بالمقارنة مع فزاعة تهديد داعش، تهديد إيران استراتيجي حقيقي

بقلم: عاموس غلبواع – محلل سياسي إسرائيلي —

•منذ نحو أسبوع فارق تنظيم داعش الحياة تقريباً بصمت. عملياً لم يشكل هذا التنظيم تهديداً للولايات المتحدة ولا للغرب، ولا لإسرائيل أيضاً. لكنه استخدم كبش محرقة من جانب الجميع. فقد أقيم ضده ائتلاف عالمي برئاسة الولايات المتحدة (خلال حكم أوباما ومن بعده ترامب). وعندما ألقيت آلاف الأطنان من المتفجرات على أهداف تابعة للتنظيم، قتل في سورية ليس بيد داعش، نصف مليون شخص، وأصبح نصف سكان سورية لاجئين، وتحولت أغلبية المدن والبلدات إلى أنقاض.
•في نهاية الأمر، جرى القضاء على تنظيم داعش بواسطة ثلاثة عناصر مركزية: حقيقة أنه حارب الجميع والجميع حاربه، حقيقة أن سلاحي الجو الأميركي والروسي تخليا عن الأخذ في الاعتبار الأبرياء، و”القوة الضاربة على الأرض” مثل القوة العسكرية الكردية في سورية، والجيش العراقي، (الشيعي فعلياً) وميليشيات شيعية لا ترحم.
•ما هي انعكاسات ذلك؟ أولاً، لم يعد هناك وجود لدولة إسلامية، لكن هناك تنظيماً ما يزال متشدداً. ولقد دخلنا الآن المرحلة الثالثة من تاريخ هذا التنظيم: المرحلة الأولى كانت تنظيماً إرهابياً لحرب عصابات نشأ سنة 2006 في العراق وانتشر من هناك إلى سورية. في المرحلة الثانية حاول إقامة دولة (تحرص على سكانها وتدافع عن أرضها) لكنه فشل. حالياً عاد ليكون تنظيماً إرهابياً وحرب عصابات، ومجال تحركه هو الصحراء السورية، ولم يعد ملزماً بالدفاع عن أرضه أو بتأمين الغذاء والتعليم للسكان المدنيين.
•ثانياً، ما تزال لديه أرصدة الأكثر أهمية بينها هو القدرة العملياتية التي لديه في أماكن مختلفة في العراق وفي سورية. وهو أظهر ذلك قبل شهر في العراق من خلال هجمات إرهابية متلاحقة، وفي سورية عندما سيطر على مطار دير الزور، ودمر طائرات وقتل نحو 15 جندياً سورياً. وماذا بشأن قدرته العملياتية على توجيه هجمات في الغرب؟ يبدو أنها ستتراجع، لكن في الوقت عينه سيعود إلى الغرب وإلى الدول الأم خصوصاً آلاف من مقاتلي التنظيم. وهذا سبب أكيد لتصديع رأس أجهزة الاستخبارات، عندما سيعود هؤلاء المقاتلون مع توجهات ردايكالية دينية متشددة ويعيشون حالة إحباط. ثالثاً، ما يزال لدى التنظيم مناطق جغرافية صغيرة خاضعة لسيطرته في جنوب هضبة الجولان السورية، وفي مخيم اللاجئين في اليرموك بالقرب من دمشق. ولديه ولايات جغرافية في دول مختلفة مثل ولاية إقليم سيناء.

•رابعاً، بالمقارنة مع فزاعة تهديد داعش، يوجد اليوم في الهلال الخصيب، تهديد استراتيجي حقيقي نال رخصة أميركية بالحصول على السلاح النووي بعد أقل من 10 سنوات، وإنتاج صواريخ بعيدة المدى، ولديه منطقة نفوذ سياسي وعسكري تمتد من بحر قزوين حتى البحر المتوسط، إنه إيران – آيات الله. وليس من المستغرب أنهم يرتعدون خوفاً في الرياض.
المصدر: صحيفة معاريف الإسرائيلية، عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

سورية: “خطوط حمراء” إسرائيلية في مواجهة مواقع إيرانية

بقلم: أودي ديكل وتسفي مَغِن – باحثان في معهد دراسات الأمن القومي الأإسرائيلي —
•في الأسبوع الماضي أُبرمت صفقة بين الولايات المتحدة وروسيا تتعلق بوقف اطلاق النار وإقامة مناطق تهدئة (خفض تصعيد، de-escalation) في جنوب سورية. وشملت التفاهمات بين الدولتين العظميين السماح بانتشار قوات إيرانية وميليشيات واقعة تحت سيطرة إيران في منطقة الحدود في هضبة الجولان التي أعلنت إسرائيل أنها لا توافق على أي وجود إيراني فيها. لقد كانت هذه هي المرة الثانية خلال نصف العام الأخير التي يجري فيها التوصل إلى صفقة بين الدولتين العظميين تتعلق بمستقبل سورية من وراء ظهر إسرائيل.
•على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ الذي انعقد مؤخراً في فيتنام، أعلنت الولايات المتحدة وروسيا، أنهما توصلتا إلى تفاهمات سويّة مع الأردن بشأن إقامة مناطق تهدئة في جنوب سورية لمدة 6 أشهر، مع احتمال تمديد المدة. وأوضح موظف أميركي كبير أن التفاهمات شملت إبعاد القوات الإيرانية وحزب الله والميليشيات الشيعية عن الحدود مع إسرائيل في هضبة الجولان إلى مسافة 7 كيلومترات (عن سفوح جبل الشيخ في الطريق المؤدية إلى دمشق)، و20 كيلومتراً عن (وسط هضبة الجولان وجنوبها). كما شملت التفاهمات ترسيم خريطة مناطق فصل منزوعة السلاح مساحتها 5 كيلومترات بين قوات المتمردين السوريين والقوات الإيرانية وحزب الله. وأوضح وزير الإعلام الأردني محمد مومني أن مقاتلين سوريين وعناصر الميليشيات الإيرانية والشيعية الأخرى التي تعمل مع نظام بشار الأسد، لا تستطيع التحرك في جنوب سورية، وفي فترة لاحقة يجب عليها الانسحاب من سورية.
•خلال جولة المحادثات السابقة بين الولايات المتحدة وروسيا التي جرت في عمان في تموز/يوليو 2017، تحركت إسرائيل من وراء الكواليس وطالبت بإبعاد القوات الإيرانية والتي تدور في فلكها إلى مسافة 60 كيلومتراً من الحدود، وإنشاء منطقة فصل حتى السويداء (جبل الدروز) شرقاً وحتى دمشق في الشمال. وكانت الاستجابة للطلب الإسرائيلي جزئية، وجرى الحديث عن إبعاد القوات الإيرانية إلى مسافة تراوح بين 20 و30 كيلومتراً من حدود إسرائيل. وخلال الجولتين من المحادثات، لم يجر التطرق إلى مسائل تمركز إيران في سورية بصورة عامة، بما في ذلك إقامة قواعد برية وبحرية وجوية إيرانية، وبنية تحتية لإنتاج وتخزين سلاح متطور.
•لقد عبرّ مسؤولون إسرائيليون كبار عن استيائهم رداً على تقارير تتعلق بالتفاهمات بين روسيا والولايات المتحدة بشأن جنوب سورية. فبحسب قولهم، صياغة الاتفاق جرت بخطوط عامة جداً، وجرى التشديد على معارضة إسرائيل لأي وجود عسكري إيراني في سورية، من دون علاقة بمكانه. بالاضافة إلى ذلك، حذّر ناطقون بلسان إسرائيل من أنه على الرغم من أن الاتفاق يحسّن إلى حد ما تفاهمات سابقة بين الولايات المتحدة وروسيا، فإنه ما يزال لا يلبي المصلحة الأمنية الإسرائيلية في سورية. لذا، فإن إسرائيل غير ملزمة به، وستواصل الدفاع عن “الخطوط الحمراء” التي وضعتها.
•لم يتأخر الرد الروسي في الوصول، فقد أعلن وزير الخارجية الروسي أن الاتفاق لا يشمل تعهداً روسياً بانسحاب إيراني أو قوات تابعة لإيران من سورية، وأن وجود إيران في سورية شرعي لأنه جرى بطلب من النظام الرسمي والشرعي في سورية.
•لقد كان الهدف من الإعلان الروسي طمأنة حليفتها إيران وتوضيح حرص روسيا على مصالحها. وفي نظرة أوسع، في أساس السياسة الروسية هناك فهم بأن حكم الأسد غير ثابت ولن يستطع الصمود من دون دعم عسكري من إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية التابعة للقيادة الإيرانية. فهؤلاء هم الذين يقومون “بالعمل القذر” على الأرض من أجل الأسد، وأيضاً من أجل روسيا. بالنسبة إلى إيران، فإن دورها المستقبلي في سورية، واضح: الأسد، أو أي زعيم علوي يأتي مكانه، ويسيطر على سورية سيكون تابعاً تبعية كاملة لها. في ما يتعلق بمسألة هوية الزعيم وتركيبة السلطة تختلف الآراء بين الحلفاء. تناضل إيران من أجل بقاء الأسد في السلطة، ولا يمكن أن نقول إن هذا هو موقف روسيا، التي كانت مستعدة لإزاحة الأسد من منصبه في حال توفر بديل مفضل من ناحيتها . في ما يتعلق بتركيبة الحكم، في تقدير موسكو إن التركيبة الفدرالية في سورية هي الأكثر امكانية للتحقق، بينما إيران معنية بحكم مركزي علوي قوي تابع لمشيئتها.
•تعنى السياسة الروسية في الشرق الأوسط أيضاً بالدفع قدماً بالعلاقات مع دول أخرى في المنطقة وعلى رأسها تركيا والسعودية ومصر والأردن وإسرائيل. وليس مفاجئاً عدم ارتياح هذه الدول لإعلان وزير الخارجية الروسي بشأن عدم الرغبة بإخراج القوات الإيرانية المدعومة من إيران من سورية. بالنسبة إلى موسكو، هذا الإعلان يهدف إلى خدمة هدف هو أكثر أهمية من الرغبة في طمأنة مخاوف عواصم عدة في الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن تكون روسيا تريد أن تتحدى الولايات المتحدة من خلال مسألة مكانة إيران في سورية، من أجل ممارسة ضغوط سرية على واشنطن تتعلق بموضوعات أخرى مطروحة بينهما. ومن المحتمل أيضاً أن موسكو التي تميل إلى تبني نظرية المؤامرة، ترى في الاضطرابات التي تمر بها السعودية ولبنان عملية توجهها واشنطن هدفها المس بمكانة روسيا في الشرق الأوسط.
•صحيح أن الطريق نحو نهاية الحرب وتحقيق الاستقرار في سورية ما يزال طويلاً، لكن يتضح أن إيران هي المنتصر الأكبر، فقد قدمت لها روسيا والولايات المتحدة على طبق من ذهب السيطرة والنفوذ في سورية، وهما لا تنويان في هذه المرحلة الدخول في مواجهة معها.
•إسرائيل حرصت منذ 2011 على الوقوف “موقف المتفرج” وعدم التدخل في ما يحدث في سورية، وتحركت فقط عندما كانت تواجه تحدياً حقيقياً. وكانت النتجية انعدام التأثير الإسرائيلي في المعركة الدائرة حالياً من أجل بلورة مستقبل سورية، وترك الساحة لتعاظم النفوذ الإيراني وترسيخه في سورية. وفقط عندما فهمت إسرائيل أنها لم تكن يقظة بما فيه الكفاية، وضعت “خطوطاً حمراء” أي تجاوز لها يتطلب رداً عسكرياً.
•إن “الخطوط الحمراء” لا يعبر عنها فقط بحيز مادي جغرافي بعيداً عن الحدود، بل بجملة شروط ملموسة، وقدرات عسكرية متطورة ونوعية، وبظروف تمركز إيران، خصوصاً بواسطة التنظيمات الدائرة في فلكها في جنوب سورية، والتي تشكل تهديداً لإسرائيل يتطلب عملية عسكرية ضدها. لم تتحدث إسرائيل بإسهاب عن القدرات وحجم القوات وماهية وخطورة تهديد إيران والتنظيمات التابعة لها، وما هو الذي يستوجب رداً عسكرياً. لذا فإن الغموض في وضع “الخطوط الحمراء”، من دون تفاصيل، يمكن أن يتيح لإسرائيل مرونة معينة في الرد. وإسرائيل أمام خيارين: الأول: تقديم موقف واضح بشأن ما تتضمنه “الخطوط الحمراء”، مثلاً بُنى تحتية إيرانية لإنتاج وتركيب وتخزين السلاح في شتى أنحاء سورية، هذا معناه تهديد حقيقي لإسرائيل وسيطرة إيرانية على سورية من الصعب اقتلاعها لاحقاً؛ الخيار الثاني، المحافظة على الغموض ووضع “خطوط حمراء” من خلال الأفعال وليس الأقوال، أي استخدام قوة عسكرية تتلاءم مع حجم التهديد. في مثل هذا الوضع إسرائيل ليست ملزمة مسبقاً ببيان تحركاتها، وهي بذلك تتسبب بقدر كبير من عدم اليقين في الجانب الإيراني. في المقابل، فإن هذا الغموض يمكن أن يشجع إيران على محاولة معرفة رد إسرائيل من خلال القيام بخطوات تدريجية تراكمية هدفها التوصل إلى مسار ينطوي على قدرة تصعيدية سيكون من الصعب السيطرة عليها.
•يبدو أنه اقترب اليوم الذي سيكون على إسرائيل أن تشمر فيه عن أكمامها للمشاركة في ما يجري في سورية إذا كانت ترغب في كبح النفوذ والتمركز الإيرانيين في هذه الدولة. لدى إسرائيل القدرة على تدمير “مشروع” روسيا وإيران في سورية والمس بشدة بالأسس التي يستند إليها نظام الأسد. ويتعين عليها التلويح بهذه الورقة، ولكن الاحتفاظ بها إلى حين نشوء وضع تتعقد فيه الأمور، وإلاّ لن تُكبح السيطرة الإيرانية على سورية. ويتعين على إسرائيل أن تظهر إصرارها على المطالبة بإبعاد قوات إيران والميليشيات الشيعية الواقعة تحت سيطرتها من هضبة الجولان، وكذلك منع إقامة بنية تحتية عسكرية إيرانية في سورية تدعم تعاظم قوة نظام الأسد والميليشيات الشيعية وقوات الحزب التي تدعمه. ومن المهم أن نفهم أن معنى ذلك هو تزايد احتمال حدوث تصعيد في الجبهة الشمالية، وفي جبهة سورية وكذلك انزلاقها إلى جبهة لبنان. إن الولايات المتحدة، وبالتأكيد روسيا لن يقوما بالعمل بدلاً من إسرائيل. بالتأكيد، سيعطي الرئيس ترامب ضوءاً أخضر لإسرائيل للقيام بما تريد وبالقوة التي تختارها، لكن ما ليس أكيداً هو قيامه بمنحها مظلة أمان في حال حدوث تعقيدات. لذا يتعين على إسرائيل أن تكون مستعدة للتحرك في مواجهة تصعيد، وأن تتحضر بصورة صحيحة لمواجهة نتائج أفعالها.

المصدر: مجلة “مباط عال” الإسرائيلية، العدد 933، 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

لعنة الجعرافيا

 

بقلم: إيمان شمس الدين — تدور رحى الصراعات حول قطب الجغرافيا، وما لها من أبعاد هامة خاصة اقتصادية في توجيه السياسات و تصنيف المحاور والتوجهات السياسية المؤدلجة، ولا يمكننا إبعاد الدين أبدا عن هذا الصراع، كونه القطبة الخفبة التي تتحرك في اتجاهات الجغرافيا.

 

اليوم الصراع قائم بكل تفاصيل الماضي، فهو كان ومازال المكون الرئيس في صناعة الحاضر والمستقبل.

 

صراع الصليبيين مع المسلمين، والعثمانيين المسلمين مع الغرب، و اهل قريش في مكة مع رسالة النبي محمد ص والتي اختصروها بصراع نفوذ وزعامات ولم يدركوا رسالته الإلهية.

 

صراع دين العولمة والقطب الواحد ومحاولة بسط نفوذ الثقافة والفكر الذي يراه هذا القطب بحجة التفوق والتحضر ، صراع ثروات حول جغرافيات غنية بالثروات وبالممرات المائية التي تشكل ثقل اقتصادي في التبادل التجاري لدول مطلة عليها بالتالي تشكل نقطة ضعف تتصارع عليها تلك الدول لبسط نفوذها وإملاء سياساتها على الدول المطلة المجاورة.

 

وضع حجر الأساس:

 

كانت الصراعات منذ القرن التاسع عشر قائمة على التوسع المنهجي جغرافيا خاصة بعد سقوط الدولة العثمانية والتسابق بين القوى العظمى على وراثة الإرث الجغرافي العثماني، خاصة الجغرافيا الغنية من جهة بالثروات ومن جهة أخرى بمواقع استراتيجية رابطة ومحورية في المسارات التجارية. هذا فضلا عن الاهتمام بنقاط القوة التي تجمع هذه الجغرافيا وأهمها على الإطلاق الدين والعروبة و الأوطان.

 

ولتحقيق استراتيجيات نابليون التوسعية تم توظيف التالي:

 

  • الخطابات الدينية.
  • استحضار تاريخ الصراعات خاصة بين الصليبيين والمسلمين.
  • توظيف الجغرافيا في ضرب نقاط قوتها الخاصة بمنطقتنا.

 

كان الخوف يكمن في استمرار تلاقي القوة القومية العروبية خاصة مع القوة الدينية الإسلامية خاصة، واستمرار الجمع بين هاتين القوتين يشكل مركز قوة رادع لكل محاولات التوسع والهيمنة.

 

هذا فضلا عما تشكله الجغرافيا الممتدة من النيل إلى الفرات من ثراء تمثل في :

 

  • ثراء معرفي تاريخي متراكم شيد حضارات عدة عكست التنوع العرقي والديني والثقافي في هذا الامتداد.
  • ثراء مادي غني بالمياه والموانئ وطرق التجارة والثروات المعدنية بما فيها النفط.
  • ثراء هوياني قائم على مشتركات غزيرة في الهوية تمثل ثقل وقوة جامعة في هذه المنطقة، قادرة دوما على بناء جسور رابطة بين الشعوب، وهو ما يخشاه دوما أي مشروع توسعي استعماري.

 

”مصر النيل متصلة اتصال غير قابل للانفصال مع السهل السوري الذي يشكل معها زاوية قائمة تحيط بالشاطذ الشرقي – الجنوبي للبحر الأبيض، وهذه الزاوية القائمة بضلعها الجنوبي في مصر تمد تأثيرها بالعرض إلى كل الساحل الشمالي لأفريقيا، وبالطول إلى الجنوب حتى منابع النيل، ومن ضلعها الشمالي في سوريا تلامس حدود بلاد ما بين النهرين  (العراق) وشبه الجزيرة العربية والخليج، وحتى طرق الاقتراب البري البحري إلى فارس والهند.

أي أنه وعلى طول العصور كان لا بد أن تكتمل الزاوية الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض لتدخل في إطار سياسي واحد يجعل كل ضلع منها تأمينا للضلع الثاني“.[1]

 

فجاء الاستعمار بعد سقوط الدولة العثمانية، ليعزز توسعه الجغرافي بخطوة أولية تضمن له ضرب الاتصال العروبي الاسلامي، و تعبد له الطريق للدخول والخروج لمنطقتنا كيف ما شاء ووقت ما شاء.

 

وكانت هذه الخطوة باصطناع كذبة دينية إنجيلية توراتية اسمها وطن اليهود وحقهم التاريخي في أرض كنعان.

 

وكان أول من التفت إلى هذه الفكرة نابليون بونابارت حيث يقول المفكر محمد حسنين هيكل في كتابه ” المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل” :

 

“إن بذور المقدّسات: المحرّمات العربية تجاه الصهيونية وإسرائيل تعود في بداياتها وأصولها إلى القرن التاسع عشر”.

ثم لفت هيكل إلى أن  “طوال القرن التاسع عشر كان العالم مشغولاً بأربع قضايا: ظاهرة الوطنية، وظاهرة التسابق إلى المستعمرات والتنافس عليها بين القوى الأوروبية، والمسألة الشرقية أي التربّص بإرث الخلافة العثمانية، والمسألة اليهودية، فقد كان اليهود هدف عداء استفحل خصوصاً حول تواجد كثافة الوجود اليهودي في شرق أوروبا وروسيا ووقتها كان 90 بالمائة منهم يعيشون على تخوم ما بين روسيا وبولندا”.

واستطاع نابليون – حسب هيكل – الربط والتوليف بين المسائل الأربع وقد التقط في البداية آخرها وهي المسألة اليهودية”.

 

وكانت حملة نابليون على مصر  التي سميت حملة النيل كما يرى هيكل تستهدف هدفين:

“احتلال مصر كبداية لعملية إرث الخلافة. والزحف منها إلى فلسطين والشام. فنابليون لم يكن ينظر إلى مصر وحدها وإنما كان يراها في اتصال غير قابل للانفصال مع السهل السوري الذي يشكّل معها حجر زاوية قائمة تحيط بالشاطئ الشرقي الجنوبي للبحر المتوسّط، وهذه الزاوية القائمة بضلعها الجنوبي في مصر تمدّ تأثيرها بالعرض إلى كل الساحل الشمالي لأفريقيا وبالطول إلى الجنوب حتى منابع النيل، ثم أنها بضلعها الشمالي في سوريا تلامس حدود بلاد ما بين النهرين وشبه الجزيرة العربية والخليج وحتى طرق الاقتراب البري والبحري إلى فارس والهند”.

 

واختياره لتلك المنطقة يعند لذكرياته التاريخية في الحرب الصليبية الاسلامية، وما شكلته هذه المنطقة الجنوبية سواء من خطر خارجي أو من الإسلام والعروبة في مصر وسوريا- ضلعي الزاوية -، اللذين سبق لهما خلال الحروب الصليبية أن صنعا قوة ذاتية تتشجّع على الانفلات من قبضته.

 

وهو ما يتطلب زراعة كيان لا عروبي ولا إسلامي، تابع لفرنسا وفي ذات الوقت مناهض للعروبة والإسلام فيفصل ثقل القوة عن بعضه ليصبح بونابارت  أكثر قدرة على التحكم والهيمنة وتطويع المنطقة لإمبراطوريته الحالمة.

 

لذلك وظف نابليون لهذا الهدف الخطاب الديني في ورقته اليهودية التي وزعت على كل اليهود كنداء منه إليهم حيث قال:

 

” من نابليون بونابرت القائد الأعلى للقوات المسلّحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة منطقة فلسطين الشرعيين

أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الاحتلال والطغيان أن تسلبه إسمه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط.

إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين ـ وإن لم تكن لهم مقدرة الأنبياء مثل إشعياء ويوئيل ـ قد أدركوا ما تنبّأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع أن عبيد الله(كلمة إسرائيل في اللغة العبرية تعني أسير الله أو عبد الله) سيعودون إلى صهيون وهم ينشدون، وسوف تعمّهم السعادة حين يستعيدون مملكتهم  من دون خوف.

انهضوا بقوة أيها المشرّدون في التيه. إن أمامكم حرباً مهولة يخوضها شعبكم بعد أن اعتبر أعداؤه أن أرضه التي ورثها عن الأجداد غنيمة تقسّم بينهم حسب أهوائهم.. لا بدّ من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت نير العبودية، وذلك الخزيّ الذي شلّ إرادتكم لألفي سنة. إن الظروف لم تكن تسمح بإعلان مطالبكم أو التعبير عنها، بل إن هذه الظروف أرغمتكم بالقسْر على التخلّي عن حقكم، ولهذا فإن فرنسا تقدّم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل، وهي تفعل ذلك في هذا الوقت بالذات، وبالرغم من شواهد اليأس والعجز.

إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، ويمشي بالنصر أمامه وبالعدل من ورائه، قد اختار يروشلايم مقراً لقيادته، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي استهانت طويلاً بمدينة داود ملك إسرائيل وأذلّتها.

يا ورثة فلسطين الشرعيين ..

إن الأمّة الفرنسية التي لا تتاجر بالرجال والأوطان كما فعل غيرها، تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء.

انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تحالفهم الأخوي شرفاً لأسبرطة وروما، وأن معاملة العبيد التي طالت ألفي سنة لم تفلح في قتل هذه الشجاعة.

سارعوا، إن هذه هي اللحظة المناسبة ـ التي قد لا تتكرّر لآلاف السنين ـ للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سلبت منكم لآلاف السنين وهي وجودكم السياسي كأمّة بين الأمم، وحقكم الطبيعي المُطلق في عبادة إلهكم يهواه، طبقاً لعقيدتكم، وافعلوا ذلك في العلن وافعلوه إلى الأبد“.

 

”كان استهداف نابليون لمصر لموقعه الفريد كما قدره بنفسه حيث:

  1. معبر مطل على البحر الأبيض النافذ من جبل طارق إلى الأطلنطي متناهيا إلى العالم الجديد في أمريكا، ثم هو مطل على البحر الأحمر الذي يمكن وصله بالبحر الأبيض والذي يتدفق بمياهه جنوبا حتى يدخل إلى بحر العرب عند عدن،ويمتد إلى المحيط الهندي ثم إلى المحيط الهادي.
  2. هو بلد في مستقر في رأس أفريقيا مستند في الوقت نفسه على كتف آسيا.
  3. ثم هو أرض تصلح بطبيعتها السهلة ومواردها الزراعية لأن تكون قاعدة مأمونة لجيش كبير يأكل ويسكن ويستعد في أمان.“ المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل / محمد حسنين هيكل

إذا هو موقع جغرافي وثروات يمكن توظيفها بما يخدم المستعمر وأطماعه التوسعية عبر التاريخ؛[2].

 

 

فكان السعي لأسباب عدة أهمها:

 

  • التخلص من اليهود في أوروبا لدورهم التاريخي في مناهضة المسيحية، وفي الهيمنة الاقتصادية وهو ما يشكل دوما خطر وجودي على تلك الدول.
  • الهيمنة والتوسع المستديمان، عبر  فهم الجغرافيا واللعب على نقاط قوتها وضعفها.
  • تفتيت نقاط القوة وتهشيمها لتتحول إلى نقاط ضعف، من خلال خلق كيان يهودي قومي ديني قادر على تنفيذ خطط الهيمنة والاستعمار  دوما، وضمان بقاء هذه المنطقة الغنية بالثروات المادية والمعنوية تحت نفوذ الغرب.

 

 

 

 

التقسيم الجغرافي والاستعمار:

 

بعد زراعة كيان في فلسطين يفصل بين ضفتي العروبة والإسلام مصر الأفريقية وما تشكله من مطلات جغرافية هامة على القرن الإفريقي، خاصة السودان الخصبة زراعيا ومائيا وبشريا، وسوريا وما تشكل من عمق جغرافي يربطها بتاريخها وحضاراتها وتنوعها بجوار ثري ماديا وثقافيا، هذا فضلا عن الثقل الاقتصادي لسوريا والذي صنعته جغرافيتها الممتدة بامتداد طريق الحرير القديم المتصل إلى الصين.

 

فطريق الحريرهو مجموعة من الطرق المترابطة كانت تسلكها القوافل والسفن وتمرّ عبر جنوب آسيا رابطةً تشآن (والتي كانت تعرف بتشانغ آن) في الصين مع أنطاكية في تركيا بالإضافة إلى مواقع أخرى. كان تأثيرها يمتد حتى كوريا واليابان. أخذ مصطلح طريق الحرير من الألمانية (زايدنشتراسه Seidenstraße)، حيث أطلقه عليه الجغرافي الألماني فريديناند فون ريتشتهوفن في القرن التاسع عشر.

كان لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار كثير من الحضارات القديمة مثل الصينية والحضارة المصرية والهندية والرومانية حتى أنها أرست القواعد للعصر الحديث. يمتد طريق الحرير من المراكز التجارية في شمال الصين حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي. يمرّ الفرع الشمالي من منطقة بلغاركيبتشاك وعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم وحتى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان ووصولاً بالبندقية. أمّا الفرع الجنوبي فيمرّ من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين والعراق والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال أفريقيا. موسوعة ويكيبيديا.

 

فكان لهذا الرابط دورا عميقا اقتصاديا وحضاريا جعل من المنطقة مقصدا تجاريا وثقافيا ونهضويا، وللجغرافيا دورا كبيرا في تشكيله.

 

تطلع الاستعمار إلى المجيء إلى منطقتنا بنفسه مدعيا لنفسه التفوق والتقدم الحضاري بالتالي وصايته على منطقتنا التي تخلفت كثيرا عن ركب حضارته، بالتالي يصح للأمم المتقدمة قيادة وريادة الأمم المتأخرة بحجة الأخذ بيدها نحو التقدم والازدهار.وواضع معاني التقدم والتخلف. وقد أشارت نجلاء مكي في دراستها المعنونة“الاستغراب القسري في جدل التثاقف بين المركز والهوامش“ إلى ذلك قائلة:“فوفقا للتصور الأوروبي المبني على نظرة ثنائية للعالم ”برابرة ومتحضرون“ فإن الغرب هو منتج القيم الإنسانية والمحدد الوحيد لمسار انتقال أي ثقافة من البربرية إلى المدنية، وهي كل الثقافات غير الغير غربية، وواضع معايير التقدم والتخلف“[3]

 

بالتالي وجودنا كمتخلفين وفق تصنيف أوروبا المتحضرة في جغرافيا غنية بالثروات المعرفية والمادية بالتالي غير مؤهلين لإدارة هذه الموارد الغنية، يخول الغرب وضع نفسه قيما حضاريا مخولا في إدارتنا وإدارة مواردنا كما يرى، حتى انتقالنا للمدنية.

 

كان هذا هو العنوان العام لدعوى الغرب في الاستعمار، لكن التفاصيل كمنت بها كل شياطين الدنيا، فبالأصل يعتقد الغرب أنه عرق متقدم دوما، وأننا عرق متخلف، فهو يعيش التمييز العرقي بكل تفاصيله بل بنى حضارته على أساسه، وشعّب مناطق استعماره وفق هذا المبدأ، هذا فضلا عن خلفيته العقائدية التي تدعمها الكنيسة في ضرورة التبشير بالمسيحية، وقد استغلت القيادات السياسية في الغرب هذه النقطة العقائدية لتشجع شعوبها على نزعة الهيمنة والاستعمار، لكنها في حقيقة الأمر لا تتحرك غالبا من بعد ديني بالأصل، بل يحركها عقيدتها الاقتصادية الرأسمالية التي تعزز لديها الرغبة الجامحة المستديمة نحو كل موارد وثروات مادية سواء معدنية أو غيرها، للهيمنة عليها لتضخم رؤوس أموالها فتكون هي المرجعية الإقتصادية الكبرى المهيمنة في العالم، إضافة لتمكنها و تقدمها التقني التكنولوجي والعلمي بالتالي تصبح حتما وإلزاما قوة تفرض سياساتها على منطقتنا.

 

جاء الاستعمار العسكري لمطقتنا كمرحلة ثانية بعد زراعة الكيان الصهيوني، يحاول أن يوطيء الأرض والجغرافيا لهذا الكيان ويمكنه ليتحول لقوة عظمى متقدمة تابعة له وتدير المنطقة وفق إرادته، إضافة لمحاولته تغيير هوية الشعوب بالاستعمار العسكري من جهة، و الاستعمار الثقافي من جهة أخرى، فعمد إلى بناء مدارس وجامعات و استغلال العقول المميزة بتسهيل هجرتها للوطن الأصل، إلا أن مشروع تغيير الهوية وصياغتها وفق عناوين وتفاصيل المستعمر الثقافية لم يتحقق كمنجز استعماري كما تم التخطيط له، والسبب أن الوجود العسكري خلق حاجزا نفسيا كبير لدى الشعوب، و رفع عندها شعور الرفض والمقاومة، وهو دفع كثير من النخب لقيادة الشعوب في المنطقة نحو المواجهة وتحرير الأرض وربطها بالكرامة والعزة، وهو ما كبّد الاستعمار خسائر جمة، وأعاق خطته في تمكين الكيان الغاصب الصهيوني، وتحت ضغط المقاومات الشعبية المتنقلة، وضغط استنزاف طاقات المستعمر وعديده البشري، انتقل الغرب إلى مرحلة جديدة لإكمال مشروعه في الهيمنة خاصة بعد اكتشاف النفط الذي أفقده صوابه ودفعه للاصرار على المضي في خطة الاستعمار لكن هذه المرة بطرق أقل خسارة مادية عليه، وأكثر قدرة على الاختراق الثقافي الناعم.

 

فهناك جبهات اشتعلت في مواجهة المخطط الجديد على المنطقة بسلب فلسطين من أهلها وجعلها واغتصابها ككيان لليهود وبلد قومي إيديولوجي لهم، وذراع استعمارية متقدمة، هذه الجبهات كان أهمها سوريا ولبنان ومصر والأردن، بل شاركت دول بعيدة جغرافيا في الخليج في بعض الحروب المشتعلة في مصر في مواجهة الكيان الصهيوني.

“وانطلقت شعلة المقاومة على أرض فلسطين ذاتها وحتى سنة ١٩٩٣ م رصد عدد ما قدمته فلسطين في ساحات المقاومة وفي مواجهة الكيان الصهيوني منذ نشأته وكانت كالتالي:

٢٦١،٠٠٠ شهيد ، ١٨٦،٠٠٠ جريح ، ١٦١،٠٠٠ معاق ، قرابة مليونين لاجئ.

 

أما لبنان منذ عام ١٩٤٨م إلى ١٩٩٣م رصدت أعداد ما قدمه هذه البلد الصغير الحجم في مواجهة الخطة الاستعمارية الجديدة وكانت كالتالي:

٩٠،٠٠٠ شهيد ، ١١٥،٠٠٠ جريح ، ٩،٦٢٧ معاق، واضطر ٨٧٥،٠٠٠ لبنانيا للهجرة خارج لبنان .

 

أما مصر فما بين ١٩٤٨ م و ١٩٧٣م وهي أكبر بلد تحمل عبئ قيادة المواجهة في تلك الفترة قدمت:

٣٩،٠٠٠ شهيد، ٧٣،٠٠٠ جريح ، ٦١،٠٠٠ معاق وأكثر من مليوني مواطن مصري اضطروا للهجرة من سيناء.”[4]

 

وهذه أرقام تدلل على حجم المقاومة والمواجهة المشتعلة بين أصحاب الأرض و المستعمرين الجدد ورعاتهم، ويدلل على حيوية هذه الأمة، التي رفضت ابتداء رغم ما تعيشه من خلافات و ضغوطات أي استعمار وتواطؤ على الأمة وجغرافيتها. وهذا ما يدفع اليوم المستعمرون الجدد وأقصد بالجدد، أى المنهج الجديد في الاستعمار، يدفعهم لتشويه ثقافة المقاومة والجهاد وربطها بدلالات سلبية تجهض المصطلح في وجدان الشعوب مع التقادم، وتصنع له في ذاكرتهم دلالات وحشية إرهابية تبعدهم عن كل محاولات الرفض، وتصنع لهم ذاكرة ووجدان جديدين تصوغه مفاهيم الرضوخ، والتطبيع، والقبول، والنأي بالنفس عن أي محاولات نهوض ومناهضة.

 

 

الأنظمة الوظيفية وتحويل الأولويات:

 

كانت خطوات الاستعمار في تكريس وجوده متلاحقة، وتعمل على تفريغ شعوب المنطقة من ثرواتها، انتاجيتها الذاتية، طاقاتها البشرية من خلال هدم البنى العقلية، وتهجير عقولها أو القضاء عليها، وكان هذا يستلزم بسط نفوذ أنظمة مستبدة تعمل على هدر كرامة الإنسان، وقتله داخليا، و منع كل محاولات النهضة وتحقيق المساواة والمواطنة الصالحة، وبناء الولاءات بين الحاكم والشعب ليس وفق مبدأ الدولة الوطنية والانتخاب بل وفق مبدأ قبلي يبني جسور القرب و البعد بين الحاكم والشعب وفق مبدأ الموالاة له أو عدمها وعمق هذه الموالاة، وضرب منظومة القيم، والعمل على هزيمة الفرد نفسيا وإقناعه بعد القدرة و عدم امتلاك الإرادة في التغيير، من خلال إجهاض كل محاولات الخروج على الأنظمة العميلة لها، وإحباط كل سعي نحو العدالة والتغيير.

 

مرت المنطقة بمراحل متعددة بعد سايس بيكو أهمها:

 

المرحلة الأولى: الهدم المنهجي لوعي الشعوب:

 

والخطوات في الهدم المنهجي اعتمدت على:

 

١. خفض سقف الحريات إلى الحد الذي يسلب الفرد والمجتمع القدرة حتى عن التعبير عن الرأي.

٢. تكريس الثقافة القبائلية القائمة على العصبيات، والولاءات والطاعة والولاء.

وسلب الحرية هو إغلاق للباب الذي يحقق العدالة وبالتالي الكرامة الإنسانية.

٣. تدريجيا تبديل منظومة القيم والمفاهيم، التي تؤدي لتبديل معالم الهوية وفق إرادتها، ليصبح الإنسان العربي مجرد مظهر يشبه الغرب، لكنه مفرغ نفسيا وعقليا.

٤. ويستلزم ذلك ضرب كل مناهج التربية والتعليم، وتفريغها تدريجيا من أهم العلوم العقلية التي تعزز قيمة العقل وثقافة السؤال ورغبة البحث، والاعتماد على الدليل والبرهان في المعارف وقبولها من عدمه.

 

ولتحقيق هذه الخطوات الأهم تطلب ذلك زرع أنظمة مستبدة، ولكي تتمكن هذه الأنظمة من قيادة المجتمعات، كان لابد من وسيلة ناجعة ومقنعة يمكن من خلالها الهيمنة على العقول والقلوب والوجدان، ولا يوجد عبر التاريخ وسيلة كالدين وتوظيفه في السياسة ليكون خادما لها، ومقننا تشريعات وفق مقاساتها تمكن الحكام من السلطة ومن رقاب الناس، وتجعل المجتمعات طيعة سهلة الانقياد. خاصة أن منطقتنا تاريخيا معروفة في ميلها المحافظ وعمقها التاريخي المرتبط بالدين، حيث المقدس والمحرم من أساسيات ثقافتها وهويتها، بل هو في عمق وجدانها ومحرك قوي لها عبر التاريخ بل باعث لكثير من نهضاتها.

 

لذلك تم تمكين أنظمة تناسب كل مجتمع ونقاط ضعفه وثغراته التي يمكن من خلالها النفوذ والهيمنة.

 

المرحلة الثانية: الأنظمة والسياسات المزدوجة:

 

هذه الأنظمة جاءت في ظل وعي أممي مناهض رافض للاستعمار واحتلال فلسطين، مما اضطر أغلبها لممارسة سياسة ذات وجهين:

  1. وجه خارجي مع الشعوب يتوافق مع لغتها الرافضة، ويتبنى شكليا قضية فلسطين ومواجهة الاستعمار.
  2. وجه داخلي بينها وبين رعاتها من المستعمرين، يعمل وفق خطة منهجية في كي وعي الشعوب مع التقادم، بما يتناسب والكيان الغاصب ليصبح كيانا مقبولا في المنطقة ويتم التعايش معه كواقع مقبول وكقوة عظمى لها الحق في تسيير المنطقة وشعوبها وفق إرادتها.

وبين كان كل من لبنان وسوريا وفلسطين والأردن كشعوب تواصل نضالها في مواجهة الكيان الصهيويني، كانت كثير من هذه الأنظمة التي وضعها المستعمر تعمل على إجهاض هذه المقاومات من تحت الطاولة، بل تتآمر على أي نظام يدعم الحركات المقاومة، كما حدث مع جمال عبد الناصر وما تعرض له من خيانات داخلية وخارجية.

فانتقل الاستعمار من استعمار الجغرافيا بنفسه، إلى إدارة المنطقة من خلال  الأنظمة الوظيفية، ومع ذلك استمرت حركات المقاومة في مواجهة الاحتلال، لأن وعي الأمة كان مازال يمتلك رصيدا عميقا من الرفض والكرامة والعزة، ومازالت ذاكرته ووجدانه ممتلئة بمنظومة القيم وعمقها التاريخي الديني المرسوم بحدود المقدس والمحرم.

 

المرحلة الثالثة: التطبيع واستمرار كي الوعي:

 

وتدريجيا بدأت ملامح جديدة لهوية المنطقة ترتسم مجددا من خلال جغرافيتها القديمة القيادية، فمصر التي طالما كان لها السبق في قيادة المنطقة نهضويا وأيضا قيادتها في مواجهة الاستعمار والاحتلال، استطاع الغرب بعقليته الاستعمارية جرها إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني من خلال معاهدة سلام مذلة. وما إن دخلت مصر في مقدمة المطبعين حتى فرطت حبات السبحة. لتدخل الأردن بعد ذلك، والسلطة الفلسطينية، وتبقى سوريا والعراق بمعزل عن التطبيع بل تبقى سوريا متمسكة بمنهج المقاومة وداعمة له.

في هذه الفترة كانت أمريكا قد دخلت بقوة على خط الدعم الصهيوني، وما أعنيه هنا ليس تبنيها للمشروع بل وجودها ودورها فيه، أي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية تشكل قوة عظمى في العالم، تتماهى ثقافتها مع المعسكر الغربي في ثقافته التوسعية، ونزوعه نحو الهيمنة وبسط النفوذ.

وكان لها ثقلا وجوديا عسكريا واستخباراتيا في إيران، في إبان حكم رضا شاه بهلوي، وأيضا لعبت جغرافيا إيران دورا مهما في اختيارها، خاصة جوارها للإتحاد السوفييتي القوة العظمى الثانية والند الرئيس لأمريكا إبان الحرب الباردة، فضلا عن احتياجات الغرب وأمريكا للطاقة وما يشكله النفط في هذه المنطقة من ثروة هامة وثقل استراتيجي، سال لعاب الغرب وأمريكا له وجدد الصراع والتسابق لأجل النفوذ والهيمنة بينهم.

 

كانت حركات المقاومة في المنطقة تعتمد في تمويلها على ذاتها غالبا، أو على دعم بعض الأثرياء، أو الأمراء الذين إما مازالوا مقتنعين بثقافة المقاومة لقوميتهم العروبية، أو المتسابقين منهم على صناعة نفوذ بدعم مجموعات مقاومة ضد الصهاينة لتشكل ورقة في يدها تضغط بها على غرمائها لتحقيق مطالب سياسية أو اقتصادية. وما إن تحقق ماتريد توقف دعمها أو تنقلب عليهم وتسلم رقابهم إلى أعدائهم من الاستخبارات الصهيونية والأمريكية أو بعضها كان عربيا عميلا. أو حتى بيعهم لآخرين يحتاجونهم كورقة للضغط باتجاهات مختلفة لتحقيق أيضا مصالح اقتصادية أو سياسية.

 

في هذه الفترة كان للإعلام دورا هاما خاصة من خلال الصحف ووكالات الأخبار، في نقل الأحداث وصناعتها، وكانت الحركات النهضوية في الأمة لا تخفت، سواء نهضة على مستوى الوعي المقاوم، أو نهضة على مستوى فهم الدولة ووظيفتها، أو نهضة على مستوى فهم الدين ودوره في الحياة.

 

ولكن كانت هذه النهضات تتم بفعل نخب دينية وفكرية وليست من قبل دول أو أنظمة، وكانت هذه النهضات تواجه من قبل كثير من الأنظمة بالقمع أو المنع أو الشيطنة، لخطورتها على وجود هذه الأنظمة التي ترفض أي حراك يؤدي للنهوض بالوعي وتغيير منهجية تفكير الشعوب، وصناعة وعي مغاير لما كرسته عبر سنين وجودها. هذا فضلا عن محاولات استعمارية في تشتيت أولويات الأمة، وتوجيه انتباهها لقضايا فرعية عن القضية الأم فلسطين، فخاضت أمريكا حربا مع الاتحاد السوفييتي ليس بشكل مباشر وإنما عن طريق أنظمتها الوظيفية التي ضخت المال والعديد البشري إلى أفغانستان تحت شعار الجهاد لتتشكل القاعدة فيما بعد، وترفع شعار الجهاد لا في فلسطين ولا ضد الكيان الصهيوني، وإنما باتجاهات متعددة شتت قوة الأمة واستنزفت طاقات شباباها في حروب بالوكالة، كي يتفرغ الكيان الصهيوني في بناء قوته وتمدده الجغرافي الاستيطاني في فلسطين، والأمة مشغولة في حربها مع الكفر تحت شعار الجهاد في سبيل الله.

 

استمرت هذه المرحلة المعنية بتطويع عقل الأمة وكي وعيها، والتمهيد للتطبيع الذي يجعل من الكيان الصهيوني الغاصب دولة مقبولة في جسد منطقتنا نتعايش معها لكنها دولة عظمى كذراع ممتدة في جسدنا للغرب، استمرت منذ تقسيم سايس بيكو وحتى نجاح حراك نهضوي تغييري شعبي في إيران حيث أطاح السيد الخميني بشاه إيران واستطاع إقامة جمهورية إسلامية، كانت أول من أعلنت فتح سفارة لفلسطين وحددت معالم الدولة بمناهضتها للكيان الصهيوني، ودعمها لكل المستضعفين في الأرض دون النظر لمذاهبهم وانتماءاتهم، ودعمها لكل حركات المقاومة الرافضة للظلم والاحتلال.

 

المرحلة الرابعة: المواجهة والشيطنة والتقسيم المعنوي:

 

معالم هذه المرحلة بدأت ترتسم في لبنان وسوريا وفلسطين وإيران، حيث عادت الحياة مجددا للمقاومات المناهضة للكيان الصهيوني، بعد أن تم تفتيت المقاومة الفلسطينية ورضوخ بعض قادتها للإملاءات الأمريكية ومهادنة الصهاينة وإن بشكل غير ظاهر.

 

في هذه المرحلة تحقق التالي:

 

  1. ظهرت إيران كدولة مستقلة استطاعت أن تعيد بناء ذاتها داخليا، بشكل مستقل عن أي تبعية خارجية للقوى العظمى، بل كانت دولة مناهضة لقوى الاستكبار كما أسمتها، وداعمة لحركات المقاومة وحركات التحرر المستضعفة في كل مكان، و مناهضة للكيان الصهيوني باعتبار القضية الفلسطينية قضية الأمة المركزية، ونشطت في هذا الصدد بشكل كبير سواء بالدعم المادي أو المعنوي.
  2. تشكلت نواة مقاومة جديدة في لبنان ومن أفراد كانوا في تيارات مقاومة لبنانية وبعضها فلسطينية، هذه النواة غلب عليها الطابع الديني كون جل أفرادها من الحوزة الدينينة التي أسسها السيد عباس الموسوي في بعلبك وأطلق عليها “حزب الله”. هذه المقاومة مع مقاومات لأحزاب شيوعية وعلمانية أخرى استطاعت طرد الصهاينة من بيروت إلى الجنوب، ومن ثم من صيدا في الجنوب اللبناني إلى أطراف الجنوب في محاذاة فلسطين.
  3. في فلسطين انتظمت المقاومة في تشكلات جديدة خارج جسد فتح، وبدأت مسار عمليات كبرى في عمق الكيان الصهيوني أحدث له صدمة وجودية عكست قدرات المقاومة وتطورها.

وهنا لا يعني غياب أي مقاومة قبل نجاح ثورة الإمام الخميني، فالمقاومة نشأت منذ الاستعمار واحتلال فلسطين، ولم تهدأ أبدا، لكن الخيانات والتآمر على المقاومة كان كبيرا، ودعمها كان يأتي من أفراد وكان متقطعا، فكانت تتوهج تارة ويخفت وهجها تارة أخرى، لا لضعف فيها، وإنما لكثرة التآمر عليها وخيانتها من الداخل والخارج.

 

ولكن عندما تتبنى دولة وما تملكه من قدرات وثروات، عندما تتبنى المقاومة وتدعمها بالمال والسلاح والتدريب، بشكل مستمر، بل تضع في دستورها كبند إلزامي دعم حركات التحرر والقماومة، هنا يختلف تماما الوضع، ويختلف الأداء بل تختلف ملامح وجود المقاومة واستمراريتها.

 

وتصاعدت وتيرة حركات المقاومة تدريجيا، نتيجة الدعم اللوجستي الإيراني، وبسالة المقاومين وإصرارهم على التحرير، مما هدد مشروع الاستعمار في منطقتنا كونه هدد استمرار وجود الكيان الصهيوني الغاصب من جهة، وهدد هيمنة الغرب من جهة أخرى، إذ نشأت دولة جديدة تتبنى النهج المقاوم، وتريد أن تعيد وعي الأمة لذاتها من خلال التخلص من أي تبعيات خارجية، والاعتماد على الذات، والوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، وهو ما يعني  نهضة عقلية تغني سماء الأمة بكل أنواع الإبداعات النهضوية، ونجاح ثورة الشعب الإيراني في ظل جغرافيا تحكمها أنظمة وظيفية وقبلية، يعني انتقال عدوى الثورات للجوار، وتطلع الشعوب لنفس الخيارات، بالتالي كان على أمريكا والغرب قطع الطريق على محاولات إفشال مخططاتها، فقامت بعدة خطوات بعضها عسكري، وبعضها متصل بالثقافة والهوية:

  1. قامت باغتيال كبار القادة الإيرانيين في بداية الثوة من النخب الدينينة والثقافية والعسكرية.
  2. أدخلت إيران في حرب استنزافية مع جارتها العراق ووظفت كل الأنظمة لدعم العراق ضد إيران، وعمدت لمحاصرة إيران اقتصاديا أثناء الحرب لإضعافها ومن ثم إما إرضاخها أو القضاء على نظامها الجديد.
  3. خلقت حواجزا نفسية وقومية ومذهبية بين إيران الفارسية وجوارها العربي، فكان ينظر للحرب الإيرانية العراقية، على أنها حرب بين العرب والفرس.
  4. شيطنت الثورة من خلال مذهبتها، رغم أن إيران دولة متعددة الأعراق والمذاهب، وأن الدولة قامت على استفتاء الجميع دون تمييز حول شكل الدولة وحول دستورها ونظام الانتخابات.
  5. سخرت الإعلام بكل جوانبه وخاصة الصحف في سبيل تعزيز حركة الشيطنة وكي الوعي وعمل حاجز نفسي للشعوب مع إيران، كي لا يتم استنساخ فكرة الثورة من الشعب الإيراني الذي آسقط نظاما ملكيا حكم قرابة أكثر من ألف عام في إيران. وهو ما يعني إعادة وعي الشعوب على امتلاكها القدرة في تكرار التجربة مع أنظمة حديثة العهد، بالتالي ستكون سهلة الزوال إذا ما قررت الشعوب ذلك.

 

فاستطاعت القيام بتقسيم جديد للمنطقة لكنه هذه المرة معنويا، قسم الشعوب إلى عرب وفرس وسنة وشيعة.

 

لكن كانت النتيجة التالي:

  1. خرجت إيران من الحرب مع استمرار نظامها قائما بل أقوى، ومصرا على كل ما تبناه في دستوره خاصة ضد الكيان الصهيوني.
  2. انتقلت المقاومة في لبنان وفلسطين لمراحل جديدة في المواجهة قضت مضاجع الكيان الصهيوني، وبدأت تظهر ملامح ضعف خطيرة، بعد أن اقتنعت الشعوب في مرحلة كي الوعي، أن الجيش الصهيوني هو الجيش الذي لا يقهر.
  3. انتقلت إيران لمرحلة التصنيع والانتاج والاكتفاء الذاتي، وهو ما أهلها لمزيد من دعم حركات التحرر من آنتاجها الخاص رغم الحصار الاقتصادي الشديد عليها.
  4. نجحت المقاومة في لبنان نجاحا باهرا في دحر الكيان الصهيوني من جنوب لبنان وتحرير الأرض، وكسر آسطورة الجيش الذي لا يقهر، وهو ما أعاد للأمة رشدها بذاتها، وقدرتها على النهوض والتحرير، وامتلاكها الإرادة لذلك.
  5. انتفضت فلسطين مجددا وتنامت قوة المقاومة الفلسطينية وقدراتها العسكرية، وباتت غزة مكسر عصى للعدو الصهيوني تشكل قوة ردع فلسطينية في داخل الكيان الصهيوني.
  6. تغيرت موازين القوى وباتت إيران والمقاومة في لبنان وفلسطين أرقاما تغير المعادلات في المنطقة، يحسب لها الكيان الصهيوني ألف حساب خاصة بعد خسارته في حرب تموز ٢٠٠٦ م في لبنان، وحربه في غزة ٢٠٠٨ ، ٢٠١٢ م وتطور قدرات المقاومة الفلسطينية من كافة التوجهات العسكرية في كلا الحربين، وتداعيات هذه الفشل على صورة الكيان الصهيوني داخليا وخارجيا، ونجاح منظمات حقوقية في إثبات المجازر الصهيونية ضد اللبنانيين والفلسطينيين في تلك الحروب. وكشف زيف ادعاءات الكيان الصهيوني، خاصة بعد دخول الفضائيات على خط المواجهة، وبعد دخول وسائل التواصل الاجتماعي التي مكنت المقاومة من نقل الصورة والحدث في لحظة وقوعه.
  7. تم التخطيط مرارا وتكرارا لتقويض هذه القوة وشيطنتها من خلال الإعلام بكل أشكاله وتقنياته وهدم مساراتها الجغرافية المتصلة، وخلق فتن تزعزع تماسكها، وكان الفشل مصير تلك المحاولات غالبا.رغم أن الشعوب صدقت الشيطنة ولم تعد تلتف حول المقاومة خاصة حماس وحزب الله. وكانت الشيطنة تعتمد على التفرقة المذهبية والقومية.
  8. كان للجغرافيا دورا بارزا في دعم حركات المقاومة خاصة الدعم العسكري، فاتصال إيران بسوريا والأخيرة بلبنان، كان له دورا بارزا في تمكين الجسر بين إيران وحركات التحرر. وكانت السودان ممرا هاما إلى فلسطين لإمدادها بالمال والسلاح.
  9. بعد ذلك بتنا في عصر ثورات الربيع العربي التي أثبتت ازدواجية معايير الغرب وللأسف الشعوب التي تبعت دين ملوكها، فبينما نجدها تدعم الثورات في بعض الدول، إلا أنها تشيطن ثورات أخرى، وكان هذا يدلل على أن ما يدعيه الغرب من تحضر وتقدم حضاري يفرض عليه قيادة الأمم هو ادعاء كاذب، بل هو قشرة يستر بها عورة أفكاره الاستعمارية والتوسعية.
  10. بعد الثورات دخلنا في مرحلة تقسيم المقسم، وهي تقسيم المنطقة مجددا تقسيما قوميا ودينيا يجعل من الكيان الصهيوني وجودا طبيعيا مقبولا في جسد المنطقة. وكانت العراق وسوريا من أهم الدول التي يبدأ منها التقسيم، فسوريا كونها حلقة الوصل بين إيران والمقاومة فهي خط الإمداد بالسلاح، والعراق لما يشكله من عمق تاريخي في المنطقة، وعمق جغرافي واقتصادي، فنجاح تجربته في الديموقراطية يهدد وجود الأنظمة الوراثية المجاورة، ويهدد هيمنة الغرب على عقول الشعوب وكي وعيها، خاصة بعد الثورات وما بلغت له الشعوب من مطالب أهمها الحرية والعدالة والديموقراطية.
  11. تم صناعة وجه ديني جديد هو داعش، كأداة جديدة لشيطنة الإسلام، ولمواجهة إيران وقوى المقاومة، من خلال حرب المصطلحات والدلالات، التي تعتمد على شيطنة مفهوم المقاومة والجهاد، وخلط المقاومة مع الإرهاب، وتشويه مفهوم الجهاد، وصرفه عن دلالاته الحقيقية ليصبح مرتبطا في ذهن الشعوب بالوحشية والدم.
  12. كانت الأنظمة الوظيفية هي عماد قوي بيد الغرب وأمريكا لتطبيق مخططاتهم على الأرض، كون هذه الأنظمة قائمة على أسس قبلية ودينية تفرض على شعوبها بالدين فروض الولاء والطاعة وبلغة العصبيات فروض الاتباع، وبلغة المذهبيات فروض الانصياع والدعم.
  13. في العراق أصدرت المرجعية فتوي الجهاد وتشكل الحشد الشعبي لمواجهة داعش في الموصل، وكان لإيران دورا هاما في دعم الحشد من حيث التدريب والسلاح، فسقطت داعش.
  14. في سوريا فشلت كل مخططات الغرب لتغيير النظام خلال خمس سنوات من الحرب مازالت ممتدة إلى حين كتابة هذا المقال، رغم بلوغها نهايتها، واستطاعت المقاومة اللبنانية النجاح في سوريا بدعمها للجيش السوري لوجستيا بالتعاون أيضا مع إيران والعراق.
  15. تشكل نتيجة ذلك هلال خصيب مقاوم من إيران إلى العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى فلسطين ممتد ومتصل جغرافيا ومعه روسيا والصين. وبات هناك قوة إقليمية مقاومة فرضت وجودها في موازين اللعبة الدولية المستمرة لبسط النفوذ والهيمنة والاستعمار،  رغم كل محاولات الشيطنة في وعي الشعوب، ورغم كل الحملات الإعلامية في تشويه صورة إيران والمقاومة تحت مسميات مذهبية وقومية وغيرها، ليتحقق إخفاقا جديدا يضاف إلى الإخفاقات المتتالية لهذا الاستعمار منذ قدومه إلى أرضنا طامعا طامحا، وإلى يومنا هذا، لتتحول الجغرافيا إلى لعنة عليه بعد أن كان يراها لعبته التي يجيدها ويوجهها ويهيمن عليها، كي يمتص ثرواتها وينفذ طموحه التوسعي وقيادة العالم بعقلية استعلائية فجة، تجعل منه الأكثر حضارة ومنا الأكثر تخلفا.

و نجاح الغرب وأمريكا لم يكن إلا لوجود وهن في جسدنا، وثغرات في وعينا، وتخاذل من كثير من أنظمتنا، لذلك مازال يحاول عبر هذه الأظمة الوظيفية، يمتص ثرواتنا عبرها من جهة، ويتآمر علينا عبرها من جهة أخرى، وهذا لا يعني عدم تقصيرنا، ولا يعني أيضا استسلامنا بالكامل.

وستبقى محاولاته مستمرة وسنبقى نواجهه بكل ما نملك، من عتاد عسكري وعقلي وبشري، فإن كان يخيفنا بالموت، فعليه أن يعلم أن موتنا يعني وجودنا واستمرارنا، ويعني له موته وفناءه، وتهاوي كل مخططاته وفنائها إلى الأبد.

ولعل هذه أهم المراحل التي مرت بها منطقتنا بشكل مختصر، وقد ركزت على المفاصل التاريخية الرئيسية في مسار الأمة، والتي كان لها السبق في مواجهة المخططات ضدها، وكان لها الأثر في الانتقال المرحلي في المواجهة، وهي محاولة في طريق المحاولات المستقرئة للأحداث والمستلهمة منها قراءة في طريق الأمل والخلاص والنهضة.

 

[1] المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل / محمد حسنين هيكل ص٣٦

[2] مصدر سابق

[3]  سلسلة استراتيجيات معرفيةنحن والغرب ١/ مقاربات في الخطاب النقدي الإسلامي

[4] المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل / محمد حسنين هيكل

محمد بن سلمان ونضاله ضد الفساد

بقلم: شاؤول يناي – كاتب إسرائيلي —

الملك سلمان وابنه محمد، ولي العهد القوي، يرفعان مبلغ الرهان في السعودية. وقد انضمت إلى الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الآن حملة التطهير والإقالة من المؤسسة الدينية والسياسية، بما في ذلك الأسرة المالكة. هل سينجح ذلك؟

أمس الأول، قُبِض على أحد عشر أميرا، وأربعة وزراء حكومة حاليين، وعشرات الوزراء السابقين في السعودية، في إطار التحقيق في “قضايا فساد” كشفتها لجنة مكافحة الفساد التي أقامها محمد بن سلمان، ولي العهد والرجل الأقوى في المملكة قبل أيام فقط. ومن بين المعتقلين الأمير متعب بن عبد الله، قائد الحرس الوطني وحليف محمد بن نايف، الوريث المخلوع وخصوم ولي العهد الحالي.

ومن المتوقع أن تستمر هذه الإجراءات لعدة أشهر: فهي تشكل جزءا من عملية التتويج القريبة للأمير محمد بن سلمان. وكذلك، من المتوقع أن تستمر الإصلاحات في الاقتصاد ومكانة المرأة، والحد من سلطات الشرطة الأخلاقية، والأضرار التي لحقت بمركز النخب المخضرمة، بما في ذلك الأسرة المالكة نفسها. يعلم بن سلمان أن وضعه وربما حياته يعتمدان على قدرته على التصرف بحزم ضد أي مركز قوة محتمل قد يُعرّض طموحه أن يكون الملك القادم للخطر.

إن التداعيات المحتملة لهذه الخطوات وتلك التي ستتبعها ليست متوقعة. ومن أجل فهم الهزة التي باتت تضرب أصداؤها في المملكة العربية السعودية مؤخرا، يمكن النظر في الاتفاقات التي تعتمد عليها “الدولة السعودية الثالثة”.

دُمّرت “الدولة السعودية الثانية” في نهاية القرن التاسع عشر لثلاثة أسباب رئيسية وهي: مواجهة علنية ومستمرة مع القوة الإقليمية في ذلك العصر – الإمبراطورية العثمانية، الحرب الطويلة وغير المحسومة ضد التحالف القبلي الذي تقوده قبيلة شمر، وحرب الخلافة داخل الأسرة السعودية.

استوعب مؤسس الدولة السعودية الثالثة، ابن سعود، الدروس الثلاثة عندما أعاد تأسيس المملكة. وكان حذرا جدا من المواجهة مع القوة العظمى البريطانية التي كانت مهيّمنة في الخليج في النصف الأول من القرن العشرين، وكان مستعدا لكبح جماح طموحاته الإقليمية من أجل كسب تعاطف البريطانيين. خلال توسيع حكمه في شبه الجزيرة، فضّل التحالفات مع القبائل، لا سيّما عن طريق الزواج من بنات رؤساء القبائل الرئيسية التي وعد من خلالها “حصة” في الأسرة الحاكمة. وأخيرا، قام بتحديث ترتيبات الخلافة: يرث أبناؤه، حتى ابنه الأخير المؤهل، السلطة لمنع الحروب الداخلية بسبب الخلافة. وقد عملت هذه الترتيبات بشكل جيد منذ وفاة ابن سعود (1953)، بعد بضع سنوات فقط أصبحت فيها الولايات المتحدة راعيا بدلا من بريطانيا.

اعتقد الملك سلمان، أو أن هناك من اعتقد، أن هذه الترتيبات قد أكل عليها الدهر وشرب. على الرغم من أنه لا يزال هناك العديد من الإخوة على قيد الحياة (حتى لو كانت حالتهم الصحية سيئة)، فقد قرر أنه قد حان الوقت للانتقال إلى جيل الأحفاد. لهذا أقال، أخاه غير الشقيق مقرن بن عبدالعزيز آل سعود، من منصب وريث العرش، لصالح ابن أخيه محمد بن نايف. وقد قبلت النخب، قوى الأمن، القبائل، والمؤسسة الدينية الاختيار بسبب سن بن نايف (56 عاماً)، ونجاحه في قمع المنظمات الإرهابية وطبيعته المحافظة. مع ذلك، سرعان ما أصبح واضحاً أن نائب ولي العهد، بن سلمان، تحديدًا كان السبب في التغيير في ترتيبات السلطة. وقد أسنِدَت إليه صلاحيات متزايدة، كما أنه طغى تدريجياً على وريث العرش، حتى إقالته المتوقعة.

إن اعتقال الأمراء والوزراء وفصل قائد الحرس الوطني يكشفان عن أن هناك معارضة كبيرة لبن سلمان وتغييرات أدخلها في المجتمع والاقتصاد السعوديين. بالنسبة للمعارضة، لم يتعلم بن سلمان دروس التاريخ السعودي أبداً، ولا الدروس المستفادة من الهزة الإقليمية الحالية في الشرق الأوسط. فُسّرَت رغبته في تأسيس حكمه في دولة المؤسّسات الحديثة، والتنويع في تركيبة النخب التقليدية في السلطة، وإبعاد أفراد أسرته والمؤسسات القبلية والدينية عن مواقع التأثير كوصفة مؤكدة لتدمير المملكة السعودية وتطوير ديكتاتورية شخصية بدلا من عائلية.

ومن المرجح أن يفضي انقسام الأسرة الحاكمة إلى دعم علني من جانب فصائلها المختلفة للمرشحين الآخرين لإرث الملك سلمان. قد تؤدي إطاحة الأمير متعب بن عبد الله، القائد الشعبي للحرس الوطني، إلى معارضة القبائل، ومن بينها عشرات الآلاف من المقاتلين الذين يشكلون هذه القوة العسكرية المدربة والخبيرة. ومن المثير للاهتمام أن متعب هو آخر أبناء قبيلة شمر في مراكز السلطة، وهي القبيلة التي دمرت “المملكة السعودية الثانية”. وإذا نجحت المعارضة في تجنيد المؤسسة الدينية، فسوف يتطور صراع شامل بين النظام القديم والنظام الجديد في المملكة، الذي يعتمد على الجيل الشاب والجهاز البيروقراطي.

ويبدو أن السعودية تدخل حقبة طويلة من عدم الاستقرار الداخلي. في حين أن التاريخ يعلم فقط، ولا يعود، يبدو أن مجموعة من الصدمات الداخلية والتهديدات الخارجية المتزايدة، وخاصة من إيران وحلفائها، هي وصفة مشكوك فيها لبقاء الدولة القبلية التي تمر بعملية التحوّل إلى دولة المؤسسات، والأكثر من ذلك عندما يقودها الأمير الشاب، يفتقد الخبرة ولكنه يتمتع بالجرأة والطموح الكبيرين.

المصدر: موقع منتدى التفكير الإقليمي الإسرائيلي – عن موقع المصدر

إسرائيل تترقب الأوضاع السياسية في لبنان

بقلم: شيمريت مئير – كاتبة إسرائيلية — استقالة رئيس الحكومة، الحريري، لم تثر دهشة كبيرة في إسرائيل والتقديرات هي: السعوديون مصرون على الاشتباكات مع إيران في كل الجبهات

لم يستغرق رد فعل نتنياهو على إعلان الحريري المفاجئ وقتا طويلا: “تشكل استقالة رئيس حكومة لبنان، الحريري، وأقواله، تحذيرا للمجتمع الدولي للعمل ضد الهجومية الإيرانية، التي تسعى إلى تحويل سوريا إلى “لبنان 2”. تشكل هذه العدوانية خطرا ليس على إسرائيل فحسب، بل على الشرق الأوسط كله”، قال نتنياهو وهو في لندن، في إطار زيارة دولية بمناسبة مرور 100 عام على وعد بلفور.

يمكن أن نقدّر أن إسرائيل توقعت هذه الاستقالة، وإذا كانت هناك معلومات استخباراتية حول أن حزب الله ينوي اغتيال الحريري، فمن المفترض أنها كانت تعرف معلومات كهذه. على أية حال، من الغني عن البيان أن التوتر لدى الإسرائيليين الذين يسعون إلى الحفاظ على الهدوء في الحدود الشمالية من الدولة، قد ازداد بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة.

إن القرار السعودي لزعزعة المنظومة السياسية اللبنانية يشير وفق رأي جهات إسرائيلية إلى رغبة السعوديين في إزالة الأقنعة في كل ما يتعلق بالاشتباكات مع إيران. يبدو أن السعوديين قد توصلوا إلى الاستنتاج أن الرابح من مشاهد “الوحدة” في لبنان هما إيران وحزب الله بشكل أساسيّ، اللذان يتمتعان بحصانة الحكومة اللبنانية، في كل ما يتعلق بزيادة قوة المنظمة العسكرية، وطبعا لأن الحكومة اللبنانية ليست خاضعة للعقوبات الأمريكية، رغم أن حزب الله عضو فيها.

وتلاحظ إسرائيل أيضا تغييرات في تصرفات إيران وحزب الله وثقتيهما، فوفق الرسائل التي ينقلاها إلى العالم فقد ربحا في سوريا، وآن الأوان الآن أن يتمتعا بثمار التضحية ذاتها. وتقول إسرائيل إن الإيرانيين طوروا ثقة ذاتية مبالغ بها ورغبة إقليمية مفرطة، لهذا أراد السعوديون التعرض لهم في كل الجبهات.

ورغم كل هذه الأقوال، فإن إسرائيل ليست معنية بمواجهات مع حزب الله، إلا أن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن احتمالات التصعيد ازدادت في ظل عدم الاستقرار السياسي في لبنان. في الأسابيع الماضية، زادت إسرائيل من الهجمات التي تشنها ضد مجمّعات الأسلحة الإيرانية في سوريا، رغبة منها للإشارة إلى أنها لن تسكت على الحقائق التي تفرضها إيران في المنطقة. في الختام، ربما أصبح الطقس باردا إلا أن الحدود باتت مشتعلة وساخنة.

عن موقع “المصدر” الإسرائيلي.

مقاربة مختلفة للتعامل مع طهران

بقلم: ديفيد ديبارتولو — يقترح تقريرٌ حديثٌ صادرٌ عن مؤسسة كارنيغي ومركز الأمن الأميركي الجديد سبُلاً جديدة لمواجهة النفوذ الإقليمي لإيران.

حظي الخطاب الذي ألقاه دونالد ترامب حول إيران في 13 تشرين الأول/أكتوبر بالقدر الأكبر من الاهتمام لإعلانه رفض تجديد المصادقة على أن رفع العقوبات المفروضة على إيران بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الاتفاق النووي، لايزال ملائماً ومتناسباً مع الخطوات التي اتّخذتها طهران.

أعلن ترامب أيضاً عمّا وصفه بـ”استراتيجية جديدة للتصدّي إلى الطيف الكامل من أنشطة إيران التدميرية”، وتتألف هذه من أربع نقاط هي: العمل مع حلفاء أميركا لمجابهة أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، وفرض عقوبات إضافية على النظام الإيراني لعرقلة تمويل الإرهاب، ومواجهة انتشار الصواريخ والأسلحة، وإغلاق كل السبل المؤدّية إلى حصول إيران على سلاح نووي.

حَفَّزَ هذا الخطاب على طرح سؤالين بارزين: ما مستقبل الاتفاق النووي، وكيف ستتعاطى الولايات المتحدة مع قلقها إزاء الأنشطة الإيرانية الأخرى؟

في مايتعلّق بالاتفاق النووي، باتت معظم الأنظار مسلّطة على الكونغرس، حيث تمثّل الجهد الأبرز في الاقتراح الذي قدّمه عضوا مجلس الشيوخ بوب كوركر وتوم كوتون حول إعادة فرض العقوبات على إيران تلقائياً إذا ما أصبحت على قابِ عامٍ واحدٍ من الحصول على سلاح نووي. ويسعى هذا الاقتراح عملياً إلى تمديد القيود المفروضة على إنتاج الموادّ الانشطارية بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، إلى أجل غير مسمّى.

لكن ثمة سُبُل أخرى يمكن للولايات المتحدة أن تسعى من خلالها إلى عرقلة البرنامج النووي الإيراني في المدى الطويل. وفي تقرير صدر مؤخراً عن باحثين في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومركز الأمن الأميركي الجديد (CNAS) بعنوان “Contain, Enforce, and Engage: An Integrated U.S. Strategy to Address Iran’s Nuclear and Regional Challenges” (احتواء، وإنفاذ، وانخراط: استراتيجية أميركية متكاملة لمواجهة التحديات النووية والإقليمية في إيران)، تمّ عرض العديد من الخيارات المُبتكرة، بما في ذلك اعتماد إطار عالمي جديد للتمييز بين أنشطة الطاقة النووية السلمية وغير السلمية، ووضع ترتيب إقليمي أو إقليمي فرعي (خليجي) للتعامل مع أنشطة دورة الوقود النووي. والحال أنه يُحتمل أن تلتزم إيران بالقيود المفروضة عليها من خلال هذه المقاربات متعددة الأطراف، أكثر من رضوخها للتلويح بإعادة فرض عقوبات أميركية أحادية الجانب.

وفي ما يتعلق بالأنشطة الإيرانية الأخرى، يبدو أن استراتيجية الإدارة تركّز على زيادة الضغوط على إيران، على الرغم من أن شكل هذه الضغوط ليس واضحاً بعد. ولأن مثل هذا التركيز على محاولة إرغام إيران يحظى بقبول واسع في واشنطن، يوفّر التقرير المذكور آنفاً والصادر عن كارنيغي ومركز الأمن الأميركي الجديد استكمالاً مفيداً لجهود مزدوجة تتمثّل في الدعوة ليس فقط إلى ممارسة الضغوط على إيران بل الانخراط أيضاً مع حكومتها وشعبها. وعلى وجه الخصوص، يحدّد التقرير طرقاً معيّنة للانخراط اقتصادياً مع طهران مقابل تنازلات إيرانية حول القضايا النووية أو الإقليمية. وتشمل هذه الإجراءات إمكانية إعادة سريان الترخيص الخاص بالمعاملات التي تُجرى عبر طرف ثالث (U-turn)، والتي من شأنها تسهيل عمليات التجارة الخارجية مع إيران، من خلال استخدام الدولار الأميركي، والسماح بممارسة الشركات الأميركية أعمالاً في إيران بشكل مباشر، كحوافز تدفع الجمهورية الإسلامية إلى الحدّ من أنشطتها في مجالات أخرى.

كل ماسبق يشي بأن فرص التبادل التجاري لازالت قائمةً بين الولايات المتحدة وإيران، وأن الحوافز المدعومة بالضغوط يمكن أن تقنع إيران بكبح جماح بعض أنشطتها النووية والإقليمية بطريقة تجدها الولايات المتحدة مقبولة. ويبقى أن نرى ما الذي يمكن أن تتكوّن منه الصفقات، وما إذا كانت الإرادة السياسية موجودة للشروع بها.

* تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا المقال عن آراء كاتبها ولاتعكس بالضرورة رأي الموقع.

المصدر: موقع كارنيغي الشرق الأوسط