الرئيسية / دراسات / تأثير الأزمة الأوكرانية على سوريا*

تأثير الأزمة الأوكرانية على سوريا*

 

 

 

بقلم: العميد المتقاعد إلياس فرحات

 

في الخامس من تشرين الأول – أكتوبر 2011 أعلن أول فيتو روسي – صيني مشترك في مجلس الأمن الدولي أدى الى سقوط مشروع قرار فرنسي بدعم أوروبي يدين سوريا ويدعو الى اتخاذ إجراءات وعقوبات ضدها.

في الشكل هو ثالث فيتو روسي بعد انتهاء الحرب الباردة بعد فيتو ضد إدانة صرب البوسنة وآخر ضد تمويل نشاط الأمم المتحدة في قبرص. وفي المضمون، أحدث هذا الفيتو صدمة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وصدمة أخرى لدى تركيا والدول العربية الداعمة للمعارضة السورية.

كان داعمو المعارضة يتوقعون تكرار تمرير روسيا لقرار مجلس الأمن بحماية المدنيين في ليبيا الذي تحول الى شن حلف الأطلسي غارات جوية تدميرية قتلت عشرات آلاف المدنيين ودمرت البنى التحتية الليبية، والى غزو القوات الخاصة البريطانية والفرنسية لهذا البلد وإسقاط النظام بالقوة وقتل رأس النظام، العقيد معمر القذافي.

اعتبر داعمو المعارضة السورية أن المثلين التونسي والمصري لم يتكررا في سوريا  بهروب الرئيس بشار الأسد أو تنحيه عن السلطة. لذلك سعوا إلى تكرار المثل الليبي، لكن الفيتو فاجأ الجميع.

لم يأخذ داعمو المعارضة العلاقة السورية – الروسية المتينة على محمل الجد، وقللوا من تقدير قيمتها وقوتها، وذهب بعضهم الى اعتبار أن روسيا تتدلل من أجل الحصول على مساعدات بشكل صفقات أسلحة وما شابه. وعندها ينتهي الأمر، وتدعم روسيا قراراً دولياً بضرب سوريا.

علل البعض الموقف الروسي بسبب استخدام البحرية الروسية قاعدة طرطوس البحرية، وهي الوحيدة المتاحة لهاعلى حوض البحر المتوسط، فذهبوا  الى تقديم تعهدات باستمرار الوجود الروسي بعد تغيير النظام. لم يكن غريبا أن تقتصر مطالب المعارضة على تغيير النظام من دون برنامج سياسي ديموقراطي مقنع ومن دون سلوك سياسي أو ثوري مقنع أيضاً.

توجس الروس خيفة من هذا المطلب وهم لم ينقطعوا عن حوار المعارضة بحثاً عن إيجابيات مشتركة تؤسس لتسوية سياسية، لكنهم جوبهوا بمطلب واحد هو إسقاط النظام.

يعاني الروس من مشاكل مع الإرهاب الذي تشنه منظمات إسلامية متطرفة تنتمي الى تنظيم القاعدة ومن فكر تكفيري يروج في منطقتي القوقاز وحوض الفولغا في داخل الاتحاد الروسي وفي جمهوريات آسيا الوسطى، وخصوصاً في منطقة وادي فرغانة التي تمتد داخل أراضي اوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان.

تشكل تركيا الإخوان المسلمين مركز إشعاع ثقافي للحركات المتطرفة في تلك المناطق نظراً لارتباطها التاريخي والثقافي واللغوي بها، انطلاقاً من العمق الطوراني لتركيا. كما تشكل السلفية الجهادية الوهابية نمطاً مذهبياً يحظى بتمويل كبير من دول الخليج.

إن خسارة روسيا لسوريا يعني سيطرة تركياعليها، وهو ما يطلق لها العنان بالاشتراك مع دول الخليج للتحرك في آسيا الوسطى والقوقاز تمهيداً للقضاء على محاولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعادة الإمبراطورية الروسية بصيغتها القيصرية.

عندما استعملت روسيا الفيتو، كانت تدافع عن نفسها في سوريا وعن أمنها القومي على الاتجاه الجنوبي، ولم تسمح لها المخاطر والتهديدات بإجراء تسويات على حساب أمنها، فكررت الفيتو ثلاث مرات وقدمت السلاح والذخائر والمعونات الاقتصادية لسوريا لتمكينها من الصمود، ونسقت مع حلفاء سوريا، أي إيران وحزب الله لاستمرار الدعم.

هل كان صدفة انطلاق حزب الله الى القصير بعد اجتماع أمينه العام السيد حسن نصر الله مع نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف في ضاحية بيروت الجنوبية؟ طبعا لا. كانت روسيا تواكب وتشارك في أي جهد يساعد سوريا على الصمود.

هذا على الجهة السورية. أما في أوكرانيا فقد كانت على موعد مع تحرك النازية الجديدة والقوميين المتطرفين ضد روسيا، خصوصاً بعد تصاعد نفوذ اليمين المتطرف في فرنسا وفوزه لاحقاً في الانتخابات البلدية وانتشار الأفكار اليمينية المتطرفة والنازية في معظم أنحاء أوروبا.

استعاد القوميون الأوكرانيون ذكرى الحرب العالمية الثانية حيث كان القسم الغربي يقاتل الى جانب النازية والشرقي الى جانب الزعيم السوفياتي ستالين. كان انتصار ستالين والقضاء على النازية انتصاراً لأوروبا ولروسيا، لكن النازيين الجدد اعتبروه احتلالاً حان وقت التخلص منه.

هكذا أسقط النازيون الجدد التسويات والاتفاقات التي عقدت بين المعارضة النازية والرئيس الأوكراني يانكوفيتش بحضور الاتحاد الأوروبي من أجل حل الأزمة، وأطبقوا على المراكز الحكومية واحتلوها، وفر الرئيس يانكوفيتش الى روسيا.

ظن الأوروبيون أنهم وجهوا ضربة مؤلمة للحديقة الغربية لروسيا، وأن روسيا سوف تنحني أمام هذا الضغط المفاجىء، واعتقدوا أنها سوف تتنازل من أجل تخفيف الأضرار على الاتجاه الغربي.

قرأ داعمو المعارضة السورية ضربة أوكرانيا انها ستولد تراخياً روسياً تجاه سوريا من أجل حماية مجنبتها الغربية، وأن المقايضة سوف تحصل عاجلاً: سوريا مقابل أوكرانيا. وبذلك يسقط النظام السوري بالضربة القاضية الأوكرانية.

النازية هي الأداة في أوكرانيا وتنظيم القاعدة هو الأداة في سوريا.

حصلت مواجهة فعلية  بين أوروبا مدعومة من الولايات المتحدة وروسيا. فوجىء المراقبون بالبراغماتية الروسية، وبخطط الطوارىء المتوافرة لدى القيادة الروسية. كان احتلال شبه جزيرة القرم وإعلان انفصالها واجراء استفتاء لانضمامها الى روسيا وصدور القرارات الإدارية التي جعلتها جزءاً من الاتحاد الروسي دليلاً على وجود خطط سياسية وعسكرية وأمنية جاهزة للتنفيذ.

كان الجانب الأوروبي يتخبط بالتهديدات والاتهامات السياسية والتشهير بروسيا بأنها تخرق القانون الدولي. توقع الاوروبيون أن يحدث التغيير في أوكرانيا صدمة في روسيا وأن تطلب الأخيرة من الأوروبيين تسوية الأزمة بسرعة كي لا تنعكس على الاتحاد الروسي. كانت سوريا جزءاً من الثمن المفترض أن يقبضه الأوروبيون.

منذ ان نشر حلف شمال الأطلسي الدرع الصاروخية في تشيكيا وتركيا والبلطيق بذريعة حماية أوروبا من خطر الصواريخ الإيرانية، اعتبر الروس أن هذه الدرع موجهة ضد روسيا وأن ما قيل عن إيران للتمويه فقط.

سارعت روسيا الى حفظ أمنها القومي بضم القرم وحماية قواعدها البحرية على البحر الأسود، والمحافظة على إطلالتها البحرية على ذلك البحر من خلال شبه جزيرة القرم.

أما في سوريا، فقد تشددت روسيا بشكل ظاهر من خلال مواقفها الدبلوماسية الصارمة. لم تتأثر روسيا بإحراج الألعاب الاولمبية الشتوية في سوتشي على البحر الأسود، بل انتظرت كي تنتهي هذه الألعاب بسلام وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة.

كان الكلام المنسوب لرئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير بندر بن سلطان بعرض المساعدة لتوفير أمن الألعاب الأولمبية صدمة لروسيا رأت فيه محاولة سعودية لتهديد أمنها. وزاد ذلك الهاجس التفجيران الإرهابيان اللذان وقعا في فولغوغراد. دق فعلاً ناقوس الخطر. أمسكت روسيا زمام المبادرة في استعادة القرم وشن الجيش السوري وحزب الله معركة القلمون والتي انتهت بانتصار النظام وهزيمة المعارضة.

التزامن بين القرم والقلمون ليس صدفة. المصلحة الروسية واحدة ويمكن القول إن سوريا هي قرم البحر المتوسط الذي لن تتخلى روسيا عنه.

لم تنتهِ الأزمة الأوكرانية بل إن فصولها ما زالت تتوالى. تصاعدت الأزمة بين القسم الشرقي الصناعي ذي الغالبية الروسية والقسم الغربي الخدماتي ذي الغالبية الأوكرانية، وباتت أوكرانيا الجديدة من دون القرم، ومهددة بحرب أهلية.

تراجع الاقتصاد الأوكراني المأزوم أصلاً ولم يظهر أن الغرب يمتلك خطة لإنقاذ أوكرانيا لا سياسياً ولا اقتصادياً. لكن المواجهة مستمرة والتهديدات المتبادلة بين روسيا والغرب تتصاعد. وفهم الغرب أن سلوك روسيا في جورجيا وتأييد انفصال أوسيتيا الجنوبية سوف يتكرر في أوكرانيا.

يتلاقى ذلك مع ما يجري على الاتجاه السوري. تتدخل تركيا في مدينة كسب لتحقيق خرق بري لافت ومؤلم، وإحراز نصر يمحو هزيمة القلمون.

تشن المعارضة المسلحة وغالبيتها من تنظيم القاعدة هجوماً كبيراً على حلب في محاولة لتغيير التوازن، كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد تحدث عنه سابقاً.

تندفع سوريا في العملية السياسية وتعلن عن إجراء الانتخابات الرئاسية فيرد الغرب برفض هذه الانتخابات قبل حصولها، وترد المعارضة بالقصف بالهاون على الأحياء السكنية في دمشق وحلب وحمص لمنع السكان من الخروج من منازلهم.

كل ذلك يشكل تناغماً تكتياً في إطار استراتيجية غربية واضحة لمنع روسيا من أن تستعيد مركزها كقوة كبرى وقطب عالمي، وإسقاط النظام السوري وتدمير قدرات سوريا وإحداث فوضى في العالم العربي تؤمن منظمات “القاعدة” استمراراً لها، وتشطب كل العرب من المعادلة السياسية في العالم بمن فيهم حلفاء الغرب في هذه الحرب.

إنه فعلاً تلازم في المواقف تجاه أوكرانيا وسوريا يصل الى حد التطابق. أي قراءة تستند الى توازن القوى وإلى المصالح الروسية الحيوية تؤدي الى التوصل الى نتيجة واحدة: استمرار التشدد الروسي بتأييد النظام في سوريا.

*الورقة قدمت خلال مؤتمر “تأثيرات الأزمة الأوكرانية على النظام الدولي والشرق الأوسط” الذي نظمه مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط والاستشارية للدراسات الاستراتيجية في بيروت في 26 نيسان – أبريل 2014.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

من النيل الى الفرات “اسرائيل الشنطة “/م .حسن المقداد / جبيل

م . حسن المقداد – جبيل بين صُور الماضي وصُور الامس حكاية تختصرها حقيبة .حينما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *