأوروبية وأداةً للازدهار. وعندما حلّت الأزمة، وجد الألمانُ أنَّ عنصر القوميّة قد تراجع في ألمانيا بالوتيرة عينها التي تراجعت بها في بلدان أخرى. لم يُرِدِ الألمانُ إنقاذَ اليونانيينَ، وأصبح السؤال في سعر وقيمة الاتحاد الأوروبي بأكمله قضيّةً مركزية في ألمانيا. لم تعتبِر ألمانيا نفسها قوّة مستقلّة، منذ العامِ 1945؛ لكنها بدأت تعتبِر نفسها كذلك من جديد، وهذا الأمر قد يغيّر كل شيء، على حسب ما يؤول إليه مآل هذا الأمر.
ومن الأمور التي قد تتغيّر بفعل هذا، هو العلاقات الألمانية-الروسية. وفي أحيانٍ متنوِّعة منذ 1871 والوحدة الألمانية الحديثة؛ كانت ألمانيا وروسيا حليفتَينِ كما كانتا عدوَّتَينِ حتى الموت. الآن؛ ثمة مَيل منطقيّ إلى علاقات ألمانية-روسية وطيدة. فاقتصاديًّا؛ كلتا الدولتَينِ تتكاملان، وفي حاجة متبادَلة لبعضهما البعض. فروسيا تصدِّر الموادّ الخامّ، وألمانيا تصدِّرُ التكنولوجيا، وكلتا الدولتَينِ لا تأبهانِ لتكونا مستهدفتَينِ بضغوط الولايات المتحدة الأميركية، وسـويًّا تَقدِران على مقاومة هذه الضغوط. وثمّة تقارب مسـتـتـر جارٍ بينهما.
هذا يثير انتباهي للبلدان التي أزورها. فبالنسبة إلى بولندا، فإنَّ شبح اتفاق ألماني-روسيّ هو بمثابة كابوس تاريخيّ. ففي آخر حدث كهذا، وكان في العامِ 1939، انشطرَت بولندا وفقـدَت سيادتها 50 عامًا. ومن كلِّ عائلة في بولندا ضحيةٌ من تلك المرحلة. طبعًا، يقال إنَّ هذه المرة ستكون مختلفة، إذ لم يعد الألمان والروس كما كانوا في تلك المرحلة السالفة؛ إلّا أنَّ ملاحظات علوم الجغرافيا السياسية تشير إلى أنَّ الميول الذاتية لا تلغي الأنماط التاريخية. فمهما ظنّ وقال البولنديّون، لا بدّ لهم من أن يكونوا متوتّرينَ، حتى لو لم يُبدوا هذا التوتّر. وإنَّ الاعتراف بالخوف من ألمانيا وروسيا سيكون بمثابة الاعتراف بعدم الثقة، وليس مسموحًا بعدم الثقة في أوروبا الحديثة. ويبقى أنَّ البولنديّينَ ملمّينَ بالتاريخن وسيكون جميلًا أن نرى ما لديهم ليقولوا في هذا الشأن – أو على الأقلّ كيف سيقولونه. وإنه من الأمور الأكثر أهمية أن نسمع ماذا يقولون، وما لا يقولون، حيال الولايات المتحدة الأميركية في ظلّ هذه الظروف.

دور رومانيا

للرومان موقع مختلف؛ فهُم مفصولون عن الروس من خلال أوكرانيا ومولدوفا، فيجب أن تكون مخاوفهم أقلّ حدّة. وبخلاف البولنديين والسهل الشمالي الأوروبي؛ للرومان ميزة أن أهالي كارباثيا يعبرون بلدهم. لكن؛ كيف عسانا نفهم أوكرانيا؟ فحكومة أوكرانيا مناصرة لروسيا، ومقيَّدة بارتباط وطيد بالروس بحُكم ظروف اقتصادية. وحتمًا؛ لن يعمدَ الاتحاد الأوروبي، المتزايد الخضوع للقيادة الألمانية، إلى إنقاذ الأوكرانيين. إنَّ السؤال الدائر في أوكرانيا يتأرجح بين افتراض أنَّ محاولة الأوكرانيين تحقيق الاستقلال التامّ قد انتهت، فيحلَّ محلَّها رابط بروسيا غيرُ رسميّ لكن وطيد؛ وبين افتراض أنَّ الأوكرانيين لا يزالون يتمتّعون بهامش مناورة. وبالمعاينة عن بُعد، يبدو أنَّ الأوكرانيين بالكاد يستطيعون التحرّك، قبل أن نخوض في افتراض قدرتهم على المناورة. لكن يبقى هذا السؤال برسم الأوكرانيين. طبعًا، سيأكّدون استقلالهم، وبشدّة؛ لكن سيكون مهمًّا أن نسمع ما لا يُقال، وما يجاوَب به من هزّات كتف بسيطة واستقالات. ليس ثمّة سؤال في أوروبا اليوم أهمّ من السؤال عن مستقبل أوكرانيا.
بالنسبة إلى رومانيا؛ هذا الأمر غاية في الأهمية، لأنَّ الفاصل لها (أوكرانيا) عن روسيا قد يتحوّل إلى حدودها مع روسيا، في حال استطاعت روسيا فعلًا الاستيلاء على هذه المساحة (أوكرانيا) من جديد. ولهذا مولدوفا باتت ذاتَ أهمية كذلك. كانت مولدوفا تسمّى “بيسارابيا”. وعندما تعاهد ستالين مع هتلر في العامِ 1939، كانت من ضمن الاتفاق أن يستحوِذ السوفيات على بيسارابيا التي كانت آنذاك جزءًا من رومانيا الحليفة لألمانيا. هذا جعل رومانيا تبتعد عن مرفإ أوديسا البالغ الأهمية على البحر الأسوَد وعبر نهر دنايستر. ظلّت بيسارابيا جزءًا من الاتحاد السوفياتي بعد الحرب. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، نالت مولدوفا استقلالها، ممتدَّةً من رومانيا إلى الضفة الشرقية لنهر دنايستر. وتمّ فورًا فصلُ مساحة “ترانسدنايستريا”، شرقَ نهر دنايستر، عن مولدوفا، بمساعدة روسيّة. وأصبحت مولدوفا مساحةً عازلة، مأهولة بمتكلّمي اللغة الرومانيّة، على نهر دنايستر.
مولدوفا هي أفقر دولة في أوروبا؛ تعتمد بالدرجة الأولى، في صادراتها، على تصدير النبيذ، غالبًا نحو روسيا. ولقد عمد الروس إلى صدّ تصدير النبيذ “لأسباب صحية”. أعتقد بأنَّ قضيّة الأسباب الصحية ذات طابع جيوسياسي لا بيولوجي. فإن كانت مولدوفا دولة مستقلّة مناصرةً لأوروبا، فستكون أوكرانيا أقلَّ عزلةً ممّا يريد لها الروس من العزلة. وقد تصبح مولدوفا، في المستقبل البعيد، قاعدةً لشنَّ عمليات ضدّ مَصَالِحَ روسيّة. وستكونُ كلّ بوصة يبتعد بها أعداءٌ محتمَلونَ عن أوديسا، عاملًا مفيدًا للولايات المتحدة. وكان ثمة سببٌ وراء رَوم ستالين أخذَ بيسارابيا من هتلر، وذلك الاعتبار لم يضمحلَّ بعدُ، ويعملُ الروسُ على عزل مولدوفا ورومانيا والضغط عليهما الآن.
وأهدف من زيارتي لرومانيا ومولدوفا إلى فهمِ نظرةِ الدولتَينِ إلى الأوضاع في أوكرانيا، وموقـفِهما من النوايا الروسيّة، وماذا تخططان للقيام بهِ (إن كان ثمة شيء من هذا القبيل). لطالما كانت رومانيا بلـدًا صعبَ الفهم والتحليل؛ فعلى الصعيد الجيوسياسيّ، سيرى المراقبُ أنَّ العاصمة الرومانية تقع في الناحية الخطإ من منطقة أهالي كارباثيا، في ما لو كان الروس مصدرَ الخطر؛ وسيرى أنَّها تقع في الناحية السليمة، في ما لو كانت النمسا وألمانيا مصدرَ الخطر. رومانيا ذاتُ وجهةِ الانتماء إلى الاتحاد الأوروبيّ، لكنها من البلدان الكثيرة، ضمن الاتحاد، التي قد لا تكون ذات أهليّة فعلًا للانتماء إليه. وبخلاف البولنديين، الذين اعتادوا الثباتَ والمقاومة في تاريخهم؛ يميل الرومانيون مع كلّ مستجدٍّ سائد. وسيكون أفضلَ للرومانيين معرفةُ مَن الجهةُ التي تستحكم قبضتها في اللعبة الجيوسياسيّة الآن. وأشكّ في أنَّ الرومانيين سيقومون بأيّ شيء قد يُنقذ مولدوفا ويُغضب موسكو، لكن ليس واضحًا ما إذا كانت مولدوفا في خطر. مهما يكن؛ يبقى أنَّ الواضح هو أنَّ الروس بدأوا يستعيدونَ أوكرانيا، فستكونُ مولدوفا لهم جزءًا مهمًّا من المنطقة، لا لحماية أوكرانيا فحـسبُ، بل كذلك لخلق خيارات تُـقَارَبُ مِن خلالها رومانيا وَدُوَلُ جنوبِ غرب أوروبا. أحيانًا تكونُ قطع صغيرة من اليابسة التي لا يجد لها أحدٌ قيمةً، المفصلَ الرئيسَ في اللعبة كلِّها.
تركيا هي مكانٌ قصدتُه مرّات عدّة في السنوات القليلة الماضية، وأتوقّع أن أزورها بعدُ مرارًا. في كتابي “المئة سنة المقبلة” طرحتُ أن تركيا ستكونُ قوّةً عظمى في الخمسينَ سنةً المقبلة تقريبًا. أنا واثـقٌ من توقّعي البعيد الأمد هذا، لكن العقـدَ المقبل سيكونُ فترةً انتقالية لتركيا، مِن كَونِها أحد البلدان المواجِهة للسوفيات ضمن منظومة التحالف الأميركيّة، إلى صيرورتِها قوّةً صاعدةً متماسكةً بذاتها. لن تكونَ تركيا مرهونةً لأحد، وستفرض مصالحها ما وراءَ حدودِها. وبالفعل؛ مع ازدياد قوّتها في البلقان، ستكونُ تركيا إحدى القوى التي على بلدانٍ مثل رومانيا مواجهتُها.
سأكون مهتمًّا بسماع وجهات نظر الرومانيين والمولدوفيين حيال تركيا في هذه الرحلة. وستكون عملية انبعاثِها بطيئة، لا تخلو من الزلّات والخيبات؛ لكن حتى من الآن يمكن ملاحظة تأثيرِها التجاريّ في حوض البحر الأسوَد. وسأكون مهتمًّا بسماع وجهة نظر الأتراك حيال الروس (وطبعًا حيال إيران والدول العربية ودول آسيا الوسطى، كذلك). هدف هذه الرحلة هو روسيا كما يراها جوارُها، وهو ما سأخوض نقاشات فيه. فالبولنديون والأوكرانيون والرومانيون والمولدوفيون سيريدون الحديثَ عن روسيا. وسيريد الأتراك النقاش في قضايا عـدّة، ولعلّ روسيا أقلّ تلك المواضيع التي سيريد الأتراك النقاش فيه؛ وسيتوجّب عليَّ العملُ جاهدًا لاستدراجهم للكلام في موضوع روسيا.

نظرية جيوسياسية

في النهاية؛ سأذهب إلى المنطقة بإطار تحليليّ، بنظريّة أريد اختبار مدى صوابيّتها، جوهرها أنَّ عالَم ما بعدَ الحرب الباردة آخذٌ في الزوال. روسيا تنبثق من جديد بشكل ملحوظٍ باللحاظ التاريخيّ. ألمانيا لتوّها بدأت بإعادة تحديد شأنها في أوروبا، وبدأت أوجه ضعف الاتحاد الأوروبي بالتجلّي. تركيا قد بدأت خطواتها الأولى إلى قُـدُمًا لتصير قوّةً إقليمية. نحن بتنا في بدايات فترة يستغلّ كلٌّ من هذه القوى فيها الآخرَ.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، انبعاث تركيا الحديث أمر مفيد يخدم مصالحها. فالولايات المتحدة تنهي حروبها في المنطقة، وتركيا مندفعة لملء الفراغ المتبقّي ومحاربة الإسلام الأصولي. وإنَّ الذين يطرحونَ أنَّ الحكومة التركية إسلاميّة على النحو الأصوليّ هم مخطئون ببساطة؛ لسـببَينِ؛ الأوّل هو أنَّ تركيا منقسمة جذريًّا، فَوَرَثَةُ نمط كمال أتاتورك العلمانيّ الأقوياء يشكّلون أحد أطراف الانقسام، ولديهم من القوّة الكفايةُ لمنع الإسلام الأصوليّ من أن يُفرض عليهم. والثاني هو أنَّ الحالة الإسلامية التي تمثّلها الحكومة التركية لا يمكنأن تقارَن بتلك التي تمثّلها الحكومة السعودية. فالإسلام يتجلّى بألوان شتى، شأنه شأن المسيحية؛ وإنَّ اللونَ التركيّ للإسلام ينحدر من سِـمات الإمبراطورية العثمانية. فهو خفيّ وَمَرِنٌ وبراغماتيّ. و”الإسلام التركي” ينحدر من حقبة تاريخية كان الإسلام العثمانيّ فيها حليفًا للبندقيّة (Venice) ذاتِ الديانة الكاثوليكية، من أجل السيطرة على حوض البحر المتوسّط. إذن؛ ليس الإسلام التركيّ قويًّا كفايةَ أن يفرضَ نفسه على العلمانيين، وفي الوقت عينه، هو حضاريٌّ كفايةَ ألّا يخضعَ للأصولية التبسيطية. وسيقوم الإسلام التركي بما يتوجّب عليه القيام به، لكن مساعدة القاعدة لن تكون على أجندته. ومهما يكن؛ يبقى من الفائدة التحاور مع العلمانيين الذين ينظرون إلى الحكومة الحالية بعين الخوف وعدم الثقة. وفيما تقدر الولايات المتحدة على التعايش مع تركيا قويّة، لا يمكن تصديق احتمال الأمر عينه بالنسبة إلى تعاطيها مع روسيا قوية ومتحالفة مع ألمانيا. ولا ينبغي أن يكون الخوف الأميركي الأكبر تجاه الصين أو القاعدة، بل ينبغي أن يكون تجاه الدمج الفاعل بين تكنولوجيا القارّة الأوروبية والموارد الطبيعية الروسية. فهذا ما قد يخلق قوّة تقدر على تحدّي القوامة الأميركية، وذلك كان جوهر القرن العشرين. وإنَّ العلاقة الألمانية-الروسية، مهما كانت لا تزال في بداياتها وخافتة، لا بدّ من أن تؤثّر على الولايات المتحدة.
لا يبدو لي أنَّ القيادة الأميركية تفهم هذا. فعقل واشنطن هو خليط من أوصاف نمطيّة عن روسيا وأوروبا (ممّا بعد الحرب الباردة) وَهَوَسٌ بموضوع الإرهاب. ليست واشنطن في هذه المرحلة تمارس التفكير الاستراتيجي. أجد من المزعج الذهابُ إلى وشنطن، فهُم يرون آرائي تنبيهية بدون داعٍ ومتطرّفة، فيما أرى أنا آراءَهم بالية وتبسيطية مغفّـلة. ولهذا أحبّ أوستين (في ولاية تكساس). وأعرف أن البولنديين، مثلًا، كثيرو الهواجس حيال عدم فهْم واشنطن للقضايا الدولية هذه. ففي الولايات المتحدة، وتصدر واشنطن مطبوعات مواقف وآراء، وقليلًا ما تُصدر مطبوعات تاريخيّة. الولايات المتحدة دولة كبيرة، وواشنطن تظنُّ أنها مركز هذه الدولة، فيما هي فعلًا ليست كذلك؛ فالولايات المتحدة لا مركز لها، وما يرسم أُطُرَ أفعالها هو ضغوط المجتمع العالميّ والرأي العام الداخليّ، وإن كان ذلك على نحو غير تصديقيّ من قبل واشنطن.
لا قوة لي لرسم معالم أي شيء. لكن ينبغي أن يقدَّم مسارٌ لواشنطن لتدعمَ بولندا. في هذا الحال؛ أنا سأستكشف نظرية الـ “إنترماريوم” التي طرحها بيلسودسكي. أنا أرى الحلف الأطلسي حالةً بيروقراطية تشرف على تحالف قد أنجِزت مهمّته منذ 20 عامًا. ومن وجهة نظر أميركية، فإنَّ تحريك فرنسا أو ألمانيا أمرٌ محال ولا جدوى منه. فكلا البلدَين له مصالحه الخاصّة به، والجغرافيا التي لا تخدمه. إنه الـ “إنترماريوم” – بولندا وسلوفاكيا وهنغاريا (المجر) ورومانيا، وربّما بلغاريا كذلك – الذي يمثّل تحالف هذا الجيل. فهذا التحالف يصدّ الروسَ، ويفصلهم عن الألمان، ويقلّص بهدوءٍ انتهاكَ تركيا للمجال الجنوبيّ الشرقيّ الأوروبيّ.
تبقى بلدان الـ”إنترماريوم” مفتونة بالاتحاد الأوروبيّ والحلف الأطلسيّ، لكن الافتتان هذا آخذ بالتقلّص. ولم يكن العام 2008 ولامبالاة هذه البلدان بألمانيا مُرضِيَينِ؛ وقد بدأوا فهمَ أنَّ الحلف الأطلسي هو شيءٌ من التاريخ. وعلى البولنديين أن يقودوا هذه الحلف الجديد، وأن يكون الرومانيون المرساةَ الجنوبيّة. أعتقد بأنَّ البولنديين يفكرون بهذه الأمور، لكن الرومانيين بعيدين عن هذه الفكرة. لست متأكّـدًا؛ عليَّ التبيُّن من الأمر. وبالنسبة إليَّ؛ فإنَّ بولندا مدعومةً أميركيًّا حارسةً السهلَ الشماليّ الأوروبيّ، وسلوفاكيا وهنغاريا (المجر) ورومانيا حاميةً المقاربات الكارباثـيّة، سـتَدرآنِ مَخاوف الولايات المتحدة الأكثر إيراقًا؛ المتمثّلة بالتحالف بين روسيا وألمانيا ومعهما أوروبا الغربية. المفتاح لهذا هو النظرة المتغيِّرة لبلدان الـ”إنترماريوم” إلى الاتحاد الأوروبيّ. أريد معرفة إلى أيِّ مدًى تبلورَت هذه النظرة المتغيّرة.
لا تزال واشنطن تنظر إلى روسيا على أنها الدولة الفاشلة أيام تسعينيات القرن العشرين؛ فلا تلتفت إليها بجدّيّة. ولا تزال كذلك ترى أنَّ الاتحادَ الأوروبيّ مرّ بمطبٍّ سرعانَ ما سيتداركَ نفسَه من بعده. لكن على الأغلب؛ تفكّر واشنطن بأفغانستان، لأسباب مفهومة تمامًا؛ فأفغانستان تمتصّ الهيبة الأميركية، سامحةً بذلك للعالم بأن يتحرّك بسهولة كيفما شاء.
كما قلت سالفًا؛ لا قوّة لديّ لتغيير أيّ شيء.لكن من ألق مبدائ الولايات المتحدة أنّ الضَّعفَ والمغموريّة لَيسا عائـقًا من النظر إلى العالَم والتمعّن في ما قد يحدث في المستقبل. أنا لست أرسم استراتيجية، لكني أعايِـن قـوًى جيوسياسيّة. ولستُ أخطّط لما ينبغي أن يكون، لكنّي أفكّر في ما قد يحدث. وفي قيامي بهذا، أحتاج إلى فحص للواقع. لذا، سأبدأ بفحص رومانيا.

منظمة شنغهاي: اهداف غير معلنة

علوان نعيم امين الدين*

انبثقت هذه المنظمة في وقت كانت فيه القطبية الآحادية الاميركية في اوجها، ومشروع المحافظين الجدد بدأ بالتبلور من خلال الإتيان بجورج بوش الابن الى سدة الرئاسة، حاملاً معه عقيدة دينية-سياسية مزدوجة لا تخلو من عنصرية ضد الآخرين، واستباحة للجغرافيا الدولية، وتصنيف الدول بين فاشلة ومارقة، وخلق عدو دائم، بحسب الظروف والمناطق، لمحاربته.

تقع الأهداف المعلنة للمنظمة في عدد من النقاط ابرزها مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف، والحركات الانفصالية، والتصدي لتجارة الأسلحة والمخدرات. اما، ومع اختلال موازين القوى الدولية الحالية، وبداية نشوء نسق دولي جديد يقوم على “لا قطبية عالمية” الى حد الآن، تظهر اهداف متجددة لهذه المنظمة قد تكون حددت ضمناً في حينها، لكنها لم تظهر الى العلن بسبب عدم تناسب الاعلان مع الظروف العالمية التي كانت تسيطر على العالم في تسعينيات القرن الماضي.

ان ابرز الاهداف غير المعلنة التي يمكن الاشارة اليها، تقع فيما يلي:

  1. تحصين الخاصرتين الروسية والصينية، وهما القوتان الصاعدتان اللتان من المتوقع ان تمسك بزمام القرار الدولي مستقبلاً، من تطويق حلف شمال الاطلسي لها ضمن القارة الآسيوية ذاتها ومنع تمددها غرباً كي لا تشكل تهديداً للولايات المتحدة اولاً، وحلفاؤها في اوروبا ثانياً. فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق وتساقط دول الاطراف عن “القلب”، اصبح الغرب الروسي مكشوفاً عسكرياً وامنياً واقتصادياً مما استدعى ضرورة اعادة لملمة الاطراف ولو على قواعد واهداف غير معلنة. فالدول التي لم تدخل كعضو تم جذبها كدولة مراقب (باكستان، ايران ومنغوليا على سبيل المثال)
  2. بعد نهضة الصين وعودة الاتحاد الروسي الى الساحة الدولية، توجد اولوية كبيرة تتمثل في خروج القواعد العسكرية من المنطقة، سواء تلك التي انشأت بعد الحرب الباردة ام بعد سيطرة المحافظين الجدد على مقاليد السلطة والقيام بغزو افغانستان عام 2001، والعراق عام 2003، وهو ما ظهر جلياً من خلال اجلاء القاعدة الاميركية من قرقيزيا، يقابله ضغط وسعي اميركي لانجاز اتفاق مع كابول حول بقاء قواعد للحلف الاطلسي فيها، ناهيك عن الدور التي تلعبه كل من روسيا (دولة في المنظمة) وايران (دولة مراقبة) في عملية اجلاء واشنطن لقواتها من افغانستان كون هذه الدولة تعتبر من الدول “الحبيسة” اي ليس لها اي منفذ بحري يسهل عملية الاجلاء هذه.
  3. السعي للابقاء على منافذ بحرية واسعة (على المحيط الهندي، المحيط الهادئ، وحتى فتح طريق بحري في القطب الشمالي) بغية كسر الطوق الاميركي المسمى بــ “طوق الاناكوندا”، الممتد من الغرب والجنوب الغربي لروسيا، وهو ما يهم الاخيرة بالتحديد ولذلك لسببين، الاول الخروج من دائرة استهداف الدرع الصاروخية الموجودة في اوروبا والعمل على تطويقه بحراً، والثاني الخروج الى المياه الدافئة (من البحر الاسود الى المتوسط) عبر المنافذ الدولية التركية (الدردنيل والبوسفور).
  4. السعي الى الامساك بالاقتصاد العالمي عن طريق الخروج من بوطقة الدولار الاميركي كعملة عالمية تجارية. وما تجدر الاشارة اليه، ان البعض يرى بأن مجموعة دول البريكس هي التي ستقود العالم اقتصادياً في المستقبل خصوصاً بعد قرارها بإنشاء بنك مشترك بقيمة مئة مليار دولار، ورغبة التدول في التعامل بعملاتها المحلية بدلا من الدولار. من هنا، كان ضم بعض الدول القوية اقتصادياً كالهند الى البريكس بينما هي تحضى بصفة “دولة مراقب” في منظمة شنغهاي. لكن ما يؤخر قيام مثل هذا البنك، برأي البعض، يعود الى عدة عوامل اهمها:

–       عدم الرغبة بأسقاط الاقتصاد الاميركي الذي يعتمد على “البترو-دولار” مما قد يخلق ازمة عالمية كأزمة العام 1929 والتي ادت الى نشوء الحرب العالمية الثانية ولو بشكل غير مباشر، والازمة الاقتصادية التي بدأت عام 2008 وانعكاساتها على اسواق المال العالمية والتي ما زالت تردداتها تضرب حتى الآن؛

–       تحصيل الدول لديونها من الولايات المتحدة الاميركية، اذ ان ديون الولايات المتحدة المعترف بها حوالي 17.2 ترليون دولار، بينما قيمة ديون الصين وحدها من هذا العجز يفوق 1.6 ترليون دولار؛

–       تعتبر السوق الاميركية من اهم الاسواق التي تصرَّف فيها البضائع الصينية، فهي تمثل وحدها حوالي 40% من صادرات الصين الى الخارج؛

–       هاجس الولايات المتحدة، منذ فترة، واعرابها عن خشيتها على الاقتصاد العالمي بعد قيام الصين بتخفيض جزئي لعملتها المحلية “اليوان”، والذي سيؤدي الى زيادة في الطلب على المنتوجات الصينية، مما قد يضر اقتصادياً بواشنطن وحلفائها في العالم؛

–       ممارسة بعض من “الابتزاز السياسي” عن طريق الاقتصاد، ما ينعكس على مركز القرار في تلك الدول فتحاول اتخاذ خطوات، دولية او حتى مصيرية، ذات “الزوايا الدائرية” للحفظ على نفسها وقدرتها.

  1. وجود كميات ضخمة من الموارد الطبيعية (غاز ونفط) في دول المنظمة، فقد يرى كثيرون بأن ادخال بعض الدول غير الفاعلة على الصعيد السياسي العالمي (مثل كازخستان) مع دول عملاقة مثل الصين وروسيا امر غير منطقي. ولكن، بالاضافة الى ما ذكر آنفاً في البند الاول، هذا القول مردود عليه، اذ تكتنز هذ الدول خيرات طبيعية تقدر بمليارات الدولايات وخصوصاً الغاز الذي تسعى روسيا الى الحصول على تراخيص استخراجه وبيعه عبر شركة غاز بروم التي تمتلكها. والمثال على ذلك، ان وجود كازاخستان على شواطئ بحر قزرون يجعلها شريكة في الكميات الضخمة من الثروات والتي تم اكتشافها منذ فترة. من هنا تأتي اهمية هذه المنطقة “طاقوياً” اضافة لموقعها الجغرافي كخاصرة روسية.
  2. استعادة السيطرة على المواقع الاستراتيجية وخصوصاً المظائق، كمضيق “ملقا” الذي يصل المحيط الهادئ بالمحيط الهندي وتعتبر الطريق الغربي للتجارة الصينية نحو المتوسط وواروبا، ناهيك السعي الى تأمين مسارات الطاقة التي تمر في دول المنظمة خصوصاً بعد الازمة الاوكرانية ودفع روسيا الى الاتجاه شرقاً. ولقد برز ذلك ضمن الصفقة المهمة التي عقدت بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ بقيمة 400 مليار دولار في قمة شنغهاي الاخيرة. كما تسعى كل من روسيا والصين ايضاً الى تأمين مسارات الطاقة من خطوط غاز بروم التي تمتد الى البحر المتوسط، وعن خط الغاز الذي يمر من ايران الى افغانستان فباكستان وصولا الى الهند. اضافة الى ذلك كله، الرغبة في تنشيط اعادة طريق الحرير الذي هو محط اهتمام وكتابات العديد من المفكريم العالميين، مما يفسر جزءاً من الصراع على سوريه كونها ستكون نهاية طريق الحرير الآسيوية وبوابته الى اوروبا.

*باحث في العلاقات الدولية

هل تكون الجزائر نقطة صدام “طاقوي” اميركي-روسي؟!

علوان نعيم امين الدين*

تزامن الزيارتين قد لا يكون مقنعاً على رغم التبريرات. كلُّ يحمل في جعبته ملفات يطرحها على الطاولة. امير قطر يشرح وجهة نظر بلاده بعد سحب سفراء كل من المملكة العربية السعودية والبحرين والامارات العربية المتحدة، بالاضافة الى ملفات التعاون المشتركة، بينما وزير الخارجية الاميركي جيم كيري يحمل معه، وبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية الجزائرية عبد العزيز بن علي، قضية “الأمن ومحاربة الإرهاب وكل أشكال الجريمة المنظمة”، كون الجزائر تعتبر بحسب “الشركاء الاميركيين دولة محورية”، اضافة الى كونها جارة لكل من ليبيا ومالي، وضرورة البحث في ملفيهما لما في ذلك من تهديد للمنطقة.

هذا ما رشح عن المسؤول الجزائري لجو الزيارتين. ولكن، قد (ونقول قد) يكون هناك عدداً من القضايا التي تم تداولها “تحت الطاولة.” ليس كل ما يظهر الى العلن هو كل شيء في السياسة. كثيرا ما تحاك السياسات والاستراتيجيات خلف الكواليس.

الجزائر

من هنا يبرز تساؤل مهم. لماذا لا يكون للزيارتين “بُعد طاقوي”؟! لماذا أُختير هذا التوقت بالتحديد اي قبل الانتخابات الرئاسية الجزائرية؟! هل سيتم الرد على الضم الروسي للقرم وازمة اوكرانيا في الجزائر من قبل قطر والولايات المتحدة؟! هل ستقوم الأخيرة “بالثأر” من خلال قطع شرايين امدادات الخزينة الروسية عبر ضربها في “مقتلٍ” اي ايرادات الغاز التي تعتبر احد اكبر واقوى مصادر تمويل الخزينة الروسية؟!

قد يتساءل البعض عن الرابط بين هاتيتن القضيتين. ما دخل الجزائر، التي تبعد آلاف الكيلومترات عن كل من روسيا والولايات المتحدة، في الصراع بين الدولتين؟! الجواب على هذا التساؤل ابعد من الجزائر. قد يبدأ من نيجيريا تحديداً. انه انبوب الغاز العابر للصحراء او ما يعرف بــ “خط انابيب الغاز العابر لافريقيا”، الذي يبدأ من نيجيريا، ويمر في النيجر، ليصل الى الجزائر، ثم يتفرع الى عدد من الخطوط ابرزها خط تونس-جزيرة صقلية، وخط الجزائر-ايطاليا عبر سردينيا، وخط الجزائر-اسبانيا عبر خط “ميدغاز”، وخط الجزائر-اسبانيا ايضاً ولكن عبر المغرب (والذي جذب شركات “غازبروم” الروسية العملاقة للغاز وشركة “توتال” الفرنسية والشركة الوطنية الجزائرية للنفط وغيرها للإستثمار فيه).

يعد المشروع النيجيري-الجزائري المعروف بـ “نيغال” ( NIGAL pipeline) من أهم المشاريع الهيكلية في قطاع الطاقة في إفريقيا، وقد شُرع في تجسيده “بعد التوقيع على مذكرة تفاهم بين سوناطراك (هي شركة عمومية جزائرية شكلت لاستغلال الموارد البترولية في الجزائر انشئت عام 1963) والشركة الوطنية النيجيرية للنفط في جانفي عام 2002، ثم تطور المشروع مع التوقيع في 2005 مع مجموعة “بانسبان” للقيام بدراسة جدوى وافية، وأعيد تجديد مذكرة التفاهم التي انضمت إليها النيجر في أبوجا عام 2009، إلا أن التغييرات التي حصلت في الجزائر ونيجيريا أوقفت المشروع.” هذا الانبوب يمتد إلى أكثر من 4128 كم، أكبر جزء منه يقع في الجزائر بمسافة تبلغ 2310 كلم، مقابل 1037 كلم في نيجيريا. وظل مشروع أنبوب الغاز نيغال هذا رهن التمويل بالنظر لتكلفته العالية التي قاربت 20 مليار دولار، وهي قيمة لا يمكن أن تضمنها الدولتان الرئيسيتان بمفردهما.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه هيئات دولية متخصصة منها البنك الأوروبي للاستثمار ومجمع غازبروم وعدة شركات دولية اهتمامها بالمشروع ولمحت إلى إمكانية المساهمة في تمويله في سياق ضمان تموين السوق الأوروبية بكميات إضافية من الغاز، إلا أن استفحال الأزمة في أوروبا وتأثيراتها على استهلاك الغاز أثر سلبا في مشروع يستغرق 5 سنوات على الأقل لإنجازه، ولن يكون جاهزا قبل 2018″، علماً بأن الطاقة الانتاجة السنوية لهذا الانبوب تبلغ القدرة 18-30  مليار متر مكعب.

ايستر-الجزائر

ولاعادة استكمال هذا المشروع، قالت الحكومة النيجيرية “إنها ستنفق 400 مليون دولار على خط غاز غرب أفريقيا الذي سيمتد من نيجيريا إلى الجزائر، والمتوقع أن يتم الانتهاء منه بحلول عام 2018، وذلك في إطار مساهمتها في تمويل إنشاءات الخط،” وقال المدير العام بالإنابة للجنة التنظيمية للبنية التحتية النيجيرية جاجي بيلو “إن نيجيريا خصصت بالفعل 400 مليون دولار من ميزانية 2013 للمشروع في إطار التزامها بالمساهمة في تمويله”، واصفا المشروع بأنه خطوة اقتصادية هامة لبلاده في غرب أفريقيا.

بالعودة الى العام 2009، قام رئيس روسيا السابق ديمتري ميدفيدف بزيارة الى نيجيريا، اثمرت عن توقيع 6 وثائق خلال المباحثات بين الطرفين في مجالات الطاقة والاقتصاد، من بينها معاهدة تأسيس شركة مشتركة روسية نيجيرية ستعمل على إستخراج الغاز الطبيعي ومعالجته، علما أن الطرف الروسي سيحصل بفضل عقد هذه المعاهدة على إمكانية توظيف الإستثمارات بمبلغ 2.5 مليار دولار في مشروعات إستخراج وتكرير ومعالجة النفط والغاز في نيجيريا.

واشار ميدفيدف الى “أن حجم الإستثمارات الروسية في قطاع الطاقة النيجيري سيبلغ مليارات الدولارات إذا عملنا على تنفيذ جميع الخطط التي تضمنتها الوثائق الموقعة بين الطرفين اليوم”، مضيفا “أن المقصود مد خطوط الأنابيب الجديدة في القارة الإفريقية.” من جانبه أشار الرئيس النيجيري إلى “إحتمال جذب الشركاء الروس إلى مشروعات مد خط الأنابيب عبر إفريقيا وكذلك خط الأنابيب الرئيسي عبر الصحراء الذي سيربط نيجيريا بأوروبا.” علماً بأن حجم الاستثمارت الروسية الحالية في نيجيريا وصلت الى حدود الــ 30 مليار دولار تقريباً.

الجزائر 2

اضافة الى ذلك، ذكر مسؤول بشركة غازبروم الروسية العملاقة “ان الشركة تريد استثمار 5.2 مليار دولار على الأقل في تنمية احتياطيات الغاز الطبيعي في نيجيريا وانتاجه.” ونقلت صحيفة البيان الاماراتية عن المسؤول بالشركة الذي يعمل في نيجيريا انه علم أن حجم برنامج الاستثمار في نيجيريا يبلغ نحو 5.2 مليار دولار، 90% منها لتطوير انتاج الغاز ومعالجته ونقله.” وبحسب الدراسات الجيولوجية، تملك نيجيريا سابع أكبر احتياطيات من الغاز في العالم. وتجري غازبروم أكبر شركة للغاز في العالم محادثات مع مؤسسة البترول الوطنية النيجيرية لتنفيذ مشروعات مشتركة عديدة.

ولربط الموضوع بشكل اوضح ومدى اعتبار الجزائر نقطة تصادم طاقوية جديدة بين “العملاقين”، يجب الاشارة الى عدد من النقاط المهمة:

  1. قطع الطريق على روسيا من خلال ضرب مشروع انابيب نيغال عند وصوله الى الجزائر اذا لم تستطع ذلك في نيجيريا او النيجر، وتشجيع الدول الاوروبية للاعتماد على الغاز الجزائري. لهذا، اقترح الرئيس الاميركي باراك اوباما، وخلال زيارته لبعض الدول الاوروبية اواخر آذار/مارس الماضي، على الحكومات بضرورة الاعتماد على الغاز الجزائري للتحرر من تبعية الغاز الروسي، وذلك في اطار تنويع مصادر الطاقة، اذ ان بعضها الاول يعتمد ما نسبته 100% على الغاز الروسي (كفنلندا وبلغاريا وسلوفاكيا)، وبعضها الثاني يعتمد ما نسبته 60-80% (بولندا وتشيكيا والمجر واليونان والنمسا)، وبعضها الثالث يعتمد على ما نسبته 20-40% (فرنسا وايطاليا والمانيا)؛
  2. التسابق الى كسب استثمارات قطاع الغاز في الجزائر، اذ كشف وزير الطاقة الجزائري يوسف يوسفي عن أن السلطات ستطلق جولة جديدة لتراخيص النفط والغاز في الأسابيع المقبلة، وتخطط لبناء خمس مصافٍ نفطية لمضاعفة طاقتها الإنتاجية، لكنه لم يقدم تفاصيل عن المواعيد المحتملة لتشييد تلك المصافي؛
  3. المخزون الطاقوي الضخم الذي تختزنه الجزائر، اذا يقول وزير الطاقة “إن حصيلة التنقيب عن النفط والغاز العام الماضي (2013) كانت مرضية للغاية، حيث تم اكتشاف 32 بئراً جديدة للنفط والغاز، وهو ما يفوق حصيلة عام 2012 بثلاث مرات، وأشار إلى أن هذه الاكتشافات الجديدة سترفع إنتاج بلاده من النفط بنسبة 50% في العشرية المقبلة. وتنتج الجزائر حاليا 1.2 مليون برميل من النفط يوميا”، كما اشارت دراسة اميركية بأن الجزائر ستحتل، في غضون خمس سنوات (2013-2017)، المرتبة الثالثة من بين البلدان الاكثر استثماراً للنفط في منطقة شمال افريقيا والشرق الاوسط بعد السعودية والامارات؛
  4. تستغل الولايات المتحدة المنافسة بين الجزائر وروسيا في الاستحواذ على السوق الاوروبية، مما يسهل على واشنطن او الدوحة عقد اتفاقات جديدة مع الجزائر من اجل تمويل السوق الاوروبية (ولو بجزء منها) بالغاز خصوصاً بعد التهديد الروسي بقطع امدادات الغاز عن اوروبا عبر اوكرانيا بعد الازمة التي حدثت فيها. وتعتبر شركة سوناطراك الجزائرية من ابرز الشركات العاملة بهذا القطاع في العديد من الدول، ومنها مالي وليبيا، كما انها تعمل في بعض الدول الاوروبية (إسبانيا، إيطاليا، البرتغال، بريطانيا العظمى)، في أمريكا اللاتينية (البيرو) وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية. وتحتل سوناطراك المرتبة الأولى في إفريقيا، والثانية عشر في العالم، وهي أيضا رابع مصدّر للغاز الطبيعي المميّع وثالث مصدّر عالمي لغاز البترول المميّع وخامس مصدّر للغاز الطبيعي. وتعتبر الجزائر الدولة الثالثة بعد روسيا والنروج في تغذية اوروبا بالغاز؛
  5. رغبة الجزائر في رفع قدرتها الانتاجية الى 85 مليار متر مكعب من الغاز. وهذا الامر، كان السبب في الخلاف الذي حدث بين الجزائر وايطاليا على خط “غالكسي” الذي لم تستطع ايطاليا تنفيذه وتريد الاستعانة بالشركات الروسية والنمساوية لاستكماله، حيث اعدته الجزائر اضراراً بمصالحا كون ايطاليا تتجه الى شركات منافسة لشركتها الوطنية وتنوي الاتصال بخط انابيب السيل الجنوبي الروسي، وهو ما كلفها خسارة، بحسب الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول في تصريح لجريدة الفجر، تزيد عن 200 مليون دولار؛
  6. التكامل الاميركي-القطري على مستوى الطاقة ويبرز في العديد من الاماكن. فالعديد من الباحثين يرى بأن اساس الازمة السورية لا يقع في مطالب الشعب بالديمقراطية، بل في ايصال خط الغاز القطري عبر حمص السورية الى اوروبا لمنافسة الغاز الروسي وضربه، وايصاله الى خط غاز “نابكو” كي يكون رافداً له الى اوروبا. ويرى الدكتور عماد رزق، في مقال له بعنوان “480 مليار دولار استشمارات قطرية تحكم العالم”، ان قطر تستثمر في الجزائر “بحوالي خمسة مليارات دولار في قطاع الطاقة خوفاً من خروج نفط وغاز الجزائر الى جهات تنافس قطر، وهذا ما يصبح أوضح عندما نرى الاستثمارات القطرية في المغرب والتي تزعج السعودية”، ويضيف بانها تمتلك 5% من شركة “توتال” الفرنسية”، و”تستثمر في “رويال دوتش شل” البريطانية–الهولندية، والعين على شركة “ايني” الايطالية، يؤكد أن استراتيجية الاستثمار لتعزيز النفوذ على قطاع الطاقة وبالتحديد الغاز الطبيعي والمسال، لذلك يصبح واضحاً التدخل القوي لقطر في ليبيا للمقايضة مع إيطاليا”؛
  7. توقيت الزيارة مع بدء حملات الانتخابات الرئاسية، يبعث على الريبة. فواشنطن قد تقوم بمقايضة عنوانها “الرئاسة مقابل الغاز”. ويرى البعض بأن وتصريح الخارجية الاميركية بأن الزيارة جاءت عادية وليس لها خلفيات كما اُشيع، يشكك في ان واشنطن قامت بعقد اتفاق “جنتلمان” على الاساس الذي ذكره اعلاه؛
  8. بعد الحديث عن الاموال القطرية ودورها في تمويل الجماعات الاسلامية المسلحة، يرى البعض بامكانية قيام قطر بتحريك هذه المجموعات لضرب اي مشروع روسي للاستثمار في قطاعات الطاقة. وعلى سبيل المثال (لا الربط بين هذه المجموعات والتمويل القطري)، يأتي أعلان حركة تحرير إقليم دلتا النيجر “ميند” أنها ستقوم بأعمال تخريبية في مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء المقترح لنقل الغاز النيجيري إلى الأسواق الأوروبية، وقالت حركة ميند في بيان عبر البريد الإليكتروني لوسائل الإعلام إن “الذين يجرون محادثات مع (الأشخاص الخطأّ) في أبوجا حول الإستثمار في مشروع أنابيب الغاز العابر للصحراء ستكون إستثماراتهم في مجال غير حكيم لأننا صممنا على تخريب المشروع منذ بدايته”؛ ويذكر أن قطاع الطاقة النيجيري يواجه صعوبات بالغة بسبب هجمات المتمردين والإجراءات الحكومية ضد الشركات الأجنبية، اذافة الى الهجمات التي تعرضت لها منشآت الغاز الجزائرية عام 2013، حيث “أغلقت المشروعات التي تديرها سوناطراك الجزائرية الحكومية بمشاركة “بي بي” و”شتات أويل” النرويجية بعد هجوم على وحدة الغاز في إن أميناس نفذه متشددون إسلاميون في يناير/كانون الثاني (2013) أسفر عن مقتل 40 شخصا من العاملين هناك.”

تبقى هذه النقاط للنقاش، علماً بأنها ربط للاحداث يترافق مع نظرة تحليلية ودراسات ووقائع عملية على الارض.

 

*باحث في العلاقات الدولية

عُمان: بين الدور السياسي والموقع الاستراتيجي

علوان نعيم امين الدين*

دولة “منسية سياسياً”. ليس لها علاقات متوترة مع احد. نائية عن “الثورات العربية”. ذات طبيعة خلابة تفوح منها رائحة العنبر برغم صحراوية القسم الاكبر منها.

سلطنة عمان

لكن الباحث في العلاقات الدولية، لا يمكن له ان يتجاهل الدور الذي لعبته عُمان في عدد من القضايا الدولية وآخرها الاتفاق النووي الايراني مع الغرب. فمن يراقب هذه الدولة، يمكن ان يخرج ببعض النقاط، اهمها:

  1. الموقع الاستراتيجي هو عامل قوة لهذه الدولة، خصوصاً اذا ما نظرنا الى محافظة مسندم التي تفصل بينها وبين بقية المحافظات دولة الامارات العربية المتحدة، وتبلغ مساحتها حوالي 1800 كيلومتر. وهذه المحافظة تقع على “فم” مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي تمر منه حوالي 40% من نفط العالم؛
  2. الهدوء السياسي الموجود فيها يعود الى طبيعة النظام الحاكم. فهو نظام يحكمه سلطان دون وجود احزاب سياسية. الا ان البعض يرى ان مستقبل عُمان السياسي قد يتعرض للخطر بسبب عدم وجود وريث للسلطان الحالي قابوس بن سعيد، لكن الدستور العُماني قد حل الموضوع في المادتين الخامسة والسادسة منه، اذ تنص المادة الخامسة على ان “نظام الحكم سلطاني عماني وراثي في الذكور من ذرية السيد تركي بن سعيد بي سلطان ويشترط فيمن يختار لولاية الحكم من بينهم ان يكون مسلماً رشيداً عاقلا وابنا شرعيا لابوين مسلمين.” اما المادة السادسة فتنص على ان “يقوم مجلس العائلة الحاكمة، خلال ثلاثة ايام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تنتقل اليه ولاية الحكم. فاذا لم يتفق مجلس العائلة الحاكمة على اختيار سلطان للبلاد قام مجلس الدفاع بتثبيت من اشار به السلطان في رسالته الى مجلس العائلة”؛
  3. انتهاء “الربيع العربي” على اعتاب بداياته على الرغم من بعض الاحتجاجات المحدودة التي شهدتها السلطنة في ولاية صحار للمطالبة برفع الرواتب وإنهاء الفساد وإيجاد المزيد من الفرص الوظيفية، والمزيد من حرية التعبير وتقليل الرقابة الحكومية على الإعلام ولم تطالب بإسقاط نظام الحكم، فرد السلطان قابوس بن سعيد بإقالة ثلث أعضاء حكومته من مناصبهم؛
  4. يتمتع الشعب العُماني بأخلاق عالية، وهذا ما تعترف به العديد من الشعوب العربية الآخرى، اذا يتميز بسهولة التعامل معه وطريقه اللبقة في التعامل مع الآخرين سواء داخل السلطنة ام خارجها؛
  5. المحافظة على التمايز من خلال رفض الدخول في اطار خليجي اقتصادي مشترك او موحد، بحيث تريد عُمان الابقاء على خصوصية معينة لها تمنحها هامش من الحركة، خاصة وان بعض دول الخليج تعاني من مشاكل فيما بينها، وبينها وبين بعض من الدول الاقليمية المجاورة؛
  6. عدم الدخول في اطار العملة الخليجية الموحدة، اذ ترى بان المنطقة تحتاج الى استقرار اقتصادي شامل قبل السعي الى توحيد عملة دول مجلس التعاون الخليجي؛
  7. ان المذهب “الاباضي”، التي يعتنقه اكثر من 75% من سكان هذه الدولة، لعب دوراً اساسياً في “نأي” عُمان بنفسها عن الكثير من قضايا الخليج العربي بل تمايزت عنها في اغلب الاحيان؛
  8. عدم وجود نزعة لحل الصراعات عسكرياً، وهو ما تبين من خلال رفضها توسيع قوات درع الجزيرة، حيث صرح وزير الخارجية العُماني يوسف بن علوي، على هامش منتدى الامن الاقليمي الذي عقد في العاصمة البحرينية المنامة في كانون الاول/ديسمبر 2013، بأن منطقة الخليج قد شهدت “تهديدات طيلة القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، قبل النفط ونحن نواجه تهديدات وتحديات كثيرة، وبعد النفط اهتم الغرب بمنطقتنا واصبح له مصالح في منطقتنا وهو الآن ملتزم بأمن المنطقة، وعندما غزا صدام حسين الكويت تدخلت القوات الغربية على الفور وعلى هذا الاساس سيبقي التعامل مع التهديدات العسكرية مسؤولية غربية لان لديهم مصالحهم هنا، اقولها بصراحة لسنا على استعداد عسكري لمواجهة جيراننا.” يضاف الى ذلك موقف عُمان المستجد والمغاير (كالعادة) ضمن اجتماع الاتحاد البرلمانات الدولي منذ يومين والذي أيدت فيه (مع العراق والجزائر) مطلب سوريه لجهة تضمين البيان الختامي موقفاً ضد الارهاب وادانة الدول الداعمة له؛
  9. رعاية المفاوضات الايرانية-الاميركية السرية لمدة خمس سنوات، حيث كانت الحرب الاعلامية قائمة بين الدوليتين بينما الدبلوماسية السرية تعمل في صمت، عبر المفاوض الاميركي السفير وليم بارنز، ووفود ايرانية كانت تأتي سراً عبر الخليج للتفاوض على اقليمها؛
  10. الدور الذي لعبته في الازمة السورية من خلال استضافتها لجولة من المفاوضات بين الدول الكبرى لحل الازمة السورية، ويقول الكاتب فهد الخيطان في هذا الاطار بأن وفدأ من المعارضة السورية اتجه الى عُمان لايجاد حل للازمة. وافادت معلومات خاصة لنا بان السلطان قابوس بن سعيد كان وسيطاً بين ايران والولايات المحتدة في الوقت التي اعلنت فيه الاخيرة التدخل عسكرياً في سوريه على خلفية ازمة استخدام الاسلحة الكيماوية واوصل العديد من الرسائل المتبادلة التي ساعدت على اعادة الهدوء الى الملف الساخن.

 

*باحث في العلاقات الدولية

 

(ينشر بالتزامن مع موقع الهدهد على الموقع التالي: www.elhodhod.com)

 

المراجع:

  1. فهد الخيطان، الازمة السورية تحط في عمان، على الرابط التالي: http://factjo.com
  2. ويكيبيديا
  3. http://www.alhurra.com
  4. http://www.aleqt.com
سيادة الدول في زمن التدخلات

في ظل التشابك في العلاقات الدولية، يبرز الى الواجهة موضوع قديم جديد يتناول سيادة الدولة في ظل عالم متحول قد يصبح يوماً ما بلداً واحداً، وما يبرر ذلك انه من احد اهداف قيام الامم المتحدة عام 1945 (السبب الرئيسي كان منع الحروب خاصة الكونية منها) ايجاد حكومة عالمية لتوحيد القواعد القانونية المشتركة عبر وخلال الاتفاقيات الدولية.

أ. مفهوم سيادة الدولة:

ان السيادة هي السلطة العليا التي لا تحدها اية سلطة من ايه جهة كانت، حيث تنشأ عنها صلاحيات أو اختصاصات الدولة، واتجت آراء الفقه القانوني نحو اعطاء السيادة مفهوماً مطلقاً ونحو جعل صلاحياتها اعلى واسمى من صلاحيات اية مؤسسة اخرى. فالسيادة هي مصدر الصلاحيات التي تستمدها الدولة من القانون الدولي.

ب. أنواع السيادة وآثارها:

السيادة نوعان: سيادة داخلية حيث تستخدم الدولة كامل سلطاتها لضمان قيامها بوظائفها الني تتعلق بكل ما يجب ان يحمي الدولة وتطورها، وهذه السلطة تمارس على مواطنيها والاجانب (مع بعض الاستثناءات كالاتفاقيات الدولية لتنظيم العلاقات الدبلوماسية، القنصلية، او حتى الامتيازات الاجنبية منها… الخ).

اما سيادة خارجية وهي صلاحيات تمارسها الدولة خارج اقليمها، وتعتبر اقل امتداداً من تلك الصلاحيات التي تتعلق بالسيادة الاقليمية، وذلك اما لأن المكان الذي تمارس فيه هذه الصلاحيات يتعلق اساساً بسيادة اقليمية اخرى، او لأن هذا المكان الذي يعتبر مشتركاً، تجد الدولة نفسها باتجاه منافسة مع دول اخرى تملك نفس الصلاحيات. وما تجدر الاشارة اليه، أن السيادة الخارجية قد تكون تامة (الدول المستقلة استقلالاً تاماً) وناقصة السيادة (كالدول المحمية).

ولهذه السيادة المزدوجة آثار على الصعيدين الداخلي والخارجي. داخلياً، لقد اعطى القانون الدولي صلاحيات محددة للدولة في هذا المجال بحيث تمارس سيادتها على مواطنيها واقليمها من خلال سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. اما الدولياً، فتبرز من خلال اعتبارات عديدة اهمها أن لكل دولة سيادتها وقراراتها، وعدم تبعيتها لأي دولة اخرى، حيث يمتنع احد عن التدخل بشؤونها (الداخلية خصوصاً) والعكس صحيح.

جـ – مظاهر ممارسة السيادة:

فيما يلي، بعض مظاهر السيادة التي تمارسها الدول، اهمها:

داخلياً:

– وضع دستورها وشكل الحكم فيها؛

– سن التشريعات والقوانين والانظمة؛

– هيكيلة الدولة وتقسيم سلطاتها واختصاص كل منها؛

– وضع قوانين الانتخاب والاحزاب؛

– ضبط حدودها البرية والبحرية والجوية وممارسة سياسة الضبط والبوليس عليها.

خارجياً:

– الانضمام الى المنظمات الدولية؛

– توقيع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية؛

– قبول البعثات الدبلوماسية والقنصلية، واعتبارها غير مرغوب فيها حسب اتفاقيتي فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961) والقنصلية (1963)… ألخ.

 

دـ- تقييد السيادة:

في مقابل حق السيادة المطلق (كما يراه بعض الفقه)، توجد بعض القيود الارادية (التي يقوم بها الدولة طواعية) او غير ارادية (تفرض عليها)، واهمها:

– داخلية: وهو تقييد ذاتي من خلال دستور الدولة وقوانينها المرعية الاجراء، حيث يمكن ان يتم استخدامها من قبل دول اخرى للتدخل في شؤونها والضغط عليها، واهم الامثلة على ذلك الشركات والكتل الاقتصادية الكبرى في العالم التي تقوم بتنفيذ التزامات معينة، اذ غالباً ما تعطى هذه الشركات امتيازات كبيرة في عقود التلزيم لا يظهر مداها وخطورتها الا بعد وقوع خلاف بين الدولة والشركات الملتزمة واللجوء الى التحيكم المناط بالمراكز الدولية كمركزي واشنطن للتحكيم وباريس، والذان عادة ما يفرضان تعويضات مالية خيالية، وهذا ما حذا بالمشرع المصري الى حصر مهمة التحكيم في عقود نقل التكنولوحيا (على سبيل المثال) بالقانون والقضاء المصريين، بعد معاناة الحكومة المصرية من دفع تعويضات خيالية ارهقت ميزانية الدولة.

– ميثاقية: يجب على الدول القيام بتنفيذ التزامات والقرارات الدولية عملا بميثاق الامم المتحدة الموقعة عليه، فلا يجوز لها مثلا التنصل من قرارات مجلس الامن او الاتفاقيات الجماعية او الثنائية التي قامت بعقدها بارادتها.

– تكنولوجية: بفضل التقدم التكنولوجي، اصبحت المجالات الاساسية للسيادة الاقليمية مفتوحة ومستباحة، واصبح الاقوى تكنولوجيا يتمتع بقدرة فائقة على اكتشاف ما يجري عند الآخرين ومعرفة ادق اسرارهم دون استئذانهم، ابرزها على سبيل المثال عمليات التنصت والتقاط الصور بواسطة الاقمار الصناعية. والخطورة في مثل هذه التصرفات لا تكمن في افراغ السيادة من مضمونها او فاعليتها فقط، بل تكمن ايضا واساسا في انها لا تعد خرقا للقانون الدولي العام.

– اقتصادية: عادة ما تقوم الدول الكبرى بالضغط على الدول الصغيرة للتدخل في امور تعد ضمن شؤونها الداخلية الخالصة عبر المعونات او الهبات الاقتصادية التي تقوم بمنحها لها، وافضل مثال عربي على ذلك الهبات المقدمة من الولايات المتحدة لجمهورية مصر العربية والتهديد الدائم بوقفها حال عدم تنفيذ التوصيات الاميركية.

كما يشمل التدخل الاقتصادي فرض العقوبات الاقتصادية (العقوبات الدولية على ايران بسبب برنامنجها النووي)، وتجميد الارصدة المالية للدول (تجميد اموال ايران من زمن الشاه لدى المصارف الاميركية بسبب الثورة الاسلامية المناهضة لسياستها)، وعدم منح القروض المالية، والقيام حصار بحري وجوي (حصار الولايات المتحدة لكوبا، وليبيا بسبب حادثة لوكربي).

– دبلوماسية: قيام بعض سفراء الدول الكبرى بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول، مخالفين بدلك المبادئ والاتفاقيات والاعراف الدبلوماسية، وخير مثال يمكن ذكره التدخل المستمر في لبنان من قبل بعض سفراء الدول العظمى والسعي الدؤوب لدى الحكومات المتعاقبة من اجل نزع سلاح المقاومة.

كما يظهر الضغط من خلال سحب السفراء، وتقديم الاحتجاج لرئيس الدول او الحكومة (بحسب نظام الحكم فيها).

– انسانية: مع اهتمام الامم المتحدة المتكرر بالمعضلات الداخلية للدول طُرحت فكرة التدخل الانساني الذي اثار جدلا واسعا حول مشروعيته وآلياته ومبرراته وعمليات تنفيذه. فالدول الكبرى المسيطرة على مجلس الامن تؤيد مبدأ التدخل، لانه يتيح لها فرصة تحقيق بعض المكاسب دون التعرض لتهمة التدخل في الشؤون الداخلية للغير، في حين ان الدول الصغرى ترفض المبدأ.

يؤكد البعض ان مبدأ التدخل الدولي لأغراض انسانية اضحى امراً وارداً، له ما يسوغه قانونا، ولكن يجب مراعاة اربعة ضوابط اساسيه عند استخدامه، وهي:

أ – اعتبار هذا التدخل استثناء من القاعدة العامة بعدم التدخل في شؤون الداخلية للدول؛

ب – اعتبار هذا المبدأ آخر البدائل المتاحة، مع الالتزام بان هذا المبدأ لن ينتج اثاراً اكبر واشد خطورة مما لو ترك الامر برمته لعهدة الدولة المعنية؛

جـ- وجوب رفض التدخل من جانب دولة واحدة، او عدد محدود من الدول حتى ولو كان ذلك بدعوى حماية المواطنين او انقاذ الرعايا من مخاطر محتملة؛

دـ – وجوب الاعتماد على المنظمات الدولية او الاقليمية للقيام بتدخل جماعي مدروس ومنظم بعيدا عن الاهواء.

ان تدخل المجتمع الدولي من خلال الامم المتحدة يحتاج الى سند الحكمة والعدالة والتجرد والى تقييم جماعي مدروس للحالات التي تستدعي مثل هذا التدخل. ومما لا شك فيه ان التزام الدول المبادئ والقوانين الدولية والانسانية المتعلقة بحقوق الانسان يشكل احدى الوسائل المطلوبة للحيلولة دون استغلال هذه الموضوعات بغية التدخل في شوؤنها.

 

في الختام، ان هذه التدخلات بانواعها تُفرض على الدول الضعيفة ومتوسطة القوة، اذ لا يعقل ان تفرض على الدولة القوية ذات السطوة العسكرية والاقتصادية.

 

المراجع:

– أ.د علي حسين الشامي، الدبلوماسية: نشأتها وتطورها وقواعدها ونظام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، الطبعة الثانيه، 1994.

– غي آنيل، قانون العلاقات الدولية، ترجمة نور الدين اللباد، مكتبة مدبولي، القاهرة – جمهورية مصر العربية، الطبعة الاولى 1999.

– أ.د محمد المجذوب، القانون الدولي العام، دار الحلبي الحقوقية، بيروت – لبنان، الطبعة الخامسة، 2004.

– أ.د ابراهيم شيحا، الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري، الدار الجامعية، بيروت – لبنان، 1995.

– شريف عتلم ومحمد ماهر عبد الواحد، موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الانساني، اصدار بعثة اللجنة الدولية للصليب الاحمر بالقاهرة، القاهرة – جمهورية مصر العربلية، الطبعة الرابعة، 2002.

– Basic Facts about United Nations, United Nations, New York, 2004.

تسليح الدول والتأثيرات المتعددة

علوان نعيم امين الدين*

تتسابق الدول الكبرى فيما بينها للفوز بعقود تسليح الدول، فتقوم بعقد الصفحات التي قد تتجاوز المليارات من الدولارات. وهذا ما ادى، وفي بعض الدول الكبرى، الى خلق “كارتال” اقتصادي ضخم يساهم بشكل كبير في رسم معالم السياسة الخارجية للدولة احياناً كثيرة، خصوصاً اذا ما كانت تلك الشركات مملوكة من القطاع الخاص (الولايات المتحدة مثلا) وليست تابعة للدولة.

وكثيراً ما دفعت هذه الكارتلات الدول الى الحرب اما لتصريف انتاجها المكدس، او تجريب انواع جديدة من الاسلحة لمعرفة مدى فعاليتها، والتعديلات او التحسينات التي يجب ادخالها عليها.

3303-1-500x266

اضافة الى ما سبق، هناك العديد من الاهداف التي تسعى اليها الدول من خلال عقود التسليح هذه، اهمها:

  1. تحقيق منافع اقتصادية: ان هذه العقود تجلب للخزينة عشرات المليارات من الدولارات، خاصة وان بعض الدول تعتبرها جزءاً اساسياً من مداخيلها المالية؛
  2. الامساك بقوة الدول: ان الامر لا تقتصر على المداخيل المادية فقط، بل يتعداه الى الامساك بعصب القوة لدى الدولة ذاتها. فمن معايير قوة الدولة امتلاكها لاسلحة نوعية وقادرة على تحقيق الاهداف التي تصبو اليها. لا ينتهي الامر عند هذا الحد، فالتسليح وحده لا يفكي اذ ان الدول التي تستخدم السلاح سترتبط بشكل او بآخر بالدولة التي استوردت السلاح منها وذلك في مجالات عديدة، اهمها نوعية الذخيرة، قطع الغيار والصيانة (خصوصاً في حال وجود معدات ثقيلة كالدبابات، القطع البحرية، الطائرات، اجهزة الاتصال المتطورة والرصد)، الاستعانة بالخبراء لتشغيل او تدريب الكارد البشري لديها.. الخ؛
  3. تبعية سياسية: قد لا يكون الهدف من التسليح مادياً دائماً، فقد تقوم بعض الدول بعقد صفقات اسلحة بأسعار تشجع الدولة على شرائها، او حتى منحها لها على سبيل الهبة، لكن القصد الاستراتيجي يتمثل في السيطرة او التأثير على قراراتها التي تنوي أخذها مما يجعلها تابعة سياسياً للدولة البائعة او المانحة، واحياناً ابعد من ذلك ربطها بمحورها، مما قد يؤدي في المستقبل الى تشكيل حلف عسكري على غرار حلف شمال الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة، او حلف وارسو الذي كان يقوده الاتحاد السوفياتي السابق؛
  4. التحكم بنوعية الاسلحة المصدرة: تتحكم الدول بنوعية الاسلحة التي تبيعها او تهباها بحسب مصالحها الاستراتيجية حتى لو كانت الدول التي تريد هذه الاسلحة غنية وتستطيع دفع ثمنها وتغطية تكاليفها. فقد يكون هدف الدول المصدرة هو كسر التوازن العسكري بين دولة حليفة لها مع اخرى تعاديها سياسياً او ايديولوجياً او اقتصادياً، او على العكس من ذلك اي احداث توازن معين او “ستاتيكو” بين دولتين او في منطقة معينة. اضافة، يوجد عدد من الاسلحة التي تحتفظ بها الدول لنفسها فقط، كالاسلحة النووية والذرية مثلا، بهدف ضمان بقائها والتأكد من عدم استعمالها ضدها في المستقبل، او الخوف من ان تصبح الدول الاخرى متساوية لها في القوة.

هل ادرك الغرب خطر تسليح القاعدة والنصرة؟+فيديو

في المقابل، هناك عوامل اخرى خاصة بالدولة المشترية تتحكم في صفقات الاسلحة العسكرية، يتمثل ابرزها في:

  1. قدرات الدولة: خصوصاً المالية منها لجهة الاموال التي ترصدها لشراء الاسلحة التي يتطلبها جيشها، اذ ان هناك اسلحة متطورة لكن كلفتها المالية باهضة جداً وقد تفوق الاموال الملحوظة؛
  2. قدرات الدولة البشرية: من حيث عديد جيوشها، فالدولة التي يكون عدد افراد القوات المسلحة فيها كبير العدد تحتاح الى كمية اكبر من الاسلحة مما يعني زيادة في الانفاق من الموازنة ايضاً؛
  3. مستويات التعليم: في بعض الدول، يحدد المستوى التعليمي لافراد القوى العسكرية نوعية الاسلحة، فقد لا يستطيعون تشغيل هذه الاسلحة او معرفة كيفية استخدامها بسبب تدني مستواهم التعليمي. هذا الامر حذا ببعض الدول الى استقدام عناصر مسلحة من دول اخرى لاستعمال هذه الاسلحة وتدريب قواتها المسلحة على كيفية استخدامها؛
  4. الهدف من التسليح: ان هدف الدول من انواع الاسلحة هو الذي يحدد نوعية الاسلحة التي يجب ان تعقد الصفقات لشرائها. من هنا، قد يكون هدف الدولة هجومياً فتقوم بشراء الاسلحة التي تخدم هذه الغاية، وقد يكون الهدف من التسلح دفاعياً لمواجهة اي خطر محتمل او محدق بها؛
  5. قدرات العدو والتهديدات المفترضة: ان نوعية الاخطار التي تواجه الدولة تفرض عليها ايضاً نوعية الاسلحة التي عليها إقتناؤها، فالخطر “الاسرائيلي” المحدق بلبنان (على سبيل المثال) هو وجود سلاح جو قادر وفاعل، دون ان يكون هناك بالمقابل سلاح موازٍ او على الاقل اسلحة مضادة لمقاومة هذا الخطر وكسر مبدأ الاختلال في القوى؛
  6. التضاريس الجغرافية: ان جغرافية الدول تحدد نوع الاسلحة التي تتناسب مع طبيعتها، فالدول الصحراوية يختلف تسليحها عن الدول ذات الطبيعة الجبلية، وتسليح الدول الحبيسة (التي ليس لها ايه منفذ على البحر) قد يركز على الاسلحة البرية والجوية دون البحرية (على سبيل المثال)؛
  7. الاتفاقيات الدولية: قد تعيق بعض الاتفاقيات التي تعقدها الدول او التي تفرض عليها من حريتها في اختيار الاسلحة التي تريد. بعض الاسلحة صدرت بشأنها اتفاقيات دولية تحذر اقتناؤها مثل الاسلحة الحارقة (النابالم مثلا) بسبب الاخطار الضخمة التي تفوق الغالية من استعمالها (اذا ما تحدثنا عن الاسلحة التقليدية)، ناهيك عن الاسلحة النووية والكيميائية. اضافة الى ذلك، قد يكون تقييد الدول من اقتناء الاسلحة سببه وثيقة استسلام بعد انهزامها في الحروب واعتبار تسليحها يشكل خطر على السلم والامن الدوليين، او خوفاً من نوايا توسعية مستقبلية. هذا ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية مع كل من اليابان التي منعت من التسلح بشكل كبير فاتجهت الى القطاعات التكنولوجية، والمانيا التي قسمت الى قسمين، المانيا الشرقية والغربية، وتم تحديد عديد جيوشها وخفّضت نسبياً عدد معداتها العسكرية.

NB-17263-635330577744342372

لا يبقى على الدول القادرة سوى اقامة مصانع الاسلحة الخاصة بها، واستخدام خبرات ابنائها في تطوير وتسليح جيوشها لفك الارتباط بالخارج، على ان لا تأخذ الموازنة العسكرية الجزء الأكبر من الموازنة على حساب ترقية شعوبها وتطويرها، وانفاق الاموال على انشاء اجيال جديدة مشبعة بالافكار التي تدعو الى السلم والتنمية واغناء العقول وبناء مجتمعات لا تنزع الى العنف، بشكل متوازي مع تدعيم قدراتها العسكرية لمواجه اي مخاطر خارجية.

 

*باحث في العلاقات الدولية

(ملاحظة: شكر خاص للعميد المتقاعد الدكتور وليد زيتوني على المعلومات القيمة التي امدنا بها في هذا البحث)

تأثيرات العولمة الاقتصادية على قومية الدول

علوان نعيم امين الدين*

قد يرى البعض بأن العولمة(بالمعنيين التجاري والاقتصادي) حديثة العهد نسبياً، ولكن عند النظر الى التاريخ البعيد يتضح لنا انها ضاربة في التاريخ منذ القدم وان كانت غير معروفة الملامح كما هي عليه اليوم. فعلى سبيل المثال، وصل الفنيقيون الى اقاصي افريقيا الشمالية عبر التجارة، واسسوا مملكة قرطاج في تونس التي بقيت مهيمنة على العالم القديم وشواطئ المتوسط وصولاً الى شواطئ المحيط الاطلسي، ناهيك عن تجارة الصين، والهند وما يعرف بــ “طريق الحرير”.

  1. ابرز منظمات وادوات العولمة الاقتصادية:

يرى الكسندر دوغين في كتابه اسس الجيويبوليتيكا-مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، ان ابرز منظمات العولمة الاقتصادية يمكن اختصارها بثلاث “وتتمتع بحرية كبيرة نسبياً في التخطيط والبحوث اذ انها كانت معفاة من الاجراءات المحدَّدة والشكلية التي ترافق نشاطات منظمة الامم المتحدة، وما اليها.”

وهذه المنظمات هي:

–       مجلس العلاقات الدولية Council of Foreign Relations C.F.R: لقد عملت هذه المنظمة على صياغة الاستراتيجية الاميركية على الصعيد العالمي حيث عدَّ من اهم اهدافها توحيد الكرة الارضية واقامة الحكومة العالمية. ويذكر دوغين ان اعضاء هذه المنظمة كانوا “في الوقت نفسه من المبجلين الرفيعي المستوى في الماسونية الاسكوتلدية.”

–       نادي يبلديربيرغ: اسس عام 1954 وانتسب اليه بعض من اعضاء مجلس العلاقات الدولية (C.F.R) الاميركيين. وقد تأسس النادي بمبادرة من عدد من أثرياء العالم ومن أصحاب النفوذ والسلطة. ويعود اسمه إلى فندق بلدربيغ في قرية أوستيربيك بهولندا حيث عقد فيه أول اجتماع. ويمثل الأوروبيون ثلثي أعضاء المجموعة والبقية من الولايات المتحدة. وتعقد اجتماعات المجموعة بشكل سنوي في اوروبا، ومرة كل أربع سنوات في الولايات المتحدة الاميركية أو في كندا. حيث يتم حجز فندق الاجتماع كاملاً ويضرب حوله نطاق كامل من السرية وتمنع وسائل الإعلام من الاقتراب، ولا يتم تقديم بيانات للصحافة حول الاجتماعات. كما أن على أعضاء المجموعة أن يقوموا بأداء قسم السرية.

–       اللجنة الثلاثية (Trilateral): اسسها ناشطو نادي يبلديربيرغ عام 1973 ولها مقر رئيسي في الولايات المتحدة الاميركية ومكتبان آخران في كل من اوروبا واليابان. وسميت كذلك نسبة الى الاسس الجيوبوليتيكية المؤسسة وهي:

  • المجال (القاري) الاميركي بشقيه الشمالي والجنوبي؛
  • المجال الاوروبي؛
  • مجال المحيط الهادي الذي تسيطر عليه اليابان.

وعلى رأس هذه المجموعة يقف المصرفي الكبير ديفيد روكفلر صاحب تشيز مانهاتن بانك، وكل من زبيغيف بريجنسكي (مستشار وكالة الامن القومي السابق) وهنري كسينجر (وزير خارجية سابق).

ويرى دوغين ان الهدف الاساسي من هذه المنظمات “يتمثل في الانتقال الى النظام العولمي الواحد تحت السيطرة الاستراتيجية الغربية… وصيغت من اجل تحقيق ذلك نظم موازية تتكون من السياسيين، والصحفيين والمثقفين والمليين والمحللين وما الى ذلك، والذي كان عليهم ان يمهدوا التربة قبل ان يتم الاعلان بصورة واسعة عن هذا النظام العالمي للحكومة العالمية، إن يمكنه بدون هذا الاعداد ان يصطدم بمقاومة نفسية قوية من طرف الشعوب والدول التي لا ترغب في تذويب خصوصيتها في البوتقة العالمية.”

بالاضافة الى ما سبق، يرى الخبير الاقتصادي الاستاذ غالب ابو مصلح ان هناك موسسات دولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومجلس الامن في اوقات معينة) تنفذ السياسات الاقتصادية لبعض الدول الكبرى، ومع تغير الواقع الدولي “اصبح من غير المقبول ان تمتلك اميركا وحدها حق النقض في البنك الدولي، وان تحتكر ارادته، ومن غير المقبول ان تحتكر اوروبا حاكمية صندوق النقد الدولي، ومن غير المقبول ان يتحول البنك والصندوق الدوليان الة من ادوات امبريالية اميركية، لخدمة مصالح الهيمنة الاميركية في العالم.”

تبقى اليد الاهم للعولمة الاقتصادية يتمثل فيما يعرف بــ “الشركات متعددة الجنسية او العابرة للقارات” حيث قامت العديد من الدول بشن الحروب (مثال: حرب العراق الاخيرة 2003) لتمكين هذه الشركات من استغلال الموارد والسيطرة على المواد الاساسية (شركات النفط) وتصريف انتاجها (كارتلات السلاح) وتأمين وظائف (شركات الحماية التي دخلت الحروب بجانب الجيوش كشركة بلاك ووتر العالمية) في تلك الدول. اما بالنسبة لتعريف الشركات متعددة الجنسية فقد ظهر الكثير من التعريفات، منها أنها مؤسسة ذات فرع أو شركة منتسبة أو شركة تابعة أجنبية واحدة أو أكثر وتنخرط في الاستثمار في أصول إنتاجية أو مبيعات أو إنتاج أو تشغيل الفروع والتسهيلات الأجنبية. وتصوغ الشركات متعددة الجنسية “معظم خططها واستراتيجياتها وسياساتها في المركز الرئيسي لها ويكون ضمن مجال قومي معين (دولة معينة) تدعى بالدولة الأم. وبالرغم من ذلك فإن حجم نشاطات الشركة مثل: النشاط الصناعي أو التجاري أو المعلوماتي قد يتجاوز الحدود السياسية والوطنية والإقليمية لهذه الدولة التي تعمل على أرضها (الدولة الأم) ويتوسع هذا النشاط حتى يصل مداه إلى دولٍ أخرى تسمى بالدول المضيفة.”

ويرى الاستاذ غالب ابو مصلح ان هذه الشركات جندت العديد من الحكومات لخدمتها محلياً ودولياً، اذ “تم نقل العديد من السلطات واتخاذ القرارات في مجال السياسة كما في الانتاج والاستهلاك، من الحكومات والجماهير، الى مجالس ادارة الشركات الكبرى، بحيث تم افراغ الدورة السياسية من محتواها الديمقراطي الى حد بعيد، وحول الديمقراطية التي تمارس فعلياً في البلدان الرأسمالية المركزية، الى ديمقراطية شكلانية.”

  1. أثر العولمة الاقتصادية على الدول:

من خلال ما سبق، يمكن التوصل الى تأثيرات العولمة على صعيد المجتمع الدولي، او الدولة الام (مركز هذه الشركات والمنظمات)، اخيراً على بقية دول العالم الاقل نمو اقتصادياً.

–       على الصعيد العالمي:

  • ترك السوق للتحكم في الاقتصاد (عرض وطلب) وعدم وجود قواعد حمائية تضبط ايقاع التأثيرات السلبية التي قد تنتج؛
  • قصور الطلب عن العرض يشكل قوة انتاجية معطلة بحيث سيؤدي الى تراكم الانتاج وهبوط اسعاره مما يستتبع كساداً سيسبب اضراراً بالطبقات الكادحة؛
  • عدم توزيع الثروات والاستفادة منها بشكل عادل بحيث تحتكر هذه الشركات الموارد والمداخيل بنسبة عالية ومرتفعة جداً؛
  • فشل الامم المتحدة لتكون حكومة عالمية بعد انشائها عام 1945، حيث كان من المراد لها ان تشكل صمام امان للدول التي عانت من الاستعمار والانتداب؛

–       على صعيد البلد الام:

  • المساهمة في تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين، حيث يصبحون الادوات السياسية لتنفيذ المخططات والسياسات الاقتصادية لهذه الشركات لضمان استمرارهم في الحياة العامة؛
  • السيطرة على وسائل الاعلام وصناعة الرأي العام وتشكيله على اساس مصالحها الذاتية، فلقد طورت الشركات الصناعية الكبرى “استعمالها لوسائل الاعلام، ليس لبيع منتجاتها فقط بل لبيع صورتها… اشترت وسائل اعلام رئيسية مثل (CNN) وغيرها… إن سيطرة الشركات على العملية السياسية في العالم اصبحت اكبر من اي وقت مضى، فالشركات بطبيعتها ليست مؤسسات ديمقراطية… ولكنها امسكت بالساحة السياسية التي اخلاها المواطنون، والاحزاب السياسية، والمؤسسات الوسيطة الاخرى… وان العملية الديمقراطية بحد ذاتها اصبحت تحت سيطرة المال”؛
  • افراغ الحياة السياسية من مضومنها الحقيقي المتمثل في تأمين حقوق المواطنين بكافة اشكالها والانتقال الى تحقيق ارباح مالية لهذه الشركات تضمن عودتهم مجدداً الى كرسي الحكم، ضاربين بقواعد ومبادئ الديمقراطية عرض الحائط؛
  • اضعاف مؤسسات الحماية الاجتماعية او حتى الاستغناء عنها فهي بحسب راي الليبراليين الجدد تعتبر هدراً للمال العام، فالفقر هو مسؤولية الفقراء وليس المجتمع، وعدم توظيف الشخص مرده الى عدم كفاءته؛
  • رجوع الدولة الى منطق “الدولة الحارسة” ومبدأ عدم التدخل وابقاء اهتماماتها ضمن الامن والخارجية والدفاع (وكثيراً ما تتحكم فيهم او في بعضهم مجالس ادارة بعض من هذه الشركات ايضاً)؛
  • العودة الى كنف الدولة لانقاذ او حمايتها عندما يهدد وجودها حتى ولو تم انقاذها على حساب المال العام، وهو ما حصل عندما قدمت حكومة الولايات المتحدة مبلغ ثمانين مليار دولار لشركة اميريكين انترناشيونال غروب American International Group AIG لمنعها من الافلاس والتأثير على الاقتصاد الاميركي؛
  • حماية هذه الشركات قانونياً من خلال العقود المبرمة مع الدول او الشركات الاخرى وانشاء مجالس التحكيم على غرار المركز التحكم التجاري الدولي في واشنطن ومراكز عديدة في باريس، حيث تلجأ الشركات عند ابرامها للعقود بوضع بند للتحكيم في العقود، واعطاء المزاكر التحكيمية في بلدانها الحق في نظر الدعاوى والحكم بتعويضات قد تكون خيالية احياناً، وهو ما حصل مع جمهورية مصر العربية في كثير من الخلافات التي نشأت بين الدولة وبعض هذه الشركات الكبرى. ان هذا المنطق يفرض نتيجة مفادها عدم وجود آليه للقدرة على محاسبة هذه الشركات كونها تحظى بدعم دولها القوية؛
  • توفير الغطاء الامني لها عبر انتشار القواعد العسكرية في العالم لحمايتها، فنهاك “اكثر من 750 قاعدة عسكرية في العالم لحماية شركاتها وامتيازات هذه الشركات، وخطوط امدادها والمواد الخام الاسايسة المنتشرة في انحاء الكرة الارضية”؛
  • ضرب النقابات العمالية بصفتها قوة من قوى الضغط على السياسات الحكومية لتغييرها او تعديلها؛
  • تحرير سوق العمل وانتهاك حقوق العمال المتمثلة في العديد من النواحي ابرزها الضمان الصحي، والحد الادنى للاجور، وتوقيع عقود عمل تعتمد على مدة العمل فقط دون ان يكون لها صفة الديمومة، وهذا ما يزيد من خوف العمال على مستقبلهم.

–       التأثيرات على الدول الاخرى:

  • انتهاك سيادة الدول وحقوقها؛
  • التأثير على الاقتصاد الوطني بغية تحقيق المصالح الخاصة للشركات، اذ يرى الاستاذ غالب ابو مصلح انها ستقل من القدرة الشرائية فيها، الامر الذي يقلل الطلب على السلع ورؤوس الاموال، مما يؤدي الى زيادة البطالة والتساع الفروقات في المداخيل، ونمو للدينين العام والخاص، واخيراً الوصول الى ازمة مالية، على غرار ما تشهده بعض الدول التي مرت بمثل هذا السيناريو (لبنان مثلاً)؛
  • التأثير على النقد واسعار صرف العملات، وما يمكن ذكره هنا ما حدث في ستينيات القرن الماضي عندما وجدت الشركات الاميركية نفسها في موقع غير تنافسي مع الشركات الاوروبية واليابانية “فلجأت الى الدولة لحمايتها من المنافسة الخارجية، واخذت الحماية الاميركية اشكالا عدة. منها الضغط على المانيا واليابان لرفع اسعار صرف عملتيها، وتخفيض سعر صرف الدولار لرفع القدرة التنافسية لانتاج الشركات الاميركية داخل الشوق المحلية وخارجها”؛
  • رفع الحواجز الجمركية عن منتجاتها وابقائها في دولها خصوصاً في فترات الركود، وهذا ما اوضحه مايكل تانزر اذا اعتبر انه “عندما يكون الاقتصاد الكوني كله راكداً او قيد التقليص، فإن بعض الشركات تعاني اكثر من المنافسة، وتلجأ بشكل متزايد الى استخدام سلطة الدولة لحماية اسواقها المحلية. وبصورة مشابهة فإن الدولة تعمل بجهد اكبر لترويج مصالح الشركات التابعة لبلدانها، وذلك بأن تتبع خط الحماية من الداخل، وان تدفع –في الوقت نفسه- باتجاه نطاق كسر نطاق الحماية في البلدان الاضعف وخاصة العالم الثالث”. وغالباً ما يكون سبب الاقفال قانوني (مثل عدم مطابقة السلع الواردة للمواصفات، اسباب صحية او بيئية، الاغراق) لمنع مساءلتها او احراجها؛
  • عدم قدرة شركات الدول الاخرى من استثمار نفس القطاعات (النفط، الاتصالات، مولدات الطاقة) او حتى الاقل من تلك التي ثقوم بها تلك الشركات الكبرى. ويبرز هنا عدد من الامثلة كرفض الولايات المتحدة للتعاقد مع شركة اماراتية لصيانة وخدمة المرافئ فيها باعتبارها مناطق وقطاعات استراتيجية، ومنع بيع شركة “لاند روفر” البريطانية الى “بي ام دبليو” الالمانية باعتبارها رمزاً قومياً للصناعة الانجليزية؛
  • هجرة اليد العاملة من الدول الضعيفة اقتصادياً الى الدول الغنية وحرمانها من اهم موارد التطور وهو العنصر البشري.
  1. عودة الدول الى لعب دور قومي:

قد يكون من المهم ان تقوم الدول بلعب دور قومي بعد ان فقدت الكثير منه، يتمثل في:

–       الاشراف على المرافق المهمة استراتيجياً والحيوية من حيث حجم تأثيرها على الدولة (اقتصادياً، سياسياً، امنياً)؛

–       التشجيع على الاستثمار في قطاعات الانتاج وتحسين نوعيته كي تستطيع السلع من المنافسة؛

–       التركز على “صناعة” العنصر البشري المتخصص لرفع مستوى وتقنيات الانتاج؛

–       تقديم التسهيلات للمشاريع الجديدة والعمل على تشجيع الانتاج الفكري وعدم هجرة الادمغة؛

–       سن التشريعات والقوانين بغية تحقيق المصلحة العامة؛

–       تفعيل دور النقابات وتحسين شروط العمل (عقود العمل، تفعيل دور العامل في مجالس الادارة من خلال تشكيل لجان تتشارك في وضع سياسة العمل واطر تحسينه مما يدر نفعاً على العمال واصحاب العمل)؛

–       تأمين العامل في جميع المجالات كي يستطيع الانتاج (الصحة، الاجور، التعويضات، …الخ)؛

–       اتباع سياسات التقشف لحل الازمات عبر ترشيد الانفاق والتخفيف من الهدر؛

–       فتح اسواق الدول عبر الاتفاقيات الثنائية العادلة للطرفين؛

–       حماية ومراقبة الدول للشركات التي تعمل في الخارج من الغبن والاستغلال، وايجاد آليه عادلة لمحاسبتها في حال خرقها للاتفاقيات والاعراف التجارية المتعارف عليها.

*باحث في الشؤون الدولية

المراجع:

–         غالب ابو مصلح، النظام العالمي ورياح التغيير، دار الفارابي، بيروت – لبنان، 2011.

–         الكسندر دوغين، اسس الجيوبليتيكا-مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، ترجمة وتقديم الدكتور عماد حاتم، دار الكتاب الجديدة، بيروت – لبنان، 2004.

–         أ.د محمد المجذوب، التنظيم الدولي-النظرية والمنظمات العالمية والاقليمية والمتخصصة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، 2002.

–         http://ar.wikipedia.org

–         علي حصين الاحبابي، الشركات عابرة القارات http://www.siironline.org