تأثير العمالة الصينية في إسرائيل على الأمن القومي العربي

تأثير العمالة الصينية في إسرائيل على الأمن القومي العربي

بقلم: د.نادية حلمي – خبيرة مصرية في الشؤون السياسية الصينية

chinese

ربما كان من المرات القليلة أو النادرة التي ربما كنا نسمع عن تأثير العمالة الصينية في إسرائيل على الأمن القومي العربي في مجمله، خاصة بعد ثورات الربيع العربي، التي أطاحت بحكامنا المستبدين. بل أنه من الصعب أن يخطر هذا الموضوع على بال أي باحث مصري أو عربي إلا إذا عاش التجربة وذهب إلى الصين بنفسه واستمع لكل الآراء، وقام بتحليلها.

وقبل أن أبدأ تحليلي لمثل هذه العلاقة الثلاثية الطويلة المتعلقة بإسرائيل- الصين- الأمن القومي العربي، ومن خلال بقائي في الصين، وخبرتي العملية هناك قد استطعت أن أكتشف بنفسي أن الصين لا تحب العرب ولا تكرههم، هي فقط تبحث عن مصالحها وهو ما يتعارض بصورة مؤقتة مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط ودول آسيا الفقيرة وأفريقيا ولكن هذا لا يعني أن الصين تحب أو تكره أو تخشى إسرائيل فلو وجدت إسرائيل متعاونة معها في إطار مصالحها الإستراتجية والاقتصادية، فلن تعبأ الصين بمصالح العرب السياسية أو الإستراتيجية – على الرغم من لهثنا المتزايد نحن العرب نحو الصين باعتبارها دولة صديقة لنا كما نؤكد ونردد ذلك في كل مناسبة- فحيث تكون المصالح تذهب الدول، وبالتالي فإنه في عالم السياسة، فإنه لا توجد صداقات دائمة أو حتى عداوات تدوم، فالدول الكبرى وعلى رأسها الصين تغيّر تحالفاتها دائماً طبقاً لميزان القوة، وإلى أين تتجه الكفة، وبالتالي، فالصداقات الدائمة هي “وهم” قد ابتدعناه نحن العرب مع أي قوى حليفة نلهث وراءها أملاً في تحقيق مصالحنا ومشاربنا الخاصة، ونحن لسنا لها سوى بوابة فقط تعبر من خلالها إلى مصالحها عبر العالم بأسره!!!!

وبشكل عام، فمن الصعوبة التي قد يجدها أي باحث في الشأن السياسي الإسرائيلي- الصيني المشترك، هي المتعلقة بتوافر والحصول على البيانات والمعلومات والتفاصيل اللازمة عن العمالة الصينية في إسرائيل، أو العمالة الإسرائيلية في الصين، فالصينيون في إسرائيل يشكّلون مجموعات قليلة منفصلة، منهم مجموعات صغيرة من الطلبة الصينيين الذين يدرسون في الجامعات الإسرائيلية ورجال الأعمال والتجار والعمال في قطاع البناء.

 

عدد العمالة الصينية في إسرائيل:

الملاحظة الجديرة بالذكر في هذا السياق، هو حرص الصين على زيادة عدد مواطنيها الذين يعملون في “إسرائيل” والبالغ عددهم ما يقارب من 20 ألف عامل، والذين يقومون بتحويل 330 مليون دولار سنوياً إلى بلادهم. كما تنظر “إسرائيل” إلى الصين على أنها سوق استهلاك عالمي سرعان ما تتضاعف عائدات الاستثمار فيها. كما تعمل الشركات العسكرية الإسرائيلية سواء الخاصة أو الحكومية على زيادة حجم مبيعاتها إلى الصين.

وعلى الجانب الآخر، تبقى الجالية الإسرائيلية في الصين، بالمقارنة مع غيرها من الجاليات الأجنبية، ليست كبيرة العدد، فهناك على أقصى تقدير بضع مئات في المدن الرئيسية مثل: بكين- شنغهاي- هونج كونج، وربما كان أكثرهم مبعثرين في مواقع أخرى خارج المدن الكبرى.

وهناك ما يقرب من 130 إسرائيلياً يعيشون في العاصمة “بكين” اعتباراً من عام 2005، والتطور الجديد في الأمر هو احتفال السفارة الإسرائيلية في الصين مع جاليتها بأعياد “هانوكا” العبرية في سور الصين العظيم والذي يعني بالعربية “إضاءة الأنوار والشموع”، ويعد هذا الاحتفال هو الأول من نوعه في تاريخ الصين.

وفي شنغهاي، فنلاحظ تواجد أكبر للإسرائيليين في المدينة، منذ افتتاح القنصلية الإسرائيلية هناك في عام 1995، بدأ عددهم باثنين، ومع ذلك، بحلول عام 2003، قد ارتفع هذا العدد إلى 70 إسرائيلياً، واعتباراً من عام 2005، تم تسجيل أكثر من 200 من الإسرائيليين بأنهم يعيشون في شنغهاي. كما تضم المدينة أحد المطاعم الإسرائيلية التي يديرها فريق مكون من زوج وزوجة إسرائيليين، والذين جاؤوا مع أبنائهم الثلاثة من إسرائيل، والتي تعتبر تجمع للمجتمع الإسرائيلي في المدينة، وكما هو معروف الزيارات المتكررة للقنصل الإسرائيلي في شنغهاي لهذا المطعم.

ويشارك العديد من الإسرائيليين في مدينة شنغهاي في صناعة الماس،   ومنأبرزهم أحد مواطني الصين الذي نزح إلى إسرائيل مع والدته اليهودية الألمانية، ثم هاجر مع والدته إلى إسرائيل وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية وعاشوا في إسرائيل لمدة 12 عاماً. ولكنه ما لبث أن عاد إلى “شانغهاى” بصفته ممثلاً لشركة الماس، والتي تضم عدداً من اليهود والإسرائيليين.

وأخيراً، يلاحظ أن المجتمع الإسرائيلي في “هونج كونج” أكبر من تلك الموجودة في بكين وشانغهاى مجتمعة، ويعملون في أعمال ومهن مختلفة غالبيتها خاص بالتجارة والاستيراد والتصدير.

وفي الآونة الأخيرة تزايدت الدراسات الصينية- الإسرائيلية المشتركة لعمل نظام لتشغيل اليد العاملة المهاجرة بين الصين وإسرائيل، وبموجب هذا المشروع يتم التركيز على المهاجرين الصينيين الذين جندوا للعمل في إسرائيل بموجب عقود قانونية. حيث وجد أن العديد من هؤلاء المهاجرين يواجهون حالة من عدم الشرعية في إطار وجودهم داخل دولة إسرائيل. ويسعى نظام التشغيل إلى إدماج هؤلاء المهاجرين الصينيين فضلاً عن وسطاء في مجال العمل، وأرباب العمل، من كلا الطرفين الصيني والإسرائيلي، وتحقيق استفادة صينية- إسرائيلية مشتركة من الحفاظ على العمالة غير المشروعة، عن طريق توافر العديد من التسهيلات الخاصة بنظام الإقامة والعمل.

 

سياسات الحكومة الإسرائيلية لتشجيع العمالة الصينية الوافدة إلى إسرائيل:

حيث اتبعت الحكومة الإسرائيلية عدة سياسات لتشجيع العمالة الصينية، والأجنبية عموماً الوافدة للعمل في إسرائيل، منها طرد العمالة الفلسطينية من أعمالهم ومحاربتهم في أرزاقهم، والاستعاضة عنهم بعمالة صينية رخيصة. وبتحليل أثر العمالة الصينية الوافدة إلى إسرائيل على أمننا القومي العربي، سنلاحظ أنه قد توافد على إسرائيل، منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى في بداية التسعينيات من القرن الماضي، أكثر من نصف مليون مهاجر من العالم النامي، ولاسيما الصين، ليحلوا محل العمال الفلسطينيين الذين كانوا المصدر الأساسي للعمالة في البلد، الأمر الذي زاد من قلق البعض على اعتبار أن طرد والتخلص من العمالة الفلسطينية يأتي في إطار خطة إسرائيلية ممنهجة لبناء مستوطنات جديدة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي يستدل من ورائه على أن إحلال هذه العمالة الفلسطينية بأخرى صينية وغيرها، يأتي في إطار كسب تعاطف دولي من دول أصحاب هذه الجنسيات لغض بصرهم عن مثل هذه التحركات الصهيونية، وهو تحليل جدير بالدراسة والتحليل حتى وإن كان بعيد المدى.

وتؤكد الحكومة الإسرائيلية أن ما لا يقل عن 250 ألف عامل أجنبي، نصفهم غير شرعيين، يعيشون في إسرائيل. ومن هؤلاء عمال بناء صينيون وآخرون فلبينيون يعملون في مجال الرعاية الصحية ومزارعون من تايلاند، بالإضافة إلى آسيويين آخرين وأفارقة وأوروبيين شرقيين يعملون كخدم وطهاة ومربيات.

فالملاحظ، أن سياسة الحكومة الإسرائيلية كانت تترنح بين سلسلة من السياسات المتناقضة التي شجعت التوظيف المؤقت للمهاجرين بينما سعت لفرض قيود مشددة على التأشيرات والعمال يمكن أن تجعلهم عرضة للإساءة من قبل مستخدميهم، فضلاً عن أولئك الذين يتجاوزون تأشيرات إقامتهم ويحاولون البقاء في إسرائيل يعيشون خوف المطاردة والترحيل.

ورغم إصدار الحكومة الإسرائيلية سجلاً بـ 120 ألف تصريح عمل أجنبي عام 2009، إلا أن الصينيون قد حصلوا على نصيب الأسد من هذه التأشيرات الإسرائيلية، فلقد حصل العمال الصينيون في السنوات الأخيرة على كل تصاريح العمل في مجال البناء، وهو الأمر الذي يلقى بعلامات استفهام كثيرة حول مغزى وجود مثل هذه العمالة الصينية بهذه الكثافة في إسرائيل؟؟؟؟؟؟؟؟

ولكن جاء قرار الحكومة الإسرائيلية الأخير والمتعلق بإعطاء الأفضلية للعمال الأجانب اللاجئين من بلاد أخرى دون الصين في أعمال البناء التشييد، بعد زيادة حدة الانتقادات داخل إسرائيل نفسها بشأن الوجود المكثف لهذه العمالة الصينية الوافدة، ليلقى بظلاله على العلاقات الودية بين الصين وإسرائيل حيث بعثت السفارة الصينية برسالة إلى كل من رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” ووزيري المالية والداخلية تطالب فيها بإلغاء القرار وتقول: “نحن لا نعتقد أن الدول الأخرى ترغب في الحفاظ على العلاقات الودية بيننا”. كما أن السفارة الصينية قد أكدت في رسالتها أن هذا القرار ليس يؤثر فقط على العلاقات الودية بين البلدين بل سيلقى بظلاله على العلاقات الاقتصادية أيضاً واشترطت السفارة الصينية أن تحصل عمالتها على أعلى العمولات في مجال البناء والتشييد بإسرائيل، وهو ما الأمر الذي قد درسته إسرائيل باهتمام في ظل محاولة تقاربها من “الصين” ولخدمة مصالحها وأهدافها في المقام الأول، ولضرب أمننا القومي العربي في المقام الثاني، من حيث فرض “إسرائيل” لشروطها المستقبلية على حكومة بكين بألا تصدر مثل هذه الأسلحة للعرب أو لبعض الدول الإسلامية كإيران وباكستان، وبأن تمتنع عن هذا أو ذاك في إطار علاقتها معنا نحن العرب والمسلمين.

إلا أن الملاحظة الجديرة بالذكر، هي أن الصينيين هم أكثر المتضررين من العمل بهذا الشكل في إسرائيل لأن توظيفهم يتم عادة من خلال شبكة شركات عمالة ضبابية تقول عنها الجماعات الحقوقية إنها تعمل كعصابات لتهريب البشر. ويدفع العامل الصيني نحو 31 ألف دولار كرسوم توظيف غير قانونية، والتي تعد الأعلى بين كافة العمال الأجانب.

ويتعين على العامل الصيني أن يعمل نحو عامين لمجرد تسديد المال الذي اقترضه لتحمل هذه الرسوم. ونظراً لعدم معرفتهم بحقوقهم وعجزهم عن التحدث بالعبرية أو الإنجليزية، يقع كثير من هؤلاء العمال ضحايا حقل ألغام من الإساءة مثل ظروف المعيشة البائسة والأجور المحتجزة عند رب العمل والإنهاء المبكر لتصاريح العمل الذي يجعلهم عرضة للترحيل قبل حصولهم على رسوم التوظيف التي دفعوها أو المال المدخر لهم.

وكما يؤكد العمال الصينيون فإن السفارة الصينية في إسرائيل لا تبالي كثيراً بالعمال بل إنها تنحاز ضدهم ويحذرهم موظفوها بالسجن عند عودتهم للصين بسبب خرقهم للعقود وقانون العمل الصيني. والعمال الذين تصبح إقامتهم غير قانونية بعد فقدان وظائفهم أو تجاوز تأشيرات الإقامة وقتها القانوني يسهل استغلالهم من قبل رؤساء العمل الإسرائيليين.

 

زواج العاملات الصينيات في إسرائيل من مواطنين يهود إسرائيليين:

الأمر الجدير بالدراسة والتحليل، والذي يجب أن يشغل بالنا نحن الدارسين والباحثين المصريين والعرب وهو ما لمسته بنفسي، هو أنه رغم أن العمالة الأجنبية، ولاسيما الصينية قد أصبحت دعامة أساسية للاقتصاد الإسرائيلي فإن وجودهم فيها قد يساعد على إكسابهم ودولهم التي سيتجهون إليها بعد انتهاء أعمالهم في إسرائيل بأيديولوجية إسرائيل الصهيونية، وهو ما يعد “قنبلة اجتماعية موقوتة”، وهو الأمر الذي قد شاهدته بنفسي خلال وجودي في بكين، حيث قابلت عدد من العاملات الصينيات في إسرائيل – وقد تزوجت بعضهن بإسرائيليين يقمن معهن الآن في الصين- وقد عدنا إلى أوطانهن وتشبعن بثقافة وفكر دولة إسرائيل العظمى التي لن يفوتها بالطبع إكساب مثل هؤلاء العمال والعاملات – وعلى رأسهم الصينيون – ومن باب المصالح الإستراتيجية والسياسية الطويلة المدى بطابع ثقافي وإسرائيلي متجذر الهوية والطابع، متمثلاً في دفاعهم المستميت عن الدولة العبرية، وعن حق الإسرائيليين العادل في أرضهم ووجودهم، بل وانتقادهم لكل ما هو عربي ومسلم، والتي سيسعون بالطبع لنشرها في بلدانهم الأم فور عودتهم إليها، وهو الأمر الذي لابد وأن يسبب قلقاً سياسياً متنامياً بشأن مستقبل الدولة الفلسطينية، وتأثير مثل هذه العمالة الصينية والأجنبية الوافدة إلى إسرائيل على الأمن القومي العربي، باعتبار فلسطين واحدة من أهم مكوناته.

 

تحليل مسار العلاقات الصينية- الإسرائيلية:

بإلقاء نظرة تاريخية فاحصة على ملف العلاقات الصينية – الإسرائيلية للتدليل على إمكانية دفع كلاً منهما لمزيد من التعاون المستقبلي بينهما – خاصة مع تزايد النفوذ الإسلامي في مصر والمنطقة بأسرها بعد نجاح الثورات العربية في كل من مصر، تونس، ليبيا، واشتعال ثورات مماثلة مازالت مستمرة في بلدانها العربية- سنجد أنها قد بدأت تتطور بعد انطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، والمبادئ الخمسة للتعايش السلمي هي الأساس السياسي لهذه العلاقات. وإيماناً منها بأهمية الصين الجديدة، وبالدور المؤثر الذي من المنتظر أن تلعبه في الشؤون الدولية، سارعت إسرائيل إلى الاعتراف بالصين رسمياً في 19/1/1950، لتكون بذلك أول دولة شرق أوسطية تقدم على اعتراف كهذا، إلا أن الصين اكتفت برسالة شكر على هذا الاعتراف.

ويمكن تتبع مسار تأثير العلاقات المتبادلة بين الكيانين الإسرائيلي- الصيني على الأمن القومي العربي، بالبحث في بوادر التحول السريع في سياسة الصين الخارجية تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي ، حيث بدأت بكين منذ ذلك الوقت في البحث عن مصالحها الوطنية، وتخلّت عن عدائها لإسرائيل واتخذت مواقف “معتدلة” وانتهجت سياسة “مرنة” إزاء العديد من المشكلات الدولية بصفة عامة والصراع العربي – الإسرائيلي بصفة خاصة.

وأغلب الظن، وكما تشير كل المعطيات المتوفرة عن مسار وتطور العلاقات بين الجانبين الإسرائيلي- الصيني، فإن المطامع التي تقود الموقف الصيني تنبع من رؤية بكين التي تركز في علاقاتها مع “إسرائيل” على قضايا المنفعة المباشرة (البراجماتية) دون لف أو دوران وهي سمة باتت مميزة للسياسات الخارجية للصين، وتحديدًا بالنسبة للقضايا العسكرية والتكنولوجيا المتعلقة بها بشأن العلاقة مع “إسرائيل”. وتحكم سير العلاقات بين الجانبين الصيني والإسرائيلي ثمة مصالح مشتركة. فالصين حريصة على لعب دور سياسي واقتصادي أكبر في الشرق الأوسط رغم وصولها المتأخر للمنطقة. وهي حريصة على الحصول على تكنولوجيا متقدمة خاصة في مجالي الكمبيوتر والدفاع خاصة من إسرائيل.

 

أسباب التحول في مسار العلاقات الإسرائيلية- الصينية:

يمكن إرجاع هذا التحول في مسار العلاقات الإسرائيلية- الصينية إلى جملة من الأسباب منها: زيادة التفاهم الصيني – الأمريكي، وخاصة بعد زيارة الرئيس الأمريكي للصين في عام 1972، ولذلك خفّت حدة العامل الأمريكي ولم يعد عقبة كبرى أمام “الدولتين” في إقامة علاقات دبلوماسية، وبعد وفاة الزعيم الصيني “ماوتسي تونج” في عام 1976 بدأت السياسة الصينية تميل نحو تطوير العلاقات الصينية – الإسرائيلية، كما أثّرت سياسة الإصلاح الاقتصادي والسياسي والانفتاح على العالم الخارجي التي بدأتها الصين في آواخر عام 1978.

وبعد تفاقم شدة الخلاف بين أكبر دولتين شيوعيتين في العالم: الاتحاد السوفييتي السابق والصين الشعبية، كان من مصلحة الصين كبح توغل موسكو في شرق آسيا، ونظراً لأن إسرائيل تقف في وجه التوغل السوفييتي في الشرق الأوسط، فإن الصين وجدت نفسها تقف إلى جانب إسرائيل، وقد أدركت إسرائيل هذا التحول الذي طرأ على موقف الصين وبادرت إلى إجراء اتصالاتها السرية الهادفة إلى التفاهم وبناء جسور الثقة مع بكين، وتبادل مسئولون إسرائيليون وصينيون زيارات سرية لم يعلن عنها.

ويعد التعاون العسكري بين البلدين هو أبرز مجالات التعاون بين البلدين، ويكمن الدافع الرئيسي لمحاولة إسرائيل تطوير العلاقات مع الصين عبر البوابة العسكرية ينبع من الرؤية الإسرائيلية بان الصين إحدى الدول الفاعلة في النظام العالمي والمرشحة أن يكون لها حضور وثقل في تفاعلاته خلال القرن الحالي. ولذا باتت محوراً للاستقطاب من العديد من دول العالم. واتساقا مع النهج السياسي المتجذر في الفكر الصهيوني بأهمية التوغل والانخراط في مراكز الثقل وصنع القرار الدولي، بغية تجنيدها لخدمة أهداف المشروع الصهيوني وإسرائيل، وتحييد أي ضغوط ومخاطر قد تأتي من تلك البيئة الخارجية، لذا أتى الاهتمام المتزايد بالصين من جانب إسرائيل. ويضاعف من حدة وإلحاحية هذا التوجه رؤية بعض اليهود أن الصين هي العالم الجديد، كما كانت الولايات المتحدة طوال القرن العشرين وهؤلاء يتكاثرون في محاولة لامساك خطوط المستقبل كما يفعلون الآن في مسك خطوط الحاضر مستغلين في ذلك البعد العسكري.

 

تأثير العلاقات السياسية والإستراتيجية بين إسرائيل والصين على الأمن القومي العربي

أما عن تأثير مثل هذه العلاقات السياسية والإستراتيجية بين إسرائيل والصين على الأمن القومي العربي، خاصة بعد نجاح ثورات الربيع العربي، فمن اللافت للانتباه ما تم كشفه منذ الشهور القليلة الماضية من معطيات رسمية تضمنت مجموعة من المعلومات المتعلقة بالعلاقات المشتركة بين تل أبيب وبكين، وسلسلة اللقاءات والزيارات المتبادلة بين وفود صينية ووفود “إسرائيلية”، كان آخرها زيارة قائد أركان الجيش الصيني الجنرال (تشين بينج ديه) واستقباله في “تل أبيب” بطريقة استثنائية في منتصف أغسطس الماضي لعام 2011، ومباحثاته المطولة مع “إيهود باراك”، والتي تناولت بشكل رئيسي التعاون الصيني “الإسرائيلي” في مجال تقنيات التسلح وتكنولوجيا الأقمار الصناعية. كما سبق وأن قام “إيهود باراك” بزيارة بكين في يونيو الماضي لعام 2011، بعد شهر من زيارة قائد الأسطول البحري الصيني لتل أبيب.

ومع أن زيارة الجنرال الصيني إلى تل أبيب لن تحدث تغييراً كبيراً غير معروف أو غير متداول في سيرة العلاقات الثنائية بين الجانبين، لكنها تثير انتباهاً له علاقة بما يدور خلف الكواليس بالنسبة للعلاقات العسكرية الصينية- الإسرائيلية ومدى تأثيرها على عمق الأمن القومي العربي، ووقوف الولايات المتحدة المتحفظ إزاء التطورات الحاصلة في هذا الملف، بل ومدى تأثير مثل هذا التقارب على طبيعة تشابك العلاقات في المنطقة العربية بأسرها.

ولن يفوتنا كذلك الإشارة إلى زيارة “إيهود أولمرت” نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي في الحادي عشر من شهر يونيو الماضي لعام 2011، لقد طرق “أولمرت” بوابة الصين على رأس وفد تجاري ضخم لم تعهده إسرائيل من قبل، ولم تر مثيلاً ًله لأي دولة أخرى منذ أن بدأت تتعامل مع الخارج .. يضم الوفد أكثر من 200 شخصية قيادية للقطاعات التجارية ورجال أعمال معروفين في إسرائيل والذين يمثلون مختلف المجالات بما فيها الصناعة المعلوماتية؛ والتقنيات الالكترونية؛ والأجهزة والمعدات الطبية؛ و قطاع البيئة؛ و الزراعة؛ والاستثمار الخطر وغيرها من القطاعات الأخرى. فهذا وإن دل، فإنه يدل على عمق العلاقة التي تربط بين البلدين في مواجهة أمننا العربي، وعدم قدرتنا على حشد مثل هذا العدد الهائل من الخبراء لزيارة الصين دفعة واحدة.

وفي مؤتمر صحفي عقد ببكين في نفس اليوم ، سرب “أولمرت” لوسائل الإعلام الصينية بأن إسرائيل قد حددت مهمة فتح الأسواق الصينية كأول هدف لها، كما انتهت من وضع خطة عمل للتعاون التجاري مع الصين للسنوات الأربع القادمة تهدف إلى رفع إجمالي صادراتها إلى الصين من 600 مليون دولار عام 2003 إلى ملياري دولار . وعلى الصعيد الأمني، فلقد درج على جدول الأعمال مسألة انتشار الأسلحة الصينية في منطقة الشرق الأوسط والعلاقات العسكرية بين إسرائيل والصين،

فعلى الصعيد السياسي، تحاول “إسرائيل” ثني الصين عن تصدير الأسلحة للدول العربية والإسلامية كإيران وباكستان على اعتبار أن هذه الدول ما زالت في حالة حرب معها. وتعمل جاهدة على جعل الصين تؤيد عملية السلام في الشرق الأوسط وفق التصور والمفهوم الإسرائيلي! كما عارضت الصين منذ البداية الحرب ضد العراق وقد أسفرت تلك الحرب عن تدهور لمجمل الأوضاع الإنسانية والأمنية على نحو غير مسبوق.

وبالنسبة لصناع القرار في بكين، فقد كانت سوريا هي بوابة حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، لكن ما تشهده سوريا من أحداث وثورة مستمرة ضد نظام “بشار الأسد” لم تحسم نتائجها بعد، قد يدفع الصينيين للتحول عن سوريا والانتقال إلى إسرائيل لتقوم بنفس الدور. من هنا فإن الإسرائيليين يراهنون على أن حاجة الصين الماسة في شرق أوسط مستقر لضمان حماية مصادر الطاقة، سيجعلهم يتجهون لتعزيز العلاقات مع تل أبيب، حتى تصل في النهاية إلى مرحلة التعاون الاستراتيجي وربما التحالف أيضاً.

 

تحليل مؤشرات تأثير العمالة الصينية في إسرائيل على مجمل التفاعلات في المنطقة

أما عن تأثير العمالة الصينية في إسرائيل على مجمل الأمن القومي العربي، وعلى مجمل التفاعلات في المنطقة، خاصة بعد اجتياح ثورات الربيع العربي لبلداننا، فيمكن تتبع ذلك من خلال عدة مؤشرات أو آليات مثل: تأثيرهم على قدوم السياحة الصينية القادمة إلى منطقة الشرق الأوسط ولاسيما مصر، ودفعها نحو إسرائيل، فضلاً عن تأثير التعاون الثقافي والسياحي والتبادلات الشعبية بين الدولتين العبرية والصينية على الأمن العربي، حيث وقَّعت الدولتان في عام 1991 اتفاقية رسمية للتعاون بين أكاديميات العلوم فيهما أثناء زيارة الوفد العلمي الصيني إلى إسرائيل، وكانت جامعة بكين – الجامعة الأم في الصين- قد شهدت في عام 1986 افتتاح كلية لتعليم اللغة العبرية وآدابها، وتم جلب والاستعانة بعدد من الخبرات الإسرائيلية للتدريس بها، بل ومحاولة الترويج لها بين الطلبة الصينيين الدارسين في جامعة بكين.

كذلك محاولة إسرائيل الضغط على الصين بشأن تقليل تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية لعدد من الدول العربية والإسلامية مستغلة في ذلك بعض أوراق اللعبة التي في يدها بشأن الاحتياج الصيني لبعض التقنيات الإسرائيلية المتطورة التي نفتقدها نحن العرب، فالأمر الذي ينبغي أن يقلق إسرائيل بشكل أساسي هو انتشار الأسلحة غير التقليدية الصينية في الشرق الأوسط، فمنذ الثمانينيات من القرن الماضي، والصين تبيع لعدد من دول الشرق الأوسط مثل (إيران والسعودية وسوريا وليبيا ودول أخرى) منظومات أسلحة وتكنولوجيا عسكرية في مجال الصواريخ، حيث أن بعض هذه التقنيات تنزلق لتصل إلى كيانات سياسية أخرى في الشرق الأوسط ليتم استخدامها في ظروف ومناسبات مختلفة ضد إسرائيل مثل إطلاق صاروخ ضد السفن من نوع C- 802 من قبِل تنظيم حزب الله باتجاه سفينة حربية إسرائيلية إبان حرب لبنان الثانية.

وعلى الصعيد السياسي ، فإن القضية أو المعضلة الرئيسية هي ما إذا كانت الصين سوف تزيد من مشاركتها في الحياة السياسية في الشرق الأوسط ، وكيف يمكن لإسرائيل تجنيد مساعدتها. لاسيما وكما هو معروف عن الصين أنها تفضل الابتعاد عن المستنقع السياسي في الشرق الأوسط والتركيز على الفوائد الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن أهدافها الاقتصادية، ولاسيما في مجال الطاقة والطلب عليها هو المحرك الرئيسي لسياسة الصين وعلاقاتها الوثيقة مع الأنظمة ذات الصلة، مما يدفعها دفعاً لتعزيز وجودها الإقليمي داخل هذه الأنظمة في الشرق الأوسط دفاعاً عن مصالحها: فالصين تشتري النفط ليس فقط ، بل تستثمر في تطوير البني التحتية المناسبة التي من شأنها ضمان قدرتها على الوصول إلى الغاز والنفط لعقود قادمة. وهكذا اضطرت إلى اتخاذ مواقف في السياسة الإقليمية، تميل إلى جنب مع القوى التي تقدم الاستقرار في المنطقة. فعلى سبيل المثال، وعلى خلفية تصعيد في موقف إيران النووي يبدو أن الصين راغبة في تعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

في ظل هذه الظروف، والسلوك المستقبلي للصين في منطقة الشرق الأوسط ، بشكل عام، يعتمد على التطورات التي تقع خارج نطاق سيطرتها، متمثلاً في بعض المعايير والشروط التالية، أولاً، زيادة في التوتر مع الولايات المتحدة أو تشديد هيمنة واشنطن على مصادر النفط في الشرق الأوسط مما يدفعها لتكثيف مشاركتها في السياسة الإقليمية. ثانياً، زيادة في التوتر بين الولايات المتحدة والأنظمة الإقليمية والضغط على هذه الأنظمة مما يدفعها للارتماء في أحضان بكين. وأخيراً، يمكن للمحاولات الروسية الرامية إلى تجديد مكانتها في الشرق الأوسط أثر أيضاً على الصين. حينها ستضطر حكومة بكين، للاستفادة من الخلافات بين واشنطن وموسكو، ومحاولة تعظيم غنائمها.

وعلى الرغم من أن تأثير هذه التطورات سيكون محدوداً على إسرائيل ، فإنه يجب متابعتها عن كثب، خاصة مع رغبة “إسرائيل” في الحصول على دعم الصين والعثور على أرضية مشتركة ضد العناصر الإسلامية المتطرفة في المنطقة، والتي تهدد الاستقرار الإقليمي الإسرائيلي، والمصالح الصينية كذلك. من ناحية أخرى، فإنه مع حدوث الاتصال بين الأقلية الإسلامية الموجودة في إقليم “شينغيانغ” في الصين والأنشطة الإسلامية الراديكالية الدولية، حينها ينبغي اتخاذ نهج حذر، مما قد يستلزم تنسيق الجهود الصينية- الإسرائيلية المشتركة للتصدي لهذا الهجوم الإسلامي المتطرف المحتمل.

الخلاصة:

وأخيراً، ينبغي علينا التأكيد أن إسرائيل ﻻ تحكم العالم – كما يدعى ويردد البعض- لكنها تعرف كيف توظف الوقت لتحقيق المصالح، وهى حرفية معهودة باليهود حتى قبل إسرائيل ككيان، لأن الإسرائيليين ليس لهم مبادئ تحكم سلوكهم لكن لهم أهداف وصبر وطول بال، بل وانتهازية للظروف ويخططون للمدى البعيد.

فالصين مثلا لا تخشى من إسرائيل، وذلك بحكم المكانة والقوة والعدد الهائل للصين مقابل إسرائيل، لكن هي تحتاج لإسرائيل كسمسار دولي له انتشار يسهل مصالحها الاقتصادية والسياسية، فمثلاً عندما تحتاج لتخفيف الضغط بسبب حقوق ألإنسان تقدم لها إسرائيل خدمات التأثير على الرأي العام الغربي، وعندما تريد أن تحصل على تسهيلات تجارية تقدم لها إسرائيل خدمات الوساطة والتمويل والسياسة لدى الدول العملاقة. فالصين تحتاج لتسهيلات دولية والهدف عندها هو أن تحصل على مزايا ونفوذ!!!!

ولهذا فنفوذ إسرائيل سببه الأساسي تضاؤل نفوذنا بسبب التشتت وعدم توظيف المزايا عندنا ليكون لنا تأثيراً يذكر، واليهود من يومهم هكذا، إن وجدوا فراغاً يستثمروه، ونحن هكذا من يومنا كلما رصدنا فراغاً نتجاهله وننشغل ببعضنا.

 

بيروت نيوز عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *