عن بناء الدولة “البسيطة” في لبنان

د. وسيم صلاح ضاهر

عند مراجعة أدبيات المرحلة المتعلقة ببناء الدولة وواجباتها تجاه المواطنين نلحظ ضبابية كثيفة تعمينا عن حقيقة الموضوع. فلندع الأسماء التاريخية مثل هوبس ولوك وروسو وغيرهم جانباً ولنحاول تبسيط الأمور الى ما يعنينا كمواطنين باحثين عن ظل دولة في خضم كل هذا التنظير السياسي.
مفهوم الدولة ببساطة هو سلطة من المجتمع لتأمين مصالح المجتمع ذاته. وهذه السلطة إما أن تكون بالاتفاق أو بالموافقة. السلطة بالاتفاق هي أداة مصممة باتفاق أركان الجماعة وممنوحة لجهاز إدارة معيّن من الجماعة لأداء دور مخصص لحفظ مصالح هذه الجماعة.
أما السلطة بالموافقة فهي موافقة جماعة على استعمال أداة مستوردة من جماعة أخرى عبر الاستعمار أو التبعية أو التقليد لأداء دور لا يكون بالضرورة متناسباً مع مصالح أو عادات أو تقاليد الجماعة المستوردة. وتأتي الموافقة إما بالفرض بالقوة أو بالإغراءات أو لعدم تمكن الجماعة من تصميم سلطتهم لجهل أو لوهن أو لقراءة خطأ للطبيعة الإنسانية.
لتبسيط الصورة، مع العلم أن تبسيط المعقد عملية معقدة بحد ذاتها، لنبدأ من عشيرة ما تبحث عن مستوطن يسمح لها بتأمين غذائها وسكنها وأمنها. إذ أن تأمين الطعام والشراب يأتي على رأس أولويات الانسان يتبعها تأمين المأوى فالأمن فالإدارة.
تستوطن هذه العشيرة في سهل على الساحل على مصب النهر لتأمين طعامها من صيد السمك والزراعة ومياهها للشرب والري من النهر. فتأتي عشيرة أخرى تستوطن جنب العشيرة الأولى للاستفادة من نفس الموارد المتوفرة من مياه وأرض وصيد. وهكذا الى أن يصبح عدد العشائر المستوطنة يؤثر على حصص كمية مياه النهر. فتجتمع رؤوس العشائر وتتفق على تعيين ناطور يتولى توزيع المياه على العشائر بما يضمن وصولها الى الجميع. هذه هي نواة الدولة!
نعم الناطور المكلف من العشائر لمصلحة لهم هي نواة الدولة! وتتفق العشائر على جمع إيجار هذا الناطور منها في تشكيل نواة للضرائب المجموعة لتأمين مصاريف الجهة المحافظة على مصالح الجماعة.
تقوم إحدى العشائر المحتجة على حصتها من الماء بالاعتداء على الناطور. فيجتمع رؤساء العشائر ويتفقون على زيادة العديد تحت أمرة الناطور لتشكيل نواة الأمن الداخلي لإجبار الجميع على احترام ما اتفق عليه بينهم أي نواة القانون بالاتفاق!! كما تبدأ هذه العشائر ببناء مساكنها والمنشآت الضرورية للصيد والري والشرب في عمل جماعي ينبثق عنه مفهوميا المصلحة المشتركة والمجتمع.
بعد فترة من الزمن تأتي عشائر أخرى لتَغير على موارد العشائر المستوطنة وقتل أفرادها وسرقتهم. تتفق العشائر المستوطنة في مسعى لتحقيق أمنها على زيادة العديد مرة أخرى وتسليحهم لمواجهة العشائر المغِيرة لتتشكل نواة الجيش. في نفس الوقت تزيد الأعباء المادية لتأمين متطلبات المجتمع الجديد مع تقدمه واتساعه وتزداد الوظائف الضرورية لتحقيق مصلحة المجتمع لتتشكل بذلك نواة القطاع العام الموظف عند المجتمع لخدمته.
بعد فترة من الزمن يزداد غنى هذا المجتمع فيزداد طمع الآخرين فيه وتزداد الغارات قوة لتحقق خروقات بين الحين والآخر. فيجتمع رؤوس العشائر المكوّنة للمجتمع مجدداً ويتفقون على تسليح أفراد العشائر وتدريبهم للتدخل متى ما عجز الجيش عن صد الهجمات على مجتمعهم، لتتشكل بذلك نواة المقاومة الشعبية النابعة من الحاجة الداخلية إليها بغض النظر عن كل العالم الخارجي.
ونظراً لثقل العبء على رؤوس العشائر ولكثرة انشغالاتهم، يجتمع هؤلاء ليقرروا تشكيل إدارة يرأسها شخص يختارونه بالتصويت بينهم أو بالمناوبة بينهم ليدير هذا الجسم المتشكل لتحقيق مصلحة المجتمع. كما يتفقون على كتابة وتدوين كل ما اتفقوا عليه من خلال تجربتهم المشتركة لتكون التعليمات والإرشادات، أي الدستور لهذا الشخص الجديد في إدارة مصالح المجتمع.
كما يُعطى هذا الجسم المتشكل الحق في تطبيق الدستور بكل السبل ولو بالقوة لضمان مصلحة المجتمع. فبذلك يكون المجتمع قد منح الدولة سلطتها لتطبيق وتطوير تجربة المجتمع لحماية وتحقيق مصالحه. وعند خرق هذا الرئيس أو أي جزء من هذا الجسم المسمى الدولة الدستور أي تعريض مصالح المجتمع للخطر، يكون لزاماً على هذا المجتمع إصلاح الخلل من خلال تغيير ما يهدد مصالحه. وعندما تبطل صلاحية الدستور في كليته أو في أجزائه أو تعجز الهيئات الرسمية المعينة من إصلاح الخلل يصير لزاماً على رؤساء العشائر الاجتماع مجدداً للتعديل.
لا أقول يجتمع أركان الدولة المتسببون بعضهم أو كلهم في الخرق أصلاً والذين هم معيّنون من المجتمع أصلاّ، بل أقول يجتمع أركان المجتمع للتصدي والإصلاح. يستعين المجتمع بتحركه بالدستور ذاته المتضمن لمواد الطوارئ.
أما في مجتمعات الإذعان أو الموافقة على استعمال دستور غريب عن طبيعة ومصالح الذات، مثل وضعنا في لبنان، تكون أولوية المجتمع إلغاء الدستور القائم وابداله بآخر يترجم مصالح الناس. لا يمكن الانتظار من الطبقة الحاكمة المتشكلة بواسطة الدستور المستورد أن تغيّر نفسها.
كما لا يمكن البحث في هذا الدستور المستورد عن مواد تجيز تعليقه وتعيد السلطة الى الناس لإعادة تشكيل ما يناسبهم. لكن أولاً فليطلع الناس على المفهوم الطبيعي لقيام الدولة والسلطة، أي منهم ولخدمتهم لا لسرقتهم او التعالي عليهم.
لكن قبل ذلك، هل لدى الناس الوعي الكافي لاختيار نخب من بين تياراتهم المختلفة لتحديد المصلحة بالرغم من بديهيتها؟ وهل يستطيع الناس الانقلاب الأبيض على دستور مستعمر مستعبد؟
لقد نجح المجتمع اللبناني بالخطوة الأولى والأخطر وهي متابعة الحياة من دون دولة فعلية. وقد نجح الناس في تخطي الفوضى السلبية الناتجة عن غياب المرجعية. بقي أن يختار المجتمع مثقفيه واختصاصييه لرسم خريطة دستور ودولة تقوم على تحديد رعاية مصالح المجتمع. مثقفوه واختصاصيوه، وليس سارقوه أو ناهبوه أو مهرجوه أو المسيطرون عليه رغماً عنه.
عندما يدرك المجتمع أين مصلحته وكيف، سيخترع عندها مئة طريقة لتطبيق التغيير. عسانا لا نيأس من رحمة الله…

بيروت نيوز عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *