الواقع القائم في المناطق الفلسطينية يوصل إلى محطتين نهائيتين فقط: دولتان أو دولة واحدة

نوعم شيزاف – محلل سياسي – “معاريف” – 29 – 5 – 2014

في الأسبوع الفائت أجرى جيفري غولدبرغ من وكالة الأنباء “بلومبرغ” مقابلة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وفي هذه المناسبة لا بُد قبل أي شيء من طرح السؤال التالي: لماذا يصرّ نتنياهو على أن يمنح مقابلاته الصحافية المركزية إلى وسائل إعلام أجنبية، في حين أنه في إسرائيل يفضل الظهور فقط ضمن برامج ترفيه؟
وعلى غرار المقابلة التي أدلى بها إلى صحيفة يابانية قبل أسبوعين من المقابلة مع “بلومبرغ”، كشف نتنياهو النقاب عن أنه يدرس فكرة الانسحاب أحادي الجانب من مناطق في الضفة الغربية لاعتقاده “أن استمرار الوضع القائم غير جيد [لإسرائيل]” ونظراً إلى أنه “لا يريد قيام دولة ثنائية القومية”.

في الماضي، أكد نتنياهو أن “مفهوم الانسحابات أحادية الجانب انهار”، لكن يبدو أن ما رآه آنذاك لم يعد يراه الآن. وبطبيعة الحال، ليس هذا أول تحوّل لنتنياهو، ففي كل مقابلة أجريت معه على مدار العام الأخير، كرّر رئيس الحكومة التزامه بفكرة الدولة الفلسطينية شريطة أن تكون منزوعة السلاح وتعترف بإسرائيل، علماً بأنه في كتابه الأكثر شيوعاً “مكان تحت الشمس” شدّد على أنه لا يجوز رهن السياسة الإسرائيلية بموافقة عربية، وعلى أن

الدولة الفلسطينية تشكل الخطر الوجودي الأكبر على دولة إسرائيل، وعلى أن مطلب تجريد مناطق يهودا والسامرة من السلاح لا ينطوي على أي أهمية. ذات مرة قال موشيه دايان [وزير الدفاع الإسرائيلي السابق] إن “الحمار وحده لا يغيّر رأيه”، ولا شك في أن اليمين الإسرائيلي استوعب هذه المقولة جيداً. ونتنياهو هو النموذج الأخير للتحوّل العجيب الغريب الذي يقدم عليه كل زعيم يميني في إسرائيل بمجرّد أن يهجر موقع الديماغوجي من أجل تولي منصب تنفيذي.

مثل هذا التحوّل أقدم عليه نتنياهو سنة ٢٠٠٩ ، وقبل ذلك أقدم عليه كل من إيهود أولمرت سنة ٢٠٠٧ ، وأريئيل شارون سنة ٢٠٠٥ . ومع هؤلاء تحوّل أيضاً عدد كبير من الساسة الإسرائيليين اليمينيين بدءاً بدان مريدور مروراً بتسيبي ليفني وتساحي هنغبي، وانتهاء بجلعاد إردان وموشيه كحلون. وكان كل واحد من هؤلاء أطلق النار على أفكار اليسار [الصهيوني]، لكنه عاد وتبناها. كيف تحدث مثل هذه العملية؟ يمكن أن نفهم أن يقدم شخص واحد أو اثنان على تغيير رأيهما، ولا سيما في سن متقدمة، لكن ما يحدث هو أن سلسلة كاملة من الزعماء لدينا تروّج لأمور كانت حتى وقت قريب ترتزق من تمزيقها إرباً.

وأصبح دارجاً لدى أنصار الوسط في إسرائيل إغداق الثناء على أولمرت أو شارون أو نتنياهو على “نضجهم” أو “تطورهم الفكري”، لكن الحقيقة أسوأ من ذلك بكثير، فإما أن يكون كل هؤلاء الزعماء المنتخبين يرتكبون في الوقت الحالي خطأ في قراءة الواقع، وإما أنهم قضوا معظم حياتهم من دون أن يفهموا الحقائق الأكثر بساطة مما بإمكان أي قارئ صحيفة أن يفهمها. من هذه الحقائق مثلاً أنه لا سبيل للاستمرار في السيطرة الإسرائيلية على المناطق [المحتلة] من دون منح الفلسطينيين حقوق المواطنة وعدم التعرض للاتهام بممارسة الأبارتهايد. وهذا الواقع يوصل إلى محطتين نهائيتين فقط: دولتان أو دولة واحدة. وفي حقيقة الأمر، فإنه لم يتغيّر شيء في هذه المعادلة على مدار الأعوام الثلاثين الأخيرة على الأقل.

كيف يمكن أن نثق بزعيم مثل نتنياهو كرّس حياته كلها للقضايا السياسية، وتعلّم التاريخ، وتجوّل في شتى أنحاء العالم، والتقى الكثير من الزعماء، وقرأ

التقارير الاستخباراتية، وفقط بعد أن تجاوز الستين من عمره بدأ يفهم بعض هذه الحقائق البسيطة. وبدأ مثل مبشر ديني، يشرح عبر كل ميكروفون مُتاح أن “استمرار الوضع القائم غير جيد”، وأن البديل [من الوضع القائم] هو دولة ثنائية القومية. ما الذي لم يكن واضحاً عندما قالوا له هذا سنة ٢٠٠٥ ، أو سنة
١٩٩٥ ، أو سنة ١٩٨٥ ، أو سنة ١٩٧٥ ؟ وماذا يعني هذا في كل ما يتعلق بالجمهور الإسرائيلي العريض الذي يواصل انتخاب زعماء يعترفون بملء الفم أنهم على مدى حياتهم السياسية تمسكوا بالترهات؟

على الرغم من ذلك كله، ما يزال لدينا زعماء وساسة يرفضون أن يستخلصوا الدرس المطلوب. ومن بين هؤلاء الزعيم الجديد لحزب “البيت اليهودي” نفتالي بينت [وزير الاقتصاد الإسرائيلي] الذي يعتقد أنه يمكن ضم معظم مناطق الضفة الغربية من دون أن يشعر العالم بذلك. ومنهم أيضاً وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون الذي يكرّر أنه في إطار أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه بين إسرائيل والفلسطينيين، يجب أن يحظى الجيش الإسرائيلي بحرية العمل في تخوم الدولة الفلسطينية التي ستُقام. وثمة ساسة آخرون يعتقدون أنه إذا ما تم كبح نشاطات منظمات حقوق الإنسان فإنه يمكن تغيير الحقائق الأساسية على الأرض في المناطق [المحتلة]. جميع هؤلاء ما زالوا يبيعون الجمهور العريض أوهاماً سخيفة مثل تلك التي باعه إياها نتنياهو قبل أن يتغيّر.

 

نقلا عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

بيروت نيوز عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *