الصراع الأميركي – الإيراني واحتمالات المصالحة

د. هيثم مزاحم

أعلن الرئيس الأميركي باراك اوباما في الـ13 من تموز يوليو 2012 عن عقوبات أميركية على مصارف أجنبية تساعد إيران في بيع نفطها، في إطار المزايدة على كسب ود اللوبي الصهيوني في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، وذلك في أعقاب انتقادات المرشح الجمهوري ميت رومني بأن البيت الابيض فشل في التحرك بقوة كافية لوقف مساعي ايران النووية.
ثم صادق مجلس النواب الأميركي في الـ2 من آب/ أغسطس 2012، على حزمة جديدة من العقوبات ضد ايران تهدف إلى معاقبة المصارف وشركات التأمين وشركات النقل البحري التي تساعد طهران في بيع نفطها.

UN adopts disarmament resolution including Iran offers
هذا الحظر الجديد يأتي بعد تصاعد التوتر الأمني بين إيران والولايات المتحدة في الخليج، وتجعل من المناسب العودة لدراسة تطوّر العلاقات الأميركية – الإيرانية من التبعية والتحالف إلى العداء والصراع.

بداية العلاقات الأميركية – الإيرانية

تعود بداية العلاقات السياسية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية إلى أواخر القرن الثامن عشر، عندما بعث الملك ناصرالدين شاه أول سفير لبلاده ميرزا أبو الحسن شيرازي إلى واشنطن في عام 1856.
وفي عام 1883 كان صمويل بنجامين أول مبعوث دبلوماسي رسمي للولايات المتحدة في إيران. وتم الإعلان عن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين رسميا في عام 1944.
وكان لإيران في خلال عهد محمدرضا بهلوي (1953– 1979) أهمية إستراتيجية واقتصادية محورية لدى الولايات المتحدة الأميركية بموقعها كمفترق طرق بين ثلاث مناطق حيوية: الشرق الأوسط وجنوب آسيا والاتحاد السوفياتي.
كما كانت واشنطن أحد أبرز الشركاء التجاريين لطهران، إذ كانت هذه العلاقة الاقتصادية تؤمن آلاف فرص العمل للمواطنين الأميركيين ونحو ثلاثة مليارات دولار كعائدات سنوية للصادرات الأميركية إلى إيران، إضافة إلى الأرباح التي كانت تحققها الشركات النفطية الأميركية من استثماراتها وتجارتها في حقل النفط الإيراني.
لكن سقوط نظام الشاه في شباط/ فبراير1979، وقيام الجمهورية إلاسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني، وما نتج بعد تلك من تطورات مثل: أزمة احتجاز الرهائن الأميركيين في السفارة الأميركية في طهران بين عامي 1979 و1980، وتجميد الأرصدة الإيرانية في المصارف الأميركية، أسفرت عن تدهور العلاقات بين البلدين وانقطاعها في نيسان/إبريل 1980.
وقد أجّجت الحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت منذ أيول/سبتمبر 1980، والدعم الأميركي للنظام العراقي آنذاك، العداء بين طهران وواشنطن، وخصوصاً إثر الاستهداف الأميركي لبعض المنشآت البحرية النفطية الإيرانية بين عامي 1987 و1988 وإسقاط الطائرة المدنية الإيرانية (290 قتيلاً) فوق مياه الخليج عام 1988.
ومن الجانب الأميركي، فقد جاء سقوط الشاه ليضعف استراتيجية الولايات المتحدة في منطقة الخليج، الأمر الذي جعلها تغيّر سياستها تجاه العراق فتدعم نظام صدام حسين في الحرب مع إيران.
ومثلما حملت الذاكرة الإيرانية واقعة 1953. ظلت واقعة احتجاز الرهائن الأميركيين – التي أنهت حكم الرئيس جيمي كارتر – ماثلة في الذاكرة الأميركية. كما أن ضلوع إدارة الرئيس رونالد ريغان في فضيحة “إيران كونترا” قد أضافت إلى مخزون الذاكرة الأميركي عنصراً إضافيًا، حيث صارت إيران مسؤولة عن تشويه صورة رئيس بفضيحة سياسية كبيرة.
وهكذا اتسمت العلاقة بين الدولتين في العقود الثلاثة الماضية بالعداء الشديد وتبادل الاتهامات. وأطلقت إيران لقب “الشيطان الأكبر” على الولايات المتحدة.
فيما أثار الخطاب الثوري الإسلامي قلق معظم الأنظمة العربية وحلفاءها الغربيين، وخصوصاً الولايات المتحدة، التي رأت في الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطراً على مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية في منطقة الخليج.

العداء لأميركا

استمد هذا الخطاب الإسلامي الثوري مبرّرات عدائه للولايات المتحدة من واقع السياسات الأميركية تجاه إيران والمنطقة العربية – الإسلامية، القائمة على استغلال الشعوب ونهب ثرواتها والتآمر على الحكومات المعارضة لها، وانحيازها الكامل لإسرائيل في احتلالها الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية والاعتداء على شعوبها.
كما أن التجربة التاريخية الإيرانية نفسها غنية بالأمثلة على السياسات العدوانية والاستعمارية (الاستكبارية) الأميركية: من عملية الاستخبارات المركزية الأميركية “أجاكس” التي أطاحت حكومة محمد مصدق عام 1953 وأعادت الشاه إلى السلطة، إلى الامتيازات والصفقات التجارية والنفطية والعسكرية التي حصلت عليها أميركا من نظام الشاه والتدريب الأميركي لأجهزة السافاك الإيرانية والدعم الأميركي للعراق في حربه ضد إيران؛ وإسقاط الطائرة المدنية الإيرانية عام 1988؛ إلى سياسة الاحتواء المزدوج ضد إيران (والعراق) منذ أيار/مايو 1993، ثم سياسة الحظر الاقتصادي الشامل على إيران منذ أيار/مايو 1995 والتي ألحقت بقانون “الفونس داماتو” في العام 1996 الذي يقضي بفرض عقوبات اقتصادية على الشركات الأجنبية التي تستثمر في إيران بما يزيد عن 20 مليون دولار في السنة، إلى دعم المعارضة الإيرانية المسلحة (مجاهدي خلق) وتمويلها لأجل إسقاط النظام الإسلامي في إيران، وإقرار الكونغرس موازنة قدرها نحو 20 مليون دولار لتمويل أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية ضد إيران منذ عام 1995، وصولاً إلى القانون الذي وقعه الرئيس الأميركي باراك أوباما في مارس/آذار 2010، والذي يفرض عقوبات قاسية جديدة على قطاعي الطاقة والبنوك في ايران على أمل كبح النشاط النووي الإيراني، وانتهاء بالعقوبات الأميركية الأخيرة التي شملت وضع كل من الخطوط الجوية الإيرانية (إيران إير) وشركة تسيير الموانئ (تايدووتر) على القائمة السوداء، وذلك في إطار زيادة الضغط على طهران وإرغامها على تعليق برنامجها النووي.

مسائل الخلاف من وجهة نظر إيرانية

إن أبرز مسائل الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران من وجهة نظر الأخيرة هي الآتية:
1 – الأرصدة الإيرانية المجمدة في المصارف الأميركية منذ أزمة الرهائن الأميركيين عام 1979، والتي تقدر قيمتها بنحو 12 مليار دولار أميركي ما عدا الفوائد المتراكمة. وتعتبر طهران أن الإفراج عن هذه الأرصدة شرط أساس لتطبيع العلاقات مع واشنطن.
2 – التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية الإيرانية، وخصوصاً التدخل الاستخباراتي ودعم المعارضة الإيرانية المسلحة، وتضع الحكومة الإيرانية وقف هذا التدخل في مقدم شروطها للتقارب مع الولايات المتحدة، كما يمثل ذلك بالنسبة إليها دليلاً على تبدل السياسة الأميركية العدائية تجاهها.
3 – الحظر التجاري والتكنولوجي والعسكري الشامل المفروض على إيران تدريجاً منذ العام 1993 الذي يؤثر في استقرارها الاقتصادي وعمليات التنمية.
وترى طهران في هذا الحظر حرباً اقتصادية أميركية معلنة ضدها، وتعتبر أن أول خطوة ينبغي أن تبادر واشنطن إليها كدليل حسن نية تجاه إيران، تتمثل في إلغاء هذا الحظر.
وقد أضيفت خلال السنوات الأخيرة عقوبات أميركية إضافية حظرت شراء النفط الإيراني والتعامل مع أي طرف يتعامل تجارياً مع إيران.
4 – الوجود العسكري الأميركي في مياه الخليج، الذي تعارضه إيران لأنه يهدد أمن دول المنطقة وسيادتها، وهي تطالب بأن تتولى الدول المطلة على الخليج حماية أمنه من خلال التعاون المشترك في ما بينها.
5 – المعارضة الأميركية لمرور أنابيب نفط بحر قزوين والغاز من دول آسيا الوسطى عبر إيران، وهي جزء من الحظر الاقتصادي الأميركي على إيران.
6- المعارضة الأميركية للمشروع النووي السلمي الإيراني ولتخصيب اليورانيوم داخل إيران والضغوط التي تمارسها واشنطن على الأمم المتحدة والدول الغربية والعربية لفرض حصار اقتصادي وعزلة سياسية على إيران كي توقف إيران هذا البرنامج، أو على الأقل تتوقف عن تخصيب اليورانيوم وشراء اليورانيوم المخصّب من الغرب بمليارات الدولارات.

أسباب الخلاف من وجهة نظر أميركية

تطرح الإدارة الأميركية أسباباً عدة، تراها مترابطة في ما بينها، لتبرير سياستها العدائية تجاه إيران والعقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليها. وترى أن تسوية أهم مسائل النزاع سيؤدي إلى حل المسائل الأخرى المتفرعة عنها. وأبرز الاعتراضات الأميركية على السياسات الإيرانية هي الآتية:
1 – تتهم واشنطن إيران بـ”رعاية الإرهاب الدولي” إذ لا تزال واشنطن تضع إيران على لائحة الدول الإرهابية وتتهمها بتقديم الدعم والتمويل لبعض الحركات الإسلامية والوطنية التحررية التي تصنفها الإدارة الأميركية بـ”الإرهابية”، ولاسيما حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وخصوصاً “حزب الله” اللبناني وحركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” الفلسطينيتان. وتشترط الإدارة الأميركية تغيير إيران سياستها في هذا الشأن، أي التخلي عن قيامها بأي أعمال “إرهابية” وعن دعمها لهذه الحركات وذلك لأجل تحسين العلاقات بين البلدين.
2 – المعارضة الإيرانية لعملية التسوية العربية – الإسرائيلية وموقفها الإيديولوجي – السياسي الرافض لوجود إسرائيل. وترى الإدارة الأميركية في التحالف الاستراتيجي الإيراني–السوري دعماً لحركات المقاومة التي تصنفها واشنطن “إرهابية” وعرقلة لعملية التسوية مع الكيان الإسرائيلي في الشرق الأوسط. وترتبط هذه المسألة كلياً بالمسألة السابقة. وكلاهما يتعلق بإسرائيل مما يجعلهما في طليعة الأسباب التي تحول دون تغيير السياسة الأميركية تجاه إيران ودون الشروع في حوار مباشر لاستئناف العلاقات.
3 – الزعم الأميركي بأن طهران تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وخصوصاً الأسلحة النووية، وهو ماتنفيه إيران، الأمر الذي يمثل بالنسبة إلى الولايات المتحدة تهديداً كبيراً لأمن المنطقة واستقرارها وللمصالح الأميركية فيها، وتهديداً لأمن إسرائيل وتفوّقها العسكري النوعي.
وتعد مواصلة طهران لسياسة التسلّح أهم أسباب الحظر الاقتصادي الأميركي الشامل المباشر (وغير المباشر) عليها، عبر ضغوط وعقوبات على الدول والشركات التي تتعاون تجارياً وعسكرياً وتكنولوجياً معها مثل روسيا والصين والدول الأوروبية.
5 – الاتهامات الأميركية لطهران بدعم حركات المقاومة في العراق ضد الاحتلال الأميركي وكذلك لبعض الحركات المقاومة في أفغانستان، وبانتهاك حقوق الإنسان والحريات في إيران.

انتخاب خاتمي وسياسة الانفتاح

عزّز انتخاب الرئيس الإيراني محمد خاتمي في أيار/مايو 1997 من احتمالات تحسّن العلاقات الإيرانية – الأميركية نتيجة مبادراته الإعلامية والسياسية تجاه الدول العربية والغربية، وخصوصاً المقابلة التي أجرتها معه شبكة “سي أن أن” (CNN) الأميركية في كانون الثاني/يناير 1998 وأشاد فيها بالشعب الأميركي “العظيم” وأعرب عن تقديره للحضارة الأميركية واعتذر ضمناً عن احتجاز الرهائن الأميركية في طهران (1979–1980). غير أن الاستجابة الأميركية لهذه الرسالة الإيرانية كانت محدودة، إذ تمثلت بالترحيب بانتخاب خاتمي وتقدير رصيده الشعبي الانتخابي وانفتاحه السياسي الداخلي والخارجي، إضافة إلى الإعلان الكلاسيكي عن استعداد الإدارة الأميركية للتفاوض مع الحكومة الإيرانية لاستئناف العلاقات الثنائية.
لكن السياسة الأميركية المتشددة ضد إيران بقيت على حالها، بل إن واشنطن شددت إجراءات الحظر التجاري ضدها وضد الشركات الأجنبية المتعاملة مع طهران، وأسست إذاعة معادية لإيران في مدينة براغ بتمويل من الكونغرس الأميركي، وواصلت رفضها لمشروع مرور أنابيب النفط والغاز من بحر قزوين وآسيا الوسطى عبر الأراضي الإيرانية.
وقد ساهمت هذه السياسة الأميركية في تعزيز موقف الجناح الإيراني المتشدد في رفضه لعودة العلاقات مع “الشيطان الأكبر”، لأن الولايات المتحدة –في نظره- لن تغيّر سياستها العدوانية تجاه إيران ولن تتخلى عن محاولاتها التدخل في الشؤون الإيرانية والتآمر لإسقاط النظام الإسلامي، حتى لو تراجعت إيران عن خطابها المعادي لأميركا وعن بعض المواقف والسياسات التي تنتقدها واشنطن وتعترض عليها.
وقد اضطرخاتمي وحكومته إلى محاكاة الخطاب المتشدد الذي يندد بالسياسة الأميركية تجاه إيران، مستبعداً تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة في المدى القريب.
غير أن معارضة المحافظين للعلاقات مع الولايات المتحدة لم تكن مطلقة، ذلك أنها إرتبطت بمدى تبدل السياسة الأميركية تجاه إيران من جانب، وبشروط التسوية مع واشنطن من جانب آخر. إذ يخشى هذا الجناح أن يؤدي التقارب الإيراني–الأميركي إلى تقديم تنازلات تمس طبيعة النظام الإسلامي والشؤون الداخلية الإيرانية والمواقف الإيديولوجية الإسلامية تجاه الغرب وإسرائيل التي أطلقها الإمام الخميني.
وقد علّل هؤلاء رفضهم للحوار والتفاوض مع الولايات المتحدة باستمرار سياسة الحظر الأميركي تجاه إيران، علماً أن هذه السياسة نفسها تعرضت خلال العقد الماضي للنقد في دوائر أميركية واسعة وشملت مسؤولين في وزارتي الخارجية والتجارة وأعضاء كونغرس وأكاديميين وصحافيين، وخصوصاً رجال الأعمال والمزارعين الأميركيين، الذين رأوا أن مصالحهم التجارية قد تضررت نتيجة لسياسة الحظر.
وذهب بعض هؤلاء إلى أن عزل إيران وفرض عقوبات اقتصادية عليها لم يؤثرا كثيراً في تغيير سياساتها، في حين أنه أضر بالمصالح الاقتصادية الأميركية، وأفاد الشركات الأوروبية واليابانية والآسيوية المنافسة التي عقدت صفقات تجارية ونفطية مع إيران بمليارات الدولارات.

مبرّرات السياسة الأميركية تجاه إيران

تقوم الإستراتجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط على ثلاثة أركان رئيسية هي:
1 – حماية منابع النفط وطرقه بما يضمن استمرار تدفقه إلى الغرب، وخصوصاً إلى الولايات المتحدة، بأسعار متدنية وثابتة نسبياً.
2 – بقاء المنطقة سوقاً استهلاكية للسلع والخدمات الأميركية، ولا سيما الأسلحة منها.
3 – حماية حلفاء الولايات المتحدة وضمان استقرار الأنظمة الموالية لها، وضمان أمن إسرائيل وتفوقها العسكري على دول المنطقة كافة.
وقد شكلت إيران في عهد الشاه سداً أميركياً أمام محاولات الاتحاد السوفياتي للوصول إلى منابع النفط في الخليج. وبعد سقوط الشاه والغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 بقيت إيران مهمة استراتيجياً لمواجهة السوفيات، في نظر الأميركيين.
وعلى الرغم من التغيّرات التي شهدها العالم منذ انتهاء الحرب الباردة، بفعل انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال الخطر الشيوعي ونشوء وضع دولي جديد بقيادة الولايات المتحدة، إلا أن السياسة الأميركية الشرق أوسطية بقيت على حالها من دون أي تغيير جذري. لأن النفط لا يزال في صدارة المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية، وكذلك السوق الخليجية المستهلكة للصادرات الأميركية وخصوصاً الأسلحة، إضافة إلى ثبات مكانة إسرائيل وأهميتها بالنسبة إلى الأميركيين.
وقد حاولت بعض النخب المؤثرة في صناعة القرار الأميركي التقليل من أهمية إيران الإستراتيجية الإقليمية والدولية، والمبالغة في “الخطر الإسلامي” الذي تشكله إيران وبعض الحركات الإسلامية على المصالح الأميركية في المنطقة، وتصويره كخطر مماثل للخطر الشيوعي السابق. وكان لإسرائيل واللوبي الصهيوني المؤيد لها الدور الأكبر في الترويج لهذه الفكرة بعدما خشيت الكيان المحتل من تراجع مكانته الاستراتيجية بعد غياب التهديد السوفياتي.
وهكذا عادت واشنطن لسياسة الاحتواء السابقة لمواجهة تهديدات قوى إقليمية بارزة في المنطقة وخصوصاً العراق وإيران، وبعدما كانت سياسة أميركا لاحتوائهما في الثمانينات 1980–1988 تقوم على تسعير الحرب بين الطرفين واستخدام كل طرف منهما لإضعاف الطرف الآخر.
وبعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية، وبروز العراق قوة إقليمية ذات قدرات عسكرية وتكنولوجية تهدد استقرار المنطقة وأمنها، ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها والتفوق العسكري الإسرائيلي، قدم احتلال العراق الكويت في آب/أغسطس 1990 ذريعة مناسبة لتفكيك هذه القدرات في حرب “عاصفة الصحراء” عام 1991، وفي الحظر الدولي عليه، ثم في أعمال لجنة نزع أسلحة الدمار الشامل (يونسكوم)، إلى العمليات العسكرية الأميركية المتقطعة عليه، وصولاً إلى الغزو الأميركي المباشر في مارس/ آذار 2003.
بعد قيام واشنطن بإطلاق عملية التسوية في مؤتمر مدريد عام 1991، لإنهاء القضية الفلسطينية والصراع العربي–الصهيوني وترتيب نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، لم يبقَ في نظر الإدارة الأميركية واللوبي الصهيوني وإسرائيل من يخل بأمن المنطقة واستقرارها إلى جانب الحركات المناهضة لعملية التسوية إلاّ إيران، إضافة إلى امتلاك إيران قدرات بشرية واقتصادية وعسكرية كبيرة تجعلها إلى سعيها لامتلاك أسلحة الدمار الشامل –بحسب واشنطن وإسرائيل- قوة إقليمية تهدد المصالح الأميركية في المنطقة (النفط والأنظمة الحليفة وإسرائيل).

دور اللوبي الصهيوني في السياسة الأميركية تجاه إيران

ولاحتواء التهديد الإيراني ومواصلة احتواء التهديد العراقي، أعلنت إدارة كلينتون – بتأثير من إسرائيل واللوبي الصهيوني في واشنطن– سياسة الاحتواء المزدوج لإيران والعراق في أيار/مايو 1993، وهي سياسة وضعها مارتين إنديك، أحد المسؤولين اليهود في الإدارة الأميركية.
ومع فشل هذه السياسة لاحقاً، وعجزها عن منع إيران من تنمية قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية ظلت إسرائيل وأنصارها في واشنطن يضغطون على الإدارة والكونغرس الأميركيين طوال عامين متتالين من أجل تشديد سياسة الاحتواء ضد إيران.
فاستجاب هؤلاء بفرض حظر اقتصادي على إيران في 30 نيسان/أبريل 1995، أعلنه الرئيس كلينتون من على منبر المؤتمر اليهودي العالمي. رغبة منه في توظيف هذا القرار في الحصول على دعم وتمويل اللوبي اليهودي في الانتخابات الرئاسية.
وكانت الإدارة الأميركية قد أوقفت صفقة شركة “كونوكو” النفطية الأميركية مع إيران في آذار/مارس 1995، بطلب من رئيس المؤتمر اليهودي العالمي إدغار برونغمان، كما كشف الكاتب الأميركي – اليهودي أ.م.روزنتال في صحيفة نيويورك تايمز.
ولم يكتفِ اللوبي الإسرائيلي بالحظر الاقتصادي على إيران عبر فرض عقوبات على الشركات الأميركية التي تتعامل معها، إنما أصدر الكونغرس في العام 1996 أيضاً قانوناً لمعاقبة الشركات التي تتعامل مع إيران. ومع أن الإدارة الأميركية لم تكن موافقة على هذا القانون الذي يُسبب لها مشكلات مع أصدقائها الأوروبيين والآسيويين والروس، إلا أنها رضخت لضغوط الكونغرس واللوبي وقبلت بالقانون بعد تعديله.
وهكذا فرضت الحكومة الأميركية عقوبات على عدد من الشركات الأجنبية التي استثمرت في إيران، وكذلك على الشركات الروسية لبيعها تكنولوجيا عسكرية إلى إيران.
وقد خلص المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركية، ريتشارد مورفي، في شباط/فبراير الماضي 1999، إلى أن الوقت قد حان لتفكيك نظام العقوبات ضد إيران. لكنه كشف أن تحقيق ذلك “يعتمد على مدى رغبة إسرائيل في تغيير سياستها حيال إيران وعندها سيحدث تغيير سريع ومماثل في واشنطن”، مشيراً إلى أن الموقف الأميركي المتجدد يعكس نفوذ إسرائيل وأصدقائها في الكونغرس.

تأثير سياسة العقوبات في المصالح الاقتصادية الأميركية

قبل إقرار الإدارة الأميركية لسياسة الاحتواء المزدوج عام 1993 ومن بعدها سياسة الحظر الاقتصادي الشامل عام 1995، كانت الولايات المتحدة منذ أوائل التسعينات أحد أبرز الشركاء التجاريين لإيران، حيث اعتبرت رابع مصدّر للبضائع إليها. وبلغت قيمة الصادرات الأميركية إليها عام 1991 نحو 527 مليون دولار أميركي وكان يتوقع أن تصل إلى نحو 800 مليون دولار أميركي عام 1993، فيما بلغت مشتريات الشركات الأميركية من النفط الإيراني أربعة مليارات دولار أميركي عام 1994، إذ كانت هذه الشركات النفطية تشتري نحو ثلث النفط الخام الإيراني لتعاود بيعه في الأسواق العالمية.
ويكفي أن نذكر أن شركة توتال الفرنسية التي تقود “كونسورتيوم” فرنسياً – ماليزياً – روسياً حصلت عام 1998 على مشروع بقيمة ملياري دولار للاستثمار في حقول النفط في إيران. كما حصلت شركتا “ألف” الفرنسية و”اجيب – ايني” الإيطالية في آذار/مارس الفائت 1999 على صفقة بقيمة 540 مليون دولار، لاستغلال حقل “دورود” النفطي الواقع في الخليج[الفارسي]، ووقعت أيضاً شركة “ألف” وشركات “باوفالي” الكندية عقداً نفطياً مع إيران بقيمة 300 مليون دولار.
وقد تعرض نظام العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروض على إيران لضغوط من قبل قوى وأطراف فاعلة في المجتمع الأميركي دعت إلى إعادة النظر فيه لأنه لم ينجح في تعديل سلوك طهران فضلاً عن كونه ألحق أضراراً اقتصادية وسياسية بالولايات المتحدة. وبعد انتخاب خاتمي كثّف قطاع الأعمال الأميركي ضغوطه على الإدارة والكونغرس الأميركيين لتخفيف العقوبات أو استثناء بعض الشركات والسماح لها بالتعامل مع إيران. وقد استجاب عشرات من أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديموقراطي لضغوط رجال الأعمال والمزارعين الأميركيين المتضررين من نظام العقوبات، إذ وجهوا رسالة إلى الرئيس بيل كلينتون طالبوه فيها بالسماح لشركات أميركية بيع إيران مواد زراعية بقيمة تزيد عن نصف مليار دولار، استجابة إلى ضغوط المزارعين في الكونغرس الذين صوتوا مع نظام العقوبات ضد إيران عام 1995 باعتباره “تصويتاً سهلاً ضد الإرهاب” على حد قول المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي، روبرت بيليترو.
وأسفرت هذه الضغوط في نهاية نيسان/أبريل 1999 عن موافقة الإدارة الأميركية على رفع جزئي لسياسة الحظر يسمح باستثناء الأغذية والأدوية من نظام العقوبات ضد الدول المفروض عليها. وبرغم انطباق تخفيف العقوبات على دول عدة إلا أن المقصود عملياً كان إيران لأن استيرادها لحاجتها من المواد الغذائية يصل إلى مليار دولار سنوياً.
ورأى بعض المسؤولين الأميركيين أن رفع الحظر الغذائي هو خطوة في اتجاه تطبيع العلاقات مع ليبيا وإيران والسودان، وتجسيد لفشل سياسة العقوبات تجاه هذه الدول، بفعل تغيّر الظروف الدولية. واعتبرت جوديت كبير، خبيرة شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة “بروكينغز” الأميركية، أن هذه “الخطوة مهمة جداً ومتأخرة كثيراً. وسيكون لها وقع خاص على طهران التي تترقب الإشارات الأميركية للتسوية”. وقال بعض المحللين الأميركيين إن هذا التبدل “الكبير” في سياسة العقوبات جاء بعد مرحلة أصبحت فيها هذه السياسة موضع استفهام ونقد، إذ فاوضت الشركات الأميركية المتضرّرة وممثلوها في الكونغرس، مع الإدارة الأميركية والمعارضين فيها لهذه السياسة، لإصلاح تشريع العقوبات والتخلي عنه بشكل كلي بسبب إضراره بالمصالح الاقتصادية الأميركية.
واللافت أن مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، مارتين أنديك نفسه، مهندس سياسة الاحتواء المزدوج عام 1993 بوصفه رئيساً لمجلس الأمن القومي آنذاك، كشف في محاضرة له في نيسان/أبريل 1999، أن الإدارة الأميركية تقوم بمراجعة سياستها تجاه إيران بعد التغير الكبير الذي شهدته السياسات الإيرانية داخلياً وخارجياً منذ بداية عهد خاتمي.
وكان الرئيس الأميركي، كلينتون، قد اعترف أيضاً في نيسان/أبريل 1999 “بأن إيران تعرضت – بسبب أهميتها الجيوسياسية الكبيرة على مر الزمن، إلى كثير من الظلم من مختلف الدول الغربية” داعياً إلى إيجاد وسيلة لبدء حوار معها من أجل بناء “مستقبل مشترك”.
وقد رحبت الحكومة الإيرانية “باعتذار” كلينتون، مؤكدة أنها لن تكتفي بـ”ابتسامة دبلوماسية بسيطة” بل تطالب بتغيير في السلوك الأميركي لا في الخطاب فحسب. وكانت واشنطن قد استنكرت عملية اغتيال نائب رئيس الأركان الإيراني اللواء علي صياد شيرازي في طهران على يد حركة “مجاهدي خلق” وأدانته بوصفه “عملاً إرهابياً”، مشيرة إلى أن هذه الحركة مدرجة منذ العام 1997 على لائحة الإرهاب التي تصدرها الولايات المتحدة، كما نفت أن تكون الحكومة الأميركية تؤيد هؤلاء الإرهابيين، أو تقدم ملاذاً آمناً لهم على الرغم من وجود مكتب صحافي لهم في واشنطن.
مثلت هذه الإشارات الأميركية الثلاث (استنكار اغتيال شيرازي واعتذار كلينتون الضمني والتخفيف الجزئي للعقوبات الاقتصادية) رسالة تودد أميركية إلى إيران، إلا أنها لم تكفِ لدفع طهران إلى حوار مباشر مع الإدارة الأميركية على الرغم من مطالبة أوساط سياسية وإعلامية وأكاديمية إيرانية الحكومة التفاوض مع الولايات المتحدة.

بوش ومرحلة ما بعد 11 سبتمبر

شكل وصول الرئيس الأميركي جورج بوش بداية عام 2002 إلى سدة الحكم نقطة تحوّل مهمة في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران نبعت من رؤية الإدارة الجديدة لدور أميركا في العالم وأهدافها الإستراتيجية، على إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، حيث عدّ بوش إيران ضمن “محور الشر” مع كل من العراق وكوريا الشمالية.
ومع أن إيران قد أدانت هجمات11سبتمبر، وأعلنت عن رفضها للإرهاب بكل صورة وأشكاله، وتعاونها ضمناً مع الولايات المتحدة في هجومها على أفغانستان لإسقاط حكم طالبان، إلا أن ذلك لم يغيّر من السياسة الأميركية تجاهها. وفي حرب الولايات المتحدة في أفغانستان، كانت واشنطن في حاجة إلى مساعدة إيران في المراحل الأولى في حربها في أفغانستان، ولذلك جرى حوار بين الدولتين عبر بريطانيا من خلال زيارة وزير خارجيتها جاك سترو لطهران.
وعلى الرغم من الإدانة الإيرانية للغزو الأميركي لأفغانستان، إلا أن طهران وافقت في أكتوبر 2001 على المساهمة في إنقاذ أي قوات أميركية تتعرض لمشاكل في هذه البلاد. كما سمحت للولايات المتحدة باستخدام أحد موانئها لشحن القمح إلى مناطق الحرب في أفغانستان، وشاركت في الدعم العسكري لقوات التحالف الشمالي الأفغاني حتى سيطرت على العاصمة كابول.
لكن هذا التقارب الظرفي سرعان ما تلاشى بسبب استمرار الخلافات الأخرى بين البلدين وتوجّس إيران من الخطط الأميركية لتغيير نظامها الإسلامي خصوصاً بعدما وضع الرئيس جورج بوش الإبن في 29 يناير 2002 كلاً من إيران والعراق وكوريا الشمالية في محور الشر “وتسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل. إلا أن الفترة بين عامي 2002 و2004 شهدت غض الطرف من قبل كلتا الدولتين إزاء الأخرى، بعد الغزو الأميركي – البريطاني للعراق ومساهمة طهران لاحقاً في تسهيل قيام نظام عراقي جديد بمشاركة حلفائها من الأحزاب الشيعية والكردية المعارضة لنظام صدام حسين.
ثم ما لبث مؤشر العلاقة أن اتجه نحو خطاب التصعيد مرة أخرى خلال بعد عام 2005، في ظل تعثر مفاوضات الأوروبيين مع طهران حول البرنامج النووي الإيراني، والتي انتهت بإعلان إيران يوم 11 نيسان أبريل 2006 عن نجاحها في تخصيب اليورانيوم، والذي رفضه الغرب وطالبها بوقفه.
وقد زاد من مخاوف إيران من النوايا الأميركية حجم القوات الأميركية والغربية في العراق، إذ شكّل وجود أكثر من مئة ألف عسكري في دولة مجاورة فضلاً عن وجودهم في أفغانستان وتركيا وأذربيجان ودول الخليج اكتمال الطوق حول إيران.
كما اتهمت الولايات المتحدة وبريطانيا إيران بدعم المجموعات العراقية المقاومة سواء “جيش المهدي” بقيادة السيد مقتدى الصدر أو بعض المجموعات العراقية السنية لتنفيذ عمليات عسكرية ضد قوات الاحتلال ولتقويض الاستقرار في العراق، بهدف دفع هذه القوات لمغادرة العراق. كما أن الاتهامات الأميركية المتكررة بوجود تدخل إيراني مباشر ومؤثر في الشأن العراقي، حدت بالولايات المتحدة إلى تكليف سفيرها لدى العراق بمفاوضة الجانب الإيراني بشكل غير مباشر في منتصف عام 2005، ثم قبولها التفاوض المباشر والرسمي مع إيران في نهاية مارس 2006 حول الملف العراقي.

مرحلة أوباما – أحمدي نجاد

ساهم وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية الإيرانية في منتصف العام 2005، بزيادة التوتر في العلاقات الإيرانية – الأميركية وتدهورها، حيث اتهمت الولايات المتحدة أحمدي نجاد بأنه أحد الطلاب الذين شاركوا في احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية إبان انتصار الثورة الإيرانية وهو ما نفته إيران بشكل مطلق.
وبعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران-يونيو2009 وفوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية، كشفت واشنطن عن اعتمادها سياسة الحرب الناعمة لتغيير النظام، وذلك من خلال دعم المعارضة والاحتجاجات وتأليب الرأي العام ضد النظام من خلال وسائل الإعلام الأميركية باللغة الفارسية، وتمويل بعض وسائل الإعلام المعارضة. كما اتهمت طهران أميركا وبريطانيا بدعم حركات إرهابية معارضة على غرار “جند الله” بزعامة عبدالملك ريغي في محافظة بلوشستان وسيستان الإيرانية.
ولاشك أن نجاح إيران وسوريا والمقاومة العراقية في دفع قوات الاحتلال الأميركي والبريطاني للانسحاب من العراق في نهاية عام 2011 قد شكّل ضربة للولايات المتحدة واستراتيجيتها في المنطقة، مما جعلها تريد الانتقام من هذا المحور، فكانت خطة إسقاط النظام السوري للتعويض عن الفراغ في العراق وبتر أوصال محور الممانعة والمقاومة الممتد من إيران عبر العراق إلى سوريا ولبنان وغزة.
وفي موازاة ذلك، كثفت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون في مجموعة الدول الكبرى الست (5+1) ضغوطها على إيران بشأن برنامجها النووي واستمرارها في تخصيب اليورانيوم، وتمكنت من فرض حظر دولي على إيران، إضافة إلى العقوبات الأميركية والأوروبية.
وفي الـ13 من تموز يوليو 2012، أعلن الرئيس الأميركي باراك اوباما عن عقوبات أميركية على مصارف أجنبية تساعد إيران في بيع نفطها وذكر تحديداً بنكا صينياً وآخر عراقياً.
وجاءت تلك العقوبات في إطار مزايدة أوباما على كسب ود اللوبي الصهيوني في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة في أعقاب انتقادات المرشح الجمهوري ميت رومني بأن البيت الابيض فشل في التحرك بقوة كافية لوقف مساعي ايران النووية.
وفي الـ2 من آب/ أغسطس 2012، صادق مجلس النواب الأميركي على حزمة جديدة من العقوبات ضد ايران تهدف إلى معاقبة المصارف وشركات التأمين وشركات النقل البحري التي تساعد طهران في بيع نفطها. ويتوقع ان يجرى الاقتراع في مجلس الشيوخ على مشروع القانون قبل ان يبدأ الكونغرس عطلة طويلة أوائل الاسبوع المقبل.
وأشارت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب النائبة الجمهورية إيلينا روس لتينين، المعروفة بميولها الصهيونية، إن مشروع القانون الذي توصل اليه مشرعون بارزون من الحزبين في الكونغرس “يسعى لتشديد الخناق على النظام (الإيراني) بشكل لم يحدث من قبل”.
ويستند هذا القانون إلى قانون عقوبات تجارة النفط الذي وقعه الرئيس الأميركي باراك اوباما في ديسمبر كانون الأول الماضي ودفع اليابان وكوريا الجنوبية والهند ودول أخرى لخفض مشترياتها من النفط الايراني.
وإعتبرت لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأميركية (إيباك) – وهي جماعة ضغط(lobby) قوية مؤيدة لإسرائيل- أن هذا التشريع عند إضافته إلى العقوبات الأميركية الحالية “يمثل أقوى مجموعة من العقوبات لعزل أي دولة في العالم في زمن السلم”.

التهديدات العسكرية لإيران

تصاعدت مؤخرأً التسريبات الإعلامية الإسرائيلية والأميركية باقتراب توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، بعد فشل مفاوضات الدول الست الكبرى مع طهران في بغداد واستنبول وموسكو. وفسّر البعض إرسال واشنطن لبارجتين إضافيتين إلى مياه الخليج[الفارسي] كرسالة إلى إيران واستعداد أميركي لمنع طهران من إغلاق مضيق هرمز رداً على الحظر النفطي الأوروبي.
وعلى الرغم من هذه السيناريوهات التي رسمتها بعض الصحف الأميركية والإسرائيلية والعربية، وخصوصاً الكشف عن إنشاء محطة رادار للدرع الصاروخية الأميركية في العاصمة القطرية الدوحة، إلا أنني أعتقد أن الولايات المتحدة لن تقدم في هذه المرحلة على عدوان عسكري ضد ايران، ولن تسمح للكيان الإسرائيلي بالقيام بمغامرة ضرب المنشآت النووية الإيرانية والزج بالمنطقة بحرب شاملة. ولعل زيارة وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا للكيان الإسرائيلي قبل أيام كانت تصب في هذا الاتجاه وللوم الإسرائيليين على انتقادهم لإدارة اوباما بأنها لاتقوم بكل وسعها لإعاقة البرنامج النووي الإيراني.
ويأتي مشروع القانون الأميركي الجديد لتشديد الحظر على إيران في إطار إرضاء الكيان الإسرائيلي واللوبي الصهيوني، وفي الوقت نفسه عدم الرضوخ للضغوط الإسرائيلية لشن عدوان عسكري على ايران.
وأعتقد أن الدعم الأميركي والغربي والخليجي للمعارضة السورية في الخارج بهدف إسقاط النظام السوري، جزء من الحرب الخفية ضد إيران وحزب الله وحلفائهما.
كما أن الولايات المتحدة قد خرجت مهزومة من العراق قبل ستة أشهر، ولا تزال غارقة في المستنقع الأفغاني، ولا أظن أنها جاهزة لخوض حرب جديدة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية.
أما إسرائيل فهي غير قادرة على تدمير جميع المنشآت النووية الإيرانية من خلال غارات جوية بسبب انتشار هذه المنشآت على جميع المناطق الإيرانية الشاسعة من جهة، وتحصين معظم هذه المواقع تحصيناً شديداً من جهة أخرى. كما أن ضرب منشآت إيرانية سيفتح أبواب جهنم على المنشآت الإسرائيلية، من حيث جهوزية الصواريخ الإيرانية الباليستية لضرب الأهداف الإسرائيلية.
وقد ظهر خلال العقدين الماضيين، أن من مصلحة إيران استقرار الخليج وأمنه واستمرار تدفق النفط عبره إلى العالم كله، لأن الخليج هو المعبر الحيوي للصادرات والواردات الإيرانية، ولاسيما الصادرات النفطية التي تمثل 80 في المائة من عائداتها، وخصوصاً من الوجود العسكري في الخليج.

هل دفن لغز اختفاء الإمام موسى الصدر مع القذافي؟

د. هيثم مزاحم

بعد ثلاثة أشهر تحل الذكرى السادسة والثلاثين لتغييب الإمام السيّد موسى الصدر ورفيقيه في ليبيا، من قبل معمر القذافي، في آواخر آب أغسطس 1978.
جيل مضى على تغييب الإمام الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدرالدين، ولمّا يتكشف مصيرهم، ولا يزال لغزاً على الرغم من سقوط نظام القذافي ومرور أكثر من ثلاثة أعوام على قيام السلطات الجديدة، التي تحاول إغلاق هذا الملف تارة بالزعم أنها عثرت على بقايا رفات الإمام الصدر في أحد السجون، وتارة أخرى عبر تسريبات إعلامية لمسؤولين حاليين وسابقين عن قيام القذافي بتصفية الإمام الصدر ورفيقيه منذ فترة طويلة.
وأمام إصرار عوائل المخطوفين الثلاثة، والسلطات اللبنانية ممثلة بلجنة المتابعة المكلفة من مجلس الوزراء، على كشف الحقيقة كاملة وتقديم الأدلة العلمية والجنائية على أن هذه الرفات تعود للإمام الصدر أو لأحد رفيقيه، من خلال فحوضات الحمض النووي، والتي جاءت سلبية، ثمة محاولة لتمييع القضية في ليبيا.

sayed_mousa

وأبرز الشواهد على تقصير السلطات الليبية الجديدة هو عدم فتحها تحقيقاً حول قضية اختفاء الإمام الصدر مع قيادات سياسية وأمنية بازرة في النظام السابق لعبت دوراً خلال فترة اختطاف الإمام وفي المرحلة التي أعقبت ذلك.
وبالتأكيد كان لبعضهم دور في عملية الاختطاف والاحتجاز وعمليات التضليل لإنهاء القضية، وهم يعلمون مصير المخطوفين الثلاثة، على الأقل في الفترة التي كانوا فيها في سدة المسؤولية.
ومن أبرز هؤلاء عبدالسلام جلود، وقذاف الدم القذافي، وسيف الإسلام القذافي، والرائد عبدالمنعم الهوني، وموسى كوسا، ونوري المساري وغيرهم من بعض المسؤولين السابقين الذين إنشقوا عن القذافي ولهم دور اليوم في النظام الجديد.
ولعل ذلك السبب هو أحد أهم الأسباب التي تدفع السلطات الليبية الجديدة إلى إغلاق القضية وتمييعها، لحسابات سياسية وقبلية وشخصية، مثلاً عبدالسلام جلود وقبيلته المقارحة، وقاذف الدم وقبيلة القذاذفة، وخشية انكشاف تورط بعض المسؤولين السابقين-الحاليين ومطالبة الجانب اللبناني بمحاكمتهم أمام القضائين اللبناني والدولي.

أسباب إختطاف الإمام الصدر

لا تزال أسباب إختطاف القذافي للإمام موسى الصدر ورفيقيه مجهولة كمصيرهم، لكن هناك تحليلات ومعلومات غير مؤكدة تحاول تفسير العملية وفهم دوافع القذافي ومصلحته من التخلّص من الإمام الصدر.
وأعتقد أن القذافي قد نفذ عملية الاختطاف لمصلحة قوى لبنانية وفلسطينية كانت تخشى من شعبية الإمام الصدر في الساحة اللبنانية ولاسيّما الإسلامية، وبخاصة الشيعية.
وكانت هذه القوى منزعجة من مساعي الإمام الصدر المحلية والعربية لوقف الحرب الأهلية في لبنان، ومنع تفاقمها وامتدادها، الأمر الذي كان سيشكّل حاجزاً أمام مشروع هذه القوى للسيطرة على الساحة اللبنانية من جهة، ومانعاً لتسعير الحرب الأهلية وتمرير مشروع التقسيم الطائفي للبنان وتوطين اللاجئين الفلسطينيين فيه من جهة أخرى.
ومن الضروري التذكير بتحرك الإمام الصدر لهذه الغاية، بدءاً من اعتصامه مع بعض رفاقه في مسجد العاملية في رأس النبع احتجاجاً على استمرار الاشتباكات العسكرية في بيروت بين طرفي العاصمة، مروراً باتصالاته بجميع القوى والأحزاب اللبنانية والفلسطينية والقادة السياسيين والروحيين في لبنان للعمل على وقف إطلاق النار والتهدئة، والدخول في حوار وطني لبناني ولبناني- فلسطيني لحل المشكلات التي أدت إلى تفجير الحرب الأهلية الطائفية، وصولاً إلى تحركه على المستوى العربي مع الرؤساء والقادة والملوك العرب للمساعدة في وقف الحرب في لبنان من خلال التوقّف عن مدّ أطراف الصراع اللبنانيين والفلسطينيين بالسلاح والمال.

تقول عائلة الإمام الصدر أنه قام بجولة عربية في تموز يوليو1978 شملت سوريا والأردن والسعودية والجزائر لطلب مساعدتهم في الضغط على إسرائيل للانسحاب من المنطقة التي احتلتها في جنوب لبنان في آذا مارس1978وتنفيذ القرار الدولي 425.
وفي الجزائر أشار عليه الرئيس الراحل هواري بودمين بزيارة ليبيا لما لها من تأثير في مجريات الوضع العسكري والسياسي في لبنان نتيجة مدّها للكثير من القوى اللبنانية والفلسطينية بالمال والسلاح.
وهكذا كان حيث وجهت ليبيا دعوة للإمام الصدر لزيارتها في 25/8/1978 على أن يغادرها قبل الأول من أيلول سبتمبر.
بدأت زيارة الإمام الصدر في التاريخ المذكور وإنقطعت أخباره من اليوم الأول، ولما تنتهي الزيارة – المأساة!
ينقل الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا في كتابه “الإسلام السياسي في المغرب العربي”(Islamisme en Maghreb) رواية عن قصة إخفاء الإمام الصدر، ولا يذكر مصدرها، والأرجح سمعها خلال تحقيقاته ومقابلاته عن الإسلام السياسي في ليبيا.

تقول الرواية إن اللقاء بين الإمام الصدر والقذافي في آواخر تموز يوليو 1978 كان متوتراً جداً وكان النقاش حاداً بسبب الخلافات الفكرية والسياسية، وأنه في نهاية اللقاء قال القذافي لمعاونيه “إهتموا بالضيف” ففهموا الإشارة خطأ وقاموا بتصفية الإمام ورفيقيه.
ويروي البعض أن النقاش تطرق إلى موضوع الإسلام وأن الإمام الصدر حاجج القذافي في بعض أفكاره الشاذة وتأويلاته المنحرفة وأعلن رفضه لها، الأمر الذي أغضب القاذفي فقرّر الانتقام منه.
وعلى الرغم من محاولات القذافي الحثيثة لتضليل التحقيق اللبناني والادعاء بأن الإمام الصدر ورفيقيه قد غادروا الأراضي الليبية باتجاه العاصمة الإيطالية روما، وأنه لم يعرف عنهم شيئاً منذ مغادرتهم، إلا أن تحقيقات السلطات اللبنانية والإيطالية قد أثبتت كذب هذه الادعاءات وأكدت عدم مغادرة الإمام الصدر ورفيقيه ليبيا بعد دخوله أراضيها. هذا الأمر أكدته تحقيقات السلطات الليبية مؤخراً بعد سقوط نظام القذافي، من خلال تحقيقها مع عدد من المسؤولين والضباط السابقين.
حاول القذافي ونظامه مراراً إغلاق قضية الإمام الصدر تارة من خلال عرض أموال ورشى على عائلة الإمام الصدر والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة أمل التي كان الإمام الصدر يترأسهما، وتارة أخرى عبر ضغوط على السلطات اللبنانية لوقف مساعيها وملاحقاتها القضائية للنظام الليبي.

إتهام أبو نضال بتصفية الإمام الصدر

في آب أغسطس 2002، أعلن نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز أن زعيم حركة “فتح – المجلس الثوري” الفلسطينية صبري البنا المعروف بـ”أبو نضال” قد توفي في بغداد وقال إنه انتحر في شقته السكنية في بغداد.
ويقال إن أبو نضال مسؤول عن مقتل 900 شخص على الأقل في 20 بلداً مختلفاً من خلال عمليات اغتيال وتفجير وإرهاب وكان مطلوباً للانبربول الدولي وللكثير من أجهزة الاستخبارات الغربية والعربية، وجاء مقتله قبل أشهر من الغزو الأميركي البريطاني للعراق.
الولايات المتحدة رحبت بأنباء وفاة أبو نضال وقالت إن إيواء العراق له يظهر تواطؤ نظام صدام حسين في الإرهاب العالمي.
السؤال هو لماذا تخلص صدام من أبو نضال، هل خشية أن يفضح علاقته بالعمليات الإرهابية المشتركة في حال وقع أبو نضال أسيراً بيد الأميركيين في حال احتلال العراق، الذي كانت واشنطن تحضّر له منذ 2002، على غرار أبو العباس، زعيم “جبهة التحرير الفلسطينية” الذي أسرته القوات الأميركية في بغداد وقالت لاحقاً إنه توفي في السجن.
أم أن صدام حسين أراد تقديم خدمة للقذافي بالتخلّص من “أبونضال” الذي وصفه أحد الكتاب الغربيين بأنه “بندقية للإيجار” يعمل أجيراً لأنظمة دكتاتورية عربية في تنفيذ اغتيالات وتفجيرات إرهابية.

لكن ما علاقة أبونضال بالقذافي وبقضية الإمام الصدر؟

المعروف أن أبو نضال كان يقيم لفترة طويلة في ليبيا ويعمل في خدمة مخطات القذافي الإجرامية والإرهابية، ولما إشتد الحصار على النظام الليبي وأراد تنظيف صفحته مع الغرب، طلب منه المغادرة فإنتقل ابو نضال إلى بغداد. وبعد مقتله سارع سيف الإسلام القذافي، إلى الإعلان أنه لايستبعد تورط صبري البنا (ابو نضال) في قضية اختفاء الامام وسى الصدر، حين كان في زيارة الى ليبيا نحو 24 عاماً، زاعماً أنه تم العثور في سكن أبو نضال إبان اقامته في ليبيا، على جثث لأشخاص قام بقتلهم.
وقد نفى سيف الإسلام “أي مصلحة” لنظام والده في “إخفاء الصدر أو قتله”، وقال إن “هناك جهات أخرى كثيرة لها المصلحة في ذلك، كالموساد أو مجموعات فلسطينية”.
وهكذا حاول النظام الليبي الترويج لهذه الفرضية بأن أبو نضال قد يكون المسؤول عن إختفاف الإمام الصدر وتصفيته، لكنه بذلك أكد أن الإمام الصدر لم يغادر الأراضي الليبية وأنه بقي فيها بخلاف المزاعم الليبية السابقة!
ولا يستبعد أن يكون أبنضال قد قام بتنفيذ عملية الاختطاف لحساب القذافي آنذاك، ولكن المسؤولية تقع على النظام الليبي أولاً وأخيراً.
وقد ذكر سفير ليبيا الأسبق في الأمم المتحدة عبدالرحمن شلقم بعد انشقاقه عن القذافي عام 2011 وأنه يميل الى فرضية أن صبري البنا “أبو نضال” “قتل الإمام الصدر وأخفاه”، مشيرا الى أنه اكتشفت في ليبيا عشرات الجثث مدفونة في الفيلا التي كان يسكن فيها أبو نضال.
لكن مسؤولين ليبيين آخرين إنشقوا عن القذافي زعموا أنهم سمعوا أن القذافي قد أمر بتصفية الإمام الصدر ورفيقيه فور احتجازهم حيث تم دفنهم في الصحراء الليبية قرب مدينة سبها.

التحقيقات الليبية الأخيرة

زار وفد قضائي ليبي العاصمة اللبنانية بيروت مؤخراً حيث أجرى اجتماعات مع مسؤولين لبنانيين، ابلغ السلطات اللبنانية أن السلطات الليبية باشرت لأول مرة تحقيقاً جدياً في قضية الإمام الصدر ورفيقيه. وأشارت السلطات الليبية أنها حددت الشخصين الليبيين اللذين انتحلا صفة كل من السيد الصدر والشيخ يعقوب للتوجه من ليبيا إلى إيطاليا عام 1978 وأن أحد المشتبه فيهما موقوف لدى السلطات الليبية الجديدة، فيما يعيش الآخر قيد الإقامة الجبرية، ما يؤكد أن السيد الصدر ورفيقيه لم يغادروا ليبيا.
أحد أهم الخيوط التي كشف عنها تتمثل في أن بعض المشتبه فيهم فروا إلى خارج ليبيا، وهؤلاء يملكون المعطيات الأكيدة، وبعضهم لجأ إلى دول عربية وأخفى مكان إقامته.
كما كشف الوفد الليبي معلومات متضاربة عن أن السيد الصدر كان حياً لغاية عام 1994، ومعلومات أخرى تفيد بأنه كان لا يزال حياً خلال بدء الثورة الليبية في شباط فبراير 2011.
رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي قبل حله مؤخرا مصطفى عبدالجليل قال في حوار مع قناة “العربیة” أن التحقيقات التي أجراها القضاء الليبي في ظروف اختفاء الإمام الصدر ورفيقيه انتهت، وننتظر من اللبنانيين إعلان نتيجة فحص الحمض النووي لعيّنة من الجثمان الذي نعتقد أنه للإمام الصدر وقد زوّدناهم بها”.

وكان المتحدث الرسمي بإسم الحكومة الليبية ناصر المانع قد أعلن قبل ذلك بأسابيع أنه تم العثور في مقبرة في منطقة تاجوراء على رفات يُحتمل أن تكون للإمام الصدر وأنها نقلت إلى أحد مستشفيات العاصمة طرابلس لإجراء فحوص الحمض النووي عليها.
لكن وزير الخارجية والمغتربين اللبناني عدنان منصور نفى ما أعلنه عبد الجليل. وقال: “إن هذا الخبر غير دقيق، وليس هناك من قرينة حاسمة حول دقّة المعلومات”.

url
اللجنة الرسمية لمتابعة قضية إخفاء الإمام الصدر ورفيقيه ردت بدورها على كلام عبدالجليل، وأوضحت أن “الجانب اللبناني لم يتسلم عينة من أي جثة”.
وأشارت الى أنها “وافقت على تلبية طلب الجانب الليبي وحضرت عملية نبش لقبر جماعي وأخذ عينات من جثة يعتقد المحققون الليبيون أنها قد تعود للصدر، واستلمت أغراضاً وثياباً قيل إنها قد تعود له” وأكدت أنه “تم تكوين الملف العلمي بتجاوب كامل من عائلة الإمام، ومن ثم أجريت الفحوص والمقارنات مع الأغراض والثياب فكانت النتيجة سلبية، أي أنها لا تعود لسماحته”.

أما بالنسبة لعينات الجثة، فقد أكدت اللجنة أن الجانب الليبي نقلها لإجراء الفحوص بشأنها في دولة أوروبية ووافق الجانب اللبناني على الحضور وإجراء المطابقة في تلك الدولة، “مع العلم أن الفحوصات الأولية بيّنت أن الجثة لا تعود للصدر، خاصة لجهة الطول والعمر”.
وهكذا لا يزال الغموض يلف قضية الإمام الصدر منذ اختطافه إلى ما بعد مقتل القذافي وسقوط نظامه، وإن كانت أسباب إخفاء القذافي للإمام الصدر مجهولة فإن محاولاته لتضليل التحقيق مفهومة، أما محاولات النظام الليبي الجديد لإنهاء القضية كيفما كان فهي غير مبرّرة وغير مفهومة!

سقوط التسوية ووهم السلام مع إسرائيل

د. هيثم مزاحم

 

بعد 23 عاماً على إطلاق مؤتمر مدريد للتسوية السلمية، حيث لم تحقق عملية التسوية، هذه برغم 19 عاماً على اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الإسرائيلي، أي إنجاز للقضية الفلسطينية، على صعيد تحرير الأراضي المحتلة وعودة القدس واللاجئين وقيام الدولة الفلسطينية.
لكن هذه المفاوضات أتاحت الوقت والإمكانات للكيان الإسرائيلي لفرض وقائع جديدة على الأرض من تهويد مستمر للقدس ومن قضم لأراضي الضفة الغربية، وتوسّع المستوطنات، إلى بناء الجدار الفاصل، وتدمير قطاع غزة، وتهجير الفلسطينيين من فلسطين. ولعل من المفيد تشريح رؤية قطبي السياسة الإسرائيلية للتسوية السلمية وللكيان الفلسطيني المستقبلي، أي حزبا العمل والليكود، وكذلك معرفة رؤية اليسار الإسرائيلي الذي يعرف “بمعسكر السلام”.

Illusion

 

مسائل الخلاف بين الحمائم والصقور في حزب العمل

دأبت وسائل الإعلام الإسرائيلية على إطلاق نعوت على السياسيين في إسرائيل مثل “الحمائم” و”الصقور” من أجل تصنيفهم تبعًا لمواقفهم تجاه عمليّة التسوية السلمية مع الفلسطينيين والعرب. ولكن استعمالنا لهذه النعوت تهدف فقط إلى تمييز المتطرّف عن الأقلّ أو الأكثر تطرّفًا بين الإسرائيليين، من دون أن يعني ذلك تسليمًا منّا بهذا التصنيف.
ولذلك ينبغي الحذر من هذه التصنيفات، إذ غالبًا ما يوصف سياسي ما بأنه “حمائميّ” بسبب مواقفه البراغماتية “المعتدلة” نسبيًّا(مقارنة بتطرف الآخرين)، لكنّه قد يتّخذ فجأة مواقف متشدّدة جدًّا تجعله حكمًا في خانة الصقور المتطرّفين، والعكس صحيح.

وكان المقصود أكثر بجناح “الحمائم” هم ما يعرف بمعسكر “السلام” الإسرائيلي من أحزاب وحركات اليسار، ومن ضمنهم حزب العمل وحركة ميريتس.
وقبل أن نحدّد الفوارق بين “الحمائم” و”الصقور” في حزب العمل الإسرائيلي في الموقف من التسوية، لابدّ لنا من أن نحدّد أوّلاً نقاط الاتفاق بينهما، وهي: السيادة الإسرائيلية الاحتلالية على القدس الموحَّدة، وقضيّة اللاجئين ورفض حقّ العودة، ولاعودة إلى حدود العامِ 1967، ولا ضمّ كاملاً للمناطق، والسعي وراء ضمّ مناطق معيّنة من الضفّة الغربيّة، بما في ذلك المستوطنات الموجودة فيها (القدس وغوش عتسيون وأجزاء معيّنة في منطقتَي طولكرم وقلقيلية)، واعتبار نهر الأردن وشمال غرب البحر الميّت حدًّا أمنيًّا للكيان إلاسرائيلي، والموافقة على كيان فلسطيني يضمّ المناطق المزدحمة بالسكان الفلسطينيين، وانسحاب ما من الجولان على أساس حلّ وسط مع ترتيبات أمنية شماليّة وتطبيع العلاقات.

أمّا نقاط الخلاف بينهما فتنحصر في:
1- طبيعة الكيان الفلسطيني الذي سينشأ، إذ كان الصقور يعارضون حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني في دولة مستقلّة، ويدعون إلى كيان فلسطيني يقوم على علاقة اندماجية أو فيديرالية مع الأردن (أو ربّما مع إسرائيل ضمن إطار صيغة ما).
بينما لايعارض “الحمائم” خيار الدولة الفلسطينية في المناطق التي ستجلو إسرائيل عنها.
2- وبينما يكتفي الحمائم بضمّ إسرائيل للقدس الشرقية بحدودها البلدية المعيّنة بعد الاحتلال فورًا والمناطق المذكورة آنفًا، يطالب الصقور بضمّ “مناطق واسعة تشمل القدس الكبرى ومنطقة غوش عتسيون وغرب قضاء نابلس وغور الأردن وشمال غرب البحر الميّت. وتبلغ مساحة هذه المناطق المقترح ضمّها 20%-25% من إجماليّ مساحة الضفّة الغربية، وتضمّ جميع المستوطنات الكبيرة ونحو 70% من المستوطنين”.
3- وبالنسبة إلى المستوطنات؛ يدعو “الحمائم” إلى التخلّي عن المستوطنات في المناطق التي ستنشأ الدولة الفلسطينية فيها وترحيل المستوطنين إلى “إسرائيل”، أو “التخلّي عن المستوطنات الصغيرة، الواقعة في مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية، والسعي وراء بقاء المستوطنات الكبيرة تحت السيادة الفلسطينية، مع ضمان أمنها وتخيير المستوطنين فيها بين البقاء والرحيل إلى إسرائيل”.
أمّا الصقور فيعارضون التخلّي عن المستوطنات الكبيرة، ويسعَون وراء المستوطنات الصغيرة تحت السيادة الفلسطينية مع ضمان أمنها.
أمّا التحوّل الذي طرأ على نظرة الحمائم فقد تمثّل في قبولهم بتوسيع المناطق التي ينبغي السعي وراء ضمّها إلى إسرائيل، بحيث تشمل منطقة القدس الكبرى والمستوطنات الكبيرة كافّة، بالإضافة الى المناطق الأخرى التي يوافقون على ضمّها.
ويفسّر الكاتب الإسرائيليّ عوزي بن زيمان هذا التغيّر بسبب ما لمسوه من استعداد لدى بعض المفاوضين الفلسطينيين لقبول هذه الفكرة من جهة، وإلى ما حقّقته سياسة اسحاق رابين في التمهيد لوجهة نظر الصقور على أرض الواقع من خلال استيطان مكثّف وربط بين المستوطنات. حتّى أن شمعون بيريز فكّر بالعودة إلى مشروع الحلّ الوظيفي خلال فترة حكمه، لكن العمليات الاستشهادية الفلسطينية قد وضعت حدًّا لهذا التوجّه في الحزب حيث أقرّ الحزب في برنامجه الأخير مبدأ الفصل بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي في كيانَين منفصلَين، وهو يؤكّد عودة الحزب بزعامة باراك إلى الحلّ الإقليمي الوسط.
وهكذا نجد أنه نتيجة لهذه التحوّلات في وجهتَي نظر الحمائم والصقور، فقد أصبحت الفوارق بين الطرفَين غير جوهريّة، ما أدّى إلى تلاشي هذَين التيارين بفعل وحدة موقف حزب العمل.

الفوارق بين حزبي العمل والليكود

إذا كانت المبادئ الصهيونية الأساسية هي القاسم المشترك بين جميع الأحزاب الإسرائيلية (باستثناء بعض الشيوعيين والأحزاب العربية)، فإن الخلافات بينها تنحصر في المسائل التالية: طابع الدولة (علماني أو ديني) وشكل النظام الاقتصادي (اشتراكي أو مختلط أو ليبرالي) وحدود الكيان (إسرائيل الكبرى أو حدود الخطّ الأخضر 1948- 1949 أو ما بينهما)، وتسوية القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي.
ويمكن حصر الخلافات بين قطبي السياسة الإسرائيلية، أي حزب العمل وتكتّل الليكود بالمسائل التالية: الدولة الفلسطينية، وحدود الكيان الإسرائيلي ومصير المناطق المحتلّة العامَ 1967 ومصير المستوطنات الإسرائيلية، والتسوية مع سوريا ومسألة الانسحاب من الجولان، وعودة النازحين العامَ 1967. وقد رأينا آنفا موقف حزب العمل من هذه المسائل والخلافات داخله حولها بين تيارَي الحمائم والصقور، ويبقى أن نعرض مواقف الليكود منها:

1- بالنسبة إلى حدود الدولة فإن أيا من الحزبين لم يعلن خلال حكمه أو في برامجه حدودَ “إسرائيل” الجغرافية-البشرية. وذلك لأنَّ الحدود في الاستراتيجية الصهيونية تقرّرها الحقائق على الأرض، المتمثّلة في مناطق الاستيطان من جهة، وموازين القوى السياسية والعسكرية خلال المفاوضات من جهة أخرى. وهذا أحد أسباب عدم وضع دستور مكتوب وثابت للكيان الإسرائيلي كي لا يقيّد المشروع الصهيوني التوسّعي.
وإذ يرفض حزب العمل فكرة الضمّ الكلّي للمناطق المحتلّة العامَ 1967، فإن الليكود يدعو إلى ضمّ الضفّة الغربية (يهودا والسامرة)، ولاسيّما منطقة القدس الكبرى بحدودها الموسّعة ومناطق المستوطنات الكبيرة والصغيرة كلّها إلى السيادة الإسرائيلية.

2- يعارض الليكود قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزّة، ويعارض الانسحاب الإسرائيلي من معظم أجزاء الضفة الغربية، ويرفض كذلك وقف الاستيطان في منطقة القدس والمناطق المجاورة لها في الضفة الغربية، وذلك من أجل خلق أمر واقع يمنع التنازل الإسرائيلي عنها. ويرى الليكود أن حلّ المشكلة الفلسطينية يكون في إدارة ذاتية للسكّان في المناطق المحتلّة تحت السيادة الإسرائيلية، وربّما عبر الحلّ الوظيفيّ القائم على تقاسم السلطات مع الأردن في إطار تسوية دائمة. أمّا مشكلة اللاجئين والنازحين فيرفض الليكود البحث فيها إذ يرى أنه ينبغي حلّها ضمن نطاق الدول العربية.

3- أمّا بالنسبة إلى التسوية مع سوريا فيطرح الليكود مبدأ السلام مقابل السلام رافضًا الانسحاب الإسرائيلي من هضبة الجولان، وداعيًا إلى استمرار خضوعها للسيادة الإسرائيلية التي أقرّها الكنيست العامَ 1981.

4- ويختلف الحزبان في موقفهما من الاستيطان، إذ كان حزب العمل يركّز على الاستيطان الأمني في المناطق غير المأهولة بكثافة سكّانية فلسطينية، والتي يسعى وراء ضمّها إلى الكيان إلاسرائيلي لاحقًا.
بينما لايفرّق الليكود بين الاستيطان الأمني أو السياسي أو الأيديولوجي، فكلّ أراضي فلسطين هي “أرض إسرائيل التاريخية” ولليهود حقّ في استيطانها بدون مراعاة للعامل الديموغرافي أو الأخلاقي، أو للمعارضة الدولية والعربية والفلسطينية لهذا الاستيطان غير الشرعيّ.
أمّا حزب العمل فرغم تمييزه بين الاستيطان الأمني والاستيطان السياسي، فإن حكومات العمل أو الحكومات التي شارك فيها جمّدت إستمرّت في استكمال الغالبية العظمى من المستوطنات المسماة سياسية، إضافة إلى المستوطنات الأمنية التي واصل بناءها في منطقة القدس الكبرى وعلى امتداد “الخطّ الأخضر”.

5- ويتّفق الحزبان العمل والليكود على اعتبار مدينة القدس “العاصمة الأبدية لإسرائيل، والتي لاتتجزّأ”، وعلى ضمّ منطقة القدس الكبرى مناطق حيوية لأمن إسرائيل في الضفة الغربية، ولا سيّما المستوطنات الكبرى في المناطق غير المأهولة بكثافة عربية، واعتبار نهر الأردن حدًّا أمنيًّا لإسرائيل.
كما يتّفقان على عدم عودة لاجئي العامِ 1948 إلى قراهم، وعلى تجريد الكيان الفلسطيني من السلاح ومنع أي جيش أجنبيّ من عبور غرب نهر الأردن.

6- وعلى الرغم من وجود بعض الخلافات السياسية والفكرية بين الحزبَين فإنها ليست خلافات جوهرية، ذلك أن معظم الخلاف بينهما هو في الصراع على السلطة، وفي أساليب تحقيق المشروع الصهيوني، وقراءة الظروف الدولية والإقليمية الملائمة لتنفيذ مراحل المشروع، وتقدير الأخطار المتوقّعة من جرّاء مشروع “إسرائيل الكبرى”.
فحزب العمل بمختلف قادته واتّجاهاته يؤمن بأن أرض إسرائيل التاريخية (الكبرى) تشمل كلّ فلسطين (والأردن)، لكنّه يرى أن الظروف لاتسمح باحتلال كلّ هذه الأراضي وضمّها إلى إسرائيل، وذلك لآثار الوضع الديموغرافي والأخلاقي على فرادة الدولة اليهودية ونقائها في حال ضمّ مليون ونصف مليون مقيمين في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وفي تحوّل إسرائيل إلى دولة عنصريّة وغير ديمقراطية شبيهة بدولة جنوب إفريقيا سابقًا، أي حكم الأقليّة اليهودية بقوّة السلاح للأغلبية العربيّة.
وإذا كان الجانب الأخلاقي لايهمّ كثيرًا قادة حزب العمل أو الليكود، فإن تحوّل “إسرائيل” إلى دولة ثنائية القومية هو ما يشكّل خطرًا مستقبليًّا عليها.
لذلك يختلف حزب العمل مع الليكود في رؤيته بضرورة التسليم بهذه الحقائق، ولاسيّما بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية العامَ 1987، حيث تبيّن أنه لم يعد في الإمكان إنكار حقيقة وجود الشعب الفلسطيني، بل من الأجدى الاعتراف به وبحقّه في تقرير المصير في دولة فلسطينية محدودة السلطات وفي أقلّ قدر ممكن من الأراضي. لأنّ هذه الفرصة التاريخية قد لاتسنح مجدّدًا لإسرائيل، وربّما تتغيّر الظروف الدولية والإقليمية، الأمر الذي قد يفرض عليها القبول بتسوية تتطلّب تنازلات أكثر.

7- لعلّ أبرز دليل على توافق الحزبَين على معظم القضايا الأساسية هو ائتلافهما في حكومة مشتركة مرّات عدّة (1967-1969 و1984-1990) واستعداد بيريز للاشتراك مع نتنياهو في حكومة وحدة وطنيّة العامَ 1996 واشتراك وزراء من حزب العمل في الحكومة التي شكّلها آرييل شارون بعد فوزه في انتخابات رئاسة الحكومة الأخيرة في شباط/ فبراير 2001، ومشاركة حزب العمل في حكومة بنيامين نتنياهو، وانضمام بعض القادة من أحد الحزبَين إلى الحزب الآخر(موشي دايان وجماعة بن غوريون انضمّوا إلى الليكود، وعيزرا وايزمان ومجموعته انتقلوا من الليكود إلى حزب العمل، وحركة الطريق الثالث انضمّت إلى حكومة الليكود، وديفيد ليفي إنضمّ إلى قائمة إسرائيل واحدة).

وقد شكا يوسي ساريد قبل انفصاله عن حزب العمل وانضمامه إلى حركة راتس من هذا التماثل الأيديولجي- السياسي بين حزبَي العمل والليكود، إلى درجة وصفه حزب العمل بأنه “الليكود رقم 2”.
ولعلّ انسحاب يوسي ساريد، ومن قبله انسحاب قادة “الحمائم” (شولاميت آلوني وآرييه إلياف وغيرهما) من حزب العمل، ولجوء الحزب إلى الأساليب العدوانية والقمعيّة المتطرّفة ضدّ الفلسطينيين واللبنانيين (مثل العدوان على لبنان في تمّوز 1993، وحرب عناقيد الغضب ومجزرة قانا في نيسان 1996، وحصار المناطق المحتلّة وتجويعها في العامَين 1994 و1995) في أوج عملية التسوية السلمية، هي شواهد ساطعة على سياسة حزب العمل المتطرّفة.
ويذهب الكاتب الإسرائيلي المعارض للصهيونية إسرائيل شاحاك، في مقارنته بين العمل والليكود إلى أنَّ الحزبَين عنصريّان، لكنَّ العمل أكثر عنصريّة، حيث يعامل الليكود أعضاء الحزب العَرَب فيه معاملة متساوية، بينما الأعضاء العَرَب في العمل مفصولون إلى “قطاع عربيّ” عن باقي الحزب. ويعتبر شاحاك أنَّ الخلاف بين الطرَفَين ينحصر في تمسّك الليكود بالاعتقادات الدينية اليهودية بشأن فلسطين، من دون مراعاته للعوامل الخارجية، بينما يراعي حزب العمل في حساباته الظروف الدولية والإقليمية، ويتكيّف معها من أجل تحقيق مصالح الدولة السياسيّة والاقتصادية والعسكرية.
وقد جدد زعيم حزب العمل ووزير الحرب الإسرائيلي، إيهود باراك في مقابلة صحافية نشِرت خلال كانون الثاني/يناير 2009 تأكيد موقف حزبه بأنَّ القدس “هي عاصمة إسرائيل”، وأنه “من أجل الدفاع عن الهويّة والطابع اليهوديَّين لإسرائيل، ثمّة حاجة إلى تسوية تؤدّي إلى إقامة دولتَين للشعبين”. وفي خطابه أمام مؤتمر هيرتسيليا-2010، قال باراك: “إنه إذا لم يتوصّل مع الفلسطينيّين لاتّفاق سلام، فإنَّ دولة إسرائيل ستتحوّل إلى دولة ثنائية القومية أو لدولة عنصرية مثل دول جنوب إفريقيا”.

ومن الناحية الأيديولوجية /السياسية فلايمكن اعتبار حزب العمل يساريًّا، لجهة مواقفه من القضايا الاقتصادية /الاجتماعية، أو لجهة أيّ الشرائح الاجتماعية يمثِّل ومَن هم في الأساس ناخبوه. وصار المختصّون يميلون إلى وضعه في خانة الوسط أو يسار الوسط، ولم يعودوا يرَون فارقًا كبيرًا بينه وبين حزب كاديما مثلاً، الذي يصنِّفُ نفسه حزبًا وسطيًّا. فقد تخلّى الحزب منذ زمن طويل عن المبادئ الاشتراكية، وأصبح يدعو بعبارات عامّة إلى الحثّ على عمليّات التطوير الاقتصادي والنموّ، مع توزيع عادل لثماره على فئات الجمهور كافّة، وذلك من منطلق الإقرار بوجود صلة بين عدم المساواة في توسيع المداخيل وبين النموّ الاقتصاديّ. وفي ما يتعلّق بالعلاقة بين الدين والدولة، يدعو الحزب إلى فصل الدين عن السياسة، وضمان حرّيّة الدين والضمير لجميع المواطنين، ويعلن أنَّه سيعمل على إضفاء الطابع والصبغة اليهوديَّينِ للدّولة على جميع مناحي الحياة، وتعزيز الهوية اليهودية بوسائل تثقيفية بدلاً من القوانين القسرية.

حركة “ميرتس”

أما حركة “ميرتس”، وهي حزب تأسّس قبل انتخابات الكنيست عام 2009 من اتّحاد مجموعة من الشخصيات العامّة البارزة، بينهم رجال قانون، وإعلاميون، وأكاديميون، وسياسيون، مع حزب ميريتس، ويحتلّ في الخريطة الحزبية موقعًا في أقصى اليسار اليهودي.
وكان الهدف من تأسيسه استقطاب وتمثيل الناخبين “الراغبين في تحقيق سلام عادل مع الفلسطينيين والسوريين، والمستائين من مواقف اليمين تجاه العملية السلمية، ومشاريعه الاستيطانية، وسياستها القمعية ضدّ الشعب الفلسطيني، وكذلك من تواطؤ حزب العمل مع اليمين من خلال مشاركته في حكوماته والعمل معه على تنفيذ سياساته”. وقد أمل مؤسّسو الحزب بإعادة الحيوية إلى اليسار المتهالك، وبالحصول على عدد من المقاعد في الكنيست يمكّنهم من التأثير، ولو قليلاً، في السياسات العامّة. لكن نتائج الانتخابات خيّبت آمالهم، إذ لم يحصل الحزب إلا على ثلاثة مقاعد للحزب، أي أقلّ بمقعدَين ممّا حصل عليه حزب “ميريتس” منفردًا في الانتخابات السابقة.

وكان حزب “ميريتس” قد أعلن إثر انضمام حزب العمل إلى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة شارون في ربيع 2001 ومشاركته في القمع الوحشيّ للانتفاضة الفلسطينية، وفي العمل على تقويض الكيان الفلسطيني الناشئ واتفاق أوسلو، أنَّ حزب العمل فقدً أهليته لقيادة “معسكر السلام” وطرح نفسه بديلاً عنه، وسعى وراء تشكيل حزب اشتراكيّ – ديمقراطيّ، مكوَّنٍ منه ومن القوى السياسيّة والمجموعات والعناصر التي لم تفقد الأمل بتحقيق التسوية السلمية بين الفلسطينيّين وإسرائيل. لكن سعيه هذا لم يتكلّل بالنجاح، وكان قصارى ما تمخّض عنه قائمة برلمانية عشيّة انتخابات الكنيست عام 2003 مكوَّنةً من “ميريتس” ومجموعتَين صغيرتين، هما: حركة شاحر(فجر)، التي كان يوسي بيلين أعلن تأسيسها في حزيران/يونيو2002 واختفت كليًّا من الساحة السياسية لتعاود الظهور بعد انسحاب بيلين وياعيل دايان من حزب العمل عشيّة الانتخابات، وحزب الخيار الديمقراطيّ، الذي أسّسه عضوا الكنيست رودمان برونفمان وألكساندر تسينكر(من قادة “اليهود الروس”) بعد انشقاقهما عن “يسرائيل بعلهاي” سنة 1996.

وقد ترأّست شولاميت آلوني حزب ميريتس لدى تأسيسه، وخلَفها يوسي سريد سنة 1996، وأعقبه يوسي بيلين في سنة 2004، ثمّ حاييم أورون الذي انتخب رئيسًا للحزب في سنة 2007، وحافظ على منصبه في الحركة الجديدة ميريتس، وقد شارك الحزب في الحكومة التي ألّفها إسحق رابين سنة 1992، وانتقل إلى المعارضة مع خسارة اليَسار الحكُم في سنة 1996، ليعود إلى المشاركة في الحكومة الموسّعة التي ألّفها إيهود باراك سنة 1999، ومن ثَمَّ إلى المعارضة مرّة أخرى عقب استقالة حكومة باراك سنة 2001.
يقول البرنامج السياسيّ للحركة: “إنَّ المصلحة الرئيسة لدولة إسرائيل هي إنهاء الاحتلال في المناطق(…..) المحتلّة. ويجب أن يتمَّ الانسحاب من المناطق في إطار مفاوضات تؤدّي إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. وعلى إسرائيل أن تتبنّى مبادرة جامعة الدول العربية، التي دلالتها مصالحة شاملة بين العالم العربي وإسرائيل… إنَّ الاحتلال الإسرائيلي للمناطق، وسيطرة إسرائيل على السكان الفلسطينيين فيها، يشكّلان كارثة أخلاقيّة واقتصادية واجتماعيّة وسياسية بالنسبة إلى إسرائيل. وتشكّل الوسائل التي تنتهجها سلطة الاحتلال انتهاكات يوميّة لحقوق الإنسان: عقوبة جماعيّة، اعتقالات إداريّة، إغلاقات، ممارسات مجحفة أخرى عديدة. كما تشكّل المستوطنات القائمة وراء الخطّ الأخضر انتهاكًا للقانون الدوليّ، وتخلق عقبة خطرة تبعد التسوية السياسية..”.

وتؤمن هذه الحركة أن من مصلحة إسرائيل إنهاء الاحتلال للضفة الغربية وقطاع غزة، حفاظاً على الوضع الديموغرافي لإسرائيل وصورتها “الأخلاقية الديموقراطية” المزعومة، وهي تدعو أن تستند التسوية السلمية مع الفلسطينيين إلى: إنهاء النزاع ووقف العنف؛ وحدود دائمة على أساس خطوط 1967، مع تعديلات مقترنة بتبادل مناطق عن طريق اتّفاق؛ وفيام عاصمتين للدولتَينِ في القدس، تعيشان جنبًا إلى جنب؛ وحلّ متّفَق عليه لمُشكلة اللاجئينَ؛ وترتيبات أمنية تمكّن الشعبينِ من العيش بسلام جنبًا إلى جنب. وتعارض الحركة مسار الخطّ الحالي لجدار الفصل بين الضفة الغربية وأراضي 1948، على الرغم من أنها لا تعارض مبدئيًّا إقامة حاجز مادّيّ كحدود دوليّة على “الخطّ الأخضر”. وتدعو ميريتس إلى تفكيك أجزاء الجدار التي تمّ بناؤها وراء “الخطّ الأخضر”. ونظرًا إلى أنه من غير الممكن بناء حاجز في القدس على “الخطّ الأخضر”، تدعو الحركة إلى عدم بناء أي جدار فاصل في المدينة.

أما بالنسبة للتسوية مع سوريا، فترى الحركة أن “لدى إسرائيل مصلحة في توقيع اتّفاق سلام مع سوريا، يلغي تهديدًا عسكريًّا رئيسًا، ويزيل الخوف من حرب مباغتة، كما يمكّن من توقيع اتّفاق سلام مع لبنان. ومن شان الاتّفاق بين إسرائيل وسوريا أن يؤدّي إلى تقليص العلاقة بين سوريا وإيران، إن لم يكن إلى قطعها.
إنَّ قطع العلاقة بين البلدَين يشكّل خطوة مهمّة لحدّ قوّة إيران ونفوذها في الشرق الأوسط، وربّما حتّى في العالم الإسلاميّ بأكمله”.
وتعتبر “ميريتس” أن اتّفاق التسوية مع سوريا يجب أن يقوم على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من هضبة الجولان، بشرط أن يضمن الاتفاق ترتيبات أمنية صارمة، وتأمين تزويد إسرائيل بالمياه، وتطبيع العلاقات بين إسرائيل وسوريا.
ولعل هذه الحركة هي الأكثر “حمائمية” في الكيان “الإسرائيلي”، ولكن نتائج الانتخابات أظهرت أن المجتمع الإسرائيلي يتحوّل عاماً بعد عاماً نحو اليمين واليمين المتطرف، الأمر الذي جعل ما كان يسمّى بـ”معسكر السلام” اليساري يتلاشى وينحصر في هذا الحزب فقط، الذي يتمثل بثلاثة نواب من أصل 120 نائباً في الكنيست. خلاصة القول لقد سقط معسكر اليسار الإسرائيلي وتبخّر وهم “معسكر السلام الإسرائيلي”.

أسس العلاقة الأميركية – الإسرائيلية.. من الرصيد إلى العبء الاستراتيجي

د. هيثم مزاحم

 

لا تزال العلاقة الخاصة والمميّزة بين إسرائيل والولايات المتحدة مسألة يختلف الباحثون في تفسير أسسها وأسبابها. وتتجلى هذه العلاقة في أشكال عدة هي:

1 – التعاون المكثّف على المستويين الحكومي والشعبي بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولا سيما التعاون الإستراتيجي.
2– الدعم الأميركي السخي لإسرائيل في مختلف المجالات الاقتصادية والعسكرية والديبلوماسية والتكنولوجية.
3– الانحياز الأميركي التام لإسرائيل في الموقف من القضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني.

ويمكننا تلخيص التفسيرات المختلفة للعلاقة المذكورة بما يلي:
1 – إسرائيل هي ذخر استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
2 – إسرائيل هي قاعدة إمبريالية أميركية في المنطقة العربية.
3 – تقاطع المصالح الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة.
4 – الولايات المتحدة تشعر بالتزام ديني – أخلاقي تجاه الدولة اليهودية.
5 – اللوبي اليهودي الأميركي قوي جداً إلى درجة تجعله يملي السياسة الأميركية الشرق أوسطية.

يذهب الباحث كميل منصور في كتابه “الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل: العروة الأوثق” إلى أن ثمة تفسيرات مبسطة للعلاقة الخاصة بين إسرائيل وأميركا تجعل من إسرائيل أداة طائعة في يد أميركا أو تجعل من الإدارة الأميركية خادماً للوبي اليهودي. ويلاحظ أن ثمة زعمين جازمين ودقيقين هما:
– “لو أن دعم إسرائيل لايخدم مصالح الولايات المتحدة، لكانت سياسة الأخيرة مختلفة في الشرق الأوسط.
– لو أن اللوبي الإسرائيلي لم يكن بهذه القوة، لكانت سياسة الولايات المتحدة مختلفة أيضاً”.
لكن المشكلة –في رأي منصور – هي “أن هذين الزعمين الجازمين – الصحيحين لو أخذنا كلاً منهما على حدة – يحجب أحدهما الآخر. إضافة إلى كونهما غير كافيين لأنهما يعجزان عن شرح كيف وإلى أي حدّ يؤثر اللوبي، أو المصالح الأميركية، على سياسة الولايات المتحدة حيال إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط”.

فمن أجل تحاشي الوقوع في تناقض هذين الزعمين، علينا أولاً البحث عن مكانة إسرائيل في العقيدة الاستراتيجية الأميركية، ومن ثم تحديد مدى مصلحة الولايات المتحدة في روابطها المميّزة مع إسرائيل.
وعلى الباحث الذي يحلّل العلاقة الأميركية – الإسرائيلية ألا يعتبر السياسة الأميركية بالضرورة سياسة عقلانية – نفعية (براغماتية) متماسكة منطقياً، لا يشوبها الخطأ.وفي الواقع لا وجود لعقيدة استراتيجية أميركية ثابتة ومحددة، بل هي تنشأ وتتبلوّر مع الوقت، وقد تخضع لتغيّرات تبعاً للمعطيات والظروف السائدة. كما أنها تتأثر بالدرجة الأولى بالآراء الخاصة لصانعي القرار، وبمواقف الشخصيات والهيئات السياسية والأكاديمية المقدّرة أراؤهم لدى النخبة الأميركية الحاكمة.
قبل تحديد مكانة إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، ينبغي الرجوع قليلاً إلى بداية العلاقة الأميركية – الإسرائيلية لإدراك الأسس التي قامت عليها والبحث في دوام صلاحيتها راهناً.

أ – جذور العلاقة الأميركية – الإسرائيلية
تعود العلاقات الأميركية – الصهيونية إلى ما قبل تأسيس الكياه الصهيوني في فلسطين عام 1948، أي إلى بداية القرن التاسع عشر حيث لعبت الحركات البروتستانتية البيوريتانية (التطّهرية) Puritanians دوراً كبيراً في تهيئة الأرضية الملائمة لنشاط الحركة الصهيونية اليهودية في الولايات المتحدة. وتدعو هذه الحركات – التي أطلق عليها البعض تسمية “الصهيونية المسيحية” أو “الصهيونية غير اليهودية” – إلى إعادة توطين اليهود في فلسطين وبناء وطن قومي لهم فيها لاستعادة “مملكة إسرائيل” لكي تظهر مملكة المسيح”، لأن تلك نبوءة تسبق العودة الثانية للمسيح المنتظر.وقد جرى تسييس هذه الرؤية الدينية بحيث اعتبرت إسرائيل الواردة في العهد القديم، هي إسرائيل الواجب إنشاؤها في فلسطين. وهكذا بدأت الحركات البيوريتانية بتعبئة الرأي العام الأميركي بهذه المعتقدات الصهيونية إذ جرت عملية استعارة للأسماء العبرية وأطلقت على أبنائهم ومستوطناتهم الأولى في الولايات المتحدة الأميركية. واعتبر البيوريتانيون أنفسهم “العبرانيين الحقيقيين” وسمّوا أنفسهم “أطفال إسرائيل في طريقهم إلى الأرض الموعودة”،ثم قاموا بإرسال بعثات استكشاف إلى فلسطين، ثم بدأوا بإقامة المستوطنات اليهودية الأولى فيها، منذ منتصف القرن التاسع عشر.
وكان الرئيس الأميركي جون آدامز (1767 – 1848) قد دعا إلى استعادة اليهود وطنهم، في رسالته إلى صديقه الكاتب اليهودي مانويل نوح عام 1818، وقال فيها: “أتمنى ان أرى ثانية أمة يهودية مستقلة في يهودا”. وقد بذل القس وليام بلاكستون جهوداً كبيرة من أجل الحركة الصهيونية، إذ أسس عام 1887 في شيكاغو منظمة سماها “البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل” اعتبرت أول “لوبي” لمصلحة الصهيونية السياسية.
ولعل أبرز نشاطات بلاكستون هذا، هو جمعه لتواقيع 413 شخصية أميركية على عريضة قُدمت إلى الرئيس الأميركي بنجامين هاريسون في 5 آذار/ مارس 1891، طالبت الرئيس باستخدام نفوذه لتحقيق مطالب الإسرائيليين بفلسطين كوطن لهم. جرى ذبك قبل نشوء الحركة الصهيونية، عام 1897، بأكثر من ست سنوات. في موازاة ذلك، قام ديبلوماسيون أميركيون في الشرق الأوسط بحض الحكومة العثمانية على توطين اليهود في فلسطين. ويُعتبر الرئيس الأميركي ولسون أحد أكثر الرؤساء تأثراً بالصهيونية نظراً لتربيته المسيحية الإنجيلية حيث كان يرى أنه يتوجب عليه تحقيق رغبة الرب في إعادة الأرض المقدسة إلى شعبها اليهودي. من هنا كان تأييده الكامل لوعد بلفور الذي نص على إعطاء وطن قومي لليهود.
وفي العام 1922، صادقت الحكومة والكونغرس الأميركيان بصورة نهائية على وعد بلفور. كما قامت الحركات المسيحية الصهيونية بإنشاء منظمات ولجان مهمتها “الدفاع عن قضية الوطن القومي اليهودي”، فتولّت التنسيق مع المنظمات الصهيونية اليهودية الأميركية في ممارسة الضغوط السياسية على الإدارة الأميركية من أجل إقامة دولة يهودية في فلسطين.أثمرت هذه الضغوط بموافقة الرئيس الأميركي هاري ترومان على خطة تقسيم فلسطين، في خطبته الشهيرة في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر 1946.

ب – المعارضة الأميركية لقيام إسرائيل
عارض الأميركيون في البداية مشروع تقسيم فلسطين خوفاً من أن تتحول الدولة اليهودية (ذات الأغلبية الساحقة من المهاجرين اليهود الروس) إلى دولة حليفة للمعسكر السوفياتي، وخشية أن يصبح الدعم الأميركي للصهاينة عائقاً أمام مصالح الولايات المتحدة النفطية في المنطقة.
ويقول في هذا الصدد الرئيس ترومان في مذكراته أن وزير الخارجية جيمس بيرنز ووزير الدفاع جيمس فورستال وموظفي وزارة الخارجية الآخرين “كانوا جميعاً بدون استثناء تقريباً يعارضون فكرة الدولة اليهودية. فلقد (كانوا)… يرون ضرورة تهدئة العرب بسبب وفرة أعدادهم وسيطرتهم على مثل هذه الكمية الضخمة من الموارد النفطية”.
وقد حاول بعض موظفي وزارة الخارجية وبعض شركات النفط الأميركية – ولا سيما شركة “أرامكو” – تصويب سياسة الإدارة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية خشية من تأثير تلك السياسة على امتيازات الشركات النفطية في الدول العربية، وبالنتيجة على المصالح الاقتصادية الأميركية.
وتبرز في هذا المجال الاتصالات التي قام بها كل من لوي هندرسون (مسؤول شؤون أفريقيا والشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية) والعقيد وليام إدّي (مساعد وزير الخارجية الأميركي). وقد ترك الأخير منصبه وعُيّن مستشاراً لشركة “أرامكو”. وقد ركّز في رسائله إلى وزارة الخارجية الأميركية على عواقب تقسيم فلسطين إلى دولتين على الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي على المصالح الأميركية فيها.
كإن إدّي – على غرار كثيرين في وزارة الخارجية الأميركية و”أرامكو”– يرى في الانحياز الأميركي لليهود على حساب العرب في فلسطين فرصة سانحة لدخول السوفيات إلى المنطقة تحت حجة مساندة العرب.
لكن ضغوط اللوبي الصهيوني على الإدارة الأميركية، وعلى الرئيس ترومان بالذات، كانت أقوى بكثير من المساعي الخجولة للشركات النفطية لمنع تقسيم فلسطين. بل إن شركة “أرامكو” تفاعست عن العمل الجدي لمصلحة القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة خشية من أن يؤدي إغضاب الصهيونية إلى خسارة ممكنة في مداخيلها من السوق المحلية.
وقد ذهب غوردان ميريام (مساعد المدير المسؤول عن شؤون أفريقيا والشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية آنذاك)، في تفسيره للسياسة الأميركية المنحازة لإسرائيل والمضرّة بالمصالح الأميركية، إلى كون هذه السياسة هي “في الأساس سياسة إسرائيلية مقيّدة تُمارس من خلال اللوبي الصهيوني” الموجود في الولايات المتحدة. ويكشف ميريام في رسالته الموجهة إلى رئيس الطاقم السياسي في الوزارة في 18 آذار/ مارس 1949، أن وزارة الخارجية الأميركية قد رسمت سياسة سليمة تجاه فلسطين لكنها لن تستطيع “الحصول على إقرار السلطات العليا لها في الظروف الراهنة وحتى لو حصلت على ذلك، فإنها سرعان ما تتغير بمجرد أن يشعر الصهاينة بقدرتهم على التأثير إعلامياً عليها”.
ويذكر الباحث الأميركي إيرفين أندرسون – في دراسته الأكاديمية حول شركة “أرامكو”– أنه “منذ العام 1937 والشركات النفطية تحذّر وزارة الخارجية الأميركية من أن دعم الأخيرة للصهيونية سوف ينفّر (الملك السعودي آنذاك) عبد العزيز (ابن سعود) وقد يسفر عن تدمير الموقع السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وخسارة الامتيازات النفطية في المملكة العربية السعودية”. لكنه يعتبر أنه “في العام 1947 بات معظم المسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية مدركين لحقيقة وجود هذه المشكلة الاستراتيجية بحيث لم تعد هناك حاجة لممارسة الضغوط الخاصة”.
وقد أكد إيفان م. ويلسون، الرئيس الأسبق لمكتب فلسطين(1942 – 1948) في وزارة الخارجية الأميركية، في كتابه “القرار بشأن فلسطين”، هواجس وزارة الخارجية الأميركية آنذاك بشأن إضرار السياسة الأميركية المنحازة إلى اليهود بالعلاقات مع العالم العربي.
ولعلّ معارضة مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية – بمن فيهم وزير الخارجية جورج مارشال – لقيام دولة يهودية في فلسطين لما في ذلك من خطر على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية في الشرق الأوسط، تُبيّن لنا أن العلاقة الأميركية – الإسرائيلية لم تقم على أسس استراتيجية وعقلانية – براغماتية بل إن قيام الرئيس ترومان بتخطي كل هذه الحقائق وتأييده لتقسيم فلسطين طمعاً بتأييد اليهود الأميركيين له في الانتخابات الرئاسية، يظهر مدى تأثير العامل الداخلي في السياسة الأميركية حيال إسرائيل والشرق الأوسط.

ج – مسار العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل

1 – صنع دور استراتيجي لإسرائيل (1948 – 1973)
منذ قيام الكيان الصهيوني في فلسطين ركز اللوبي اليهودي جهوده على الكونغرس لأن بيده مفتاح الخزينة الأميركية، وأدرك أنه من أجل ضمان تأييد الكونغرس لإسرائيل، لا بدّ من إيجاد حجة مقنعة له تكون إلى جانب التنظيم الفاعل الذي يقوم بتنسيق وتوجيه هذا التأييد.
في البدء، كان اليهود الأميركيون يبرّرون مطالبتهم الكونغرس بتأييد إسرائيل بالاعتبارات الإنسانية والأخلاقية والأيديولوجية – الثقافية. ثم ما لبثوا أن اكتشفوا أن هذه الحجة سوف تفقد ولو بعد حين – قوة التأثير. لذلك لجأوا إلى ترويج مقولة الدور الاستراتيجي لإسرائيل كحليف يقف سداً منيعاً في وجه المدّ السوفياتي والأنظمة العربية الراديكالية في الشرق الأوسط، ويحمي الخليج [الفارسی] وحقول النفط فيه، كما يقدم مصدراً موثوقاً للمعلومات عن كل المنطقة، لأنه إذا تم تصوير إسرائيل في نظر الرأي العام الأميركي بأنها تقدم خدمات عسكرية واستراتيجية للولايات المتحدة، فإن المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل تصبح مبرّرة كونها تُحقّق مصلحة ذاتية لأميركا فضلاً عن الاعتبارات الأخلاقية، الأمر الذي يضمن استمرار هذه المساعدات.
بدأ النشوء البطيء للعلاقة الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية خلال عهد ترومان الذي برّر دعمه لإسرائيل بخوفه من تغلغل النفوذ السوفياتي في المنطقة عبر هجرة اليهود السوفيات إلى الكيان اليهودي. وجاء في المذكرة السرية المرسلة من وزارة الدفاع الأميركية إلى مجلس الأمن الدولي في 16 أيار/ مايو 1949، والمعنونة بـ”مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في إسرائيل”: “إن أهمية إسرائيل تعود إلى موقعها الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط وإلى دورها في حماية المصالح النفطية الأميركية في الخليج وفي حماية المنطقة الممتدة بين القاهرة والسويس. وكانت هذه المذكرة السرية أساس العقيدة الأميركية (عقيدة ترومان المتعلقة بدور إسرائيل الاستراتيجي) لفترة 1948–1965.
ومع بدء الولايات المتحدة بعملية احتواء الخطر السوفياتي، كانت إسرائيل تمثّل قوة أساسية بالنسبة إليها، لكن الرفض العربي للدولة اليهودية أعاق الدور الإسرائيلي الاستراتيجي. فبسبب خشيتها من إغضاب الدول العربية لم توافق واشنطن (في العام 1950) على طلب إسرائيل التحالف معها، إلا بعد ثورة “الضباط الأحرار” في مصر (يوليو 1952) وتحوّل عدد من الدول العربية إلى التحالف مع الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية. يعتبر “العدوان الثلاثي” عام 1956 نقطة تحوّل بالنسبة لموقف الولايات المتحدة من إسرائيل والمنطقة حيث خشيت واشنطن أن يقوم الاتحاد السوفياتي بملء الفراغ الناجم عن الانسحاب الفرنسي والبريطاني من المنطقة فأقامت إدارة آيزنهاور اتفاقاً أمنياً إقليمياً دخلت فيه إسرائيل للمرة الأولى.
ولم تصبح العلاقة الأميركية – الإسرائيلية متميّزة إلا بعد حرب 1967، حين ظهر تفوّق إسرائيل العسكري على العرب وضعف الدعم العسكري السوفياتي لهم، الأمر الذي جعل بعض الدول العربية تميل إلى التحالف مع موسكو كرد فعل على الانحياز الأميركي لإسرائيل. وقد وظّفت إسرائيل ذلك من أجل نيل المزيد من الدعم الأميركي لها في وجه الأنظمة العربية المتحالفة مع السوفيات.
وكان فريق من الساسة الأميركيين آنذاك يرى في إسرائيل عبئاً على الولايات المتحدة لأن سياسة الأخيرة الموالية لإسرائيل تساهم في التقريب بين العرب والسوفيات، وفي إفساح المجال للتغلغل السوفياتي في المنطقة. ونتيجة للأزمة الأردنية(عام 1970)، التي هددت بسقوط النظام الهاشمي على أيدي الفصائل الفلسطينية التي ساندتها سوريا، أصبحت إسرائيل تُعتبر رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة، وتبنّى البيت الأبيض مجموعة من التوجّهات أبرزها: ضمان قوة إسرائيل الرادعة وتزويدها بالأسلحة اللازمة لذلك، التعهد بعدم إجبارها على القبول بأي تسوية سلمية لا تحظى بموافقتها.

2 –آثار حرب 1973 على العلاقة الأميركية – الإسرائيلية (1973 – 1980)
بعد حرب 1973 أصبحت الولايات المتحدة حريصة على عدم نشوب حرب عربية –إسرائيلية. كما أضحت تعيش هاجس خطرين إثنين هما: تعزيز التحالف العربي – السوفياتي، وتضامن دول المواجهة العربية مع الدول العربية المصدّرة للنفط، الأمر الذي اضطرها أن تأخذ في الاعتبار بعض المطالب العربية، مع الحرص على عدم المساس بقوة إسرائيل وتفوّقها العسكري.ثم بدأت واشنطن باستخدام إسرائيل كقوة “ثانوية” وبالتقرّب من العرب حفاظاً على مصالحها في المنطقة، وذلك عبر ديبلوماسية “الخطوة خطوة” الرامية إلى تحقيق تسوية سلمية للصراع العربي – الإسرائيلي. وكانت الاستراتيجية الأميركية تعتمد على كون الولايات المتحدة البلد الوحيد القادر على انتزاع التنازلات من إسرائيل مع الحرص على إظهار صعوبة هذه المهمة.
وفي العام 1975، اتفق الأميركيون والإسرائيليون على مذكرة تفاهم، أبرز ما جاء فيها: حماية وجود إسرائيل وأمنها، اعتماد خطة طوارئ مشتركة لإمداد الجيش الإسرائيلي في الأوقات الحرجة، عدم تفاوض الولايات المتحدة مع منظمة التحرير الفلسطينية قبل اعتراف الأخيرة بقراري مجلس الأمن الدولي 242 و338. ويعتبر البعض أن هذه المذكرة أظهرت تبعية إسرائيل للولايات المتحدة بشكل واضح وصريح.
وبعد التوقيع على اتفاق سيناء لفصل القوات بين مصر وإسرائيل عام 1975، بدأ أن سياسة “الخطوة خطوة” التي اتبعها وزير الخارجية الأميركي أنذاك هنري كيسينجر قد حققت أهدافها، وباتت التسوية الشاملة مطلباً ضرورياً بالنسبة للولايات المتحدة.
بعد انتخابه رئيساً، اختار جيمي كارتر طاقماً من المساعدين المؤيّدين لفكرة منح إسرائيل الضمانات لقاء دخولها في عملية التسوية السلمية الشاملة. ويرى البعض أن وصف كارتر لإسرائيل بـ”الرصيد الاستراتيجي” كان مجرد كلام، إذ كان كارتر من أنصار التسوية الشاملة التي تقوّي رصيد الولايات المتحدة لدى العرب والتي تضمن إقامة حلف دفاعي أميركي – إسرائيلي قائم على أساس منح الضمانات الأميركية من جانب واحد، في الوقت الذي اعتبر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن المساعدات الأميركية لإسرائيل صفقة رابحة للولايات المتحدة مقابل مختلف الخدمات والمواقف الإسرائيلية.
أصرّت إسرائيل على جعل العلاقة مع الولايات المتحدة على شكل التحالفات الموجودة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). لكن فوز تكتل الليكود بالسلطة عام 1977 كان العامل الأقوى في إسقاط المطلب الإسرائيلي وفي إفشال سياسة كارتر حيال التسوية الشاملة وأفسح اتفاق كامب ديفيد عام 1979 المجال أمام إسرائيل لاستعادة المكانة التي كانت تحتلها لدى الولايات المتحدة قبل العام 1973 (أي الرصيد الاستراتيجي)، في الوقت الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة مستعدة للتوقيع على اتفاق أمني دفاعي مشترك مع الحكومة الإسرائيلية.
وساهم سقوط نظام الشاه في إيران (عام 1979) والمعارضة العربية لكامب ديفيد في تعزيز مكانة إسرائيل لدى الولايات المتحدة حيث تم التوصل إلى مذكرة اتفاق في 26 آذار/ مارس 1979 بين وزيري الخارجية الأميركية سايروس فانس والإسرائيلي موشيه دايان، ولم تتضمن المذكرة أي إشارة إلى حماية إسرائيل من الخطر السوفياتي، بل أكدت على ضمان تدخل الولايات المتحدة في حال الطوارئ وسد حاجات إسرائيل الاقتصادية والعسكرية، واشترطت تطبيق بنود اتفاق السلام المصري – الإسرائيلي(كامب ديفيد). وقد تلخصت سياسة كارتر في تلك الفترة في النقاط التالية:
1 – إيجاد وسيلة لملء الفراغ الذي خلّفه الشاه.
2 – تعزيز الوجود العسكري الأميركي في بحر العرب.
3 – تعزيز الوجود الاستخباراتي الأميركي في السعودية عن طريق طائرتي “الأواكس”.
4 – إعلان واشنطن استعدادها لإرسال جنودها إلى أي منطقة حساسة في الشرق الأوسط.
تجدر الإشارة هنا إلى أن خيار واشنطن أصبح بعد كامب ديفيد خياراً عسكرياً بعد أن كان خياراً ديبلوماسياً تسووياً. وهذا أثّر إيجاباً على وضع إسرائيل بالنسبة إلى استراتيجية الولايات المتحدة حيث شهد تقدماً نحو مستوى “الرصيد الاستراتيجي”. وهكذا تكوّنت عقيدة كارتر المتمثلة في التدخّل لدرء الأخطار الخارجية والإقليمية التي يمكن أن تهدّد مناطق ثلاث: الشرق الأوسط، والخليج{الفارسي}، وكوريا الجنوبية.

3 – التحالف الاستراتيجي وعملية التسوية
بعد العام 1980، تبنّت إدارة ريغان سياسة “التدخّل” وتحوّلت عن السياسة الإقليمية نحو “سياسة عالمية شاملة”، وفضلت اعتبار إسرائيل رصيداً أساسياً لها في الشرق الأوسط مع المحافظة على علاقات حسنة بدول الخليج العربية. وتم توقيع مذكرة تفاهم أميركية – إسرائيلية حول التعاون الاستراتيجي في تشرين الثاني/ نوفمبر 1981. وكان هذا التعاون الاستراتيجي يستهدف العالم العربي لإضعاف الدول العربية والتقليل من أهمية دورها في المنطقة. وقد أدى إلى تقليص الاهتمام بالتسوية السلمية وإعفاء إسرائيل من تقديم التنازلات مقابل التسوية السلمية. كما أدى إلى تعزيز ثقة إسرائيل بنفسها وبتحالفها مع واشنطن، الأمر الذي شجعها على القيام بضرب المفاعل النووي العراقي وضم الجولان السوري المحتل إلى الكيان الإسرائيلي عام 1981، وغزو لبنان ودخول بيروت عام 1982 بتأييد من واشنطن التي كانت ترغب في إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وإجبار سوريا على الانسحاب تمهيداً لإقامة نظام لبناني مركزي وقوي موالٍ لها.
وبعد أن تحوّل لبنان إلى مستنقع خطر غرقت فيه إسرائيل، حاولت الولايات المتحدة التعويض عليها عبر تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين، حيث تم التوقيع على عدد من الاتفاقات الأمنية والعسكرية أبرزها اتفاق التعاون في برنامج “حرب النجوم”. وتوّج هذا التعاون بإعلان الرئيس الأميركي رونالد ريغان في شباط/ فبراير 1987 أن إسرائيل أصبحت في مستوى الحليف الاستراتيجي – غير الأطلسي – في مجال الأبحاث والتطوير.
اقتضت التغيّرات الدولية والإقليمية (ضعف الاتحاد السوفياتي، انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية، التأييد العالمي للانتفاضة الفلسطينية)، من الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب) أن يمارس سياسة براغماتية تلخصت في دعم إسرائيل (عسكرياً واقتصادياً) وحثّ رئيس حكومتها إسحاق شامير على نهج منهج سلمي مع منظمة التحرير الفلسطينية مقابل توفير الضمانات المصرفية اللازمة لإسرائيل. لكن في أواخر عهد بوش حصلت تغيّرات دولية وإقليمية مهمة كانت لها انعكاساتها الخاصة على السياسة الأميركية الخارجية وأبرز هذه التغيّرات:
– تفكك الاتحاد السوفياتي وظهور الولايات المتحدة بمثابة القوة العظمى الوحيدة في العالم.
– بروز العراق كقوة إقليمية واحتلاله للكويت، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تتدخل عسكرياً في حرب الخليج كقوة عظمى معنية بكل الأحداث الإقليمية وكحليف ثابت لإسرائيل، وكدولة حريصة على حماية مصالحها النفطية في المنطقة.
لكن هذا التدخل أظهر الدولة اليهودية بمظهر “الدولة العبء” غير القادرة على رد الهجوم، علاوة على عجزها عن معاقبة الطرف المهاجم، في الوقت الذي ظهرت فيه مصر بمظهر “الرصيد الاستراتيجي” للولايات المتحدة في المنطقة، بسبب مساهمتها في حرب تحرير الكويت. كما أثبتت حرب الخليج عجز إسرائيل عن لعب أي دور استراتيجي في مواجهة الأخطار الإقليمية والدولية مع زوال خطر التدخّل السوفياتي وخطر “القومية العربية”.

غزو العراق وتهديد إيران

تكرّر ظهور إسرائيل بمظهر “الدولة العبء” مع الغزو الأميركي – البريطاني للعراق في آذار/ مارس 2003 وعدم قدرة الولايات المتحدة بالاستعانة بالحليف الإسرائيلي للمشاركة العسكرية في الغزو، بسبب عدم إثارة حساسية العراقيين والعرب، وتصوير الغزو بأنه لإسقاط نظام استبدادي وجلب الحرية والديموقراطية إلى العراق.كما أن مساعي إسرائيل الحالية وضغوطها على الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما وقبل شهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية تؤكد عدم صحة الزعم بأن إسرائيل رصيد استراتيجي للولايات المتحدة بل تظهر أنها عبء استراتيجي، خصوصاً في محاولتها توريط الولايات المتحدة الأميركية بحرب مع إيران قد تدمّر المنطقة والاقتصاد العالمي. وقد كشف زعيم المعارضة الإسرائيليةشاؤول موفاز مؤخراً أن العلاقات بين إسرائيلوالولايات المتحدة تشهد أزمةكبيرة وأنهاستستمر طالماواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتهاج سياسته الحالية بالضغط على الإدارة الأميركية لوضغ “الخطوط الحمراء” أمام المشروع النووي الإيراني.
وكانت إدارة أوباماقد رفضت مراراً وتكراراً كل الضغوط الإسرائيلية لوضع مثل هذه الخطوط الحمر التي تقلّص هامش مناورة الإدارة في تعاملها مع إيران.

4 – خلاصة تقييمية للعلاقة الاستراتيجية
تميزت العلاقة الأميركية – الإسرائيلية في العقود الماضية، بثبات دعم واشنطن السياسي والمالي لإسرائيل وبحرص الطرفين على حلّ كل المشكلات العالقة بينهما. ويمكن القول أن فكرة “ضمان” إسرائيل ظلت قائمة ومحقّقة على الرغم من عدم وجود اتفاقات رسمية بهذا الشأن.
قبل العام 1956، كان على إسرائيل تقديم التنازلات في عملية التسوية السلمية مقابل الحصول على “الضمان” الأميركي. وبعد حرب 1956 باتت إسرائيل تُمثّل القوة المقابلة للناصرية دون أن تبلغ مستوى الرصيد الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة. وبعد حرب 1967 وأحداث الأردن(1970) احتلت إسرائيل مرتبة “الرصيد الاستراتيجي”. لكن حرب 1973 أعادت فكرة “الضمان” المرتبط بالتسوية السلمية إلى جدول أعمال الإدارة الأميركية. وخلال الثمانينات، تميزت العلاقة الأميركية – الإسرائيلية بالتعاون الاستراتيجي العسكري والأمني الذي عزّزته مذكرات الاتفاق الموقّعة من قبل البلدين.
وبعد زوال الخطرين السوفياتي والعراقي، عادت فكرة اعتبار إسرائيل “رصيداً استراتيجياً” إلى موضع الشك والتساؤل، خصوصاً وأن “الخطر الإسلامي” لا يعادل الخطر السوفياتي، الأمر الذي لا يجعل واشنطن بحاجة إلى الاحتفاظ بذات الدور الإسرائيلي الاستراتيجي. وقد عزّز هذا الرأي اهتمام الولايات المتحدة بترتيب نظام إقليمي جديد وانطلاق عملية التسوية العربية – الإسرائيلية.
وإزاء تصاعد قوة الفريق الأميركي الداعي إلى إلغاء فكرة كون إسرائيل رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة وإثارة فكرة كونها عبئاً عليها، شنّ اللوبي اليهودي وفريقه في الإدارة الأميركية حملة مضادة للترويج لدور إسرائيل القديم – الجديد في حماية المصالح الأميركية في المنطقة من الأخطار التي تهددها. وتم اعتبار العراق(قبل الغزو عام 2003) وإيران و”الأصولية الإسلامية” أبرز هذه الأخطار.

د – ميادين التعاون الاستراتيجي الأميركي – الإسرائيلي
يزعم أنصار فكرة “الرصيد الاستراتيجي” وجودخدمات ومزايا إلى الكيان الإسرائيلي، يمكن أن تستفيد منها الولايات المتحدة، هي التالية:
1 – الموقع الجغرافي للكيان لقربه من الخليج،فإسرائيل تعتبر قاعدة استراتيجية يمكن لقوات التدخل السريع الأميركية الانطلاق منها لتنفيذ أي عمل عسكري في الشرق الأوسط.
2 – البنية التحتية المجهزة للتعبئة العسكرية إذ تمتلك إسرائيل أفضل المنشآت العسكرية في المنطقة، وموانئها قادرة على استقبال أضخم السفن وأكثرها تقدماً، ومطاراتها مجهزة لهبوط وإقلاع مختلف أنواع الطائرات إضافة إلى منشآت الصيانة الملائمة للسلاح الأميركي.
3 – القدرات الدفاعية: لإسرائيل قدرة على حماية القوات الأميركية التي تستخدم منشآتها من أي هجوم جوّي أو برّي واسع النطاق.
4 – التجارب، الأبحاث والتطوير، والاستخبارات: لدى الإسرائيليين تجربة حقيقية في ظل ظروف قتالية مشابهة للظروف التي يمكن أن تتعرض لها قوات التدخل السريع الأميركية في المنطقة. وإسرائيل هي التي عرّفت الأميركيين على أسلحة السوفيات وتكتيكاتهم الحربية المستخدمة في الجيوش العربية. ويمكن لمراكز الأبحاث والتطوير الأميركية أن تستفيد إلى حد بعيد من اختبار الجيش الإسرائيلي لها في إقناع البلدان الأخرى بجدوى امتلاك هذا السلاح. كما أن المعلومات الاستخباراتية التي يُزوّد الإسرائيليون بها واشنطن عن العقليات والمفاهيم والأنظمة السياسية لبلدان الشرق الأوسط لا تُقدّر بثمن.
5 – القدرة على التدخل: يزعم أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة أنها تمتلك قدرة على ردع الهجمات غير النووية وقدرات عملياتية عظيمة تجعلها واحدة من دول حلف الأطلسي، وأنها عامل استقرار في منطقة الشرق الأوسط بسبب قوتها العسكرية بمواصفاتها وقدراتها العالية.

المساعدات الأميركية لإسرائيل

دفعت الولايات المتحدة الأميركية ثمناً باهظاً في دعم الكيان الإسرائيلي قدّره الباحث الاقتصادي الأميركي توماس ستوفر عام 2003 بأكثر من ثلاثة تريليونات (ثلاثة آلاف مليار) دولار. وكشف ستوفر، الذي يعمل أستاذاً في جامعتي هارفرد وجورج تاون، في مقالة بعنوان “تكلفة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على دافع الضرائب الأميركي ثلاثة تريليونات دولار”، مجموعة من الحقائق حول التكلفة الحقيقية لتبنّي الولايات المتحدة لإسرائيل منذ نشأتها سواء على مستوى المساعدات المباشرة أو ما تكلفته الولايات المتحدة بسبب سياستها المنحازة دائماً لإسرائيل. ويذكر ستوفر أن هذا الرقم يبقى منخفضاً عن القيمة الحقيقية حيث ظلت نفقات أخرى من دون حساب، ويشير إلى أن حرب عام 1973 كلفت الولايات المتحدة على أقل تقدير 750 مليار دولار إلى تريليون دولار، وتضمن ذلك إنقاذ إسرائيل عندما وافق الرئيس نيكسون على إعادة تزويدها بالأسلحة الأميركية، فبسبب نقص الوقود فقدت الولايات المتحدة نحو 300 – 600 مليار دولار من إجمالي ناتجها القومي. كما تكلّفت 450 مليار دولار أخرى على شكل استيراد نفط بتكاليف أعلى.
وتشير التقديرات الأميركية الرسمية إلى أن إسرائيل حصلت على أكثر من 150 مليار دولار على شكل مساعدات خارجية منذ عام 1949 ولغاية اليوم. هذه المساعدات كانت العنصر الرئيس الذي تم من خلاله إنشاء الكيان الإسرائيلي وتحصينه، وهي التي أمدته بأسباب الحياة، وموّلت له شراء وتطوير الأسلحة وبناء اقتصاد حديث ورفعت مستويات المعيشة فيه بشكل مفتعل لجذب المهاجرين اليهود من مختلف بقاع العالم، وهو ما خلق في النهاية هذا الكيان السرطاني الذي أصبح له وجود على الأرض الفلسطينية من العدم.
وتصل المساعدات الأميركية المباشرة لإسرائيل سنوياً إلى نحو خمسة مليارات دولار غالبيتها مساعدات عسكرية إضافة إلى ضمانات قروض بنحو عشرة مليارات دولار. إذاً فالفضل الأول في بقاء الكيان الإسرائيلي كان للمساعدات الأميركية، وبالتالي فإن للولايات المتحدة تأثيراً كبيراً على الحكومات الإسرائيلية لو أرادت أن تستخدم هذه المساعدات للتأثير عليها.

خلاصة

لا يمكن الاقتصار في تفسير العلاقة الأميركية – الإسرائيلية على تفسير أحادي يضع الحقيقة في عامل واحد وإغفال العوامل الأخرى، بل لعلّ التوفيق بين هذه التفسيرات المتداخلة والمميزة (العامل المصلحي – الاستراتيجي، اللوبي، والهوية الثقافية – الإيديولوجية) ليست دُمية بيد اللوبي اليهودي وهي بإمكانها متى شاء رئيسها أن تفرض إرادتها كما أثبت كل من آيزنهاور (عندما فرض على إسرائيل الانسحاب من سيناء وقطاع غزة عام 1957) وريغان (عندما تحدّى اللوبي بإصراره على بيع الأواكس للسعودية) وبوش (عندما جمّد ضمانات القروض الأميركية لإسرائيل).
وإسرائيل ليست أداةً بيد الولايات المتحدة على الرغم من كون المساعدات الأميركية السنوية لها تفرض عليها شكلاً من أشكال التبعية. ولا يستطيع العامل المصلحي وحده تفسير العلاقة بين الدولتين إذ كثيراً ما تتعارض مصلحة إحداهما مع الأخرى، ويتم الإضرار بالمصالح الأميركية بسبب السياسة المنحازة لإسرائيل، كما لا يمكننا تحميل العامل الثقافي – الأيديولوجي أكثر مما يحتمل، فالمصلحة تسمو على الروابط الأيديولوجية – الثقافية في القضايا الحساسة بالنسبة للولايات المتحدة.
بيد أنه يجب الاعتراف بأن كلاً من هذه التفسيرات قد يكون صحيحاً في فترة ما أو خلال ولاية رئيس وقد يكون خاطئاً في فترة أخرى أو في عهد رئيس آخر. وثمة سؤال هو: هل بإمكان العرب فعل أي شيء لتغيير واقع العلاقة المميّزة جداً بين إسرائيل وأميركا؟ من الوهم الاعتقاد بذلك في المدى المنظور، نظراً لضعف العرب وتفرّقهم وميل معظم الدول العربية إلى التحالف مع الولايات المتحدة وبالتالي تعزيز مكانتها العالمية دون أن يُؤثّر ذلك في تهديد العلاقة المذكورة. فلا التعاون العربي – الأميركي (الذي سبق حتى نشوء الكيان الإسرائيلي، كما في حالة العلاقة مع السعودية)، ولا حتى تشكيل لوبي عربي رسمي في واشنطن، يمكنهما ردم الفجوة الثقافية الموجودة بين العرب والأميركيين. فقط على مستوى عامل المصالح، يمكن للعرب والمسلمين أن يتدخلوا أي عن طريق خلق تناقض بين المصالح الأميركية والمصالح الإسرائيلية والعمل على تعزيز التناقض الموجود. ولعل الحظر النفطي، الذي فرضته الدول العربية على الولايات المتحدة عام 1973 بسبب انحيازها التام لإسرائيل، مثال يمكن الاستناد إليه لإدراك مدى قدرة العرب والمسلمين على التأثير في الاقتصاد الأميركي، وبالتالي في السياسة الأميركية تجاه قضاياهم.

دراسة أميركية: مكاسب وتكاليف أي عمل عسكري ضد إيران

إعداد: د. هيثم مزاحم

نشر مركز ولسون الأميركي للدراسات في أيلول/ سبتمبر 2012 fighters

دراسة بعنوان “تقدير مكاسب وتكاليف العمل العسكري ضد إيران“.

الدراسة أو التقرير هو عبارة عن ورشة عمل شاركت فيها مجموعة كبيرة من الباحيثن والمسؤولين السياسيين والأمنيين السابقين المختصين في الأمن القومي الأميركي، وقع هؤلاء المسؤولون على التقرير كدعم له وذلك كمساهمة منه في تحليل غير متحيّز في نقاش وطني بالغ الأهمية. وقالوا إنه في حين أن البعض منا ساهم في النص، لكننا لا نتفق بالضرورةمع كل نقطة في هذا التقرير المفصل والمهني”. وأضافوا: “ومع ذلك، نعتقد أن هذا التقرير سيساهم فينقاش علمية عام يشكّل تحدياً مهماً للمصالح الأميركية في العالم. نعتقد أيضاً أن هذا التقرير يتسقمع سياسة الولايات المتحدة في مواصلة الضغط على إيران بالترافق مع ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية التوصل إلى حل سياسي، من دون استبعاد استخدام القوة العسكرية”.
ولا تقدم الدراسة أية استنتاجات نهائية أو أية توصيات. لكنها تقدم وصفاً موضوعياً لبعض المتطلبات الأساسيةللتفكير في استخدام القوة العسكرية ضد إيران:الحاجة إلى تحديد أهداف واضحة، وتقييم قدرة الولايات المتحدةالعسكرية لتحقيق تلك الأهداف، وتخطط استراتيجية للخروج، ومن ثم وزن فوائد وتكاليف الخيارات العسكرية.

يوصي موقعو التقرير الشعب الأميركي باعتباره كأساس لنقاش علمي حول مسألة ذات أهمية حاسمةللأمن القومي الأميركي. فهذه الورقة تسعى إلى المساهمة في “فنالمنطق” الديموقراطي، حيث يثير المواطنون الأميركيون في مختلف أنحاء البلاد النقاش بشأن استخدام القوة لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.
أبرز الموقعين على هذا التقرير – الوثيقة هم: نائب وزير الخارجية السابق ريتشارد أريميتاج، السفير نيكولاس بيرنز، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغينيو بريجنسكي، والجنرال أنتوني زيني، والأدميرال جو سيستاك، والأدميرال ويليام فالون، والجنرال غريغوري نيوبولد، والجنرال ستيفن تشيني، والجنرال فرانك كيرني، والعقيد لورنس ولكرسون، والسفير إدوارد دجيرجيان، والسناتورتيموثي ويرث، والسناتور سام نان، والسناتور تشاك هاغل، والسفيرة جيسيكا ماثيوز، والسفير توماس بيكرينغ، وجيمس والش، والسفير فرانك ويزنر، والسفير وليام ميلر، بول فولكر، وجون وايتهيد، والسفير مورتون أبراموفيتش، والسفير دانيال كيرتزر، وآن ماري سلوتر، ولي هاملتون، وليزلي غيلب، ستيفن هاينز، وجوزيف سيرينسيوني، وجيمس دوبينز، وكارلا هيلز.
يقول التقرير “إن رؤساء الولايات المتحدة قد أعلنوا منذ أكثر من عقد أنهم سوف لن يستبعدوا أي خيار من على الطاولة” لمنع إيران من بناء قنبلة نووية، تاركين الباب مفتوحاً للقيام بعمل عسكري ضد إيران في ظل ظروف معينة”.

الغرض من الدراسة

يقول واضعو الدراسة أنه في الوقت الذي غالباً ما تحرك السياسة النقاش حول هذه القضية الحرجة وتعتمد على افتراضات غير مفحوصة حول قدرة العمل العسكري لتحقيق أهداف الولايات المتحدة، فإن هذه الورقة تسعى لتوفير أساس لتفكير واضح عن احتمال استخدام القوة ضد إيران.كتاب وموقعو الدراسة هم من مجموعة من كبار خبراء الأمن القومي، يدركون أن هذا النقاش هو جزء من حديث أشمل عن سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، ولكهم يعتقدون أنه سيكون من المستحيل إجراء تقييم عقلاني لدور القوة العسكرية في أي استراتيجية شاملة تجاه إيران، دون القيام أولاً بتقييم دقيق للفوائد والتكاليف المحتملة للعمل العسكري.
تنطلق الدراسة من مخزون كبير من التحليل والرأي العلميين، كلاهما متاح للجمهور (بما في ذلك تقارير استخباراتية سرية). ونظراً لكمية وثراء البحوث حول العديد من القضايا المعالجة في هذه الورقة، كان على واضعيها تلخيص بعض المناقشات المهمة ذات الاختصاص في التعليقات الختامية، ويشجعون القراء المهتمين للتشاور حول هذه الملاحظات للمزيد من التفاصيل. ويأمل معدو الدراسة أن تساعد رؤيتهم المتوازنة لهذه القضية المشحونة كثيراً القراء في استخلاص استنتاجاتهم العلمية الخاصة بشأن حكمة أي عمل عسكري ضد إيران.

يقول واضعو الدراسة أنهم يدركون أن العمل العسكري ضد إيران يجري التفكير به لأن إيران مسلحة نووياًهو من شأنه أن يشكّل تحديات خطيرة لمصالح الولايات المتحدة والأمن، وكذلك لأمن إسرائيل. ويذهبون إلى أنإيران حاولت مرتين في الماضي توسيع برنامجها النووي سراًفي جهود تم الكشف عنها وتوقفت، وأن إيران هي حالياً في حالة انتهاك لقرارات مجلس الأمن الدولي التي تقتضي منها وقف تخصيب اليورانيوم.

توقيت العمل العسكري وأهدافه

تقول الدراسة إن الولايات المتحدةأشارت إلى أنها مستعدة لتنفيذ “جميع الخيارات”، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية ضد إيران، إذا فشلت العقوبات والدبلوماسية، أوعندما يكون هناك دليل واضح أن ايران قررت صنع سلاح نووي.
فبعد اتخاذ إيران أي قرار لصنع قنبلة نووية، فإنها تحتاج بين شهر وأربعة أشهر لتنتج ما يكفي مناليورانيوم المخصب لبناء جهاز نووي واحد.
أما لصناعة رأس حربي نووي يحمل على صاروخ، فهي تحتاج إلى وقت إضافي يصل إلى سنتين، وفقا لتقديرات متحفظة.
ونتيجة الرصد الواسع والمراقبة المكثفةللأنشطة الإيرانية، فإن الولايات المتحة ستكون قادرة على اكتشاف أي مؤشرات لأي قرار إيراني لبناء قنبلة نووية، والولايات المتحدة سيكون لها على الأقل شهر لتنفيذ مسار للتحرك ضدها.
وفقاً للبيانات الرسمية، فإن الهدف من العمل العسكري الأميركي في هذه النقطة يكون لمنع إيران من تطوير سلاح نووي. ويعتقد واضعو الدراسة أنه من غير المرجح أن يتم تحقيق ذلك الهدف من خلال العمل العسكري الذي يعتمد على ضربات جوية تستتبع بهجمات قراصنة الكمبيوتر، وعمليات سرية، وربما تدخل قوات العمليات الخاصة (كوماندوس).
لقد تم تنظيم الدراسة حول الأسئلة التي ينبغي على قادة ومواطني الولايات المتحدة أن يسألوا أنفسهم عنها عند التفكير في أي عمل عسكري، وهي: في أي أمیركون استخدام القوة مبرراً؟ ماذا ستكون أهداف العمل العسكري؟ هل لدينا القدرة على تحقيق تلك الأهداف؟ ما هي استراتيجيتنا للخروج؟ ما هي الفوائد المحتملة من استخدام القوة العسكرية؟ ما هي التكاليف المحتملة سواء المباشرة أو على المدى الطويل؟

يقول واضعو الدراسة أنه بعد استعراض الكثير من الدراسات حول هذه المسألة المثيرة للجدل، فقد توصلوا إلى الاعتقاد بأن الضربات العسكرية الواسعة من قبل الولايات المتحدة وحدها، أو بالتنسيق مع إسرائيل، يمكن أن تدمر أو تصيب بالضرر الشديدأهم المنشآت النووية الست المعروفة في إيران، وإعادة البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء لمدة تصل إلى أربع سنوات.
وبحسب تقديرات الدراسة فإن توجيه ضربة عسكرية من قبل إسرائيل وحدها يمكن أن يؤخر قدرة إيران على صنع قنبلة نووية لمدة تصل إلى سنتين. ويعتقد معدو الدراسة أن إسرائيل لن يمكنها تكرار نجاح ضرباتها الجراحية ضد المفاعلات النووية في العراق وسوريا، حيث إن المواقع النووية الإيرانية عديدة ومتفرقة على نطاق واسع، وهناك موقع (فوردو) قائم في أعماق الأرض.
وترى الدراسة أنه في أعقاب الهجمات العسكرية الأميركية أو الإسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية، لن يكون هناك أي حل سياسي دائم للتوتر حول البرنامج النووي الإيراني، لأن العمل العسكري سيحدّ من تعزيز احتمالات مثل هذا القرار السياسي، وسوف تحتاج أميركا أو إسرائيل لاستئناف الهجمات في وقت ما في المستقبل.
وتلاحظ الدراسة أن هناك نقصاً ملحوظاً في الإجماع والوضوح في واشنطن حول ما يجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى تحقيقه من خلال أي عمل عسكري ضد إيران.
وأوضح واضعو الدراسة أنهم يعتقدون أن استخدام القوة العسكرية يجب أن يكون الملاذ الأخير ويجب أن يكون مصحوباً بتحليل دقيق للفوائد والتكاليف المحتملة. وأقروا بأن الفوائد المحتملة لعمل عسكري ضد ايران وصفها أسهل من وصف تكاليف مثل هذا العمل، خصوصا التكاليف الطويلة الأجل، التي هي أكثر تكهناً، وتكاليف العواقب المحتملة وغير المقصودة.

الفوائد المحتملة من أي عمل عسكري ضد إيران

تعدد الدراسة الفوائد المتوقعة من أي عمل عسكري ضد إيران:
1- تدمير أو تعطيل أهم المنشآت النووية الإيرانية المعلنة، في ناتانز حيث منشآة تخصيب اليورانيوم، ومنشآت تحويل اليورانيوم في طهران وأصفهان، والمفاعل شبه المكتمل للوقود بالماء الثقيل ومنشآة الإنتاج في أراك والتي يمكن أن تستخدم لإنتاج البلوتونيوم. كما ستتمكن الحملة الجوية الأميركية بصعوبة أكثر من تعطيل أو تدمير منشآة التخصيب في فوردو، والتي بنيت تحت الأرض بعمق مئتين إلى ثلاثمئة متر.
2- تعطيل قدرات إيران العسكرية، بما فيها الدفاعات الجوية، والرادارات، وعناصر القوة الجوية، ومراكز السيطرة والقيادة، وكذلك قدرات إيران الانتقامية، مثل القواعد العسكرية ومنشآت الحرس الثوري الإيراني والقوات البحرية والجوية والبرية الإيرانية. كما ستسهدف الغارات بعض المنشآت غير النووية التي يشتبه بأنها مراكز تطوير أسلحة مثل موقع بارشين.
3- إظهار جدية الولايات المتحدة ومصداقيتها وإثبات لإيران بأن واشنطن حازمة بمنعها من امتلاك قنبلة نووية وكذلك إظهار لحكومات أخرى في الشرق الأوسط بأن الولايات المتحدة قلقة من طموحات إيران في المنطقة وأنها ملتزمة بأمن هذه الدول. كما يمكن أن يؤدي العمل العسكري الأميركي إلى تعطيل سيطرة الحكومة الإيرانية، واستنزاف الخزينة الايرانية، ورفع التوترات الداخلية، على الرغم من أن معدي الدراسة لا يعتقدون أن ذلك سيؤدي إلى تغيير النظام أو انهياره أو استسلامه.
4- المساعدة في ردع انتشار الأسلحة النووية: أي عمل عسكري ضد برنامج إيران النووي سيقلل من احتمالات سعي البلدان الأخرى في المنطقة لحيازة الأسلحة النووية، فالجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية مثل المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر ستشعر بقدر أقل من الضغط لمتابعة برامجها النووية الخاصة.
وتقدر الدراسة أن العمل العسكري الإسرائيلي من جانب واحد قد يؤخر البرنامج النووي الايراني لمدة تصل إلى سنتين، نظراً لقدرة إسرائيل العسكرية المحدودة مقارنة بالولايات المتحدة. إذ يمكن أن تعطل الضربات الإسرائيلية أو تدمر منشأة ناتانز لتخصيب اليورانيوم، ومنشآتي أصفهان وطهران للتحويل؛ ومرفق بارشين المشتبه به لتطوير الاسلحة النووية. ولن تتمكن إسرائيل أن توقع ضرراً كبيراً بمرفق فوردو للتخصيب المدفون في الأرض، من دون التعرّض إلى هجمات خطرة من الأرض.

تكاليف العمل العسكري

وتحسب الدراسة التكاليف وتذهب إلى أنه بالإضافة إلى التكاليف المالية لتنفيذ هجمات عسكرية ضد إيران، التي من شأنها أن تكون كبيرة (خصوصاً إذا كان على الولايات المتحدة تنفيذ آلاف الطلعات الجوية واذا كان عليها العودة إلى استخدام القوة بشكل دوري لسنوات مقبلة)، وهناك على المدى القريب التكاليف المحتملة المرتبطة بالانتقام الإيراني، من خلال هجمات مباشرة أو غير مباشرة، وكذلك تكاليف خطيرة لمصالح الولايات المتحدة على المدى الطويل.
إذا قررت الولايات المتحدة التوصل الى هدف أكثر طموحاً، مثل تغيير النظام في إيران أو تقويض نفوذ إيران في المنطقة، ستكون هناك حاجة بعد ذلك إلى قوة أكبر لاحتلال كل البلاد أو جزء منها. ونظراً لحجم إيران الواسع وعدد السكان الكبير، وقوة المشاعر القومية الإيرانية، فتقدر الدراسة أن احتلال إيران سوف يتطلب التزاماً بالموارد والموظفين أكبر من الولايات المتحدة مما أنفقته على مدى السنوات العشر الماضية في حربي العراق وأفغانستان مجتمعتين. والأكثر طموحاً من أهداف العمل العسكري والأكثر صعوبة سيتمثل في وضع استراتيجية خروج فعالة، في حال طال الصراع مع إيران.
ويعتقد معدو الدراسة أن من نتائج أي عمل عسكري ضد إيران، عدم الاستقرار العالمي والإقليمي، بما في ذلك الاستقرار الاقتصادي. ويمكن لدينامية التصعيد والعمل والتصدي أن تنتج عواقب غير مقصودة من شأنها زيادة كبيرة في كل هذه التكاليف ما قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية.

ومن بين التكاليف المحتملة التي تمت مناقشتها في هذه الورقة ما يلي:
1- انتقام إيراني مباشر ضد الولايات المتحدة، بينما يزعم البعض أن إيران قد تتراجع عن استخدام القوة من أجل تجنب إثارة صراع أوسع نطاقاً، يعتقد واضعو الدراسة أن إيران سترد وتوقع خسائر في حيوات أميركيين؛ وستستهدف مرافق الولايات المتحدة في المنطقة، والتي تؤثر على مصالح الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ودول الخليج [الفارسي] العربية وأماكن أخرى. كما أن إيران ستعتمد على قدرتها الصاروخية الواسعة للحرس الثوري وعلى الصواريخ المضادة للسفن والغواصات الصغيرة وقوارب الهجوم السريع، وحرب الألغام في منطقة الخليج[الفارسي]. كما أن ايران ستحاول إغلاق مضيق هرمز، والذي يمكن أن تهز الأسواق العالمية ويتسبب في ارتفاع كبير في أسعار النفط (وكذلك اغلاق الشريان الرئيس لتصدير النفط الايرانية الخاصة).
2- الإضرار بالسمعة العالمية للولايات المتحدة وزيادة المصداقية للجماعات المتطرفة المعادية لها. فالعمل العسكري الأميركي من جانب واحد يمكن أن يفاقم عزلة المسلمين وغيرهم في جميع أنحاء العالم، مما يعزز الرأي القائل بأن الولايات المتحدة تلجأ في كثير من الأحيان إلى القوة العسكرية. والهجوم على بلد مسلم سيعزّز من قدرة الجماعات الإسلامية المتطرفة، بما في ذلك تنظيم القاعدة، على تجنيد المقاتلين. وعلى الرغم من أنه قد يكون من دواعي سرور بعض المسلمين السنة وقوع هجمات أميركية على إيران الشيعية، فإن التأثير المحتمل على مكانة الولايات المتحدة في العالم المسلم هو أن يكون سلبياً.
3- وفيما يتعلق بمسألة ما إذا كان العمل العسكري من شأنه أن يضعف أو يعزّز الدعم الشعبي الإيراني للنظام الحالي، فإن الدراسة تستنتج أن ضربات الولايات المتحدة و/ أو إسرائيل ضد إيران، سيوحّد السكان خلف الحكومة لتوليد المقاومة.
4- الضربات الإيرانية ضد إسرائيل:إيران ستحمّل إسرائيل المسؤولة جزئياً عن أي هجمات، شاركت أم لم تشارك القوات الإسرائيلية في العمل العسكري، بينما تملك إسرائيل برامج الدفاع المضاد للصواريخ وجهاز دفاع مدني قوي، إلا أن الضربات الجوية المتواصلة من قبل إيران من شأنه أن يؤدي إلى وقوع إصابات كثيرة والإضرار بالمرافق، بما في ذلك ربما المفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا.
5- تتوقع الدراسة انتقام غير مباشر من قبل إيران كهجمات المسلحين تسليحاً جيداً مثل حزب الله أو الجماعات المسلحة الشيعية في العراق، وكذلك من قبل القوات الايرانية السرية و”فيلق القدس” في الحرس الثوري، وهي قد تكون أكثر ضرراً للمصالح الأميركية والإسرائيلية من الانتقام الإيراني المباشر. ويمكن أن تكون عمليات الانتقام غير المباشرة، بما في ذلك استخدام الصواريخ والقذائف بواسطة وكلاء، وكذلك الهجمات “الإرهابية” والعمل السري، مثل التخريب والاغتيال.وقد يؤدياستخدام حزب الله المكثف للصواريخ التي نشرها في جنوب لبنان، إلى توسيع الصراع، مما قد يؤدي إلى حرب إقليمية في بلاد الشام.
6- انهيار محتمل للتضامن العالمي ضد البرنامج النووي الايراني: يعتقد معدو الدراسة أنه إذا تعرض برنامج إيران النووي لهجوم من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل في حال عدم وجود تفويض دولي أو ائتلاف متعدد الجنسيات، فإن الحفاظ على دعم العقوبات ضد إيران قد تضعف إلى حد كبير. كما يمكن أن تستأنفمبيعات الأسلحة إلى إيران المحظورة حالياً بسبب العقوبات الدولية، كما قد تباع إليها المواد التي يمكن استخدامها في تصنيع سلاح نووي.
7- زيادة احتمال أن تصبح إيران دولة نووية: في حين أنه ليس من المستحيل أن تدفع الهجمات الجوية إيران إلى طاولة المفاوضات، تعتقد الدراسة أن العمل العسكري ربما يقلّل من إمكانية التوصل إلى حل سياسي دائم أكثر بشأن برنامج إيران النووي. إذ أن أي هجوم أميركي على إيران من شأنه أن يزيد حافز ايران لصنع قنبلة، وذلك:

أ- القيادة الإيرانية سوف تصبح أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى أن تغيير النظام هو الهدف من سياسة الولايات المتحدة.
ب- بناء قنبلة سينظر إليها على أنها وسيلة لمنع هجمات مستقبلية ومعالجة ذل التعرض لهجوم.

هل تراجعت قوة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة؟

د. هيثم مزاحم

“هل تعلم سبب شهرة القضية الفلسطينية؟ لأنكم أنتم أعداؤنا. يعود أصل الاهتمام بالفلسطينيين إلى الاهتمام بالمسألة اليهودية. الاهتمام كله لكم أنتم، وليس لي أنا. مصيبتنا هي أن عدونا هو إسرائيل التي تستفيد من دعم لا حدود له، من ناحية، ومن حظنا أن تكون إسرائيل عدونا، لأن اليهود بؤرة الاهتمام، من ناحية أخرى. أنتم تسببتم لنا بالهزيمة والشهرة معاً”. هكذا خاطب الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش المخرج الفرنسي اليهودي جان لوك غودار خلال لقاء مصوّر معه عام 2004.
يقودنا كلام محمود درويش إلى انتخابات الرئاسة الأميركية التي اقترب موعدها الشهر المقبل (نوفمبر/تشرين الثاني 2012)، حيث يتسابق المرشحان الجمهوري ميت رومني والديموقراطي باراك أوباما على خطب ود إسرائيل لكسب أصوات اليهود الأميركيين الذين يصل عددهم إلى 6.5 ملايين يهودي، لأن للكيان الإسرائيلي حظوة كبيرة لدى اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية.

Romney

عوامل قوة اللوبي اليهودي

ثمة سؤال يطرح نفسه هنا هو كيف نفسّر نفوذ اللوبي اليهودي في دوائر القرار الأساسية الأميركية وتأثيره في السياسة الخارجية الأميركية حيال الشرق الأوسط بينما لا يتجاوز عدد اليهود الأميركيين الإثنين بالمئة من مجموع الشعب الأميركي (6.5 مليون نسمة)؟
تعود قوة “اللوبي اليهودي” إلى ثلاثة عوامل أساسية هي: الصوت اليهودي، والتمويل اليهودي للحملات الانتخابية، والتنظيم الفاعل للوبي.

1 – الصوت اليهودي: تكمن فاعلية الصوت اليهودي في كون السكان اليهود الأميركيين غير موزعين بالتساوي بين الولايات، ففي نيويورك وكاليفورنيا ونيوجرسي – على سبيل المثال – تزيد نسبتهم على النسبة الوسطية (3 في المئة)، حيث يتكثف وجودهم في المراكز المدنية من الولايات، هذه المراكز التي تعتبر أكثر المناطق أهمية من الناحية السياسية. فعلى سبيل المثال: مدينة نيويورك هي موطن أكثر من (90 في المئة) من سكان الولاية اليهود لذلك نجد أن (12 في المئة) من السكان المؤهلين للاقتراع في نيويورك هم من اليهود. كما أن نسبة الناخبين اليهود في كاليفورنيا تبلغ (3 في المئة)، وترتفع إلى (6 في المئة) في نيوجرسي.
وهذه الولايات تتميز بوزن انتخابي يفوق الوزن الذي يتميز به الكثير من الولايات الأخرى، نظراً لضخامة عدد ممثليها الذين يشاركون في الانتخابات الرئاسية. ويتميز اليهود الأميركيون في كون (90 في المئة) منهم يدلون بأصواتهم في الانتخابات، في حين أن نحو (50 في المئة) من الناخبين الأميركيين لا يكلّفون أنفسهم عناء الاقتراع، الأمر الذي يرفع نسبة أصوات اليهود بمعدل (واحد في المئة) على الأقل، علماً بأن هكذا زيادة ترتفع نسبتها أكثر من الولايات التي تشهد وجوداً يهودياً أكثر كثافة حيث تبلغ بين 2 و6 في المئة في نيويورك.
لكن أهمية الصوت اليهودي تزداد في مرحلة الانتخابات الأولية، فنجد أن الناخبين اليهود يُشكلون ربع الناخبين المشاركين في الانتخابات الأولية للحزب الديموقراطي في ولاية نيويورك، ونصف أولئك المشاركين في الانتخابات الأولية لهذا الحزب في مدينة نيويورك، مركز هذه الولاية.
وهكذا، نرى أن خيارات الناخبين اليهودي في الانتخابات الرئاسية الأولية غالباً ما تُحدد اسم المرشح الديموقراطي الذي سيدخل المنافسة ضد المرشح الجمهوري في الانتخابات النهائية.
يكتسب الصوت اليهودي قوة إضافية لكون اليهود الأميركيين يتخذون مركز الوسط في تشكيلة ذات قطبية ضعيفة يجعلهم يشكّلون “نسبة أصوات متأرجحة” لمصلحة هذا المرشح أو ذاك. ومعلوم مدى أهمية الصوت المتأرجح كعامل حاسم في المنافسات التي يتقارب فيها عدد الأصوات، إذ أن نسبة مئوية متدنية من الأصوات غالباً ما تستطيع أن تضمن فوز مرشح ما وأن تشجّع المرشحين – من هذا المنطلق – على إعطاء الوعود الضرورية لاجتذاب ناخبي الوسط الذين لا يقدرون بثمن.

2 – تمويل الحملات الانتخابية: بالنسبة إلى التمويل اليهودي للحملات الانتخابية، فإن منظمة إيباك، التي لا يحق لها قانونياً جمع التبرعات من أجل تمويل الحملات الانتخابية، تقوم بتمويل الحملات الانتخابية عبر “لجان العمل السياسي” (PACS). ويظهر اليهود الأميركيون كرماً مثالياً في تمويل الحملات الانتخابية لمرشحيهم المفضَلين. ويمكن القول أن “لجان العمل السياسي” هي أفضل أدوات الضغط والنفوذ للمجتمع اليهودي الأميركي.
وتصل قيمة مساهمات هذه اللجان في تمويل الحملات الانتخابية إلى عشرات ملايين الدولارات وما يجعل هذه المبالغ فاعلة – بغض النظر عن قيمتها – هي الطريقة التي يتم بها الإسهام إذ “يجري غالباً تمويل الحملات الانتخابية في مرحلة مبكّرة، لمصلحة مرشح غير معروف نسبياً (وهذا ما يحدث تحديداً في الحملات الرئاسية). أي في المرحلة التي يكون فيها للمبالغ القليلة الأثر الأكبر، وإذا نجح المرشح سيظل ممتناً لهذه اللجان. ومن جهة ثانية، تُخصص المبالغ – بالدرجة الأولى – للمقاعد الحساسة، أي لمقاعد لجان الموازنة والشؤون الخارجية والقوات المسلحة” في انتخابات الكونغرس.
كما يجري تخصيص بعض الأموال لمقاطعات تكاد تنعدم فيها أصوات الناخبين اليهود، وذلك بهدف إظهار أن تدخل اللوبي اليهودي عبر استخدام الأموال يمكن أن يحلّ محل تدخله عبر استخدام الأصوات سواء لدعم مرشح أو لمعاقبة مرشح آخر. من هنا يمكننا أن ندرك السبب الذي يجعل المرشحين في الانتخابات الرئاسية أو النيابية يتنافسون في إظهار حبّهم لإسرائيل وإغداق الوعود لها.

3 – طريقة عمل اللوبي: أما كيف نفسر تأثير اللوبي في رسم السياسة الخارجية الأميركية حيال منطقة الشرق الأوسط وإسرائيل؟
يمارس اللوبي نفوذه وتأثيره في رسم السياسة الخارجية عن طريق الكونغرس المخوّل التصديق على المعاهدات ومبيعات الأسلحة والحروب، والإشراف على العمليات السرية، وإقرار الموازنات (وخاصة موازنتي الدفاع والمساعدات الخارجية). كما بإمكان الكونغرس التأثير في عمل السلطة التنفيذية عبر عقد جلسات الاستماع المتعلقة بقضايا السياسة الخارجية، ومطالبته السلطة التنفيذية بتقديم تقارير حول هذه المواضيع. ويوافق الكونغرس دائماً – بأغلبية ساحقة – على أي اقتراح يتضمن إرسال المساعدات إلى إسرائيل. كما يُقرر في معظم الأحيان زيادة قيمة المبلغ الذي تطلبه الإدارة.
والجدير ذكره أن الفترة الممتدة بين العامين 1969 و1976 قد شهدت مواقف اقتراعية مؤيدة لإسرائيل بنسبة 80 في المئة داخل مجلس الشيوخ وبنسبة 86 في المئة داخل مجلس ممثلي الشعب في ما يتعلق بموضوع المساعدات. ويعتمد الكونغرس أسلوب ابتزاز الإدارة الأميركية في حال رفضت الموافقة على اقتراحاته المؤيدة لإسرائيل بحيث يقوم بالتهديد بوضع القيود على بعض الموازنات أو معارضة بعض الصفقات التي يمكن أن تشلّ عمل الإدارة الأميركية. ولا يكتفي اللوبي اليهودي بممارسة ضغوطه على الإدارة الأميركية عبر الكونغرس، بل يمارس أيضاً نفوذه المباشر على الإدارة عبر الأوساط المقرّبة منها كالشخصيات السياسية والنخب الفكرية والأكاديمية الموالية لإسرائيل، عبر الترهيب بعقاب مسؤولي الإدارة من خلال ردّات الفعل التي قد تظهر في وسائل الإعلام وفي الكونغرس وعن طريق تعبئة الرأي العام ضدهم.

تقييم قوة “اللوبي”

لا يجب أن نعتقد أن نفوذ اللوبي يمكنه أن يشلّ الإدارة الأميركية في كل الظروف، فإذا أراد البيت الأبيض أن يتحدّى الكونغرس، فإن الضغط المباشر الذي يستطيع الأول أن يمارسه على العديد من أعضاء الكونغرس يجعل منه (أي البيت الأبيض) اللوبي الأقوى، كما أظهرت المعركة التي دارت حول صفقة بيع طائرات الأواكس إلى السعودية. إذ عندما ترى الإدارة الأميركية أن المصالح الأميركية في خطر، فبإمكانها أن تتنكر لأولويات ورغبات اللوبي بجهد يسير نسبياً.
أما إذا كان حجم الضرر الذي قد يلحقه نفوذ اللوبي بالمصالح الأميركية غير واضح، فما من شيء يستطيع ترغيب صانعي القرار (الأميركي) في تحمّل التبعات الداخلية المترتّبة على الضغط على إسرائيل، (وخاصة عندما تكون هذه التبعات على شكل تراجع في الرصيد الانتخابي أو تشويه صورة الساسة الأميركيين بنظر الجمهور). ولعل هزيمة الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب) في الانتخابات الرئاسية عام 1992 بسبب قراره تجميد ضمانات القروض الأميركية لإسرائيل دليل على قدرة اللوبي على عقاب السياسيين الذين يعارضون إرادته. لكن هل يمكن أن نعتبر نفوذ “اللوبي” هو التفسير المناسب والصحيح للعلاقات الأميركية – الإسرائيلية وأن ننسب إليه مجمل السياسة الأميركية المتعلقة بإسرائيل؟
على الرغم من كون نفوذ اللوبي يساهم إلى حد بعيد في تفسير هذه العلاقة، إلا أن قوة نفوذ اللوبي لا يمكن تفسيرها فقط بالقوة المالية اليهودية والصوت اليهودي والتنظيم المحكم للوبي، لأن هذه العوامل الثلاثة – في رأي البعض – لا تمثّل بحد ذاتها الأساس الكافي لبناء وتكوين هذه القوة المعتبرة. ويرى بعض الباحثين أن التفسير الذي يعطي دوراً جوهرياً للوبي يمكّن القادة الأميركيين من الإيحاء للعرب بأنهم في حلّ من السلوك الموالي لإسرائيل الذي تنتهجه إدارتهم، ويتيح لهم مطالبة القادة العرب بتقديم التنازلات التي تساعدهم في نضالهم ضد اللوبي الإسرائيلي. كما يمكّن هذا التفسير القادة العرب من تبرير مواقفهم الموالية لأميركا أمام شعوبهم، وإيهامهم بأنه ينبغي تمويل حملة مضادة للوبي في واشنطن.
أما بالنسبة للقادة الإسرائيليين، فإن “إيمانهم بقدرة اللوبي على فعل كل شيء يجعلهم يعتقدون أنهم مهما فعلوا سيجدوا، في واشنطن، دائماً أنصاراً ومدافعين قادرين على إبطال المحاولات التي تبذلها الإدارة الأميركية من أجل ممارسة الضغوط عليهم.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن التفسير القائم على أساس قوة اللوبي يفتقر إلى الصلاحية العلمية لأن البراهين التي يستند إليها عاجزة عن تفسير التنافس “فوق العادي” بين السيناتورات (أو النواب) بهدف إظهار ودهم لإسرائيل، أو تفسير المزايدة بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري عبر البرنامج الانتخابي الموالي لإسرائيل. لذلك، تحتاج قوة اللوبي نفسها إلى التفسير. ولا يمكن تفسير هذه القوة إلا بواسطة عوامل ثلاثة تساهم بدورها في تفسير العلاقة المميّزة بين إسرائيل والولايات المتحدة. وهذه العوامل هي:

1 – المنزلة الرفيعة لدولة الکیان إلصهیوني.
2 – دور القوة العظمى الذي تلعبه الولايات المتحدة.
3 – البعد الأيديولوجي والثقافي للمجتمع الأميركي.

يستمد اللوبي “جزءاً من قوته من المكانة المرموقة التي تتمتع بها إسرائيل فهي بالنسبة إلى اليهود الأميركيين – قضية توحيد وتعبئة، ومدعاة للفخر، وموضوعاً يُحقق هويتهم وانتماءهم، فكون اللوبي يتبع توجيهات الحكومة الإسرائيلية يمثل مصدراً مهماً للنفوذ، لأن هذا العمل المنظم لمصلحة إسرائيل – من قبل جماعة ضغط مشكلة خصيصاً لهذا الغرض، بالتنسيق مع الحكومة الإسرائيلية له تأثير كبير على صانعي القرار الأميركي، وذلك بسبب النفوذ المباشر لإسرائيل على صانعي القرار الأميركي نظراً لكونها دولة إقليمية ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
أما العامل الثاني، أي مكانة الولايات المتحدة العالمية، فيكمن في كون أي انتصار يحرزه اللوبي في المعارك الداخلية الأميركية يُضاعف مرات عديدة عندما يُترجم إلى السياسة الخارجية لأنه مدفوع بقوة الولايات المتحدة كاملة.
يبقى هناك العامل الثالث والأهم، وهو الثقافة والإيديولوجيا السائدان في الولايات المتحدة. إذ يعود نجاح اللوبي إلى كونه يلعب دور المناصر لإسرائيل والمدافع عنها بإسم الانتماء الأميركي – الإسرائيلي المشترك.
واضحٌ أن الشعب الأميركي يفضّل إسرائيل على الدول العربية حيث أن نحو ثلاثة أرباع الأميركيين يشعرون بالتزام أخلاقي حيال مسألة “منع زوال الدولة اليهودية”. ويظهر هذا الأمر في الأوساط السياسية والعمالية وفي الجامعات والكنائس. ويعود ذلك إلى طبيعة التركيبة الثقافية – الإيديولوجية الأميركية، إذ أن إسرائيل هي جزء من الثقافة الغربية والأوروبية وهي وجه من أوجه التراث الغربي “اليهودي – المسيحي”.
ويحدّد الباحث الأميركي ميتشيل بارد الاعتبارات التي تجعل الولايات المتحدة تشعر بالتزام أخلاقي تجاه إسرائيل على الشكل التالي: “عطفها على الشعب اليهودي لما عاناه في المحرقة النازية (الهولوكست)؛ الإرث الثقافي اليهودي – المسيحي المشترك: تشابه النظامين الأميركي والإسرائيلي من حيث أن إسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في منطقة تعج بالأنظمة الاستبدادية؛ عزلة إسرائيل (ذات المساحة الصغيرة والخمسة ملايين نسمة) بين مائتين وستين مليون عربي يفضلون استئصالها من العالم الإسلامي؛ إيمان الأميركيين بوجوب دعم حق الشعب اليهودي في العيش على أرضه التاريخية”.
هذا الوضع الإيديولوجي – الثقافي يُشعر المرشحين بخطأ اتخاذ المواقف غير الموالية لإسرائيل. وهو الوضع الذي ينطلق منه اللوبي في تحرّكه. فقد بات “دعم إسرائيل قيمة من قيم المجتمع الأميركي الشعبي والسياسي”. وعليه، فإن الهوية الثقافية – الإيديولوجية تحتل مكاناً مركزياً وثابتاً في تفسير العلاقة الأميركية – الإسرائيلية.

الصهيونية المسيحية

لعبت “الصهيونية المسيحية” في الولايات المتحدة دوراً كبيراً في تكريس “دعم إسرائيل” كإحدى ثوابت القيم الأخلاقية في المجتمع والثقافة الأميركيتين. وقد تعزّز نفوذ “الصهيونية المسيحية” هذه بعدما استطاعت اختراق “اليمين المسيحي” في الولايات المتحدة وهو الذي يشكّل الطرف الأقوى داخل الحزب الجمهوري.
وتعود بدايات التحالف الصهيوني – الإنجيلي إلى أواخر السبعينات عندما وضع حزب الليكود خطة عام 1978 لتشجيع الكنائس الأصولية المسيحية على تأييد إسرائيل. ففي عام 1980 اجتمع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن بالقس الإنجيلي جيري فالويل خلال عشاء احتفالي في نيويورك، تبعه بعد عام إنشاء “السفارة المسيحية الدولية في القدس المحتلة. وفي عام 1985، نشأ لوبي صهيوني مسيحي رسمي عُرف بـ”تحالف الوحدة الوطني من أجل إسرائيل” وأعلن عنه في احتفال كان المتحدث الرئيسي فيه بنيامين نتنياهو، الذي أصبح لاحقاً رئيس وزراء إسرائيل. وقد عمل نتنياهو عندما أصبح رئيساً للوزراء على تعزيز تحالف حزب الليكود مع “اليمين المسيحي” في الحزب الجمهوري ذي التأثير البالغ على الأغلبية الجمهورية في الكونغرس الأميركي خلال عهد بيل كلينتون، وحاول نتنياهو الضغط على كلينتون من خلال حلفائه المسيحيين المحافظين في الكونغرس.
والمعروف تاريخياً أن معظم اليهود الأميركيين يصوّتون لمصلحة الحزب الديموقراطي ومرشحه للرئاسة ومرشحيه للكونغرس، وقد شكّلت أصوات اليهود وأموالهم “حصان طروادة” بالنسبة للمرشح الديموقراطي للرئاسة آل غور ونائبه اليهودي جوزيف ليبرمان في مواجهة المرشح الجمهوري جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني في الانتخابات الرئاسية عام 2000. وقد أعطى معظم الأميركيين العرب والمسلمين أصواتهم لجورج بوش الإبن بحيث رجحوا فوزه على آل غور بفارق 600 صوت، إذ توقع العرب والمسلمون ومن ورائهم دولهم وشعوبهم أن يكون بوش أكثر توازناً في سياسته الشرق أوسطية مقارنة بآل غور الذي جاهر بصهيونيته خلال الحملة الانتخابية. لكن بوش الإبن ومساعديه قد فاجأوا بانحيازهم لإسرائيل، ليس العرب والمسلمين الأميركيين وأنظمتهم وشعوبهم فحسب، بل حتى اليهود الأميركيين ومن ورائهم إسرائيل، بحيث بدأت أصوات في اللوبي اليهودي تدعو اليهود الأميركيين إلى التحوّل من دعم الديموقراطيين إلى دعم الجمهوريين في الانتخابات المقبلة.
وجاءت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 لتعزّز من هذا التحالف الصهيوني – “المسيحي الأصولي” والأميركي – الإسرائيلي ضد العرب والمسلمين في فلسطين والشرق الأوسط. إذ وظّفت إسرائيل وأنصارها داخل الإدارة والكونغرس ووسائل الإعلام ومؤسسات البحث والتفكير الأميركية هجمات 11 أيلول/ سبتمبر لتعزيز مفهوم دور إسرائيل كرصيد استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط من جهة، وللتأكيد على مفهوم “صدام الحضارات” بين الغرب والإسلام من جهة أخرى.

أوباما وأصوات اليهود

زار رومني الكيان الإسرائيلي قبل أشهر وحاول أن يكسب أصوات اليهود وغير اليهود من المؤيدين لها بين الناخبين الأميركيين بإعلانه أنه يجب دعم الخيار العسكري لوقف البرنامج النووي الإيراني، في وقت لا يزال فيه الرئيس أوباما يقاوم ضغوطاً إسرائيلية وصهيونية أميركية لتبنّي الخيار العسكري ضد إيران. كما أكد رومني اعترافه بمدينة القدس كعاصمة أبدية لإسرائيل، وأن أمن إسرائيل مصلحة قومية أميركية مهمة. أما أوباما فقد سعى لإرضاء إسرائيل واليهود الأميركيين من خلال تقديمه قانوناً يدعم أمن الكيان الإسرائيلي، بمنحه 70 مليون دولار إضافية لتمويل مشروع منظومة “القبة الحديدية” المضادة للصواريخ؛ وبذل الجهود لتوسيع التعاون بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في الأمن الداخلي و”مكافحة الإرهاب” والأمن البحري، والطاقة، وإتمام الإجراءات الرامية إلى إدماج إسرائيل في منظومة الدفاع عن شرق المتوسط.
وأشارت استطلاعات الرأي الأميركية – قبل زيارة رومني لإسرائيل – إلى أن نسبة 68% من الناخبين اليهود المسجلين يؤيدون أوباما، في مقابل 25% للمرشح الجمهوري رومني .
وكشفت نتائج استطلاع للرأي أجري مؤخراً أن معظم اليهود الأمريكيين سيختارون أوباما، في حين أن استطلاعات أخرى أكدت أن شعبية المرشح الجمهوري للرئاسة ميت رومني، آخذة في التدهور، بسبب تصريحاته المتهوّرة، والمتعلقة بقضايا داخلية، كاتهامه لنصف الأميركيين بأنهم “يعيشون عالة على الحكومة”، وأخرى خارجية تتعلق بشأن الصراع العربي – الإسرائيلي وزعمه بأن الفلسطينيين لا يريدون السلام. وأظهر استطلاع الذي أجراه المعهد العام للأبحاث الدينية، أن 62% من الناخبين اليهود يفضلون أن يعاد انتخاب أوباما فى حين يفضل 30% اختيار المرشح الجمهوري.
وكانت استطلاعات الرأي قد أظهرت أن 78% من أصوات اليهود الأميركيين كانت لمصلحة الرئيس باراك أوباما في انتخابات 2008.
يقول الباحث المشارك في معهد الشرق الأوسط في واشنطن “بول شام”: “ليس هناك أي شك إطلاقا بأن غالبية اليهود على الأرجح نحو 60% منهم سينتخبون أوباما، كما ينبغي أن أقول بأن هناك 60 مليون من المسيحيين الإنجيليين والكثيرون منهم يميلون إلى اليمين أكثر من اليهود وأن معظم هؤلاء يهتمون بـ”إسرائيل” لأسباب إنجيلية دينية وأن رومني يود أن يبيّن بأنه إلى جانبهم، وأن الكثيرين منهم يشكون به”.
إذن يبدو أن تأثير اللوبي اليهودي يتراجع في الانتخابات الرئاسية الأميركية. كما أن أصوات اليهود الأميركيين ليست قبة القبان في هذا السباق، فهناك ملفات داخلية اقتصادية واجتماعية وملفات خارجية، غير متعلقة بإسرائيل، كان لها التأثير في توجّه الناخبين. حتى العوامل التي تؤدي الى تصويت اليهود الى جانب هذا المرشح أو ذاك لا تتعلق بالموقف من إسرائيل فقط، بل هناك المصالح السياسية والإقتصادية لليهود في الولايات المتحدة. ولعل معرفة أوباما لإتجاهات الرأي لدى اليهود في الولايات المتحدة مكنته من الفوز في الانتخابات والوقوف في وجه نتنياهو مؤخراً، ورفضه توجيه ضرية عسكرية ضد إيران.

القواعد العسكرية الأميركية في العالم: 750 قاعدة في 130 دولة

د. هيثم مزاحم

تحتفظ القوات الأميركية بنحو 750 قاعدة عسكرية في أكثر من 130 دولة من دول العالم، تتنوّع مهامها المعلنة من القيام بالواجبات العسكرية المباشرة أو أعمال الدعم والإسناد اللوجستي أو القيام بعمليات “حفظ السلام” تحت مظلة الأمم المتحدة. وخلال العقدين الأخيرين، كسبت القوّات لأميركية قواعدَ عسكريّة أكثر من أيّ وقت مضى في التاريخ.

يقول تشالمرز جونسون، أبرز مؤرّخ عسكري أميركي، في هذا الصّدد: “إنّ جيشنا ينشر أكثر من نصف مليون جندي وجاسوس وتقني ومعلم وموظّفين ومتعاقدين مدنيّين في أمم (أو دول) أخرى، من أجل الهيمنة على محيطات العالم وبحارِه، فقد أنشأنا نحو ثلاث عشرة قوّة بحريّة على متن حاملات الطّائرات التي تحمل أسماء تلخّص إرثنا الحربي.. ندير العديد من القواعد السرّية خارج أراضينا لمراقبة ما تقوم به شعوب العالم، بمن فيهم مواطنونا، وما يقولونه وما يرسلونه بالفاكس أو البريد الالكتروني إلى بعضهم البعض. الحرب على الإرهاب ليست أكثر من شعار.. فالولايات المتّحدة ترفعه كي تخفيَ طموحها الإمبريالي. لكن الحرب على الإرهاب هي في أفضل حالاتها جزءٌ صغير من الأسباب التي تقف وراء كل تخطيطنا العسكري. فالسّبب الحقيقي لبناء هذه الحلقة من القواعد الأميركية على مدار خطّ الاستواء هو لتوسيع إمبراطوريّتنا وتعزيز هيمنتنا العسكريّة على العالم”.

أما الباحث العراقي الكردي عثمان علي فيقول في كتابه “مستقبل العلاقات الأميركية ــ الكردية: هل تصبح كردستان مستعمرة أميركية؟” الصادر عام 2009: “إنّ وسائل الإعلام تنقل لنا فقط قصصاً عن هذه الإمبراطوريّة الأميركية كتلك التي تتحدّث عن تحرير الجنود الأميركيّين للنّساء الأفغانيّات من الأصوليّة الإسلاميّة، ومساعدتهم لضحايا الكوارث الطبيعيّة في الفلبين، أو حماية البوسنيّين والكوسوفيّين أو الأكراد العراقيّين من التّطهير العرقي، ولكن ليس الأمر نفسه بالنسبة إلى الرّوانديّين والأكراد الأتراك والفلسطينيّين الذين يتعرّضون لنفس التّطهير العرقي من حلفاء أميركا”.

ويذهب الباحث عثمان علي إلى أنّه استناداً إلى أداء الحكومات الأميركيّة في الكثير من البلدان التي تمّ غزوها، فإن الولايات المتّحدة لن تتخلّى عن أيّ منها من دون الحصول على موطئ قدم دائم فيها. ويذكر مثالاً على ذلك خليج غوانتانامو في كوبا بعد الانتصار في الحرب الأميركية ــ الإسبانية في العام 1898، وكذلك مثاليْ ألمانيا واليابان بعد الحرب العالميّة الثانية، والفلبين بعد الغزو الأميركي، وكوريا بعد الحرب الكورية، والخليج [الفارسي] بعد حرب عام 1991. ففي كلّ واحدة من هذه المناطق كان ينجم عن الانتصار العسكري الأميركي، إنشاء قواعد أميركية عسكريّة دائمة ذات أهداف بعيدة المدى.

وكتب الخبير الياباني ماساماتشي س. آينوي يقول: “الجيش الأميركي هو مؤسّسة عالميّة مرنة، تتكوّن من طبقة من المنظّمات المحليّة والقوميّة والفوق قوميّة.. فهو يحافظ على قواعد في تسعة وخمسين بلداً على الأقلّ وله قدرةٌ ضخمة على دخول الحياة المحليّة والـتأثير فيها وحتّى تشكيلها في العديد من زوايا العالم..”.

من جهته، عبّر المؤرّخ العسكري الأميركي تشالمرز جونسون عن مخاوفَ مماثلة من دوافع القواعد الأميركية في الخارج، مؤكّداً أنه مهْما كان السّبب الأصلي لدخول الولايات المتّحدة إلى بلاد ما وإقامة قاعدة عسكريّة فيها، فإنها تبقى فيها لأسباب إمبرياليّة استعمارية تتعلّق بالهيمنة الإقليميّة أو الدّولية، ومنع وصول المنافسين إلى مناطقَ معيّنة، وفتح الطريق للشّركات الأميركية، والحفاظ على الأمن والاستقرار أو المصداقيّة كقوّة عسكريّة، وقوّة الاستمرار.

وفي عرضه لواقع تجارب القواعد الأميركيّة في اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين، يذكر الباحث عثمان علي أمثلةً عن المفاسد الناتجة عن هذه القواعد، بدءاً من التلوّث البيئي النّاجم عن وجود طائرات ضخمة (بي 52) وأسلحة معيّنة، إلى ظاهرة الفساد والعلاقات الجنسيّة غير الشّرعية والتي تسفر عن حمل فتيات كثيرات وإنجابهنّ لأطفال غير شرعيّين وترك الجنود الآباء لأطفالهم وإنكارهم لهم. وفضلاً عن ظاهرتيْ الاغتصاب ونشر الجنود الأميركيين للمخدّرات، ثمّة ظاهرة سلبيّة أخرى هي كذب الادّعاء الأميركي بأنّ هذه القواعد ستعزّز الديمقراطية في الدّول المضيفة. ففي هذه النّماذج الثلاثة، اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين، كانت الولايات المتحدة وقوّاتها العسكريّة تدعم الحكومات الديكتاتورية في هذه الدول (حكومة جزيرة أوكيناوا الدكتاتورية في اليابان، حكومة ماركوس في الفلبين، وتعميق الانقسام بين الكوريّتين في كوريا الجنوبية).

الوجود الأميركي في الشرق الأوسط

نشرت وكالة الصحافة الفرنسية(فرانس برس) قبل أيام تقريراً عن الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط قالت فيه إن القوات العسكرية الأميركية الخاضعة للقيادة المركزية في الشرق الاوسط وآسيا الوسطى، قد أعادت انتشارها منذ الانسحاب من العراق نهاية العام 2011، في ظل توترات متزايدة مع الجمهورية الإسلامية في ايران بسبب الخلاف حول برنامجها النووي.

وذكرت الوكالة أن الأميركيين يملكون 180 ألف جندي في المنطقة الخاضعة للقيادة المركزية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بينهم 71 الفاً في أفغانستان و20 الفاً على متن بوارج حربية، وذلك بحسب وزارة الدفاع الأميركية(البنتاغون).
وتنقسم هذه القوات الأميركية إلى قوات بحرية وجوية وبرية. وتتجسد القوات البحرية في حاملات الطائرات والأساطيل المتواجدة في مياه الخليج [الفارسي] وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط.

وحالياً تبحر حاملة الطائرات الأميركية “يو اس اس ايزنهاور” في المنطقة، وهي حلت في شمال بحر العرب مكان حاملة الطائرات “يو اس اس ابراهام لينكولن” التي عادت الى الولايات المتحدة مطلع آب/اغسطس الماضي(2012)، على أن تلتحق بها قريباً حاملة طائرات أخرى هي “يو اس اس جون ستينيس”. ويرافق حاملة الطائرات “يو اس اس ايزنهاور” طراد ومدمرة بصواريخ مسيّرة عن بعد.

وتنقل “يو.اس.اس بونس”، سفينة النقل البرمائية التي تحوّلت الى حاملة مروحيات، طاقماً معززاً من كاسحات الألغام مهمته الحرص على بقاء مضيق هرمز، مفتوحاً، في مواجهة التهديدات الإيرانية بإغلاقه في حال أي صدام عسكري. وقد تضاعف عدد كاسحات الألغام منذ حزيران/يونيو 2012 لتبلغ ثماني كاسحات.

أما القوات الجوية، فقد نشر الجيش الأميركي عدداً غير محدد من الطائرات المقاتلة من طراز “اف-“22 في قاعدة الظفرة في دولة الإمارات العربية المتحدة المقابلة لإيران. وتعتبر هذه الطائرات “الشبح” التي لم تنشر بعد خارج الولايات المتحدة الأكثر حداثة في الترسانة الجوية الأميركية، وهي قادرة على بلوغ سرعات تفوق سرعة الصوت.

كذلك نشرت الولايات المتحدة طائرات من طراز “اف ـ 15 سي” أقدم منها، في قواعد المنطقة على ما أفادت صحيفة “نيويورك تايمز”. وتحمل كل حاملة طائرات ستين طائرة.

أما القواعد الأميركية في الدول الخليجية فهي على الشكل التالي:

الكويت

في الكويت ينتشر نحو 15 ألف جندي في غريفجان في الكويت، كما تعمل الولايات المتحدة مع حلفائها أيضا من قاعدة علي السالم الجوية في الكويت. وقد طلب الجيش الأميركي من الكويت إذناً لنشر ثلاثة آلاف رجل إضافي بعد انسحابه من العراق لكن لم يتبين بعد اذا حصل عليها. وفي الكويت توجد الفرقة الثالثة من المشاة الأميركية “المجوقلة” في “معسكر الدوحة”، بمعدات متنوعة ـ دبابات وعربات مدرعة وطائرات هليكوبتر وأكثر من 80 طائرة مقاتلة ووحدات من القوات الخاصة سريعة الانتشار.

البحرين

أما في البحرين، فإن الأسطول الخامس الأميركي يتخذ من المنامة مقره العام ويسيطر على منطقة تشمل قناة السويس والبحر الأحمر وبحر العرب والخليج [الفارسي]. ويخدم في هذا المقر الأميركي في المنامة 4200 جندي أميركي، ويضم حاملة طائرات أميركية وعدداً من الغواصات الهجومية والمدمرات البحرية وأكثر من 70 مقاتلة، إضافة إلى قاذفات القنابل والمقاتلات التكتيكية وطائرات التزوّد بالوقود المتمركزة في قاعدة الشيخ عيسى الجوية.

الامارات

وفي الإمارات العربية المتحدة، تنشر الولايات المتحدة طائرات من طراز “اف ـ 22” في قاعدة الظفرة الجوية في أبو ظبي التي تستعمل أيضاً لمهمات إمدادات ومراقبة واستطلاع، بحسب الخبراء. وفي القاعدة مستودعات متعددة لأغراض الدعم اللوجيستي، إضافة إلى ميناءين مهمين يطلان على المياه العميقة، الأمر الذي يبرز أهميتهما بالنسبة للسفن العسكرية الكبيرة. كما يشكل ميناء جبل علي في دبي محطة للسفن والبارجات الأميركية للتزوّد بالوقود والغذاء والاستراحة.

قطر

وفي قطر هناك قاعدة “العديد” قرب الدوحة، وبنيت خصيصاً في نهاية التسعينيات من القرن العشرين لإيواء القوات الجوية الأميركية في حال حصول نزاع مع إيران وتستعمل في عمليات جوية وإمدادات ويمكنها إيواء 130 طائرة وعشرة آلاف رجل. وتشتمل قاعدة العديد الجوية على مدرج للطائرات يعد من أطول الممرات في العالم وهو قادر على لاستقبال أكثر من 100 طائرة على الأرض. وتعتبر هذه القاعدة مقراً للمجموعة 319 الاستكشافية الجوية التي تضم قاذفات ومقاتلات وطائرات استطلاعية إضافة لعدد من الدبابات ووحدات الدعم العسكري وكميات كافية من العتاد والآلات العسكرية المتقدمة، ما جعل بعض العسكريين يصنفونها أكبر مخزن إستراتيجي للأسلحة الأميركية في المنطقة.

أما قاعدة السيلية فقد استخدمت في الحرب على أفغانستان حيث بلغ عدد القوات المتواجدة بها حوال 10,000 جندي، وكانت المركز الرئيسي لإدارة الحرب على العراق عام 2003. تتميز بوجود مخازن للأسلحة الأميركية هي الأكبر من نوعها. ويبلغ عدد الجنود الأميركيين المتواجدين بصورة دائمة في القاعدة نحو3000 جندي. تبلغ مساحة القاعدة 1.6 مليون قدم مربع او نحو 37 فداناً من المساحة المخصصة للتخزين، وفيها طرق تصل طولها الى أكثر من عشرة كيلومترات، وتضم منشآت ومراكز القيادة وثكنات الجنود ومستلزمات المعيشة لهم.

عمان

أما سلطنة عُمان فقد سمحت للولايات المتحدة باستعمال قواعدها منذ عام 1980 بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران، وتحركت المقاتلات الأميركية “بي ـ1” من تلك القواعد خلال الحرب الأميركية على حركة طالبان في أفغانستان عام 2001، وفي هذه القواعد يخزن الجيش الأميركي أيضاً عتاداً.

وتستمد سلطنة عُمان أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة من حيث موقعها كمركز متعدد المهام لخدمات دعم الجسر الجوي، وقامت الولايات المتحدة بإنشاء قاعدة جوية فيها، تتمركز في ها قاذفات طراز (B1) وطائرات التزوّد بالوقود.

السعودية

كانت المملكة العربية السعودية تستضيف أحد مراكز قيادة القوات الجوية الأميركية الإقليمية المهمة، داخل قاعدة الأمير سلطان الجوية في الرياض، وبواقع 5000 جندي تابعين للجيش وسلاح الجو الأميركي، وأكثر من 80 مقاتلة أميركية، وقد استخدمت هذه القاعدة في إدارة الطلعات الجوية لمراقبة حظر الطيران الذي كان مفروضا على شمال العراق وجنوبه إبان فترة العقوبات الدولية على العراق خلال حكم صدام حسين.

كما كانت القاعدة تعمل مركزاً للتنسيق بين عمليات جمع المعلومات والاستطلاع والاستخبارات الأميركية في المنطقة. لكن، منذ أواسط العام 2003، إنتقل نحو 4500 جندي أميركي إلى دولة قطر المجاورة، وبقي في السعودية نحو 500 جندي أميركي فقط ظلوا متمركزين فيما يعرف بـ”قرية الإسكان”، وأنهت أميركا وجودها العسكري في قاعدة الأمير سلطان الجوية في الرياض.

المغرب

حصلت الولايات المتحدة الأمريكية على موافقة المغرب على استخدام قواتها المسلحة لعدد من قواعد ومنشآت هذا البلدالعسكرية. فالمعاهدة الموقعة مع مراكش في أيار عام 1982 سمحت لواشنطن بنقل قوات الانتشار السريع عبر هذا البلد والقيام بتزويد الطائرات الأميركية بالوقود واستخدام القواعد والمنشآت المحلية لإجراء التدريبات والمناورات. وتملك الولايات المتحدة نقطة اتصال للقوات البحرية في “سيدي يحيا” (80 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة الرباط) لخدمة الصواريخ المضادة للسفن في منطقة المحيط الأطلسي
والبحر الابيض المتوسط. والى جانب ذلك، فإن الامريكيين يملكون مراكز تدريب عسكرية في قينيطرا وبوكاديلي. وأعلنت الحكومة المغربية رسمياً أن القواعد الثلاثة المذكورة تعتبر قواعد “تدريب” للقوات المغربية المسلحة.

جيبوتي

أما في جيبوتي، فمنذ بداية سنة 2002 بدأت القوات الأميركية تتمركز في قاعدة “ليمونيه”، وقد بلغ عددها 900 جندي، وإن كانت بعض التقديرات الأفريقية تقدر عددها بـ1900 جندي.

سائر القواعد في آسيا

أما القواعد الأمريكية الموجودة في وسط آسيا فهي كثيرة أبرزها قواعد: باغرام، قندهار، وخوست، لورا، مزار شريف، وبولي في أفغانستان. والقواعد الأخرى الموجودة في تركيا(أضنة) وقبرص وفلسطين المحتلة وطاجكستان وتركمنستان وأوزبكستان وجورجيا، فضلاً عن قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهادي بالمشاركة مع القوات البريطانية، والقواعد الأميركية في اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين وفي أفريقيا وأوروبا.

السفارة الأميركية في العراق.. قاعدة عسكرية؟

قبل الانسحاب الأميركي في نهاية عام 2011، كان في العراق عدد كبير من القواعد العسكرية الأميركية قدّرها بعض الخبراء العسكريين بنحو 75 قاعدة، كان معظمها يعود للمواقع العسكرية العراقية التابعة للنظام السابق التي احتلتها القوات الأميركية أثناء عملية الغزو. كما كانت القوات الأميركية تستخدم أربعة مطارات في العراق وهي مطار بغداد الدولي، والطليل في جنوب العراق قرب الناصرية، ومهبط للطائرات في غرب العراق قرب الحدود الأردنية ويسمى H1 ومطار باشور في شمال العراق في إقليم كردستان.
ووصل عدد القوات الأميركية في العراق قبل الانسحاب في نهاية 2011 إلى أكثر من 140 الف عسكري، كان يدعمهم عدد كبير من القطع البحرية المرابطة في الخليج [الفارسي] ودول الجوار.

أعلنت الولايات المتحدة عن سحب قواتها من العراق بحلول نهاية 2011، لكنها أبقت على 17 ألف بين موظف وعسكري ومتعاقد أميركيين في سفارتها في العاصمة العراقية بغداد، وهي أكبر سفارة في العالم، وكان يفترض أن يصل عدد موظفيها الكلي الى عشرين الفاً في العام 2012 حسب ما جاء في تصريح للمتحدث الرسمي باسم السفارة الأميركية في بغداد ديفيد رانز، حيث ذكر أن الكونغرس الأميركي يدرس مقترح لزيادة عدد العاملين في السفارة الى 20 ألف موظف بحلول العام 2012، وأن السبب الرئيسي لوجود هذا العدد الكبير من الموظفين سيكون لقيامهم بعدد من برامج التطوير والتدريب للكوادر العراقية المدنية منها والعسكرية.

هذا العدد أعادني بالذكرى إلى أيار/مايو من العام 2003 بعد نحو شهرين من غزو العراق، حيث كنت في تغطية صحافية في مقر وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” في مدينة أرلنغتون(ولاية فرجينيا)، على بعد كيلومترات من العاصمة واشنطن، حيث حضرت مؤتمراً صحافياً لوزير الدفاع أنذاك دونالد رامسفيلد، ثم أجريت مقابلة مع متحدث باسم البنتاغون”، وهو ضابط في الجيش الأميركي. بعد المقابلة، رافقني المتحدث بجولة سريعة في بعض أروقة الوزارة، ومقر البنتاغون كالبيت الأبيض والكثير من الوزارات والمؤسسات الأميركية مفتوحة للزوار والسيّاح ينظمون إليها جولات سياحية، خلال الجولة القصيرة، سألت المتحدث الأميركي عن: عدد الموظفين في هذا المبنى الضخم؟ فأجابني: أنه نحو 24 ألف موظف بين عسكري ومدني. فاجأني الرقم كونه يعادل عديد جيش دولة صغيرة في العالم العربي أو يفوقه، أي ضعف الجيش البحريني ونحو ثلاثة أضعاف الجيش القطري.

بعد التفكير بالأمر، وجدت الرقم منطقياً بالنسبة للدولة التي تعتبر نفسها الأعظم في العالم، والتي يضم جيشها نحو مليون ونصف المليون عسكري في الخدمة ونحو 850 ألف عسكري إحتياطي. فإدارة هذا العدد الضخم من العسكريين، يتطلب عدداً كبيراً من الموظفين والضباط والإداريين، فضلاً عن المهام التي يقوم فيها “البنتاغون” من الإدارة والتخطيط والتنسيق والإعلام والعلاقات العامة والرصد والتجسس والأبحاث والدعم اللوجستي للقوات الأميركية المنتشرة في جميع القارات والمحيطات والبحار.

لكن التفكير بعدد موظفي السفارة الأميركية في العراق الذي يقترب كثيراً من عدد موظفي البنتاغون يظهر أن هذه السفارة هي “بنتاغون مصغّر” أو أكبر قاعدة أميركية في المنطقة.

يقول السفير الهندي السابق في العراق رانجيت سينغ إنه برغم انسحاب القوات الأميركية المعلن من العراق، إلا أن واشنطن قد أعدّت للسيطرة على احتياطيات البلاد من النفط في أي وقت. فبعدما أنفقت الولايات المتحدة ثلاثة تريليونات دولار في العراق، فلا يمكنها على الإطلاق التخلي عن احتياطيات النفط الوفيرة ذات الجودة العالية جداً. ويشير أنه لمواجهة التطورات السلبية سيكون للولايات المتحدة نحو 20 ألف عسكري في سفارتها في بغداد، كما سيكون في كل قنصلية من القنصليات الثلاث في البصرة، وكركوك وإقليم كردستان ألف عسكري.

ورأى السفير الهندي السابق أن القوات الأميركية بعد انسحابها سوف لن تذهب بعيداً عن العراق وسيتم إعادة نشر بعضها في دولة الكويت المجاورة، بحيث يمكن للأميركيين دائماً العودة لأنه سيتم الإبقاء على القواعد العسكرية سليمة، مع بقاء 20 ألف موظف وعسكري في السفارة الموظفين. وأشار إلى أن الولايات المتحدة قد جعلت العراق من دون سلاح جوي ما يعني أن الأجواء العراقية ستبقى تحت السيطرة الأميركية، ما يعني أنها تسيطر على هذه الأجواء وتمنع الآخرين من دخولها,

القواعد الأميركية وتطويق إيران

في تقرير للصحافي “بن بيفن” نشر في موقع الجزيرة بالإنجليزية في الأول من أيار/مايو 2012، إعتبر التقرير أن القواعد العسكرية الأميركية لا تزال تشكل طوّقاً إستراتيجياً على إيران، على الرغم من أن الانسحاب الأميركي من العراق في نهاية عام 2011 قد غيّر نوعاً ما في التوازن الإقليمي لصالح إيران.

وأوضح التقرير أنه بينما تقلّص القوات الأميركية وجودها في أجزاء كثيرة من العالم بسبب التخفيضات في الموازنة، حيث بدأت الخفض التدريجي لقواتها من أفغانستان إلى أن ينتهي الانحساب الكامل بحلول عام 2014، فإن الوجود الدولي لهذه القوات لا يزال واسعاً. فمن أصل 1.4 مليون عسكري هم في الخدمة الفعلية، نشرت الولايات المتحدة 350 ألفاً من قواتها العسكرية في ما لا يقل عن 130 دول أجنبية في جميع أنحاء العالم، إذ يوجد أكثر من 750 قاعدة دولية، بعضها تعود إلى حقبة الحرب الباردة، ولكن الكثير منها تقع في مناطق القتال في الشرق الأوسط أو بالقرب منها، إضافة إلى المتعاقدين من القطاع الخاص والجنود الاحتياط والموظفين المدنيين الذين يعملون في وزارة الدفاع الأميركية.

ويشير التقرير إلى أن المنشآت العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط تعمل على إبقاء العين على إيران. يقول مهران كامرافا، مدير مركز الدراسات الدولية والإقليمية في جامعة جورج تاون – كلية الشؤون الدولية في قطر: كانت هناك ثلاثة أسباب لسعي الولايات المتحدة لتأمين وجود عسكري لها في جميع أنحاء الشرق الأوسط قبل حرب الخليج الفارسي الأولى، وهي “تأمين مصادر النفط، وضمان أمن دولة إسرائيل، ومكافحة التهديدات للمصالح الأميركية. وفي وقت لاحق، أصبح الوجود العسكري المباشر لا على شكل إملاءات، ولكن كمظلة أمنية وبقرارات سياسة واعية من جانب دول الخليج الفارسي العربية”.

ويضيف كامرافا: “لذا، فإن هذه القواعد ليست بالضرورة بسبب إيران، ولكن لا يحتاج لأن تكون عالم صواريخ كي تدرك أن إيران مطوّقة عسكرياً”.

قبل 11 أيلول/ سبتمبر 2001، كانت معظم القوات العسكرية الأميركية في الخارج تتمركز في أوروبا وشرق آسيا. ولكن ارتفع عدد عمليات الانتشار في الشرق الأوسط بشكل كبير خلال الحملات العسكرية الأميركية اللاحقة في أفغانستان والعراق.

وفي عام 2002، قال الاميرال كريغ كويغلي، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) في تامبا، فلوريدا: “هناك قيمة كبيرة في مواصلة بناء المطارات في مجموعة متنوعة من المواقع في محيط أفغانستان، لأنه مع مرور الوقت، يمكن أن تقوم بمجموعة متنوّعة من الوظائف، مثل العمليات القتالية، والإخلاء الطبي وتقديم المساعدات الإنسانية”.

ووفقاً للأرقام الجديدة الواردة من القيادة المركزية الأميركية لقناة الجزيرة في 30 نيسان أبريل 2011، فإن هناك نحو 125 ألف جندي أميركي على مقربة من إيران، 90 الفاً في أفغانستان وحولها، ونحو عشرين ألفاً منتشرين في عدد من الدول في منطقة الشرق الأوسط، وبين 15- 20 ألفاً موّزعين على السفن البحرية الأميركية في المنطقة.

وكان وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا قد أعلن حينها أن الولايات المتحدة سوف يكون لها 40 ألف عسكري في الخليج [الفارسي] بعد الانسحاب من العراق. لكن العدد الدقيق لهذه القوات وموقعها ومهمتها يكاد يكون من المستحيل تحديدها. وفي منتصف أيلول سبتمبر 2012، أكد بانيتا أن الجيش الأميركي ليست لديه أية خطط لتعزيز قواته في الشرق الأوسط برغم الاحتجاجات العنيفة التي استهدفت البعثات الدبلوماسية الأميركية في عدد من الدول العربية، بسبب الفيلم المسيء للرسول محمد(ص). وقال بانيتا: “لدينا وجود كبير في المنطقة”.

وقال أوسكار سيارا، ضابط الشؤون العامة في القيادة المركزية الأميركية، في رسالة البريد الالكتروني لقناة الجزيرة: “نحن مضطرون لاحترام الرغبات المعلنة من مختلف البلدان المضيفة، الذين طلبوا أن لا نعترف بتفاصيل أي وجود أميركي على أراضيها السيادية”، بسبب حساسية هذه الدول الشريكة.

إذاً، تتمتع القوات الأميركية من سلاح جو وبحرية ومشاة البحرية بوجود في سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة إلى الجنوب من إيران، وتركيا وإسرائيل إلى الغرب، وتركمانستان وقيرغيزستان في الشمال، وأفغانستان وباكستان في الشرق. وبالإضافة إلى ذلك، فإن للولايات المتحدة شراكات وثيقة عسكرية مع جورجيا وأذربيجان في منطقة القوقاز، حيث تشارك القوات الأميركية في مهمات تدريبية، تستخدم فيها المرافق المحلية في نقل الإمدادات عبر بحر قزوين نحو أفغانستان.

أصبحت دول آسيا الوسطى مثل أوزبكستان وطاجيكستان عندما أغلقت باكستان طرق إمداد حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، أكثر أهمية لشحن البضائع إلى منطقة الصراع في الجنوب. كما بدأت الولايات المتحدة بشكل مباشر تتنافس مع روسيا والصين على النفوذ الإقليمي.

وفي حين شهد عام 2012 بوضوح الحشود العسكرية الأميركية في الخليج، وخاصة زيادة في حجم القوة القتالية الاحتياطية في الكويت، إلا أن تحركات هذه القوات تحاط بالسرية التامة. يقول مسؤولون أميركيون إن الهدف من زيادة القوات في الخليج [الفارسي] كي تكون بمثابة “رد فعل سريع وقوة طوارئ”، وليس مقدمة لحرب.
كما أعلنت البحرية الأميركية في صيف 2012 عن إطلاق “القاعدة العائمة الأم” يرجّح أن يتم نشرها في منطقة الخليج [الفارسي]. ومن المقرر تحويلها إلى سفينة حربية “يو اس اس بونس” لاستخدامها من قبل القوات البحرية في مهمات مكافحة القرصنة وعملية احتواء إيران. وبينما تتحرك حاملات الطائرات بانتظام في جميع أنحاء الخليج [الفارسي]، فإن هذه السفينة العائمة الجديدة ستكون قادرة على البقاء في المكان نفسه لأسابيع عدة.

وهناك بارجتان حربيتان حاملتا طائرات تعملان في الأسطول الخامس الأمريكي، حاملة الطائرات “إنتربرايز (CVN 65)” التي تعمل في بحر العرب، لدعم عملية “الحرية الدائمة” في أفغانستان، وحاملة الطائرات “ابراهام لينكولن (CVN 72)” التي تجري عمليات الأمن البحري في الخليج [الفارسي]. وهناك نحو 16 الف عسكري في عرض البحر على متن سفن البحرية الأميركية.

فرنسا لديها هي الأخرى حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية، “شارل دي غول”، الذي أفادت التقارير بأنها توجهت إلى الخليج في فبراير شباط الماضي. وكانت فرنسا قد أقامت في عام 2009 محطة بحرية جوية في أبو ظبي.
وعلى الرغم من أن المنشآت الأميركية في تركيا، وإسرائيل، وجيبوتي، ودييغو غارسيا ليست ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية، لكن يمكن أن تستخدم أيضاً في حالة وجود أي صدام مع إيران.

وفي منتصف يوليو/ تموز الماضي، أفادت أنباء عن نية أميركية لتحريك حاملة طائرات إضافية من ميناء نورفولك العسكري في ولاية فيرجينيا باتجاه الخليج [الفارسي] لتصبح الثالثة من نوعها والثانية التي تتوجه الى المنطقة في أقل من ثلاثة أشهر، بعد حاملة الطائرات “ابراهام لينكولن” في ابريل الماضي. وذكرت المصادر أن حاملات الطائرات الثلاث، تحمل كل واحدة منها أكثر من 60 طائرة مقاتلة، إضافة الى عشرات السفن المرافقة من مدمرات وفرقاطات وكاسحات ألغام، مما جعل بعض المراقبين يتوقعون أنه استعداد أميركي لحرب ضد إيران.

قائد “القوات الجو – فضائية” في الحرس الثوري الإيراني العميد أمير حاجي زادة قد حذر قبل يومين أنه اذا اندلعت حرب في المنطقة فربما تتطور الى حرب عالمية ثالثة وأن بلاده ستستهدف القواعد الاميركية في الدول المحيطة بها. وهدد بأن بلاده تعتبر القواعد الأميركية في المنطقة “جزءاً من الأراضي الأميركية وليست أراضي قطرية أو بحرينية او أفغانية وعند وقوع أية حرب سندك جميع تلك القواعد”. وأضاف: “إننا نری أمیرکا والكیان الصهیوني في خانة واحدة ولا یمكن أن نتصور بأن کیان العدو سيخوض مثل هذه الحرب دون إسناد أميركي.. في حال بروز مثل هذه الظروف فستقع حوادث لا يمكن السيطرة عليها وادارتها ومن الممكن ان تتحول هذه الحرب الى حرب عالمية ثالثة”.

الباحثة الألمانية زابينه شميدكه: تأثّراللاهوتيون اليهود بفكرالمعتزلة

حوار خاص –  أجرى الحوار: هيثم مزاحم – مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط – 

الباحثة الألمانية زابين شميدكة (ولدت عام 1964) هي أستاذ الدراسات الإسلامية ومديرة وحدة البحوث في التاريخ الفكري للعالم الإسلامي في جامعة برلين الحرة. لديها درجة البكالوريوس (بامتياز مع مرتبة الشرف) من الجامعة العبرية في القدس (1986)، وشهادة الماجستير من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن (1987)، والدكتوراه من جامعة أكسفورد (1990). هي تلميذة المستشرق الألماني الشهير ويلفريد مادلونغ، الذي تخصص في الدراسات الإسلامية وبخاصة المعتزلة والزيدية والإمامية. هي رئيسة تحرير المقالات اللاهوتية والفلسفية في موسوعة الإسلام Encyclopedia of Islam (طبعة ليدن)، ومديرة مشاركة لتاريخ الفلسفة في الموسوعة نفسها.
نشرت شميدكة نحو 34 كتاباً و84 بحثاً والكثير من الكتب والدراسات والمخطوطات المتعلقة بالجدل اللاهوتي الإسلامي – اليهودي، وكتبت كتاباً عن الفيلسوف اليهودي من بغداد، إبن كمونة (683هـ)، ودراسة عن تأثير المعتزلة على اللاهوت اليهودي. أجرى موقع “البديع” حواراً مع الباحثة شميدكة لسؤالها عن أفكارها وأعمالها. وفي ما يلي نص الحوار:

pr_MG_6424

عمِلت مطوّلًا على دراسات حول فكر المعتزلة ونصوصِهم؛ ما هو عمَلك الأساسيّ في هذا المجال، وما كانت نتائجه؟
لقد تركّز بحثي على المعتزلة، على مدى العقد الماضي. وإنَّ النتيجة الأهمَّ لعملي كانت – على ما أعتقد – أنه باتت نصوص أوّليّة كثيرة لحركة المعتزلة في متناوَل الباحثين عمّا كان مِن قبل. كذلك؛ لقد حررت، مع عدد من الزملاء، مؤلَّف “كتاب الأصول لابن خلّاد” الذي ظلّ محفوظًا في طيّات تعليق مستفيض لأحد العلماء الزيديّينَ المتأخِّرينَ. كذلك؛ حرّرتُ الأجزاءَ الموجودة (المتداوَلة) لكتاب “تصفّح الأدلّة” لأبي الحسين البصريّ، وتعليقًا على “كتاب التذكِرة في الجواهر والأعراض” لابن ماسويه تلميذ عبد الجبار. وكتبت دراسات عديدة لحركة المعتزلة وأبرزِ شخصياتها، إلى جانب التحقيقات التي ذكرتها لنصوصهم؛ كما تمّ استحداث جردات تحوي مصادر لمخطوطات المعتزلة. ولقد نظمتُ مؤتمرات عدّة حول المعتزلة، على مدى العام المنصرم، وأسّستُ “فريق عمل مخطوطات المعتزلة”. وأرى النتيجة الأكثر إرضاءً، من بين ما قمنا به، أنه ازدادَ عدد العلماء الناشئين الذين يدرسون حركة المعتزلة؛ وهو ما يبيِّنه عددُ الأطروحات المقدَّمة في هذا المجال لنيل شهادة الدكتوراه. فباتت إذن حركة المعتزلة على خارطة البحث العلميّ بفعل جهودنا الرامية لذلك.

وماذا عن “القـرّائين” اليهود الذين تأثروا بفكر المعتزلة؟… هلّا حدثـتنا عنهم وعن أعمالهم؟
إنَّ رؤية علماء الدين اليهود للفكر الكلامي للمعتزلة هي أحد الوجوه المذهلة في تاريخ المعتزلة. فبخلاف المسيحية؛ أظهرت اليهودية تقبّلًا للأفكار العقيدية الإسلامية الأساسية (مثل الوُجهة الإسلامية – التوحيد – للاعتقاد بوجود الله). ولقد تبنّى الكتّاب “الربانيون” و”القـرّاؤون” الوُجهة المعتزليّة، بالتحديد، بدرجات متفاوتة منذ القرن التاسع الميلاديّ؛ حتّى ظهرت “المعتزلة اليهودية” مع القرن الحادي عشر. ولقد وضع العلماء اليهود مؤلفاتٍ لهم مضافةً إلى ما ورد إليهم من كتابات المعتزلة، كما أصدروا نُسَخًا مِن كُتب المعتزلة المسلمِين، منقولةً إلى العِبرية. لقد أثرت المعتزلة في صميم الحياة الدينية والفكرية اليهودية في الشرق؛ فقد تبنّى القـرّاؤون وعددٌ من رؤساء الأكاديميات الربانية القديمة (الـ”يشيفوت”) – في بغداد في القرن العاشر الميلادي – نظرة المعتزلة للعالَم. وعلى عكس شأن المعتزلة؛ فإنَّ الأعمال الأشعريّة والكتّاب الأشعريّين لَـقِيَا اهتمامًا قليلًا جدًّا مِن قِبَلِ العلماء اليهود، حتّى أنَّ الاهتمامَ القليل هذا كان على نحو النقد (التصحيحيّ) غالبًا.
إنه مذهلٌ كم من أجزاء من النصوص المعتزلية الإسلامية تُـرصد في المجموعات المتنوعة للجنيزا(وهو كنيس في القاهرة من أهم المصادر لمعرفة تاريخ اليهودية) حول العالَم. والأهمّ من بينها، في هذا المجال، المكتشَفات الشاملة لموادّ مخطوطيّة ضمن “مجموعة أبراهام فيركوفيتش” في المكتبة الوطنية الروسية في سان بطرسبرغ؛ التي يُبحث إلّا في القليل منها حتّى الآن. فنسخة “تصفّح الأدلّة” لأبي الحسين البصري مثلًا – التي ذكرتُها مِن قَبلُ في هذه المقابلة –مستحـدَثة حصرًا مِن أجزاء وُجدت في “مجموعة أبراهام فيركوفيتش” (في حين أنَّ المؤلَّف هذا مفقودٌ كليًّا في العالَم الإسلاميّ).

هل وجدت اختلافات كبيرة بين الشيعة الإثنَي عشريّة والمعتزلة في الفكر العقيديّ لكليهما؟

إن احتضان الشيعة لفكر المعتزلة ظاهرة معروفة جيداً وهو ما هذه الحركة تستمر بعدما توقفت عن الوجود في الإسلام السني الى ما بعد القرن الرابع ميللادي، سكما أن تأثيره استمر كبيراً في الدوائر السنية.
على كل حال؛ في حين قَبِلَ علماء الزيدية بجميع معتقدات المعتزلة، ويمكن اعتبارُهم ممثلين لفكر المعتزلة (فإنَّ مِن الزيديّين مَن تتلمذ على يد أبي عبد الله البصري وقاضي القضاة عبد الجبّار الهمذانيّ في القرن الحادي عشر)؛ رَسَمَ علماء الشيعة الإثنا عشرية (الإمامية) حدودًا واضحة بين الإمامية والمعتزليّة. وبفعل عقيدة “الإمامة” الخاصّة بالشيعة الإثني عشرية، وما تقتضيه من “الإيمان” الذي يرفض المحدَثات من المؤلَّفات (الخارجة عن الطريقة الإمامية الراسخة)؛ رفض علماء الشيعة الإثني عشرية باستمرار عقائدَ المعتزلة الخاصة بـ”الوعد والوعيد”، ومعها فكرة “المنزلة المتوسّطة” (“المنزلة بين المنزلتَين”) للفاسق بين الإيمان والكفر.

هل تعتقدين بأنَّ الزيديّة هم فعلاً الذين حافظوا على مؤلَّفات المعتزلة وهلّا أوضحتَ ذلك؟
بالفعل؛ لم نكن لنعلمَ شيئًا مما هو بين أيدينا اليوم عن المعتزلة، لولا تقبّل الزيدية للمعتزليّة، والنسخ المنظَّم– الذي تمّ بعد التوحيد السياسيّ للمجتمعَين الزيديَّين في شمال إيران واليمن منذ القرن الـ12- للكتابات المعتزليّة لصالح مكتبة الإمام في ظفر (ومن هناك تمّ نقل هذه المقتنيات المخطوطيّة إلى مكتبة المتوَكِّلية في صنعاء، خلال عشرينيّات القرن العشرين) وجميع مكتبات اليمن الصغيرة (العامّة منها والخاصّة). وينبغي أن نعيَ أنَّ الزيديِّينَ في ذلك الوقت كانوا ميّالِينَ إلى كتابات الفرع البهشميّ للحركة المعتزليّة؛ فليس لدينا إذن كتاباتٌ لفروع منافسة للبهشميّة، كالإخشيدية أو مدرسة بغداد. وبالنسبة إلى أفكار أبي الحسين البصريّ العقيدية؛ فإنه لدينا، في مكتبات اليمن، كتاباتٌ لِمُتَّبِعِهِ اللاحِق محمود ابن محمد الملاحميّ الخوارزميّ، في حين لم تصلِ اليمنَ كتاباتٌ دينية للبصريّ (لا سيّما مؤلَّف “غُرَرُ الأدلّة”— الأصغر حجمًا نسبةً إلى مؤلّفه: “تصفّح الأدلّة”). لكنفي الوقت عينه؛ كان مؤلَّفأبي الحسين البصريّ، “المعتمَد في أصول الفِقه”، واسع الشهرة في اليمن، بحسب ما يتبيَّن من خلال النسخ المخطوطة الكثيرة ذات الإسنادات إلى هذا المؤلَّف.

ثمّة ضورة ملحّة لتحرير ودراسة المخطوطات الإسلاميّة المهمَلة، لمساعدة البحث التاريخيّ حيالَ المصادر النَّصّيّة للمناهج المتنوِّعة للفكر الإسلاميّ… ما هي جهودكم في هذا السياق؟

على مدى العقد المنصرم تقريبًا؛ شاهدنا توجّهًا منتظمًا في دراسات اللغة العربية والدراسات الإسلامية نحو “علم فقه اللغة”؛ حيث انتحى كثيرٌ من الباحثين الناشئين منحى دراسة المخطوطات، إما على نحو كونها مَصَادِرَ لدراساتهم، وإما على نحو تقديم أوّل تحرير دقيق للمصادر النَّصّيّة المهمَلة غالبًا حتّى يومنا هذا. وهذا التطور هو نتيجةٌ للثورة الرقمية، وللاهتمام المتزايد للمكتبات ومعاهد البحث العلميّ حول العالَم؛ بحفظ مقتنياتها من المخطوطات عن طريق الوسائل الرقمية (التكنولوجية) وجعلِها في متناوَل الجمهور الأكاديميّ (العلمائيّ) الأوسع. لا يستطيع العلماء أن يهملوا حقيقة أنّه ثمة مئات آلاف المخطوطات في العالَم – في جميع مجالات المعرفة تقريبًا – يحتوي كثير منها على موادَّ نصّيّة قد أهمِلت بالكامل حتّى الآن، أو لم يتمَّ الاعتناءُ بها كما ينبغي. نتيجةَ ذلك؛ ظهر وعيٌ متزايد لحقيقة أنّه ستكون مراجعاتٌ مهمّة في مجالات كثيرة، فورَ إحضار الموادّ المهمَلة (حاليًّا) لتحليلها. ويجب أن تكون المهمّة الأساسية للعلماء المعاصرينَ، في العالم الإسلاميّ وفي الغرب، العملَ على جعل هذه الموادّ المهمَلة في متناول الباحثينَ والعامّة؛ من خلال فَهَارِسَ موثوقةٍ للمخطوطاتِ، وكتاباتٍ علميّة، ودراساتٍ معمَّـقة… ومن الواضح أنَّ هذا سيستغرق عقودًا من الزمن. إلى ذلك؛ إنَّ توزّع المخطوطات المهمَلة على مناطق العالم كافّة، يصعِّب الحصول عليها. وبمعزل عن العقبات السياسية؛ تشكل الحدود الاقتصادية عائقًا كبيرًا، وينبغي تخطّيها بطريقة ما. لذا؛ ينبغي التعاون العلمائيّ المشتـرَك غيرُ المقيّد، على صعيد عالَميّ.
إنّي أثمّن الدعمَ الذي نحظى به مِن قِبل علماءَ ومعاهدَ من حول العالم. وإنَّ جميع مشاريعنا البحثية التي ذكرتُها في هذه المقابلة حتّى الآن، هي ذات مخطوطات مهمَلة وغير معروفة على صعيد البحث العلميّ. ونحن معنيّون ومندمجون في جميع خطوات تحويل المخطوطات المهمَلة إلى مخطوطات متداوَلة على صعيد البحث العلميّ عالميًّا.

هل ثمّة تعاون بينكم وبين علماء أو مَعاهد بحوث من العالَم الإسلاميّ؟ وكيف تقيّمون التعاون بين المعاهد الغربية والمعاهد الإسلامية في هذا الوارد؟
إنَّ العالِم الجدّيّ يرى أهمية قصوى للتعاون بين العلماء والمَعاهد على مستـوًى عالَميّ. وبخلاف مجالات البحث الأخرى؛ ليس ثمة أنماط تقليدية علمائية وطنية في مجال الدراسات الإسلامية. وينبغي علينا إذن، أن نعيَ متى يكون بحثٌ جاريًا في مكان ما، يتماهى مع بحثنا في الموضوع والغاية التي نحن في صددها. وإنَّ المخطوطات الموجودة في أوروبا وروسيا وآسيا الوسطى وأميركا الشمالية تساوي بأهميتها تلك الموجودة في مراكز التعليم التقليدية في العالم الإسلاميّ في القاهرة ودمشق وإسطنبول وطهران، واليمن. وينبغي أن تُـتَاحَ نتائجُ أبحاثنا وأبحاثِ غيرِنا حول العالَم في منابـرَ مفتوحة للجميع، ليسهُل التطوّر في أبحاث المجالات ذات المخطوطات المهمَلة. نحن في “وحدة البحوث” نتعاون مع معاهدَ رائدة في طهران فنشاركَها في نشر “سلسلات كتبية”؛ وإنَّ أعضاء مِن بيننا ينشرون أبحاثُا باللغة العربية والفارسية، ويشاركون زملاء لهم في اليمن وتركيا وعُمان والمغرب وإيران، في أبحاثِهم. وبشكل منتظم؛ تستقبل “وحدة البحوث” في برلين علماء زوّار من لبنان وإيران والسعودية وفلسطين وتركيا. وننظّم مؤتَمرًا عالَميًّا سنويًّا يتمثّل فيه بشكل كبير علماءُ من العالم الإسلاميّ.

هلّا حدّثتنا عن المشاريع البحثية الراهنة والنشاطات، لدى وحدة البحوث في التاريخ الفكريّ للعالم الإسلاميّ؟
إن أعضاء وحدة البحوث مقتنعون بأنَّ البحث الأكاديمي يمتلك القوة لبرهنة أنَّ الأفكار والحركات الفكرية تتخطّى جميع الحدود، في عالم تزداد فيه الحدود الثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية أهميةً. وهذا ينطبق على الحركات الفكرية السائدة في الشرق الأوسط (مهد الديانات السماوية التوحيدية الثلاث) حيث أشدّ النزاعات الدائرة في العالم اليوم، وحيث تتالت أنماط الثقافة البشرية البارزة على مدى يفوق الألفَي سنة. وإذا كنا نرجو تأسيس علاقات متينة بين ثقافات وديانات وكيانات سياسية رئيسة، فإنه ينبغي أن نتعرف على الموروث الثقافي الخاصّ بنا، وذلك الخاصّ بالآخرين، وأن نتعرف على أوجه تشابههما. فإن هذه المعرفة ستؤسّس للاحترام المتبادَل، وستجنّب انتشارَ المفاهيم الآيديولوجية المشوَّشة عن الآخرين. وإنَّ العقل البحثيّ المنفتح، والجهوزية لتوسيع دائرة التحقيق العِلميّ، والإرادة لمشاركة النتائج البحثية مع جمهور أوسع؛ تساهِم بفاعليّة في تشكيل رأي عامّ أقلَّ انحيازا وأكثـرَ تهذيبًا.
وبعيدًاعن الاتجاه الأكاديمي الاعتيادي الذي غالبًا ما يركّز على الكتّاب المسلمين أو المسيحيين أو اليهود، وعلى كتاباتهم؛ فإنَّ وحدة البحوث لدينا فريدة في “اعتمادها الثلاثيّ الأبعاد” للتاريخ الفكريّ لمنطقة الشرق الأوسط. فهي تسعى جاهدةً للمساهمة في تهيئة أجواء مسالمة بين المسلمين وغير المسلمين، على صعيد العالم الإسلامي والعالم بأسره. نحن ملتزمون بالقيام بأبحاث فريدة حول مناحٍ متنوِّعة ضمن التاريخ الفكريّ للعالم الإسلاميّ، خاصة فترة العصور الوسطى، وفترة ما قبل الحداثة، والفترات المبكرة للحداثة؛ وإنَّ نتائج أبحاثنا ليست للأكاديميين فحسب، بل هي معروضة لجميع المهتمّين في الشرق وفي الغرب.

ممن يتألف فريق الباحثين وما هي جنسياتهم؟
إنَّ وحدة البحوث لدينا تدرس، وتعكس للمطّلعين، أوجهَ التكافل بين الفكر الإسلامي والفكر المسيحيّ والفكر اليهودي. فريقنا يضمّ باحثين من مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الديانات؛ حتّى أنَّ عدد الباحثين غير المسلمين لدينا يساوي عدد الباحثين المسلمين. فمنهم من ينتمون إلى الغرب، ومنهم من ينتمي إلى الشرق الأوسط. وفي حين نحن جميعًا مطّلعون كباحثينَ على عدد من الاتجاهات ضمن الدراسات الإسلامية، فإنَّ بعضنا متخصّص في الأدب المسيحيّ، والأدب اليهوديّ العربيّ، مع اطّلاع جيّد على لغات ذات صلة؛ كالسريانية والآرامية والقبطية والجودائية-العربيّة والعِبريّة والفارسية.
وقد تأسست وحدة البحوث لدينا في العامِ 2011؛ ويتمّ تمويلُها مِن قِبل طرف ثالث حصرًا. لكن النشاطات المتنوِّعة وبعض المشاريع التي يُعمل عليها ضمن “وحدة البحوث”، قد شُرِعَ بها منذ العامِ 2003.
وتركّز وحدة البحوث حاليًّا على دراسات (مشاريع) في مجال علم الكلام والفلسفة. ففي علم الكلام؛ نحن معنيّون بدراسة الموروث الأدبيّ الغنيّ – وغير المكتشَف على نحو كبير- للمعتزلة. وفي الأعوام المنصرمة؛ تمكّـنّا من تعريف الكثير من المخطوطات، ومِن جعلِها في متناول اليد، من خلال التحرير الدقيق والدراسات المتعمّقة. كذلك نركّز في مجال علم الكلام على الموروث الأشعريّ. فمن سنوات قليلة ماضية؛ تمكّنتُ من رصد مجلَّدَينِ لأكثر المؤلفات الدينية شموليةً لأبي بكر الباقلانيّ، وهو مؤلَّف “كتاب هداية المسترشِدين”، في سان بطرسبرغ وفي طشقند. ونحن على وشك إتمام تحرير دقيق لجميع المجلّدات الأربعة المعروفة لهذا المؤلَّف (والمجلَّدان الآخران موجودان في القاهرة وفاس). إلى ذلك؛ يُعِدُّ أحدُ أفراد طاقمنا حاليًّا دراسة منهجية للباقلانيّ وآرائه العقيدية. واثنان منّا معنيّان بتناول “كلام الأشعريّة” لعلماء دينيّين أقباط عاشوا في القرنَين الـ13 والـ14 الميلاديَّينِ. وقد أشرفنا كذلك على إنجاز كتيّب أوكسفورد عن العقيدة الإسلامية، الذي أحرّره أنا حاليًّا لمصلحة “Oxford University Press”.

ما هي مشاريعكم الحالية وبخاصة في مجال الفلسفة؟
أمّا مشاريعنا الحالية في مجال الفلسفة؛ فهي معنية، بالدرجة الأولى، بدراسة فترة ما بعد ابن سينا. كذلك؛ نقوم بدراسات متنوِّعة حول أبي البركات البغدادي وابن كمّونة ودافيد بن جاشوا بن ميمون، لتسليط الضوء على التداخل الكامن بين الفلسفة اليهودية والفلسفة الإسلامية في الفترة ما بين القرن الـ13 والقرن الـ15 الميلاديَّينِ. كما نقوم بدراسة الجيل الأوّل من المعلِّقينَ على شهاب الدين السُّهرَوَردِيّ، بمعزل عن ابن كمّونة وشمس الدين السهرُورديّ وقطب الدين الشيرازيّ. وبعض باحثينا معنيّون بالدراسة المنهجية للنهضة اليونانية – العربية في الفترة الصفوية (1502م-1736م) في إيران (وخارجها).
وفي الفترة الأخيرة؛ شرَعنا في التعاون الوطيد مع معهد “ماكس بلانك لتاريخ العلوم” المتمركز في برلين، بهدف دمج تاريخ العلوم في نشاطاتنا البحثية.
وقد بدأنا في الفترة الأخيرة كذلك بدراسة مجال: “الإنجيل باللغة العربية، بين اليهود والمسيحيّين والمسلمين”؛ فنحن – من جهة – مهتمّون بدراسة مؤسّسات وتقاليد الترجمة بين اليهود والمسيحيّين والسامِريّين. ومن جهة أخرى، نحن نحقّق في نظرةِ المؤلِّفِينَ المسلمينَ، وأنماطِ فهمهم للإنجيل.
إنَّ أعضاء فريقنا ينشرون نتائج أبحاثنا بشكل منتظم، باللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والعربية والفارسية، على الإنترنت؛ وفي مجلّات متداوَلة بين الأكاديميّين عبر الشبكة وفي “سلسلات كُتُبِيَّةٍ” مشهورة في الغرب وفي العالَم الإسلاميّ. كذلك؛ تنشر وَحدة البحوث لدينا رسائلَ إلكترونية شهرية، وتنظّم حدثًا جماهيريًّا بشكلٍ منتظم كلّ فترة لتنوير الرأي العامّ.

ما هي رؤيتُـكم للعمل وحدة البحوث في السنين المقبلة؟
“وَحدة البحوث” مركزٌ فريد من نوعه، لا في ألمانيا وأوروبّا فحسبُ، بل في العالَم بأسره. إنَّ الصدى الإيجابيَّ لنشاطاتنا على الصعيد المحلي والعالميّ، والبروزَ الهائل الذي حققناه على مدى السنين الماضية، يجعلان ضمانَ مستقبل “وحدة البحوث” أمرًا غاية في الأهمية. هذا يعتمد بشكل أوّليّ على مدى استطاعتنا جلبَ التمويل اللازم للمضي في عملنا. إنَّ رؤيتي هي تحويل “وحدة البحوث” إلى معهدٍ للبحوث، ذي هيكليّة مالية وبشرية متينة، يكون نقطة محورية للعلماء من العالم الإسلاميّ والغرب، الذين سيعملون عندنا متعاضدِينَ لحفظ وتحليل الموروث الفكريّ للعالم الإسلاميّ. أريدهُ أن يكون معهدًا يتدرّب فيه جيل جديد من العلماء. وسيظل التركيز في أبحاثنا على الدراسات البحثية المتطورة الرائدة في مجالها. ونحن نعمل باستمرار على توسيع دائرة تخصّصية “وحدة البحوث”، من خلال استحداث مجالات جديدة كليًّا في التحقيق العلميّ. ولقد تمّ إنشاء مجلّة “التاريخ الفكريّ للعالم الإسلاميّ” المخصّصة للأكاديميّين، والتي ينشرها “Brill, Leiden”. كلّ عدد من هذه المجلّة، حتّى الآن، يتطرّق غالبًا إلى مجالاتِ بحثٍ مهملةٍ ومهمَّشةٍ، بهدف وضعها على خارطة التداول والاطّلاع. وقد عُنِيَ الجزءُ الأول بموضوع “الإنجيل باللغة العربية بين اليهود والسيحيّينَ والمسلمينَ”. وسيكون موضوع الأجزاء المقبلة: “نمط الفهم اليهوديّ والمسيحيّ للعقيدة الإسلامية”(2014)، و”آفاق جديدة في الدراسات اليونانية-العربية”(2015)، و”تواريخ الكُتُبِ في العالَم الإسلاميّ: حياتها، تقلّباتها، وموتها”(2016).

إيران بعد ثورتين

د. هيثم مزاحم

تفتقد معظم الثورات العربية لنموذج تحتذيه في معركتها ضد الاستبداد والاستعمار الذي يدعمه. كما يفتقر بعضها إلى آيديولوجية موّحدة تتبعها، فيما يفتقد جميعها إلى قيادة جامعة توجّهها.
لكن أخطر ما تواجهه الثورات العربية هو محاولات الغرب لاحتوائها وتوجيهها لخدمة مصالحه في العالم العربي والإسلامي في ما يشبه الانقلاب على أهداف الثورات ومنطلقاتها الرافضة للاستبداد والاستعمار.
والثورة الإسلامية في إيران التي أجّجت الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي في نهاية السبعينات، تشكّل نموذجاً للدراسة والاستفادة من تجربتها بعد مرور 35 عاماً على انتصارها.

عرفت إيران خلال عهد الملوك القاجاريين استبداداً شديداً إذ كان هؤلاء الملوك يوسعون صلاحيّاتهم بلا حدود ويعزّزون سلطانهم، إلى الحدّ الذي جعل الشاه ناصر الدين (1848 ــ 1896م) يمنح الامتيازات للشركات الأجنبية بلا حدود وبلا استشارة أحد من الشعب الايراني بمن فيهم مراجع الدين.
وكان من أبرز هذه الامتيازات اتفاقية حصر بيع وشراء التبغ مع شركة بريطانية، إذ ضرب الشاه ناصر الدين بعرض الحائط كل الاعتراضات والمطالبات الشعبية بإلغاء هذه الاتفاقية الاحتكارية الاستعمارية التي كانت تؤدي إلى هيمنة بريطانيا على 20 في المائة من الاقتصاد الإيراني، وألحق ضرراً كبيراً بفئات كبيرة من الشعب الإيراني.

وهذا ما دفع بالمرجع الديني الأعلى للشيعة، الميرزا محمد حسن الشيرازي، الذي كان يقيم في مدينة سامراء في العراق آنذاك، إلى إصدار فتواه التاريخية الشهيرة بحرمة التدخين واستعمال التنباك بأية صورة، زراعة وشراء وبيعاً وتدخيناً، وذلك سنة 1309هـ/ 1891م.
وكان لهذه الفتوى أثر كبير جداً في الشعب الإيراني الذي يطيع المرجعية الدينية بصورة تامة، حيث التزم الإيرانيون بمن فيهم زوجات الشاه بعدم التدخين ممّا اضطرّ ناصر الدين إلى إلغاء امتياز الشركة البريطانية عام 1892 ودعوة العلماء إلى طهران للتعهد لهم باستشارتهم في المستقبل في جميع الأمور.
وقد فتحت المواجهة على خلفية انتفاضة التنباك بين العلماء الشيعة والشعب الإيراني وخاصة الطبقات الوسطى والنخب المثقفة من جهة، والشاه القاجاري ناصر الدين من جهة أخرى، ملف الاستبداد والفساد والانحلال في الحكم القاجاري وتزايد النفوذ الروسي والبريطاني في إيران.
حيث بدأ علماء الدين والمثقفون يطالبون بتطور النظام السياسي الإيراني وإصلاحه، داعين إلى حكومة مشروطة ودستور للبلاد يقيّدان صلاحيات الملك المطلقة بمجلس شورى (برلمان) منتخب من قبل الشعب، على أن يحكم الشاه وفق حكم ملكي دستوري مشروط بالبرلمان.

الثورة الدستورية

تأثرت هذه الحركة الدستورية التي عُرفت بحركة “المشروطة”، بعوامل داخلية وخارجية عدة أبرزها: انتشار الحركات الدستورية في أوروبا والعالم منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، والاستياء الشعبي وخاصة العلماء والتجار من الحكم القاجاري الفاسد والمستبد بسبب تهديده لمصالح الطبقة الوسطى عبر سياسة الامتيازات الممنوحة للدول الأجنبية، وتهديده لسلطات الفقهاء وتبنّيه لسياسات التغريب.
وقد نشأ تحالف بين علماء الدين والمفكرين والمثقفين الإيرانيين بهدف تغيير النظام الإيراني، وعمل السيّد جمال الدين الأسدآبادي المعروف بــ”الأفغاني” على نسج هذا التحالف وذلك لعلاقته وتأثيره في الجماعتين.
قُتل الشاه ناصر الدين عام 1896م على يد أحد تلاميذ جمال الدين، فخلفه ابنه مظفر الدين شاه (1896 ــ 1907م) الذي استوعب هذا الدرس بشدّة فحاول استرضاء المعارضة التي كانت تضغط لإقرار الإصلاحات السياسية والديموقراطية من قبيل وضع دستور وقيام نظام دستوري وإجراء انتخابات للبرلمان.

وعلى الرغم من تنامي دور المثقفين الليبراليين واليساريين المطالبين بهذه الإصلاحات، إلاّ أنّ تبنّي الفقهاء لها ووضعهم لها في إطار شرعي إسلامي قد كفلا نجاح هذه الثورة الدستورية.
وقد قاد هذه الثورة كل من الشيخ محمدكاظم الخراساني والملامحمد عبدالله مازاندراني والشيخ محمدحسين النائيني والشيخ محمد الطباطبائي.
وكان أهم منظّر للثورة والدستور الإيراني الشيخ النائيني (1860 ــ 1936م) الذي كان مرجعاً دينياً كبيراً مقيماً في مدينة النجف في العراق.
فأصدر كتاب “تنبيه الأمة وتنزيه الملة في لزوم مشروطة الدولة المنتخبة لتقليل الظلم على أفراد الأمة وترقية المجتمع”، عرض فيه الأدلة على شرعية الحكومة المشروطة ورد على اعتراضات الفقهاء الذين حرّموا هذه النظرية وخاصة الشيخ فضل الله النوري الذي كتب رسالة في حرمة المشروطة.
أسست نظرية الحكومة المشروطة لقيام حركة سياسية وشعبية للمطالبة بالديموقراطية وتحديد سلطات الشاه القاجاري حيث انطلقت التظاهرات والاعتصامات والإضرابات وخصوصاً في العاصمة الإيرانية طهران بقيادة علماء الدين.

وقد أسفرت هذه الانتفاضة عن رضوخ الشاه مظفرالدين وقيام أول مجلس برلماني دستوري، بإعلان الشاه في 15 آب 1906 “فرمان” أو قرار المشروطة، فأصبحت إيران لأول مرة في تاريخها المعاصر دولة ذات حكم دستوري.
وتشكلت لجنة من العلماء وبعض الشخصيات الوطنية والليبرالية وبعض أعضاء الحكومة وقامت بصياغة قانون الانتخابات وتشكّل البرلمان وصدر الدستور.
وفي كانون الثاني/يناير1907 صادق الشاه مظفرالدين على الدستور الذي استغرق إعداده أربعة أشهر، وكان شديد التأثر بالدستورين الفرنسي والبلجيكي.
وعندما توفي الشاه مظفر الدين، خلفه ولده محمد علي الذي استغل الحركة المضادة لإصلاح الدستور التي كان يقودها السيد كاظم اليزدي، بدعوى أنّ الحرية ضد الدين، فألغى الدستور وعطّل مجلس الشورى، الأمر الذي أثار غضب زعيم الحركة الدستورية آنذاك الشيخ كاظم الآخوند الخراساني (ت 1330هـ/ 1911م) الذي كان يقيم في النجف، فأصدر بياناً شديد اللهجة ضد الشاه، بالنيابة عن مجتهدي النجف وعلمائها.

فقد فجّر الخراساني ثورة جديدة ضد الشاه محمدعلي، الذي رفض الرضوخ لمطالب الحركة الدستورية الديموقراطية، أدت إلى خلع الشاه عن عرشه في سنة 1327هـ / 1909م، وإقامة مجلس الشورى مجدداً في إيران.
على الرغم من أن نجاح الثورة الدستورية كان محدوداً، إلا أنه كشف عن ضعف الدولة القاجارية سياسياً واجتماعياً، ما أفقدها الهيبة في عيون الجماهير التي تأكدت ارتهان الحكومة للسفارتين الروسية والبريطانية، الأمر الذي شجّع على ظهور حركات التمرد والعصيان من قبل العشائر والقبائل ضد السلطة المركزية في طهران. وعلى الرغم من إعلان إيران الحياد في الثاني من أكتوبر 1914، إلا أنها أصبحت أشبه برقعة الشطرنج التي أحكم المتحاربون سيطرتهم على أطرافها، خلال الحرب العالمية الأولى.
وبدأت القوى الروسية والإنجليزية والألمانية تدس عملاءها في كل مكان بين العشائر الكبرى، فأمدتهم بالسلاح واستمر سلوك بعض زعماء العشائر في التمرّد ضد الحكومة المركزية.

أصبح النفط المتدفق في إيران عامل إغراء لبريطانيا التي أقنعت مؤتمر الصلح بمسؤوليتها تجاه إيران، فوقّعت معها عام 1919 معاهدة تضمنت تنظيم المالية والجيش والجمارك وتطويرها في إيران.
وهكذا فرضت هذه المعاهدة الوجود البريطاني بغطاء قانوني، وهو ما أثار غضب الناس ضد الحكومة القاجارية، إذ شعرت الجماهير بأن هذه المعاهدة انتداب جديد لبريطانيا، فانفجرت التظاهرات في كثير من المدن.
ونتيجة التظاهرات، أعلنت الحكومة الإيرانية الأحكام العرفية، وهددت المعارضة بالسجن والنفي، وشددت الرقابة على الصحف. لكن بريطانيا فشلت في الحصول على موافقة البرلمان الإيراني على المعاهدة.

انقلاب رضا خان

بعدما ظهر بوضوح ضعف الدولة القاجارية، تطلّع الإيرانيون إلى قيادة سياسية جديدة، فيما شعرت بريطانيا بأنه بات ضرورياً استبدال العرش القاجاري بزعامة قوية قادرة على نيل احترام شعبها وإقناعه بأهمية تطوير العلاقات معها.
وكان المرشح على الساحة قائد قوات القوزاق الفارسي رضا خان، الذي نجح بمساعدة بعض القوى الداخية والخارجية، في قيادة انقلاب عسكري ناجح ضد العرش القاجاري في 12 فبراير 1921. وتمكن رضا خان بعد سنة ونصف من تولّي رئاسة الحكومة في أواخر أكتوبر 1923، بدعم من البريطانيين من خلع الأسرة القاجارية وتأسيس الأسرة البهلوية رسمياً في الثامن من فبراير 1925.
أجرى رضا خان بهلوي بعض الإصلاحات الاقتصادية لتعزيز سلطته، فسعى لاستصلاح الأراضي الزراعية البور أو المهملة، واستقدم خبراء زراعيين لزيادة الإنتاج.

كما اهتم بالصناعة والتجارة الخارجية وألغى الامتيازات الأجنبية، وأنشأ السكك الحديد وشبكة طرق وموانئ وشبكة البرق والهاتف والبريد.
كما إهتم بالتعليم فأنشأ المدارس المدنية وخصوصاً مدارس الإناث، وسمح بخلع الحجاب فيها ومنع الملابس القومية والدينية وفرض ارتداء الملابس الأوروبية، وقلّص عدد المدارس الدينية وألغى بعض المناسبات الدينية وأحل محلّها مناسبات قومية.
كما أنشأ المحاكم المدنية ومنع رجال الدين من ممارسة القضاء إلا بعد الحصول على شهادة الحقوق من جامعة معترف بها.
هنا بدأ الاصطدام برجال الدين حيث شنّ حملة دعائية ضد ما اعتبره “تخلّفاً” واتهمم بـ”العمالة للأجانب”.
كما شجّع الطلاب على الالتحاق بالمدارس العيا المدنية والعسكرية وقدّم لهم حوافر مالية، وأرسل البعثات العلمية إلى أوروبا.
افتتحت جامعة طهران عام 1934 ما ساهم في زيادة عدد الطلاب والطالبات.
ثم أصدر الشاه رضا بهلوي قراراً بإلغاء الحجاب نهائياً عام 1936.
في عام 1935، جاءت الضربة القاصمة للمؤسسة الدينية باستيلاء الشاه على ممتلكات الأوقاف التابعة لها.
وبذلك فقدت المؤسسة الدينية أهم مصادر الدخل الذي كان يعيش عليه رجال الدين ويضمن استقلالها عن الدولة.

وبرغم جهود الشاه لقمع المعارضة وشلّ الحركة الحزبية، إلا أن المعارضة برزت من المؤسسة الدينية والمثقفين واليساريين الذين شكلوا حزب توده الشيوعي.
إتسّمت سياسة رضا شاه بالاستبداد المطلق وآحادية التفكير والقرار، برغم أن مشروعاته الإصلاحية إستهدفت تحديث إيران، لكن وسائل تحقيقها اعتمدت على القهر وفرض التغيير عنوة.
إعتمد الشاه على فرض الضرائب المتنوّعة في تمويل خزانة الدولة، وكانت في الغالب تفرض على المواد الاستهلاكية الضرورية لعامة الناس، مما أرهق السكان.
إذ إرتفعت تكاليف معيشتهم، وانخفضت القدرة الشرائية لرواتبهم، وانتشرت البطالة، وأصبح الموظفون والعمال ينفقون أكثر من نصف دخولهم في تسديد فاتورة الطعام. واشتدت أزمة الطعام والسلع الضرورية إبان الحرب العالمية الثانية، وفرضت الدولة تصدير المنتجات الزراعية إلى الخارج، وانتشر تهريب السلع، وبدأت الرشوة والفساد بالانتشار، وتفسخ الجهاز الإداري والرقابي، ونخر الفساد ضباط الشرطة والجيش.

في هذه الأثناء، واصل الشاه رضا بهلوي في التضييق على المعارضة وإغلاق الصحف المعبّرة عن السخط العام، والتي كانت تفضح بعض حالات الفساد والرشوة. وكتب الوزير المفوّض البريطاني إلى حكومته يقول: “الشاه أصبح موضع كره عام ولايستطيع الاعتماد على مساندة جيشه، وإزاحة الشاه أو حتى إمبراطوريته ستكون شعبية ومطلوبة”.
وانتهى حكم الشاه بفعل الغزو الأنجلو– سوفياتي لإيران في11 سبتمبر1941، وأجبر على مغادرة طهران على متن بارجة بريطانية إلى منفاه في جزيرة موريشيوس ومن ثم إلى جنوب أفريقيا، حتى توفي عام 1944.
لقد أجبر الشاه على التنازل عن العرش لإبنه محمدرضا في 19 سبتمبر 1941، بتوافق بين البريطانيين والسوفيات والأميركيين، بذريعة عدم تعاونه معهم في طرد عناصر المحور من اليابانيين والإيطاليين من إيران.
واضطر الشاه الجديد محمدرضا للتعهد للأميركيين والبريطانيين بالتعاون معهم، وتطبيق بعض الإصلاحات الضرورية وتطبيق الدستور الإيراني.

جذور الثورة الإسلامية

بدأت جذور الثورة الإسلامية تنبت تدريجياً منذ عام 1949 عندما فكر الشاه محمد رضا في إنشاء دولة إستبدادية تحت حكمه الفردي المباشر، تقوم أعمدتها الأولى على سحق المعارضة بكل أجنحتها.
وكان للولايات المتحدة دور أساسي في تشجيع الشاه على الانفراد بالسلطة، على الرغم من أنها كانت مشاركة في عزل والده بحجة استبداده واستيلائه على موارد الدولة الزراعية والصناعية.
تعرّض الشاه لمحاولة اغتيال في الرابع من فبراير 1949، فاستغلها لقمع المعارضة وتبرير توسيع صلاحياته، فأعلن الأحكام العرفية في البلاد، ومنع الصحف من نشر أي نقد موجّه للأسرة الحاكمة، ثم ألغى حزب “توده” الشيوعي رسمياً، واعتقل الكثير من السياسيين، بينهم الدكتور محمد مصدّق.
كما أنشأ جمعية تأسيسية جديدة كانت باكورة أعمالها منح الشاه الحق بحلّ البرلمان. كما نجح الشاه في تأسيس مجلس للنواب يعيّن نصف أعضائه من أعوانه المقرّبين. وقد وافق هذا المجلس على منح الشاه الحق باسترداد جميع الإقطاعيات والأراضي التي سبق أن صادرها والده من الشعب، وأكره محمدرضا على إعادتها إلى أصحابها تحت إلحاح الحلفاء إبان الاحتلال عام 1941.

قوبلت هذه القرارات الجديدة بمعارضة شديدة من الإيرانيين، وخصوصاً مجموعة محمد مصدّق ومن إنضم إليه من التجار والأعيان وعلماء الدين برئاسة آية الله كاشاني، وجماعات من الوطنيين الليبراليين والأحزاب الاشتراكية الوطنية، الذين كوّنوا “الجبهة الوطنية”.
هذه الجبهة بدأت معارضتها بالمطالبة بإجراء انتخابات حرة وبحرية الصحافة، وإنهاء الأحكام العرفية، وتنفيذ القانون طبقاً للدستور، وتأميم شركة النفط الإنجليزية الإيرانية.
بعدما لقيت “الجبهة الوطنية” تأييداً كبيراً من مختلف فئات الشعب، اضطر الشاه إلى تعيين محمد مصدّق في مايو 1951 رئيساً للوزراء.
ازدادت مخاوف الأميركيين من نفوذ مصدّق الذي ازداد بعد تأميم النفط، فأنذرته الإدارة الأميركية بتجميد مساعداتها لإيران، إذا لم يضمن التسويات النفطية المعقولة التي تضمن حماية مصالحها.
لم يستجب مصدّق لذلك التحذير بل كثّف من تعاونه مع حزب “تودة” الشيوعي ليضمن تأييد السوفيات.
نجح مصدّق في صراعه مع الشاه على السلطة في وضع القوات المسلحة تحت سيطرة وزارة الداخلية التي كان يرأسها، ما حيّد الجيش وشكّل هزيمة للشاه.
كما أعاد جميع الأراضي المصادرة إلى أملاك الدولة، وقام بتطهير الجيش من العناصر الموالية للشاه، وأبعد130 من كبار قواد الجيش، وشكّل لجان تحقيق في الفساد المنتشر في المؤسسة العسكرية.
ونجح أخيراً في إجبار الشاه وعائلته على مغادرة إيران إلى إيطاليا عام 1953.

في أعقاب ذلك، بدأت مجموعة من الضباط المفصولين الاتصال بالاستخبارات المركزية الأميركية وطلبوا منها تمويل انقلاب عسكري للإطاحة بمصدّق وحكومته. تمكّن هؤلاء الضباط بمساعدة الاستخبارات الأميركية وتمويلها من تنفيذ انقلابهم والإطاحة بحكومة مصدّق عبر احتلال مقار الوزارات واعتقال الوزراء، ونسف مسكن رئيس الوزراء مصدق واعتقاله.
عاد الشاه إلى إيران، ولديه رغبة أقوى من ذي قبل في إقامة ديكتاتورية معتمدة على جهاز استخبارات قوي وجيش كبير وجهاز شرطة فعّال.
وبذلك أصبح قادراً على قمع المعارضة واستمر في سياسته القمعية هذه حتى عام 1963، عندما أعلن عن “الثورة البيضاء” حيث هدد كبار الملاك الزراعيين بنزع ملكياتهم، وأنذر رجال الدين بسحب الأراضي التي بحوزتهم.
لكن إصلاحات الشاه هذه واجهت معارضة شديدة من علماء الدين، واتّسعت المعارضة لتشمل الطلاب والتجار والحرفيين.
وكان على رأس هؤلاء الغاضبين الإمام روح الله الخميني، وآية الله طالقاني.
في مراسم عاشوراء عام 1963، بدأ الإمام الخميني يحرّض الجماهير على التظاهر والإضراب احتجاجاً على سياسات الشاه، فأضربت الأسواق وتحوّلت المواكب العاشورائية إلى تظاهرات ومواجهات مع النظام، وسقط فيها نحو ألفي شهيد من المتظاهرين. ومنذ ذلك الحين، استمر الحراك الجماهيري والثوري بفعل خطابات الإمام الخميني التي كانت توّزع عبر منشورات وأشرطة تسجيل(كاسيت) سراً من جهة، وكذلك عبر جهود المفكرين والمناضلين الآخرين، وخصوصاً المفكر علي شريعتي وخطبه وكتبه، والشيهد آية الله مرتضى مطهري وآية الله طالقاني، وغيرهم من المنظّرين والأحزاب والحركات السياسية المعارضة.
لكن الدور الأبرز والأكثر تأثيراً كان للإمام الخميني، الذي تمكن من منفاه في النجف الأشرف ثم في فرنسا، من قيادة الحركة الإسلامية الثورية التي نجحت في الإعداد للثورة وتنظيم صفوفها وتحريض الجماهير وتوجيهها في تظاهرات مليونية أسقطت نظام الشاه في شباط/ فبراير 1979، ومن ثم عاد الامام الخميني من نوفل لوشاتو قرب باريس، ليحصد الانتصار الجماهيري، ويؤسس جمهورية إسلامية جمعت بين مبادئ حركة المشروطة الدستورية ومبدأ ولاية الفقيه الديني الشيعي.

أسباب الثورة الإسلامية في إيران

يرى الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون أن سبب الثورة الإيرانية يعود إلى فساد الشاه وقمع الشرطة، وأن الادعاء بفقر الإيرانيين إن هو إلا أسطورة، لأن حياة الشعب الإيراني في عصره كانت أفضل من أي دولة أخرى في الشرق الأوسط.
وقد أكد له الشاه ذلك عندما قال لنيكسون أثناء لقائهما في المكسيك عام 1979، إنه “أرسل عشرات الألوف من الطلاب إلى العديد من الجامعات في الولايات المتحدة وحدها، ليعودوا وينضموا إلى الثورة ضده”.
لكن ما أغفله نيسكون يتمثل في عاملين أساسيين هما: أخطاء الشاه ومساوئ نظامه، وخصوصاً تبعيته للولايات المتحدة، وغرقه في الترف والتبذير والفساد وتقليد الغرب، وهو ما أثار غضب فئات كبيرة من الشعب الإيراني، المتديّن في معظمه، والمتمسّك بثقافته الإسلامية، والفخور بحضارته العريقة.

أما العامل الثاني، فهو إيمان معظم الشعب الإيراني بالعقيدة الدينية، والتي استطاع الإمام الخميني من خلالها تعبئة الجماهير، وكذلك ارتباط الإيرانيين الديني بمرجعية التقليد، حيث حوّل الإمام الخميني مرجعيته الدينية إلى مرجعية سياسية استناداً إلى مفهوم ولاية الفقيه.
وقد دفعت معارضة الشاه للاعتراف بالمعارضة الإيرانية والقيام بإصلاحات جوهرية استجابة لمطالبها، تجار البازار للمشاركة في الثورة، الذين كانوا يشكلّون طبقة رأسمالية كانت تعدّ القوة الثالثة في إيران، بعد مؤسسات رجال الدين والبلاط الملكي. ولرجال الدين سلطة كبيرة على رجال البازار الذين تضرّروا من سياسات الشاه الاقتصادية، نتيجة “الثورة البيضاء” والتضخّم والركود الاقتصادي، بفعل سياسة التسليح والتصنيع الضخمة للشاه بين عامي 1973 و1977.
وكان الشاه قد أعلن عام 1975 حزبه “راستاخيز” الذي استهدف بسط يده على الأسواق والمؤسسات الدينية.
تلك السياسة أدت إلى سجن ثمانية آلاف تاجر من أصحاب المحلات التجارية، ونفي ثلاثة وعشرين ألفاً منهم.
كل هذا دفع بالبازار إلى أن يلقي بثقله إلى جانب علماء الدين وخصوصاً آية الله الخميني، ما أدى إلى تدعيم معسكر الثورة، وضعضعة النظام الملكي، ومن ثم إنتصار الثورة.
لقد هيأت الظروف الداخلية والدولية للإمام الخميني فرصة زعامة الثورة التي اندلعت قبل عودته بسنتين، وقد تفوّق جناحه الإسلامي الثوري على ألاجنحة الأخرى من تيارات دينية وقومية وليبرالية ويسارية، لأسباب عدة أبرزها:

أولاً: كان الشاه قد نجح بشكل كبير في القضاء على الأحزاب السياسية وإضعافها، وأغلق الجمعيات المهنية والنقابات العمالية وصهرها في بوتقة الحزب الواحد الموالي له “رستاخيز”. لكنه استهان بقوة علماء الدين فتركهم داخل أروقة المساجد يشحنون طلابهم بافكارهم، ويعزّزون أواصر صلاتهم بالبازارات المنتشرة في جميع أنحاء إيران.
ثانياً: أجّج لجوء الشاه إلى القوة العسكرية في إخماد التظاهرات الميول الثورية وأثار السخط الشعبي ضده، ومنح الإمام الخميني فرصة كي يعلن رفضه لأي تسوية مع النظام، ويدعو لتغيير جذري وقيام حكم إسلامي يحقق العدالة الاجتماعية والمساواة ويقضي على الفساد وينصف الفقراء.

ثالثاً: تمكن الإمام الخميني من وضع آيديولوجية إسلامية بسيطة وملائمة لطبقات الشعب الإيراني الفقيرة، مثل الدعوة إلى إعادة توزيع الثروات، ونقل السلطة من الأثرياء إلى الفقراء، والقضاء على الفساد، وتسهيل القروض لصغار المزارعين، وإمداد القرى بالتيار الكهربائي، وبناء المدارس والعيادات الطبية والطرق والمساكن المناسبة للفقراء، فاكتسب تيار الإمام الخميني شعبية واسعة فاقت شعبية التيارات الأخرى.
رابعاً: شخصية الخميني التي جمعت بين الذكاء والوقار وبلاغة الخطاب وكاريزما القائد، وزهده وعرفانه الصوفي، فضلاً عن مرجعيته الدينية الفقهية، وتجسيده لولاية الفقيه باعتباره نائباً للإمام المهدي الغائب، يقوم بمهامه القيادية تمهيداً لظهوره.
كل هذه الصفات القيادية أضفت عليه قداسة وجعلته القائد المطلوب لإنجاح الثورة ومن ثم تأسيس الجمهورية الإسلامية.
دور علماء الدين في الثورة
يقول الباحث الإيراني مسعود كمالي إن إيران قد عرفت ثورتين خلال القرن العشرين، وتفسير هذه التغييرات بمصطلحات اقتصادية وسياسية يطرح أسئلة غير مجاب عليها أو أجيب عليها نصف إجابة.
منها على سبيل المثال: “لماذا نجح العلماء الذين فشلوا في الثورة الأولى(1905) في مجتمع أكثر تقليدية، في قيادة الثورة الإسلامية(1979) وتحقيق انتصارها في مجتمع أكثر حداثة؟

ويوضح كمالي أن جزءاً من تحليله يظهر كيف لعبت العقائد الثقافية الإسلامية دوراً مفصلياً في الثورة الإسلامية، فيما عزّز برنامج الشاه لتحديث إيران من قوة المجموعات الدينية والعلماء الإسلاميين في مجتمع سريع التطور.
ففي فبراير1979 تولّت السلطة مجموعة ثورية يقودها علماء الدين. وبعد شهرين، وعبر استفتاء عام، استبدل نظام الملكية الذي دام لآلاف السنوات، بجمهورية إسلامية يتولى فيها رجال الدين موقعاً قيادياً.
ففي القرن العشرين، شارك علماء الشيعة وقادوا ثورتين كبيرتين في إيران، ثورة الدستور والثورة الإسلامية.
ويرى كمالي أن تحليلنا الثورة الإسلامية في إيران ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أن الإسلام هو عامل اجتماعي وثقافي لعب ويلعب دوراً جوهرياً في الحياة السياسية في إيران.
ويقول إن الفرضية الأساس لدراسته هي أنه بينما شارك العلماء في ثورة الدستور(1905-1909) بهدف التأثير في النظام السياسي وتعزيز موقعهم في المجتمع المدني في إيران، فإن العلماء قد شاركوا في الثورة الإسلامية (1977-1979) بهدف الوصول إلى السلطة السياسية وإعادة بناء المجتمع الإيراني، أي القيام بتغيير جذري وليس إصلاحات جزئية.
لقد هُمِّشَ علماء الدين بوتيرة متزايدة وأقصوا عن مكانتهم المرموقة في المجتمع المدنيّ في إيران، خلال أكثر من خمسين عاماً من سياسة التحديث التسلّطيّة التي اعتمدها نظام بلهويّ.
واغتنم العلماء الفرصة التاريخية الفريدة التي أتاحتها الثورة الإسلامية، من أجل أن يصبحوا قادة المجتمع المدنيّ.

فقد كانت الثورة عمليّةَ إعادة بناء اجتماعي- سياسيّ للمكانة القياديّة للعلماء في المجتمع المدنيّ الإيرانيّ، فهي ثورة تحدث في زمن معاصر وفي مجتمع معاصر. وكان التحالف بين العلماء والبازار موجّهًا نحو إزاحة الشاه ونظامه المَلَكي الحاكم، وكان لعلماء الدين الحضور القياديّ الفعّال.
فقد كان لأحدهم أي الإمام الخميني نظريّةٌ لدولة بديلة عن النظام المَلَكيّ، كما عرف كيفيّة مخاطبة الجماهير الشعبيّة بلغة بسيطة يفهمونها.
بعد انتصار الثورة، جرى استفتاء للشعب في آذار/مارس 1979 أقرَّ الدستور الإسلاميّ بأغلبيّة ساحقة تخطّت الـتسعين في المائة من أفراد الشعب.
وأعلن الإمام الخمينيّ أنَّ الجمعيّة الشرعيّة الوحيدة المُخَوَّلة كتابة الدستور الجديد للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة هي مجلس الخبراء. فانتُخب هذا المجلس، والتَأَم أعضاؤه وَشَرَعوا في كتابة الدستور الإسلاميّ للدولة، ثم أجرِيَت الانتخاباتُ الرئاسيّة في يناير/كانون الثاني 1980.
ولاتزال الثورة الإسلامية في إيران تجربة جديرة بالدراسة لأنها آخر الثورات الكلاسيكية الجذرية حيث اقتلعت النظام الملكي الشاهنشاهي من جذوره وغيّرت البنى السياسية والثقافية والاقتصادية في البلاد لتقيم مكانها بنىً جديدة على أسس إسلامية ووطنية ترفض التبعية لأي دولة لا شرقية ولا غربية، وتنتهج التنمية وصولاً إلى هدف الاكتفاء الذاتي الاقتصادي والعلمي.

المرجعية الشيعية والجدل حول تقليد الأعلم

د. هيثم مزاحم

بعد هزيمة الاتجاه الأخباري الشيعي على أيدي الأصوليين نسبة إلى أصول الفقه بزعامة الشيخ وحيد البهبهاني 1706 – 1791 في كربلاء، حصل البهبهاني على لقب مجدّد الفقه الاثني عشري.
تركز جدل البهبهاني مع خصمه الشيخ يوسف البحراني توفي 1758م على ضرورة الاجتهاد بعد الغيبة الكبرى للإمام المهدي، واستحالة استفتاء الإمام الغائب في قضايا الدين والفقه. وهكذا اتجه البهبهاني إلى القول بـ”العلم الإجمالي” للمجتهد بعد غيبة الإمام، وإمكان تقليده بشكل لم يسبق له مثيل لدى الاثني عشرية، مشيراً إلى أن أحداً لا يستطيع إغلاق باب الاجتهاد برغم عدم تحقق العلم اليقيني. وهكذا، قاد البهبهاني القول ببلوغ المجتهد درجة العلم إلى القول بأنه بمثابة وكيل للإمام أو نائب عنه. ثم جاء الشيخ أحمد النراقي 1245هـ – 1830م فقال بذلك صراحة، مشدداً على أنّ المجتهدين الذين يبلغون هذه الرتبة قلة. وأوضح أن الفقيه الذي يستحق لقب نائب الإمام هو رأس المجتهدين وأعلمهم.
ويبدو أن ثمة تضارباً في الآراء بشأن بداية القول بوجوب تقليد الأعلم، فقد ذكر السيد مرتضى الجزائري، أنّ مسألة تقليد الأعلم، أي اتّباع عامة الناس للمجتهد الأعلم من بين المجتهدين الآخرين، هي مسألة حديثة نسبياً في التاريخ الفقهي الشيعي تعود فقط إلى ثلاثة قرون أو أربعة، إذ لم تكن مطروحة قبل ذلك، ففي العصر القاجاري استخدم العلماء كل التطوّرات التي تقول بتقليد المجتهد الأعلم لتأسيس مرجعية التقليد. وقد ظهر مصطلح الأعلم والأعلمية للمرة الأولى لدى حسن العاملي 1111هـ – 1601م في كتابه”معالم الأصول”.
ويعتقد البعض أن مسألة تقليد الأعلم طرحت في زمن الشيخ جعفر الكبير، المشهور بـ”كاشف الغطاء”1156?1228هـ، بينما يذهب آخرون إلى القول إنها طرحت في زمن شيخ الفقهاء مرتضى الأنصاري 1214 ? 1281 هـ / 1864 م، رائد المرحلة الخامسة من تطوّر الفقه الشيعي، فعندما استقر الشيخ الأنصاري كمرجع تقليد خلفاً للشيخ النجفي الأصفهاني 1266هـ/1849م، رأى أن المعتبر هو الأعلم في أصول الفقه.
وأوضح آية الله الطبطبائي اليزدي 1338هـ/1920م أواخر القرن التاسع عشر شرط الأعلمية، كما قال بضرورة تقليد المجتهد الأعلم. أما المجتهد الأعلم، فهو القادر – استناداً إلى معرفته الوثيقة بأصول الفقه – على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الفرعية. وأكد اليزدي ضرورة التقليد من جانب المكلّف للمجتهد الأعلم، واستحالة معرفة أحكام الدين من دون التقليد. وكان هذا التأكيد على ضروة التقليد ظاهرة جديدة في المذهب الاثني عشري في العصر القاجاري، إذ كان مجتهدو العصر المغولي اكتفوا بالحديث عن ضرورة المجتهد، وخاصة الشيخ حسن العاملي 1601. لكن الشيخ محمد إبراهيم جناتي يزعم أن بحوثاً قام بها تثبت أن مسألة لزوم تقليد الأعلم قد طرحت بعد زمن التشريع.

الدور التاريخي للمرجعية

لعبت المرجعية الدينية لدى الشيعة الاثني عشرية دوراً دينياً واجتماعياً وسياسياً متميّزاً منذ بداية الغيبة الكبرى، فقد أمّنت العلاقة المباشرة بين الفقيه مرجع التقليد وبين أتباعه ومقلّديه، استقلاليةً للمرجعية عن المؤسسة السياسية الحاكمة سياسياً ومالياً، نتيجة اعتماد مراجع التقليد على أموال الخُمس والزكاة، والتي يدفعها لهم مقلّدوهم ليصرفوها في مواردها الشرعية، ومنها سهم الإمام المهدي الغائب الذي يصرف منه على معيشة الفقهاء وعوائلهم وطلاب العلوم الدينية، فضلاً عن رعاية الأيتام والمحتاجين وأبناء السبيل.
وقد مارست المرجعية الدينية أدوراً مهمة في تاريخ الأمة الإسلامية عبر فتاواها التي أصدرتها، فكان لها تأثيرها الكبير في مجريات الأحداث، مثل فتوى آية الله السيد حسن الشيرازي من سامراء، التي حرّم فيها التنباك في إيران عام 1891، وذلك احتجاجاً على اتّفاقية احتكار التبغ الموقّعة بين الشاه ناصر الدين وبريطانيا، مما اضطر الشاه إلى إلغاء هذه الاتفاقية.
وكانت ثورة الدستور أو المشروطة عام 1905، والتي تزعمها اثنان من كبار الفقهاء في إيران، هما السيد محمد الطبطبائي والسيد عبد الله البهبهاني، والتي دعمها كبار مراجع التقليد، وخاصة الشيخ كاظم الخراساني والشيخ عبد الله المازندراني والشيخ محمد حسين النائيني، وكذلك فتوى الملاّ الخراساني بالجهاد ضد الغزو الروسي لإيران عام 1909، مروراً بالفتوى الشهيرة للميرزا محمد تقي الشيرازي في 23 كانون الثاني 1919، والتي حرّمت المشاركة في استفتاء يهدف إلى قيام إدارة بريطانية في العراق، وفتوى الجهاد ضدّ الاستعمار البريطاني التي صدرت عن المراجع في العراق عام 1919، والتي نصّت على قتال الإنكليز وحرمة التعامل معهم، ثم ثورة العشرين في 30 حزيران 1920 ضد الاحتلال البريطاني للعراق، وصولاً إلى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة الإمام الخميني.
وعلى الرغم من القاعدة الجماهيرية الواسعة والموقع السياسي والديني، التي تتمتع بهما المرجعية الشيعية، إلاّ أنها بقيت على شكلها التقليدي القائم على الدور المركزي للمرجع الفرد واستمرت في الغالب في تبنّي الأطر التنظيمية التقليدية نفسها في مسائل تحصيل الأموال الشرعية وصرفها، وفي إدارة الحوزة العلمية ومناهجها العلمية، إلى استمرار تعدد مراجع التقليد وبروز انقسامات وخلافات حول المرجع الأعلم وكيفية تعيينه أو اختياره وتقليده من قبل المكلّفين. كل ذلك جعل بعض العلماء والفقهاء يطرحون أفكاراً ونظريات عدة لتطوير المرجعية الدينية وجعلها مؤسسة قائمة بذاتها ومكوّنة من أجهزة ومستشارين وخبراء متخصصين.

الجدل حول تطوير المرجعية

ولعلّ أبرز المناقشات حول تطوير المرجعية ومأسستها تعود إلى خريف العام 1960 وشتاء العام 1961، حيث انطلقت نقاشات بين الفقهاء والعلماء في إيران حول اختيار مرجع التقليد ووظائفه، وذلك إثر وفاة المرجع الكبير آية الله البروجردي في آذار مارس 1960، وطرح فكرة خلافته والخشية من تدخل حكومة شاه إيران في اختيار مراجع التقليد وتحديد وظائفه. وكان من أبرز الذين طرحوا هذه الفكرة وكتبوا أبحاثاً حول تطوير مرجعية التقليد وآلية اختيارها ووظائفها وتحويلها إلى مؤسسة، آية الله السيد محمود الطالقاني 1979، والسيد مرتضى الجزائري، والشيخ مرتضى مطهري 1979، والشيخ محمد مهدي بهشتي 1980، ومهدي بازركان 1989. وقد صدرت هذه الآراء في كتاب يحمل عنوان”دراسة حول المرجعية والمؤسسة الدينية”، ولاقى الكتاب نجاحاً هائلاً.
ناقش السيد مرتضى الجزائري آلية نشوء مرجعية التقليد لدى الشيعة الاثني عشرية، وخلص إلى أنّ مسألة تحديد من هو الأعلم بين الفقهاء مهمة مستحيلة، إذ قد يتساوى فقيه مع آخر أو أنه لا يمكن فقيهاً أن يكون الأعلم في جميع أبواب الفقه. وبناءً عليه، اقترح الجزائري قيام مجلس شورى للفقهاء، يتألف من كبار الفقهاء المعاصرين.وذكّر بأن الاجتهاد لدى الاثني عشرية هو تطوّر حديث نسبياً. واعتبر أنّ قيام مجلس شورى الفقهاء يعتبر خطوة أولى في تحوّل المرجعية إلى مؤسسة، ويمنح المرجعية الدينية قوة واستقلالية أمام الدولة.
كما ناقش آية الله السيد محمود الطالقاني مسألة تمركز مرجعية التقليد، ورأى أنه لا يجب حصرها في شخص واحد، وذلك انسجاماً مع التطوّرات في العالم، بحيث لا يمكن أحداً من الفقهاء أن يكون الأعلم في جميع أبواب الفقه. وقد برّر رأيه بأنّ الحاجة إلى اتخاذ قرارات في مشكلات تتعلق بأنواع مختلفة من المساواة والمشكلات في الحياة العصرية، تدفع إلى عدم تركّز المرجعية الدينية، وإلى حاجة مرجعية التقليد إلى التوسّع في العلوم والتعمق والتخصص فيها. لكن الطالقاني نبّه إلى مساوئ تعدد مراجع التقليد وعدم مركزية المرجعية الدينية وعدم تعاون الفقهاء في ما بينهم، فاقترح إنشاء لجنة تشكَّل من علماء وفقهاء المحافظات وتلتقي لمناقشة المشكلات المطروحة.
واقترح الجزائري أن يشكَّل مجلس شورى فقهاء برئاسة أحد كبار الفقهاء في إحدى الحوزات العلمية الرئيسة، وأن يبحث هذا المجلس المشكلات الراهنة. أما الطالقاني، فلم يسهب في تحديد سلطات كل من هاتين الهيئتين، أي مجلس شورى الفقهاء ولجنة العلماء، والعلاقة بينهما.
بدوره، بحث آية الله مرتضى مطهّري مسألة مرجعية التقليد، وقارن رؤية الشيعة للاجتهاد والدولة برؤية أهل السنّة لهما، إذ كان الشيعة الاثنا عشرية يرفضون الاجتهاد القياسي الذي استخدمه السنّة، ولكنّهم عادوا وقبلوا به. ورأى مطهّري أنّ على الفقيه المجتهد الحقيقي ليس فقط التمتّع بالقدرة على استنباط الحكم الشرعي والمعرفة بعلوم الفقه والحديث والتفسير واللغة وما سوى ذلك من العلوم الدينية التقليدية، بل عليه أن يكون على صلة بالشؤون العامة المعاصرة في مواجهة المشكلات الجديدة والظروف المتغيّرة في العالم. وعليه، فإن مطهري، الذي يعتقد أن الإنسان له قدرات محدودة، قد ذهب إلى ما ذهب إليه آية الله عبدالكريم يزدي من الدعوة إلى التخصص في الدراسات الفقهية. كما دعا مطهري إلى التعاون بين الفقهاء والعلماء، الذي كانت تفتقده الحوزات الدينية الشيعية.
كما بحث مطهري في دراسة أخرى مسألة المؤسسة الدينية الشيعية ونقاط ضعفها، فدعا إلى جعل المرجعية الدينية مؤسسة. بدوره، دعا السيد محمد بهشتي، الذي اغتيل في بدايات انتصار الثورة الإسلامية عام 1980، إلى الحاجة لقيام مؤسسة دينية تقوم بالاهتمام بالتعليم الديني.
أما أبرز الطروحات الجدية والمنهجية لتطوير المرجعية الدينية ومأسستها، فهما أطروحة كل من آية الله السيد محمد باقر الصدر (توفي 1980)، التي أطلق عليها تسمية”المرجعية الصالحة أو الرشيدة”، وأطروحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله (توفي 2010)، التي سمّاها”المرجعية المؤسسة”، إضافة إلى أفكار متفرقة طرحها الشيخ محمد مهدي شمس الدين (توفي 2001)، والشيخ محمد جواد مغنية (توفي 1980)، والشيخ محمد رضا المظفر وآية الله علي خامنئي.