الانتخابات النيابية استحقاق دستوري وسياسي كيف نتعامل معه في الظروف الراهنة/ اسد غندور

اسد غندور/ بيروت
تعيش المنطقة اليوم حالة من التخبط والفوضى والتناحر ،وتتعرض الأمة لأبشع مؤامرة تقوم بها قوى دولية على راسها الولايات المتحدة الأميركية ، بالتنسيق والتوجيه مع العدو الصهيوني ، وباستخدام كل الأليات المتاحة من قوى رجعية بدوية ومجموعات محلية تم تدريبها بشكل محبك واغرقت بالمال وبالسلاح، وان كان ذلك بالسر، ومن انقسامات عامودية تمزق البنى الاجتماعية وتغرق ناسها بعصبيات وايديولوجيات متأخرة ولاعقلانية، حيث تتحكم بهم وتحركهم الغرائز والميول الضيقة الأفق مما انعكس على كل تصرفاتهم ومواقفهم وميولهم.
هذا الواقع المزري ،ينعكس ولا شك ، على لبنان،البلد الصغير الحجم ، المنقسم على ذاته والمأزوم تاريخيا”، مما يدفع البلد الغارق في وحول الطائفية وسياسات النهب المنظم والانهيارات على مختلف المستويات الى مزيد من التخبط والفوضى والانقسام والتبعية ، والى مزيدمن الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكارثية،تهدده في كل لحظة باندلاع الفوضى وقذارة ومأسي حرب اهلية عبثية مدمرة يعمل لها بعض الخارج ويؤججها ويصفق لها بعض الداخل بغبائه ، بوعي وبدون وعي .
ان ارتكاز لبنان عل صيغة طائفية في أنظمته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والتربوية والدفاعية وفي كل تفاصيل الحياة ،حال دون قيام “الدولة” بالمعنى السياسي الحديث لهذا المفهوم. وان سمح باقامة سلطات متعاقبة مرتهنة لتوازنات طائفية هشة وقلقة من جهة، وتعكس توازنات اقليمية ودولية متفلتة من جهة اخرى.
هذه الصيغة الطائفية البغيضة،عطلت الاندماج الوطني وابقت نسيج المجتمع ممزقا” يعاني انقسامات عامودية حادة قائمة على عصبيات دون وطنية.
ان الدولة ، بالمعنى الصحيح للكلمة ، لم تقم مرة واحدة في تاريخ لبنان، وان السلطات المتعاقبة على الحكم لم تستند الى أي شرعية شعبية ودستورية، بل الى شرعة الطوائف والطائفيين وتوازنات كرستها الصيغة المتخلفة.
أمام هذا الواقع المتردي ،لم تشكل الانتخابات النيابية مدخلا لاحداث متغيرات ديمقراطية منشودة كما يفترض ان يكون ، والعقبة الرئيسة التي كانت تحول دون اداء الانتخابات لوظيفتها كانت على الدوام العقبة الطائفية، او ما أصطلح على تسميته بالقيد الطائفي والنظام الأكثري المتخلف.
منذ الانتداب الفرنسي، ونشوء ما اطلق عليه لبنان الكبير، مرورا بحقبة “الاستقلال ” وحتى اليوم، عرف لبنان العديد من قوانين الانتخابات النيابية، غير ان هذه القوانين ،على اختلافها، كانت متماثلة في الجوهر ومرتكزة على اساس واحد ثابت هو الطائفية،وكانت متحدة في الهدف وهو تكريس الطبقة السياسية وسد كل السبل في وجه التغيير والتطور، سواء في النظام الساسي القائم او في الطبقة السياسية المهيمنة.
واذا كانت الصيغة الطاىفية قد اتاحت في ظروف تاريخيةمعينة اقامة كيان، الا انها منعت تحول هذا الكيان الى وطن ، لقد جمعت في هذا الكيان جماعات ،رعايا،رعايا طواىف ومذاهب وعائلات،ولكنها منعت تحول الجماعات الى مجتمع موحد وتحول الرعايا الى شعب وبالتالي الى مواطنين.
كما أتاحت في وقت ما “استقلالا” ولكنها حالت دون تحقيق السيادة، واقامت سلطات لكنها منعت قيام دولة، وأتاحت استقرارا” ووفرت بعض الامن ولكنها معت تحول الاستقرار الى سلم راسخ وتحول الامن الى أمان دائم.اما المؤسسات الدستورية فهي لم تستطع مرة واحدة ان تحل ازمة سياسية ولكنها كانت تنحل وتتهاوى عند كل ازمة سياسية ، وتنتظر تدخلات خارجية لفرض تسويات متصالحة مع اهداف هذا الخارج على حساب الداخل.
وعلى ضوء ذلك يمكن ادراج الملاحظات التالية:
١_ ان الطبقة السياسية المتسلطة لم تتغير مرة واحدة عن طريق الانتخابات. وان بعض التغيير الذي اصابها جاء نتيجة الحروب الاهلية التي شهدها لبنان، وبفعل ما انتجته تلك الحروب من تقهقر وانتاج قوى اكثر عصبية وميلشياوية واشد فتكا وتخلفا وفسادا”.
٢وعوضا ان تدفع الانتخابات النيابية باتجاه الغاء الطائفية وبناء الدولة الوطنية كما وعد دستور الاستقلال والبيان الوزاري لحكومة الاستقلال، ووثيقة “الوفاق الوطني” في الطائف، نجد ان الانقسامات العامودية تعمقت اكثر وباتت تنخر بنى الدولة ومؤسساتها بالكامل وتعشعش في الحياة العامة ،وبلغت في المرحلة الراهنة ذروتها. ٣وبما ان نتائج الانتخابات كانت تقرر سلفا ومسبقا ،بمجرد اقرار القانون الانتخابي، ووفق ماتمليه القوى الاقليمية والدولية، مما زاد في نسبة المنكفئين عن المشاركة فيها وبتدفق المال السياسي والرشاوى الانتخابية بمختلف اوجهها وبشكل فاضح.
٤نتيجة لهذا كله ،باتت المؤسسات الدستورية في لبنان ، وعلى رأسها مجلس النواب ، محتكرة بشكل كامل لذلك التحالف الجهنمي بين ميليشيات رأس المال وميليشيات الطوائف والمذاهب وزعاماتها وكل الانتهازيين والوصوليين والمرتبطين بأجندات خارجية ووكالات التنمية الخارجية، وانعكست هذه الصوره على الادارة وعلى كافة المؤسسات. واليوم، وبالرغم من التحركات الشعبية الواسعة، وبالرغم من المطالبة والدعوات الى اقرار قانون انتخابي وطني خارج القيد الطائفي، وبألية النسبية الشاملة ضمن دائرة وطنية واحدة وموحدة،او على الأقل ضمن الدوائر الكبرى، وخفض سن الاقتراع والترشح،والتقيد بالدستور…. الا ان موازيين القوى من جهة، وعدم جدية ومثابرة القوى والهيئات الوطنية من جهة ثانية، والانهيارات المتلاحقة والتدخلات الخارحية الوقحة من جهة ثالثة حالت دون اقرار التعديلات الوطنية على القانون ، وفرض علينا من جديد قانون عام ٢٠١٨ بكل مساوئه ومطباته ،بالرغم من ادراك الطبقة السياسية بمختلف مكوناتها بسوء الوضع وخطورة الانقسامات والتبعيات للخارح، وما لذلك من اخطار حسيمة على لبنان وعلى السلم الاهلي فيه، وما يهدد مقاومته وسائر القوى الوطنية ، وما يرسم للبنان من دور . وبالرغم من سياسات الفقر والنهب والتجويع وفقدان ابسط مقومات الحياة …. الا انهم تمسكوا جميعهم بالصيغة المتخلفة ، مما يسد من جديد كل المنافذ أمام اي اصلاح سياسي محتمل وأمام عملية بناء الدولة وعمارة المجتع على اسس وطنية وراسخة ومتينة. ان الانتخابات التي تقرر اجراءها في ايار المقبل تختلف كثيرا عن تلك التي كانت تجري في السابق ،ان جرت وتوفرت لها ظروف امنية ومالية وسياسية تسمح بها.وان هذا الاختلاف ليس بسبب القانون المشوه الذي اصرت عليه الطبقة السياسية المسيطرة على الحكم بمختلف اطيافها، ولكن بسبب الظروف الداخلية المتردية والأقليمية المحيطة والتدخلات الخارحية المشبوهه،وصراعات المحاور التي سيكون لها تداعياتها على الاستقرار السياسي وعلى اعادة تركيب السلطة وتوازناتها الدقيقة والهشة القابلة للاشتعال في اي لحظة . كان من الأولى على قوى التغيير الوطنية ان تقاطع هذه الانتخابات وتتخذ موقفا سلبيا منها وتصر على موقفها بفرض قانون وطني لا طاىفي، ولكن نتيجة الانقسامات فيما بينها وظروف الانهيار وتشابك التدخلات حال دون اتخاذ مثل هذا القرار الوطني بامتياز ، وفرض المشاركة في الانتخابات ، والعمل على توحيد الجهود علها تساهم في فرض فرص جديدة ومحتملة لدخول عدد من ممثليها قبة البرلمان ،متمسكة بثوابتها الوطنية والقومية والتغييرية من جهة، ورفضها كل اشكال الهيمنة والتدخلات الخارحية لضرب هذه الثوابت من جهة اخرى . في المشهد الانتخابي اليوم ،يبرز على العيان اربعةقوى سياسية باهداف وتطلعات مختلفة : ١ القوى المرتبطة بالسياسة الدولية ،الاميركية بشكل خاص وحلفاء اميركا بشكل عام، والذين يتغنون بالسيادة والحياد ،ويعملون جهارا لسحب الغطاء الشرعي عن المقاومة، والحصول على الأكثرية النيابية لفرض ارادتهم وارادة هذا الخارح بالحكم والتشريعات التي بدأ الحديث عنها .
٢_ تحالف قوى مركبة من مقاومة معترضة على السياسة الاميركية وبعض الحلفاء الطائفيين وبعض شخصيات لديها هامش وطني ما، تريد الابقاء على اكثريتها القائمة حاليا وافشال الصيغ المطروحة في وجهها.
٣_ مجموعات ما تطلق على نفسها “المجتمع المدني” وهي براء من هذه الوصفة ،وتحالفها مع بعض شخصيات واحزاب ومجموعات ،تعمل مجتمعة باركسترا واحدة وتعليمات واجندات خارجية،وتصب كل نشاطها وتحركها في وجه قوى المقاومة، وتغدق عليها الاموال بشكل فاضح .
٤_ قوى ومجموعات وشخصيات وطنية ديمقراطية لا طائفية ،تمثل المجتمع المدني الوطني المتحرر من التبعية للخارج ، وملتزمة بالثوابت الوطنية والقومية وبخيار المقاومة في مواجهة مخاطر كل عدوان خارجي ، ومكونة على مساحة لبنان ولها رصيدها الشعبي والتاريخي.
امام هذا المشهد ،بكل انقساماته وتعقيداته ، يصبح من الضرورة التوجه الى القوى والاحزاب والشخصيات الوطنية التي لها خياراتها الوطنية والقومية والتحررية ،والتي تواجه بنفس الوقت:منظومة الفساد والافساد والنهب والمسؤولة عن كل الانهيارات القائمة من جهة، ومواجهة المخططات الخارحية والحفاظ على خط المقاومة ونهجها في ردع العدو ومشاريعه العدوانية والتوسعية من جهة ثانية، على هؤلاء،بذل كل الجهود الممكنة واجراء الحوار الواسع بين مكوناتهم وصولا الى احد الخيارين “
أ_ اما تشكيل لوائح موحدة على مختلف الساحات ،مميزة ببرامجها الوطنية والقومية،وبعدم تبعيتها للخارح، وتمسكها بخيارتها في وقف الانهيار وبناء الدولة واجراء تغييرات في بنية النظام ومؤسساته واداراته على مختلف المستويات ومحاسبة الفاسدين والنهابين ، والقضاء على الطائفية .
ب_ واذا لم يتوصلوا الى هذه الوجهه بقوة ووضوح ،اجراء التحالفات الانتخابية ،حسب ما تقتضيه ظروف كل دائرة،شرط التمسك بالثوابت الوطنية، وعدم الانزلاق لتقديم انفسهم جسرا لعبور قوى مرتهنة وخاضعة وتابعة وفاسدة ومشبوهة تاريخا” وحاضرا”.
ان التحديات الخطيرة التي يواجهها لبنان اليوم، بسبب احتدام الصراع الاقليمي بين المحاور الدولية والإقليمية المعروفة،تستوجب الدقة في الخيارات، والعقلانية في التحالفات ، والتأكيد الدائم على الموقف الوطني الثابت باعادة بناء الدولة على أسس وطنية سليمة وموحدة،بعيدا عن الانقسامات العامودية وانعكاساتها السلبية،ومواجهة كافة المخاطر والتدخلات الخارحية المشبوهة،والحد من تأثيراتها السلبية الكارثية ،والحفاظ على السلم الأهلي .