شخصيات عرفتها ١٠/ سالم الالوسي – بقلم د.صلاح عبد الرزاق

شخصيات عرفتها ١٠/ سالم الالوسي – بقلم د.صلاح عبد الرزاق

د. صلاح عبد الرزاق

بعد أربعة أيام تمر الذكرى الثامنة لرحيل المؤرخ الأستاذ سالم الآلوسي.

النشأة والسيرة
ولد سالم عبود الآلوسي في الكرخ ببغداد عام ١٩٢٥ في أسرة علمية مشهورة تنتمي إلى مدينة آلوس في محافظة الأنبار. تعلم القراءة والكتابة والقرآن في الكتاتيب ، ثم دخل المدرسة الابتدائية ثم المتوسطة والاعدادية. كان يحلم أن يكون طبيباً لكنه قرأ إعلاناً في جريدة (البلاد) عن حاجة لدليل آثار في دائرة الآثار ، فتقدم للوظيفة وفاز بها. بقي فيها عشرين عاماً ، وعمل مع كبار الآثاريين أمثال مصطفى جواد والأخوين كوركيس عواد وميخائيل عواد وناجي الأصيل وفؤاد سفر وطه باقر وفرج بصمجي وصادق كمونة ويعقوب سركيس والشيخ جلال الحنفي وعباس العزاوي.

في عام ١٩٥٢ حصل على شهادة البكالوريوس من كلية الإدارة والاقتصاد في بغداد. وهو اختصاص بعيد عن الآثار والتاريخ والثقافة. ثم عمل الآلوسي أميناً عاماً للمركز الوطني للوثائق التابع لوزارة الثقافة والاعلام. انتقل بعدها ليصبح أميناً عاماً للفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للوثائق. وتولى منصب معاون مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ، ثم مديراً للتأليف والترجمة والنشر بوزارة الثقافة والاعلام، ومديراً عاماً للسياحة ، وعميداً لمعهد الوثائقيين العرب وكالة.

نشاطاته الثقافية والفكرية
عُرف سالم الآلوسي ببرنامجه الأسبوعي في التلفزيون العراقي واسمه (الندوة الثقافية) في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، من عام ١٩٦٠ لغاية عام ١٩٧٢. وكان يستضيف كبار المختصين باللغة والتاريخ والأدب أمثال الدكتور مصطفى جواد و فؤاد عباس وحسين أمين وآخرين. وكانوا يناقشون قضايا تاريخية ولغوية ودلالات أسماء المدن والشخصيات وغيرها. كما كان يلقي أحاديث ثقافية في إذاعة بغداد وإذاعة صوت الجماهير ببغداد.

شارك الآلوسي في ندوات ومؤتمرات تهتم بالآثار والثقافة العربية وصيانة الوثائق والمخطوطات.
ألقى محاضرات في (الفنون الإسلامية) و (تاريخ الخط العربي) في معهد الفنون الجميلة للفترة ١٩٦٠-١٩٦٧ . وكان سكرتيراً لمجلة (العراق) الفولكلورية للفترة ١٩٦٦-١٩٦٨ .
كتب بحوثاً في مجلة (سومر) الآثارية التي كان يشغل فيها منصب سكرتير التحرير للفترة ١٩٥٨- ١٩٦٣ . في عام ١٩٦٨ قام بإعداد فهرس لمواد المجلة منذ صدورها عام ١٩٤٥. وكان له دور في صدور مجلة (المورد) التراثية عام ١٩٧٢.

اهتم الآلوسي بالوثائق ونشر الوعي الوثائقي. وقاد حملة وطنية لترسيخ ثقافة التوثيق والحفاظ على الوثائق. وقد ركز جهده في سبعينيات القرن الماضي بنشر أدبيات حفظ الوثائق والعناية بالأرشيفات الوطنية بنشره ترجمة (دستور المجلس الدولي للأرشيف) عام ١٩٧٧ و (الفرع الإقليمي العربي للوثائق) عام ١٩٧٤. وشارك في كتاب (الدبلوماتيك: علم دراسة ونقد الوثائق) و (الأرشيف: تاريخ) عام ١٩٧٩. وفي (معهد الوثائقيين العرب) بالانكليزية عام ١٩٨٠. وساهم في كتاب (منجزات الفرع الإقليمي العربي للوثائق) للفترة ١٩٧٥- ١٩٨٠، و(تقرير عن منجزات الفرع الإقليمي العربي للوثائق من عام ١٩٧٧- ١٩٨٢، و (تقرير عن المجمع الوثائقي) عام ١٩٧٩ ، و(النظام الأساسي للفرع الإقليمي للمجلس الدولي للوثائق) عام ١٩٨١ ، و(نظام معهد الوثائقيين العرب) عام ١٩٨١ ، و(النظام الداخلي للأمانة العامة للفرع الإقليمي العربي للوثائق) عام ١٩٨١ .

كتاباته ومساهماته
كتب سالم الآلوسي في الشخصيات التي عاصرها ورافقها في مسيرته الطويل وفاءً للعلاقة الوثيقة معها. فقد أصدر ما يأتي:
١-ناجي الأصيل، سيرة شخصية، عام ١٩٦٤
٢- ذكرى مصطفى جواد ، عام ١٩٧٠
٣- الراهب العلامة، ذكرى الأب انستاس الكرملي ، عام ١٩٧٠.

كما كتب مقدمة أو موجز لبعض الكتابات مثل:
١-موجز دليل آثار الكوفة ، عام ١٩٦٥
٢- دليل آثار سامراء ، ١٩٦٥
٣- أنقذوا آثار النوبة ، عام ١٩٦٦
٤- مراجعة لكتاب (مختصر التاريخ لابن الكازروني) الذي حققه مصطفى جواد ، عام ١٩٧١
٥- مراجعة لكتاب (تاريخ العرب واليهود) لأحمد سوسة عام ١٩٧١
٦- مراجعة لكتاب (شرارات لموسى الشابندر) وزير خارجية العراق للفترة ١٩٤١- ١٩٦٧
٧- مراجعة لكتاب (تاريخ بعقوبة) لأحمد الرجيبي الحسيني ، عام ١٩٧٢
٨- مراجعة لكتاب (الميكروفيلم) لسيد سعيد شلبي ، عام ١٩٨٢
٩- مراجعة لكتاب (التوثيق: تاريخه وأدواته) لعبد المجيد عابدين ، عام ١٩٨٢

في عام ٢٠١١ قام المركز الثقافي البغدادي بطباعة باكورة إصداراته كتاب (اسم بغداد في العصور التاريخية) للمؤرخ سالم الآلوسي. وهو دراسة عن أصل اسم بغداد تاريخيا ، وهل هو فارسي أم آرامي أم بابلي أو آشوري؟

لقاءاتي مع الآلوسي
أعرف الألوسي منذ كنت في الخامسة عشر من عمري عندما كنت أشاهد برنامج الأسبوعي (الندوة الثقافية). صحيح لم أكن أستوعب كل ما يطرحه هو وضيوفه ولكن كانت تستهويني النقاشات التاريخية والآثارية واللغوية.
منذ هجرتي من العراق عام ١٩٨٠ وحتى عودتي عام ٢٠٠٣ كنت غائباً عن المشهد الثقافي العراقي وانشغالي بالنشاطات السياسية والإعلامية في الخارج. وبعد قيامي بتأسيس المركز الثقافي البغدادي في شارع المتنبي عام ٢٠١١ ، صرت ألتقي بالآلوسي في بعض الندوات سواء كان هو حاضراً أو مشاركاً يلقي بمحاضرة أو تعقيب أو مداخلة.

تكريم الآلوسي
في ٣ حزيران ٢٠١١ حضرت محاضرة للآلوسي بعنوان (نظام الحسبة في الإسلام) في المركز الثقافي البغدادي. وكنت قد بادرت بتكريم الأدباء والمؤرخين اعتزازاً بهم وبإنجازاتهم ومنهم رفعت مرهون الصفار وحسين أمين وغيرهم.
وقد أعددت لحفل تكريمه بعد انتهاء المحاضرة حيث ألقيت كلمة أشدت بما قدمه لبغداد والثقافة والتراث والآثار طوال مسيرته الحافلة بالانجازات والنشاطات والبحوث والدراسات. وقدمت له درع محافظة بغداد الذي كان عبارة عن صورة تضم تراث بغداد العمراني والتاريخي إضافة إلى معالم حديثة لبغداد. وقد اقترحت الفكرة على أحد الرسامين فقام برسمها وهي بارتفاع أكثر من مترين، تم تعليقها في إحدى قاعات محافظة بغداد، وصارت إيقونة للمحافظة.
ثم دعوت الألوسي لاستلام درع المحافظة فشاهدت الفرحة ترتسم على أساريره ، واستلم الدرع ورفعه عالياً في مشهد ذكّرني بالفريق الرياضي الذي يرفع كأس الفوز عالياً وعلامات السرور والضحك على محيى أعضاء الفريق. لقد سررت عندما أدخلت السرور علي على الشيخ الكبير، وكأنه يقول للآخرين هذا ما ما أستحقه وانتظره من تكريم من مؤسسة تعرف قيمتي. بعد ذلك التقى الآلوسي بوسائل الإعلام التي حضرت حفل التكريم، فأشاد بالجهة التي كرمته وبشخص مسؤولها. وكانت عقيلة الآلوسي ترافقه كعادته في نشاطاته.

الألوسي في ضيافتي

منذ عام ٢٠١٢ كان المؤرخ الآلوسي يزورني عدة مرات بعضها برفقة المهندس المدني الشهير هشام المدفعي. في أحد المرات جلب معه صوراً قديمة لطاق كسرى والقشلة. وكانت من بينها صورة لمبنى المتصرفية التي تهدمت في ٩ نيسان ٢٠٠٣ ونهبت وأحرقت ولم يبق منها سوى الجار الخارجي. وكان الصورة تظهر البناية في حالتها الأصلية ، وتوجد مظلات مقلمة على الشبابيك المقابلة لمبنى القشلة.

في أحد المرات زارني الآلوسي ومعه كتابه الجديد ( أسماء العراق وبغداد ، الأصل والمعنى في العصور القديمة) وهو كتاب تاريخي ولغوي تضمن مراجع كثيرة من الأدب العربي وكتب البلدان ومؤلفات المؤرخين والباحثين العراقيين والأجانب والمستشرقين أمثال الإنكليزي ليسترنج والألماني هرتسفيلد إضافة إلى محمود شكري الآلوسي ورزوق عيسى وأنستاس ماري الكرملي وآخرين.
وقد كتب إهداء جاء فيه:
(( هدية مزجاة إلى الأخ العزيز الأستاذ الجليل المكرم الدكتور صلاح عبد الرزاق المحترم مع وافر التقدير وجزيل الاحترام. سالم الالوسي – حي الاندلس – المنصور – ٢٥/ ٥/ ٢٠١٣ ))

وفاة الآلوسي
في ١٦ كانون الأول ٢٠١٤ توفي المؤرخ القدير سالم الآلوسي عن عمد ناهز ٨٩ عاماً. في اليوم التالي ذهبت إلى منزله للمشاركة في مراسم التشييع والدفن. دخلت المنزل في حي المنصور وكان مزيناً ببوابة عشتار ، فاستقبلني بعض أقاربه ووجدت جمع من الأكاديميين والباحثين والمثقفين منهم المهندس هشام المدفعي ومدير المتحف العراقي قيس رشيد والتراثي عادل العرداوي والوزير الكردي بختيا. . جلسان في غرفة الاستقبال حيث كان تابوت المرحوم في وسط الصالة. بعد ذلك تم نقل الجثمان بسيارة وتوجهنا إلى مقبرة الكرخ القديمة. بعد التشييع وقفنا لأداد صلاة الميت حيث كانت الجنازة مسجاة أمامنا. ثم حُمل النعش إلى القبر حيث ووري في التراب.

من جانب آخر بادرت بنشر تعزية للمرحوم الألوسي على مدخل مجلس محافظة بغداد. كما حضرت مجلس الفاتحة على روحه في جامع بنية بتاريخ ١٨/ ١٢/ ٢٠١٤ . عاش باحثاً ومؤرخا ومات علماً من أعلام العراق.

المركز الثقافي البغدادي يحتضن مكتبة الآلوسي
في عام ٢٠٢١ قامت عائلة الآلوسي بإهداء مكتبته إلى المركز الثقافي البغدادي حيث تم تخصيص إحدى القاعات لهذا الغرض. كما أهدت خزانات الكتب ومنضدته الخشبية ومقتنياته كالمصباح والراديو وتذكارات وصور ولوحات وأوسمة وساعة حائط قديمة ومقلمة وهاتف وشهادات ودروع تكريم أحدها مقدم من الرئيس اليمني.
في زيارتي للمكتبة في ٩ كانون الأول ٢٠٢٢ شاهدت آلاف الكتب والمصنفات والمجلدات والمجلات والوثائق والدوريات والأطالس والمعاجم. كما وجدت كتباً مهداة إلى الآلوسي من قبل مؤلفيها. كما جلست على الكرسي والمنضدة أتأمل فيها ، وكم من المؤلفات والدراسات كُتبت عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *