برنارد لويس.. الناكر لمجازر الأرمن والمحرّض على غزو العراق

بقلم: د. هيثم مزاحم — أثار برنارد لويس، المستشرق والمؤرخ البريطاني – الأميركي البارز والمختص في االشرق أوسط والتاريخ الإسلامي، الذي توفي السبت الماضي في مدينة نيوجيرسي الأميركية، الكثير من الجدل وتعرّض للنقد بسبب كتاباته وأقواله، وبخاصة دعوته للتدخل الغربي العسكري في العالم العربي والإسلامي لنشر الديمقراطية فيه، ونفيه “المجازر الأرمنية”، وآرائه حول “صراع الحضارات”، وكذلك دعمه لإسرائيل و”الإسلاموفوبيا” (رهاب الإسلام) و”الإيرانوفوبيا” (رهاب إيران).

ولد لويس في لندن لعائلة يهودية من الطبقة الوسطى في عام 1916، ودرس في جامعة لندن ثم في باريس، وحصل على درجة الدكتوراه من كلية الدراسات الشرقية على أطروحته “أصول الإسماعيليين”. وفي عام 1938، بدأ العمل كمحاضر مساعد في الدراسات الإسلامية في الجامعة نفسها. وخلال الحرب العالمية الثانية خدم في المخابرات البريطانية في الشرق الأوسط.

وعمل بين عامي 1949 و1974، كأستاذ لتاريخ الشرق الأدنى والشرق الأوسط في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS). وفي عام 1974، بعد علاقة غرامية قصيرة مع أميرة عثمانية، طلق لويس زوجته اليهودية الدنماركية روث هيلين. وقد أثّر هذا الطلاق على صداقته مع العديد من المفكرين اليهود مثل إيلي خدوري، لذلك شعر بالعزلة واضطر إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة حيث تولى كرسي دراسات الشرق الأدنى في برينستون.

في أميركا، أصبح لويس أكثر انخراطاً في السياسة وبدأ في إجراء اتصالات مع أنصار المحافظين الجدد وبدأ في التأثير على النخب الأميركية من خلال وجهات نظره المثيرة للجدل تجاه الإسلام، والصراع العربي الإسرائيلي، و”صراع الحضارات”، والخوف من الإسلام و”التهديد الإيراني”.

كان لويس من أشد داعمي إسرائيل وكان من المفضلين لدى رئيسة الوزراء الإسرائيلية الراحلة غولدا مئير التي قالت إنها تقرأ كتبه. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في رسالة تعزية إن إسرائيل ستظل دائماً فخورة بدفاع برنارد لويس الشجاع عنها، وأشار إلى أنه كان له الشرف في مقابلته مرات عدة على مر السنين.

حصل لويس على الجنسية الأميركية في عام 1982. وكما ذكرت صحيفة التلغراف في 15 شباط – فبراير 2004، فإن العامل الرئيسي في صعود لويس هو أنه كان سماسرة السلطة دائماً يأتون إليه، ليتعلموا منه. فرغم خلفيته البريطانية في الولايات المتحدة، كان رئيس مجلس سياسة السياسة الدفاعية الأميركية السابق ريتشارد بيرل، ونائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز، ورئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي للشرق الأوسط إليوت أبرامز يسعون لمعرفة المزيد عن الشرق الأوسط من لويس منذ عام 1970. لقد بنيت باكراً هذه الشبكة طويلة الأمد وذات المنفعة المتبادلة. ومع فوز جورج بوش الإبن في الانتخابات الرئاسية عام 2000، تغير الوضع العالمي أيضاً.

لقد قام لويس بتقديم توصيات استشارية لعدد من الحكومات الأميركية والأوروبية خلال نصف قرن، والتي ألهمت بعض السياسات الغربية التي أثرت على الشرق الأوسط، وخاصة بالنسبة لإدارة جورج بوش. إذ كان لويس أحد مهندسي غزو العراق. ففي أعقاب هجمات 11 أيلول – سبتمبر 2011، حذر لويس في كانون الأول – ديسمبر من العام نفسه قائلاً: “إذا استمرت شعوب الشرق الأوسط في مسارها الحالي، فإن الانتحاري قد يصبح صفة للمنطقة بأكملها، ولن يكون هناك أي مخرج من دوامة الكراهية الهابطة والحقد، والغضب والشفقة على النفس، والفقر والقمع “.

لقد كان لويس محقاً تماماً فيما يتعلق بخطر ظاهرة الانتحاري التي شهدنا صعودها وجنونها مع تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وأخواتهما. لكن وصفته لأميركا كانت رهيبة: “كن قاسياً أو أخرج”. تُعرّف صحيفة “وول ستريت جورنال” ما تسميه “مبدأ لويس” على أنه “زرع الديمقراطية في دول الشرق الأوسط الفاشلة لقمع الإرهاب”.

لقد شوهد الرئيس جورج بوش الإبن يحمل مقالات برنارد لويس إلى اجتماع في المكتب البيضاوي بعد هجمات 11 سبتمبر. وبعد ثمانية أيام فقط من هذه الهجمات، كان لويس يشرح لريتشارد بيرل، وقد جلس إلى جانب أحمد الجلبي، وذلك في اجتماع مهم مع وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، حيث دعا الاثنان إلى غزو العراق.

كان لويس يدعو إلى استخدام الحد الأدنى من القوة الغربية لفترة زمنية محددة من أجل إعادة المؤسسات السياسية إلى الشرق الأوسط، بدءاً من العراق. ويجادل بأن الديمقراطية تتمتع بفرصة أفضل للترسخ في العراق، أكثر من أي مكان آخر في العالم الإسلامي، بسبب ثروته النفطية، وطبقته الوسطى الكبيرة، وماضيه المستقر ومجتمعه العلماني.

لم يكن لويس موفقاً في وصف المجتمع العراقي بالعلماني فهذا المجتمع كان ولا يزال مجتمعًا محافظًا عشائرياً، شكّل تربة خصبة للشقاقات والفتن الدينية والمذهبية والعرقية.

لقد أعجب المؤرخ برنارد لويس، الذي تخصص في التاريخ العثماني، بنموذج تركيا الحديثة مع كمال أتاتورك الذي سيطر على السلطنة العثمانية وجرّ بلاده إلى محاكاة الحداثة الغربية، عن طريق فرض العلمانية المتعصبة التي ألغت الخلافة، وأغلقت المدارس الدينية وحظرت المظاهر الدينية وبينها الحجاب وغيرها من رموز الثقافة الإسلامية. من هنا، أسقط لويس الرؤية الكمالية للدولة العلمانية على الدول العربية من أجل هدف نشر الديمقراطية والحداثة. وكان هذا هو جوهر رؤية جورج دبليو بوش في العراق، حيث كان الهدف الرسمي لإدارته هو فرض “عقيدة لويس”: أي ديمقراطية غربية تفرض من فوق، أي أن يصبح العراق حصناً لأمن أميركا ونموذجاً للمنطقة.

ومن المفارقات أن العراق كان ينتقل من الحالة الأقرب إلى العلمانية مع حزب البعث إلى مجتمع أكثر تديناً وتطرفاً. لقد جلبت هذه القضية الكثير من النقد لبرنارد لويس من عدد من علماء الشرق الأوسط. ففي كتابه “قضية الحضارة الإسلامية المسيحية”، يجادل ريتشارد بولييت بأن “لويس كان يحصل على “روايته الرئيسية” عن العالم الإسلامي الخاطئ منذ أيامه المبكرة في تركيا وما زال يخطئ اليوم”.

علاوة على ذلك، كان لويس هو الذي صاغ مصطلح “صراع الحضارات”، ويعترف صامويل هانتينغتون بأنه التقطه منه. وأوضح لويس وجهة نظره في محادثة مع مركز بيو للأبحاث في 27 نيسان – أبريل 2006، في إجابة على سؤال: “لقد تحدثت من قبل عن الصراع بين الحضارات، وهو مصطلح تم استخدامه بكثرة وأسيء استخدامه أكثر. عندما استخدمته لأول مرة، كنت أستخدمه بمعنى محدود للغاية، ليس كمبدأ عام .. كنت أشير إلى صراع محدد بين حضارتين محددتين. العالم المسيحي والإسلام. وهو صراع لا ينشأ من اختلافاتهما بل عن تشابههما”. وأوضح أن هاتين الديانتين تؤمنان بأن “حقيقتهما ليست عالمية فحسب بل حصرية أيضًا. إنهما يعتقدان أنهم المستفيدان الوفيان من رسالة الله الأخيرة للبشرية.. لدينا ديانتان لهما تصور ذاتي مماثل وخلفية تاريخية مشابهة، لذلك يصبح الصراع حتمياً عندما يعيشان جنباً إلى جنب”.

وقد ساهم لويس في انتشار الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام والإيرانوفوبيا، الخوف من إيران، في المراكز العلمية والأوساط السياسية في الغرب. إحدى توصياته هي أن إيران هي أكبر تهديد في الشرق الأوسط للولايات المتحدة وحلفائها، وهذا أحد مبادئ الولايات المتحدة الذي تسببت في خسائر فادحة للغرب والعالم الإسلامي. وكان لويس أيضاً وراء فكرة شيطنة إيران من أجل تخويف العرب لجعلهم يرون في الغرب وإسرائيل ملاذاً آمناً. فقد شجع الدول الإسلامية والغربية علانية على الدخول في مواجهة شاملة مع إيران حتى يتسنى لإسرائيل أن تستمتع بالسلام والاستقرار. وقال لويس في مقابلة: “عندما تنظر إلى المنطقة، من هم الأعداء المحتملون؟ في المقام الأول، الثورة الإيرانية، والإمبريالية الإيرانية، والثورة الشيعية الإيرانية”.

لقد اعتقد لويس أن إيجاد تفاهم أفضل بين العرب وإسرائيل سيكون في وقت يشعر فيه العرب “بتهديد أكبر”. وقال إن الرئيس المصري الراحل أنور السادات “لم يصنع السلام مع إسرائيل، لأنه كان مقتنعاً فجأة بمزايا القضية الصهيونية. وقد حدث الشيء نفسه مرة أخرى في عدد من المناسبات، والآن يرون إسرائيل كحاجز ضد التهديد الإيراني “.

في وجهة نظره عن الإسلام والعنف، قال لويس إن هناك نظرة سلبية للمسلمين كمجموعة من البرابرة المتعطشين للدماء الذين يختارون بين القرآن والسيف، وإن المسلمين جلبوا معهم الطغيان والظلم. والرأي الآخر يقدم الإسلام كدين للحب والسلام. ويعتقد لويس أن الحقيقة هي في مكان ما بين هذين النقيضين. استخدم لويس مصطلح “الفاشية الإسلامية” للتحدث عن الأصولية الإسلامية، وهو مصطلح أثار انتقادات المسلمين. لذلك عاد إلى استخدام مصطلح “الإسلام المتطرف”.

كتب لويس في مجلة “ذا اتلانتيك” في أيلول – سبتمبر 1990 أن “الإسلام هو واحد من أديان العالم الكبرى. اسمحوا لي أن أكون صريحاً، بصفتي مؤرخاً للإسلام وغير مسلم… لقد جلب الإسلام الراحة وراحة البال إلى ملايين لا حصر لها من الرجال والنساء. لقد أعطى الكرامة والمعنى للحياة المريعة والفقيرة. لقد علم الناس من أعراق مختلفة أن يعيشوا في أخوة وأشخاصاً من عقائد مختلفة أن يعيشوا جنباً إلى جنب في تحمّل معقول. لقد ألهمت الحضارة العظيمة التي عاش فيها آخرون إلى جانب المسلمين حياة إبداعية ومفيدة، والتي، من خلال تحقيقها، أثرت العالم بأسره. لكن الإسلام، كغيره من الديانات الأخرى، عرف أيضاً فترات كان مصدر إلهام لبعض أتباعه مزاجاً من الكراهية والعنف. إنه لسوء حظنا أن جزءًا من العالم الإسلامي .. يمر الآن بمثل هذه الفترة، وأن الكثير والكراهية موجهة ضدنا”.

واعتبر مؤرخ التاريخ العثماني أحد أبرز الناكرين للمجازر الأرمنية إذ رفض وصفها بأنها مجزرة ، وإنما “أعمال مؤسفة أودت بحياة كل من الأتراك والأرمن”. وذكرت الصحافة البريطانية في عام 1997 أن آراء لويس بشأن مقتل مليون أرمني على يد الأتراك عام 1915 لم تكن بمثابة إبادة جماعية وأن محكمة فرنسية قد فرضت عليه غرامة صريحة بعد أن أنكر الإبادة الجماعية. وشرح لويس وجهة نظره في مقابلة قائلاً: “هذه مسألة تعريف، وفي الوقت الحاضر تُستخدم كلمة” إبادة جماعية “بشكل فضفاض للغاية حتى في الحالات التي لا تنطوي على إراقة دماء على الإطلاق. ويمكنني أن أفهم انزعاج أولئك الذين يشعرون بالرفض. لكن في هذه الحالة بالذات، كانت النقطة التي تم تقديمها هي أن مذبحة الأرمن في الإمبراطورية العثمانية كانت هي نفسها التي حدثت لليهود في ألمانيا النازية وهذا كذب واضح. ما حدث للأرمن كان نتيجة تمرد مسلح أرمني ضخم ضد الأتراك، والذي بدأ حتى قبل اندلاع الحرب، واستمر على نطاق أوسع. غادرت أعداد كبيرة من الأرمن، بما في ذلك أفراد من القوات المسلحة، عبر الحدود وانضمت إلى القوات الروسية لغزو تركيا. استولى المتمردون الأرمنيون على مدينة فان واحتلوها لفترة من الوقت يعتزمون تسليمها للغزاة. وكانت هناك حرب العصابات في جميع أنحاء الأناضول. وهذا ما نسميه اليوم الحركة الوطنية للأرمن ضد تركيا. لقد لجأ الأتراك بالتأكيد إلى أساليب شرسة للغاية في صدها. هناك دليل واضح على قرار الحكومة التركية بترحيل السكان الأرمن من المناطق الحساسة، مما يعني بطبيعة الحال كل الأناضول، ولا يشمل ذلك المحافظات العربية التي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية العثمانية. لا يوجد دليل على قرار بالمجزرة. على العكس من ذلك، هناك أدلة كثيرة على محاولة منعها، والتي لم تكن ناجحة للغاية. نعم كانت هناك مذابح هائلة، والأرقام غير مؤكدة جداً، لكن رقم المليون غير محتمل. وقد نفذت المجازر من قبل غير النظاميين، من قبل القرويين المحليين كرد فعل على ما تم القيام به ضدهم، وبعدد من الطرق الأخرى. ولكن لكي نجعل هذا (المجزرة)، بالتوازي مع الهولوكوست في ألمانيا، يجب أن تفترض أن يهود ألمانيا كانوا منخرطين في تمرد مسلح ضد الدولة الألمانية، يتعاونون مع الحلفاء ضد ألمانيا”.

نشر لويس نحو 30 كتاباً ومئات المقالات والدراسات، وبخاصة في التاريخ العثماني وتاريخ سوريا في القرون الوسطى وخصوصاً في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للعرب والمسلمين، وذلك استناداً إلى بحثه في الأرشيف العثماني.

المصدر: الميادين نت

أزمة البحث العلمي في العالم العربي

بقلم: د. هيثم مزاحم* — لا تنهض الأمم من دون تلبية حاجاتها الاقتصادية والتنموية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال بلورة سياسة بحث علمي طويلة الأمد وتأمين الدعم الواسع لها. وعلى سبيل المثال فإن ماليزيا والمغرب كانتا في المستوى العلمي نفسه في بداية هذه الألفية، لنجد أن ماليزيا تتجاوز اليوم الإنتاج العلمي المغربي بمراحل، بفضل استراتيجية للبحث العلمي تشجّع الإنتاج العلمي والابتكار وتغذي البحث التطبيقي المحض.

وثمة اتفاق واسع بين المفكرين والباحثين العرب على ضرورة النهوض بالبحث العلمي في الجامعات العربية وضرورة إدماج نتائج هذا البحث في الخطط التنموية العربية. وعلى الرغم من أن مختبرات الجامعات العربية تنتج اليوم 80 في المئة من البحوث العلمية العربية، ما يجعلها عنصراً أساسياً في أي سياسة تنموية أو إنتاجية، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى الدعم الحكومي المناسب. فإذا قارنا نسب الإنتاج القومي الخام المخصصة للبحث العلمي في عام 2007 في الغرب (1.7% في بريطانيا، و1.9% في الاتحاد الأوروبي)، تبقى النسب العربية متواضعة. ونجد في رأس القائمة العربية 1.02% في تونس، ثم 0.64% في المغرب، و0.34% في الأردن، وفي نهاية القائمة الكويت (0.09%)، السعودية (0.05%)، والبحرين (0.04%)، بحسب تقرير لليونسكو لعام 2010. وقد خلص التقرير إلى ضرورة العمل على تنسيق الجهد بغية ضمان توازن بين البحث العلمي الأساسي الموجه لاستغلال العلم والتقانة من جهة، والبحث العلمي الموجه صوب مشكلات التنمية من جهة أخرى، وذلك نظراً إلى ضآلة نسب الإمكانات المادية المتاحة.

ومن نافل القول بشأن ضرورة النهوض بالبحث العلمي في الجامعات العربية وإدماج نتائج هذا البحث في الخطط التنموية العربية. ولعل أحد أهم عوامل تطوير البحث العلمي الجامعي يكون في ضمان الدولة برامج تمويل لسنوات عديدة.

يفيد تقرير العلوم لليونسكو في نسخته الأخيرة في تشرين الثاني 2015، أن نسبة الإنفاق المحلي الإجمالي للدول العربية كلها على البحث والتطوير بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال واهية جداً. فعام 2013 لم تبلغ هذه النسبة واحداً في المئة من الإنفاق المحلي الإجمالي العالمي إلا بعد جهد بالغ. أي ما مجموعه 15 مليار دولار من أصل إنفاق عالمي بلغ 1477 مليار دولار.

ورغم أن عدد الباحثين في البلدان العربية كلها قد شهد ارتفاعاً من 122900 باحث عام 2007 إلى 149500 باحث عام 2013، لكن نسبتهم من عدد الباحثين في العالم بقيت نفسها أي 1.9%. بينما بلغ عدد السكان العرب 358 مليون نسمة في السنة نفسها، أي نحو خمسة بالمئة من سكان العالم.

أما نصيب العالم العربي من المنشورات العلمية فقد بلغ 29944 بحثاً منشوراً في عام 2014، لكن هذه النسبة لم تتجاوز 2.45% عالمياً. كما بلغ عدد المنشورات العلمية نسبة إلى كل مليون نسمة 82 بحثاً عام 2013، لكنه بقي أقل من نصف المعدل العالمي البالغ 176 بحثاً منشوراً لكل مليون نسمة.

ورغم أن عدد براءات الاختراع العربية المسجلة قد شهدت قفزة مهمة بين عامي 2008 و2013 من 99 إلى 492 براة اختراع، لكن ذلك لا يشكل سوى 0.2% على المستوى العالمي. فماليزيا وحدها سجّلت 566 براءة اختراع. وحيث أن عدد سكان العالم العربي يبلغ نحو 330 مليون نسمة وعدد سكان ماليزيا نحو 26 مليون نسمة، فذلك يعني أن معدل الإبداع في ماليزيا يزيد 15 ضعفاً على معدل الإبداع في الدول العربية مجتمعة.

وقد شهد الإنتاج العلمي العربي تحسناً نسبياً فهو يبلغ حالياً نحو 72% من مثيله في إسرائيل، بينما كان يبلغ 40% في عام 1967. وهو ما يدل على تحسن نسبي لكنه بطيء نتيجة التعثر في مسارات البحث والنشر. ولعل أبرز هذه الأسباب الافتقار إلى التقاليد الراسخة في البحث العلمي، وغياب الخطط البحثية، وشح التمويل، وتراجع أعداد الباحثين العرب مقارنة بالدول المتقدمة وبعض النامية. ففي مصر مثلاً، يوجود 650 باحثاً لكل مليون نسمة، وهو أعلى المعدلات العربية، في حين يوجد في كوريا الجنوبية نحو 4600 باحث لكل مليون نسمة، أي أكثر بثمانية أضعاف.

ولا تزال حركة البحث والنشر العلمي ضعيفة على المستوى العربي مقارنة بالدول المتقدمة وبعض الدول النامية. فمعدل المنشورات العلمية لكل مليون ساكن في العالم العربي بلغ 33.2 في عام 2003، وهو أدنى من معدل كوريا الجنوبية بأكثر من عشرة أضعاف. وقد ارتفع هذا المعدل في العالم العربي منذ عام 1981 ثلاث مرات فقط، في حين زاد في الصين 36 مرة.

مع ذلك، يلاحظ بعض الباحثين وجود بعض المؤشرات الإيجابية في بعض المجالات في السنوات الأخيرة، فقد جاءت كل من تونس وعُمان وقطر والكويت والسعودية في مراتب متقدمة في مؤشر التميز والكفاءة لمراكز البحوث والتطوير العربية، وذلك على التتالي: 36، 38، 45، 46، 52، من بين 127 دولة في العالم بحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (2007-2008).

ومن المؤشرات الأخرى الدالة على الوضع المعرفي والعلمي العربي هو مؤشر الترتيب الأكاديمي للجامعات العالمية، الذي يصدر عن مركز بحث الجامعات العالمية التابع لجامعة جياو تونغ في شنغهاي، وهو أجود تصنيف عالمي للجامعات وأكثرها دقة. إذ لا نجد تصنيف عام 2015 لأحسن 500 جامعة عالمية سوى خمس جامعات عربية، أربع منها سعودية وخامسة مصرية.

كما حقق التعليم العالي في العالم العربي نمواً كبيراً في الأعوام العشرين الأخيرة، إذ بلغ عدد الجامعات 395 جامعة في عام 2008، في حين كان عددها قبل أربعين عاماً لا يتعدى 30 جامعة. وبلغ عدد الملتحقين بالتعليم العالي في عام 2006 أكثر من سبعة ملايين طالب عربي أي بزيادة أكثر من 36 في المئة على عدد الملتحقين في عام 1999.

كل هذه المؤشرات تدل على استمرار ضعف منظومة الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي ووجود مشكلات حقيقية تعيق تطورها وإنتاجها المعرفي ومساهمتها الضرورية في التنمية والإبداع. فالجامعات ومؤسسات البحث العلمي تكتسب أهمية قصوى في تنمية الاقتصادات الوطنية وتطوير الصناعات وابتكار التقنيات والاختراعات.

في الخلاصة نرى ضرورة النهوض بالبحث العلمي في الجامعات العربية وإدماج نتائج هذا البحث في الخطط التنموية العربية، من خلال دعم وتعزيز الجامعات ومراكز البحث العربية على مستويات التمويل والتدريب والكفاءات والحاجات اللوجستية، بوصفها محركاً رئيساً للاقتصاد وعموداً أساسياً لتوليد المعرفة في خدمة الأهداف الحضارية والتنموية.

د. هيثم مزاحم مؤسس ورئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط. باحث في الشؤون العربية والإسلامية والدولية، من أسرة “الميادين نت”.دكتوراه فلسفة من الجامعة اللبنانية. له مقالات ودراسات ومراجعات للكتب منشورة في صحف ومواقع ودوريات عربية وأجنبية، نشر عدداً من الكتب أبرزها: “المستشرق مونتغومري وات والدراسات الإسلامية”،”تطور المرجعية الشيعية: من الغيبة إلى ولاية الفقيه”، “لماذا تحدث الثورات”،”حزب العمل الإسرائيلي”، “العلاقات الأوروبية – الإسرائيلية”، وشارك في 12 كتاباً عن الحركات الإسلامية والجهادية.

المصدر: الميادين نت

دوافع الاتحاد الأوروبي في رفض القرار الأميركي حول القدس

بقلم: رشا العشري

اعتبر موقف الاتحاد الأوروبي، من أهم المواقف الرافضة لقرار الرئيس الأميركي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، حيث اتخذ هذا الموقف أبعاداً متعددة على الصعيد السياسي والاقتصادي والأيديولوجي خاصة فيما يتعلق بدرء خطر الجماعات الإرهابية على الأمن الأوروبي في ظل تصاعد خطر تهديد تلك التنظيمات على الوضع في البلدان الأوروبية، مع التوجس من اتساع كراهية العالم الإسلامي لأوروبا وتأزم العلاقات مع العالم العربي والإسلامي بما يترك تبعات سلبية تؤثر على الوضع السياسي والاقتصادي في منطقة المتوسط وأفريقيا وأسيا لا سيما الشرق الأوسط في ظل تطورات الأوضاع على الساحة الأمنية والسياسية.

دوافع اقتصادية
كان رفض الاتحاد الأوروبي لقرار ترامب ناتجاً عن علاقات اقتصادية وطيدة تربط الأول بالعالم العربي، والذي لم يجازف بها بالرغم من الضغوط الأميركية لتبني القرار أو اتخاذ خطوات إيجابية معه، حيث ارتبط الاتحاد الأوروبي بعلاقات اقتصادية مع العالم العربي ولاسيما دول مجلس التعاون الخليجي، من ثم كان موقفه موحداً برفض القرار. فعامل النفط الذي يشكل 70% من واردات الاتحاد الأوروبي من دول مجلس التعاون الخليجي، والذي يعد مجالاً خصباً أيضاً لاستثمار الشركات الأوروبية كفيلاً بعدم اتخاذ أي خطوات تصعيدية في السياسة الخارجية قد تؤثر على هذه المكاسب الاقتصادية؛ حيث تستأثر دول مجلس التعاون باستثمارات ضخمة في الصناعات البتروكيماوية في دول الاتحاد الأوروبي تصل إلى 53 % من الاستثمارات الخليجية في الخارج، فضلاً عن قطاعات معتمدة، أبرزها التكنولوجيا التي تعتمد على رأس المال الضخم؛ حيث تعتبر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر مستثمر أجنبي في الخليج بعد الولايات المتحدة.
يأتي ذلك في ظل استفادة موازين مدفوعات الدول الأوروبية من صادراتها غير المنظورة إلى دول المجلس والمتمثلة في تحويلات القوى العاملة الأوروبية في منطقة الخليج من أجور ورواتب، وكذلك السياحة الخليجية في دول الاتحاد الأوروبي وخدمات الاستثمار والمقاولات التي توفرها المؤسسات الأوروبية لدول المجلس والخدمات المصرفية والعلاج والتعليم، وغير ذلك من الصادرات غير المنظورة لدول الاتحاد الأوروبي. من ثم اعتبر النفط أحد أهم الدعائم الرئيسية في دعم وتحسين العلاقات السياسية والاقتصادية بين أوروبا والخليج.
وعلى الصعيد التجاري، احتلت دول الخليج المركز الخامس في العلاقات التجارية للاتحاد الأوروبي بين الدول والمجموعات الأخرى، حيث ارتفعت قيمة المبادلات التجارية بين الجانبين إلى ما يزيد على 90 مليار يورو عام 2006، مقارنة بنحو 54 مليار يورو عام 2002. وتأتي المملكة العربية السعودية في المركز الأول بين دول الخليج المصدّرة للاتحاد الأوروبي، حيث تشكل صادرات المملكة نسبة 65 % من إجمالي صادرات دول الخليج إلى الاتحاد الأوروبي. فيما احتلت الإمارات المركز الأول بين دول الخليج المستوردة من الاتحاد الأوروبي، حيث بلغت قيمة وارداتها من دول الاتحاد خلال الفترة السابقة نحو 60.7 مليار يورو وهو ما يمثل نسبة 42 % من صادرات دول الاتحاد إلى دول الخليج، ناهيك عن مجالات التعاون وعقد الاتفاقيات في مجال الثقافة والإعلام والعلوم والسياسة والأمن والسياحة. ومن الجدير بالذكر أن البلاد العربية بأجمعها جاءت عام 2013 في المرتبة الثانية كسوق للصادرات الأوروبية بعد الولايات المتحدة الأميركية، وفي المرتبة الرابعة كمصدر للاتحاد الأوروبي بعد الصين وروسيا والولايات المتحدة.
كما اعتبرت الأسواق المالية الأوروبية من أهم الحاضنات للأموال الخليجية وتوظيفها في أدوات مسعرة، سواء كانت أسهم حقوق ملكية أو سندات أو غيرها. يضاف إلى ذلك أن الصناديق السيادية الخليجية وظفت أموالاً مهمة على شكل استثمارات مباشرة في العديد من القطاعات الاقتصادية في البلدان الأوروبية. من ثم أضحت تلك العلاقات الاقتصادية المتشابكة والمصالح المتبادلة بين الجانبين من أهم الدوافع في عدم اتخاذ الاتحاد الأوروبي منحىً تصعيدياً على الصعيد السياسي في قضية القدس بما ينعكس على توتر تلك العلاقات الاقتصادية أو يدخلها في تأزمات سياسية تضر بتلك المصالح المتشابكة.

دوافع سياسية وأمنية
يرى البعض أن هناك اتجاهين في رفض الاتحاد الأوروبي لتبني القرار، أولها، أن قرار ترامب يمثل خطراً على الدول الأوروبية لأنه يشكل تهديداً على الأمن الأوروبي نظراً لقربه الجغرافي من المنطقة العربية، وأيضاً لوجود جالية ذات أصول عربية وإسلامية كبيرة في أوروبا مما يفاقم من مخاطر تمكن الجماعات الإرهابية من تجنيد العديد من أبناء هذه الجاليات لتوجيه ضربات انتقامية داخل أوروبا نتيجة تبنّي القرار أو عدم استخدام الوسائل الكافية لمنعه من التنفيذ؛ ومن ثم قد يعطي ذلك مشروعية “أيديولوجية”- وفقاً لحسابات هذه الجماعات- تقنع بها أنصارها لتنفيذ عمليات انتقامية داخل أوروبا أو ضد المصالح والمنشآت الأوروبية خارج القارة الأوروبية، خاصة إذا ما تعذر تنفيذ هذه العمليات داخل الأراضي الأميركية أو ضد المصالح الأميركية.
إلا أن الاتجاه الأخر يرى أن الدافع الحقيقي وراء رفض دول الاتحاد الأوروبي للقرار الأميركي، يرجع إلى السلوك العدائي الذي ينتهجه ترامب ضد المجموعة الأوروبية برّمتها منذ فوزه في الانتخابات، وتصريحاته المسيئة ضد قادة وزعماء القارة الأوروبية والمناهضة لحلف الأطلسي الذي يعتبره بأنه «قد عفى عليه الزمن». فضلًا عن دعمه لخروج بريطانيا من الاتحاد، الأمر الذي جعل قادة الدول الأوروبية ينظرون إلى شخص ترامب على أنه تحدٍ وتهديد للاتحاد يجب التكاتف من أجل التصدي له.
هناك اتجاه آخر يرى أن الرفض البريطاني لنقل السفارة الأميركية للقدس، راجعٌ إلى ضغط جيرمي كوربن زعيم حزب العمال، أكبر أحزاب المعارضة في بريطانيا، والذي شغل مؤخرًا منصب رئيس حكومة الظل. إذ يُعرف كوربن بكونه مناصرًا قويًا للقضية الفلسطينية، فقد دعا مرارًا وتكرارًا إلى ضرورة رفع الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، مؤيدًا لسيناريو حل الدولتين، الأمر الذي يثير القلق داخل إسرائيل. فبحسب ما ذكر في صحيفة «التليغراف» البريطانية، فإن «الحكومة التي يقودها كوربن من شأنها أن تزيد من احتمالية إدانة بريطانيا لإسرائيل على الفور في حال تصاعد أي صراع أو قتال بين إسرائيل وحماس أو حزب الله على عكس الحكومات البريطانية السابقة التي دعمت حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها».

خلاصة القول
إن اتخاذ الاتحاد الأوروبي منحى الرفض لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس دليل على تعدد المخاطر من تبني القرار على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني لدول الاتحاد في ظل التوترات السياسية وتفاقم الإرهاب والحروب التي يشتعل بها النظام الدولي في المرحلة الحالية. فالعلاقات الاقتصادية الجمة التي تربط دول الاتحاد بالعالم العربي والإسلامي، والتبعات السياسية الخطيرة من تبني القرار في ظل تراجع الدور الأوروبي في التأثير في السياسة الخارجية في مقابل الولايات المتحدة الأميركية، قد دفعت الأولى لاتخاذ موقف مناهض للإدارة الأميركية برغم الضغوط السياسية عليها، للحؤول دون تفاقم مشاعر الغضب والمعادية للدول الأوروبية من دول العالمين العربي والإسلامي، وضمان استقرار منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط من احتجاجات عارمة قد تفتح المجال لأماكن توتر جديدة تؤثر بدورها على منطقة المتوسط وتُفاقم من الهجرة غير الشرعية. ومن ثم فإن دول الاتحاد تفعل مصالحها في هذا الشأن من خلال العديد من الاتفاقيات مع البلدان العربية بهدف الحد من الهجرة القادمة من هذه البلدان بما لا يفرض عليها أعباء جديدة. ناهيك عن ضمان استقرار بعض القضايا الدولية كالقضية الفلسطينية حتى لا تُثار بشكل أكبر مرة أخرى في المحافل الدولية ويفرض معه تغير في نمط السياسة الخارجية لدول الاتحاد في هذه المرحلة المتأزمة.

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من تقلب الأحداث السياسية التي عمت منطقة بلاد الشام والعراق ومصر في الفترة التي شهدت إعلان بني منقذ لقيام إمارتهم في مدينة شيزر عام 474هـ/1081م سواء أكانت أحداث سياسية محلية كصراعهم مع أتابكة حلب ودمشق والمدن الصغيرة الأخرى المجاورة لهم مثل حماة وأفامية وكفرطاب وغيرها، أم ممثلة في أحداث سياسية إقليمية كبرى شهدت استيلاء الصليبيين على بلدان العالم الإسلامي في الشام والعراق، وامتداد صراع الأتراك السلاجقة إلى بلاد الشام وآسيا الصغرى بحيث شغل ذلك جانبًا كبيرًا من اهتمام معظم الأطراف السياسية في المنطقة، فقد غدت إمارة شيزر – على ضفاف نهر العاصي في قلب بلاد الشام عمومًا وسوريا خصوصًا – في ظل بني منقذ واحدة من أهم مراكز العلوم والآداب في قلب بلاد الشام في تلك الفترة المفعمة بالإضرابات السياسية والعسكرية ومن ثم عدم الاستقرار بخلاف ما تقتضيه ظروف الاهتمام بالعلوم والآداب بشكل عام من استقرار ورخاء.
وقد اهتم أمراء بني منقذ بالعلوم والآداب وبرعوا في ذلك براعة لا نظير لها وبخاصة في مجالات الأدب بعامة والشعر بخاصة، وقد ازدهرت الحركة العلمية والأدبية في ظل بني منقذ لأكثر من عامل منها ظروف العصر السياسية التي جعلت من شيزر ملجأ آمن للعلماء الذين هجروا قراهم ومدنهم أمام زحف الصليبيين على بلاد الشام واستيلائهم على المدن والقلاع المحيطة بشيزر التي انتقلوا إليها واستقروا بها، علاوة على تشجيع الأمراء للعلماء والأدباء وتهيئة الظروف الملائمة للاهتمام بالعلوم والآداب، وإسباغهم عليهم بالأموال والهبات والعطايا، واهتمام بعض الأمراء أنفسهم ببعض المظاهر العلمية والأدبية، وفي مقدمتهم الأمير سديد الملك علي بن مقلد الكفرطابي والأمير مرشد بن منقذ بن علي، وأسامة بن مرشد بن منقذ، وابنه مرهف بن أسامة، ومرهف بن مرهف وغيرهم من بني منقذ. ناهيك عن وجود بعض مراكز العلوم والآداب في شيزر وعلى رأسها المسجد الجامع في المدينة، وتوافر الكتب والمكتبات وبخاصة المكتبات الخاصة، وما إلى ذلك من عوامل أخرى هيأت الظروف أمام العلوم والآداب إلى الازدهار في شيزر.
ويتصدى المقال لمعالجة دور بني منقذ في نسخ الكتب من خلال التعرض لاهتمام أمراء بني منقذ بنسخ الكتب سواء العلمية أم الأدبية علاوة على نسخ القرآن وتذهيب رؤوس السور والآيات والأجزاء، وقد اهتم بعض أمراء بني منقذ بظاهرة نسخ الكتب كأحد مظاهر اهتمامهم بالحياة العلمية والأدبية، وسوف يركز عليها الباحث بوصفها مظهرًا من مظاهر الحركة العلمية لدى أفراد الأسرة سواء داخل أسوار شيزر أم خارجها، وسواء حدث ذلك خلال إمرتهم لشيزر أم خلال فترات زمنية لاحقة لفترة إمرتهم لها. ولا أقصد من وراء ذلك ترجيح انتهاج أمراء بني منقذ لحرفة نسخ الكتب لأجل التكسب والتعيش وإنما بوصفها هواية أفادت ميولهم العلمية والأدبية، بيد أنهم أصلوها بدراستهم للخط وإجادتهم له.
وقد حفلت متون المصادر بإشارات كثيرة أشاد خلالها الذين ترجموا لهم بحسن خطهم وبراعتهم فيه، وأن أغلبهم كان يقوم بسطر مؤلفاتهم بأيديهم بخط حسن على ما أشار الأصفهاني والسمعاني وابن العديم وغيرهم، وقد اهتم بعض الأمراء بدراسة الخط وتحسينه بحيث اشتملت دروس تأديب أمراء بني منقذ وتعليمهم في حلقة الشيخ محمد بن طاهر الداني الطليطلي (ت:519هـ) متولي دار العلم في طرابلس على عهد بني عمار على تعليم الخط الذي كان أحد فروع تأديب صغار الأمراء آنذاك. وللغرض ذاته استضاف بنو منقذ يانس الناسخ الذي اشتهر بطريقته الحسنة في الخط، وظل مقيمًا في كنف بني منقذ وخدم الأمير مرشد بن منقذ بصفة خاصة ونسخ له ختمات عدة للقرآن الكريم. بيد أنه رحل إلى مصر فيما بعد واستُخدم في خزانة الكتب الأفضلية في ظل الفاطميين، وهناك أشاد بعض المؤرخين اللاحقين على غرار المقريزي ببراعته في الخط، وقُرن خطه بخطوط أخرى مشهورة لإبن البواب وراشد ومهلهل والحاكم البغدادي وغيرهم من مشاهير النساخ آنذاك. وهذا يعني أن خدمة يانس الناسخ للأمير مرشد بن منقذ كانت أحد أسرار براعة الأخير في النسخ، ومن المرجح أن قيام يانس الناسخ بتعليم أبناء الأمير مرشد وغيرهم على ما جرت به العادة آنذاك من استخدام المعلم في تعليم أبناء الأسرة الواحدة وتأديبهم، كما استخدم أسامة بن منقذ غنايم المعري الناسخ وكان مما نسخه له بخط يده كتاب “لباب الآداب” الذي انتهى من نسخه في صفر 579هـ.
وقد امتد نسخ الأمراء إلى المصحف الشريف وعلوم القرآن وتفسيره بجانب المجموعات الشعرية والملخصات والمُذيلات والحوليات التاريخية. ولا ينبغي التقليل من أهمية نسخ المصحف في تلك الحقبة، إذ عُد ناسخو المصحف من ذوى الفنون الجميلة آنذاك، وذاع صيت بعض من امتهنوا حرفة النسخ بين رعايا بني منقذ مثل غنائم المعري الذي نسخ عدة كتب لصالح بعض أمراء الأسرة. أما الأمير مرشد وابنه أسامة ناهيك عن مرهف بن أسامة وعلي بن مرشد ومنقذ بن مرشد وغيرهم فقد برعوا فيها جميعًا، وقد أبدى الإمام السمعاني اندهاشه من رؤيته لأحد المصاحف التي نسخها مرشد بن منقذ بخطه “…ورأيت مُصحفًا بخطه كتبه بماء الذهب على الطاق الصوري ما أظن الأعين رأت أحسن منه…”، وأضاف ياقوت الحموي “…ما رأيت ولا أظن أن الرائين رأوا مثله، فقد جمع إلى فضائله حُسن الخط…”.
ولم يُخفِ أسامة بن منقذ فضوله حينما سأل والده عن عدد الختمات التي نسخها “…وكان يكتب خطًا مليحًا (أي الأمير مرشد بن منقذ)…فلما حضرته الوفاة قال: في ذلك الصندوق مساطر، كتبتُ على كل مسطرة ختمة، ضعوها (يعنى المساطر) تحت خدي في القبر فعددناها، فكانت ثلاثاً وأربعين مسطرة، فكان كتب بعدتها ختمات، منها ختمة كبيرة كتبها بالذهب…وكتب ختمة أخرى بالذهب مجردة من التفسير…”.
ولم يقتصر اهتمام الأمير مرشد على نسخ القرآن وقراءاته وإنما نسخ أيضًا بعض كتب التفسير، فكتب ختمة كبيرة “…كتبها بالذهب وكتب فيها علوم القرآن، قراءاته، وغريبه، وعربته، وناسخه ومنسوخه، وتفسيره، وسبب نزوله وفقهه، بالحبر والحمرة والزرقة، وترجمة بالتفسير الكبير…”.
وأشار ابن عساكر إلى نسخ الأمير مرشد بن منقذ ما يقرب من 70 ختمة للقرآن بخطه المليح، وأنه كان ينسخ مُصحفًا وهو يتذاكر مع أبنائه مهاجمة البيزنطيين لشمال الشام عام 531هـ/1137م فرفع المصحف ودعا الله أن يقبض روحه قبل مهاجمتهم شيزر. وقد تُوفي قبل مهاجمة البيزنطيين لشيزر532هـ/1138م، كما نسخ الأمير مرشد بعض أشعار أهل عصره ودونها بخطه الذي تغنى به بعض الشعراء، من ذلك قول الحصفكي:
ألم ترَ أن المزن فاضت فنولت رباب وأروى منه حلي الكواعب
بأبيات نظم أفحمت كل شاعر وآيات نثر أعجمت كــل خاطـــــــــب
وغر معان أعجزت كل عالم وأسطر خط أرعشت كـــــل كاتـــــــــــب

كما حصل ابن العديم أيضًا على مجموع آخر نسبه إلى أهل شيزر عامة ولم يحدد كاتبه، وهو على الرغم من ذلك يُعد تأكيدًا لسيادة الاهتمام بعملية النسخ على وجه العموم. ونقل ابن العديم بعض تراجمه في بغية الطلب عن مجموع شعري بخط أحد أبناء أسامة بن منقذ وقد رجح نسبته إلى الأمير مرهف الذي خلف أباه أسامة في الاهتمام بالآداب، وهو مجموع فيه شعر لشعراء من معرة النعمان. واهتم أمراء آخرون بنسخ الكتب التي تخدم اتجاهاتهم العلمية والأدبية، بحيث ارتبط معظم ما نقله ابن العديم عن خط الأمير أسامة بن منقذ باهتماماته الأدبية والتاريخية، ويرجح قيام أسامة بن منقذ بنسخ بعض كتبه بخطه؛ إذ قدم ابن العديم إشارة صريحة تتحدث عن نقله عن كتاب يُسمى “أزهار الأنهار” بخط أسامة بن منقذ، على حين أورد الأصفهاني رسالة للقاضي الفاضل موجهة إلى أسامة بن منقذ ذكر فيها وقوفه على كُتب بخط أسامة أو ابنه مرهف في حلب، وأكد الصفدي رؤيته نسختين من “ديوان أسامة” بخط يده وأنه نقل عن إحداها، ولا غرو في أن وجود نسختين بخط يد أسامة تُرجح بقوة نسخه مؤلفاته أو بعضها على الأقل بيده.
ونسخ علي بن مرشد صاحب الخط المليح بعض كتب الحديث الذي توفر على سماعه في بغداد، ونقل ابن العديم عن كتاب بخط علي بن مرشد يسمى “البداية والنهاية في التاريخ” وأشار جمال خطه الذي نقل عنه أكثر من 18 رواية، أما منقذ بن مرشد – وهو الابن الثالث للأمير مرشد – الذي شغف بدراسة التاريخ فإنه دون كتاباته بخطه الجميل واعتمد عليها ابن العديم في أكثر من موضع، وأقر له ابن عساكر بأنه “…سمع الحديث الكثير وكتب، وحصل من كتب الحديث قطعة صالحة”، وعليه فإنه يمكن ترجيح قيام أمراء بني منقذ نتيجة لحُسن خطهم وجماله ودراستهم للخط على يد نساخ مشهورين بنسخ مؤلفاتهم بأيديهم أو بعضها على الأقل سواء المؤلفات الدينية أم اللغوية والتاريخية وما سواها.
وقد جمع بعضهم إلى جانب النسخ بعض فنون الخط الأخرى كالتذهيب وتزيين المصاحف “…بالحبر مذهبة الأعشار والأخماس والآيات ورءوس السور ورءوس الأجزاء…”، ناهيك عن براعتهم في فن التجليد. ولا ريب في أن نقل ابن العديم وغيره عن مؤلفات بخط بعض الأمراء بعد مرور أكثر من قرنين من ظهور تلك الأسرة على مسرح الأحداث وبعد مرور أكثر من قرن على انتهاء نفوذها السياسي ما يرجح أن أمراء بني منقذ قدموا أعمالاً قيّمة في مجال النسخ وظلت نسخهم متداولة في أيدي العلماء اللاحقين.

المصادر والمراجع:
أولًا : المصادر:
 ابن الأثير (ت:630هـ/1232م) علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري:
1- الكامل في التاريخ، عنى بمراجعة أصوله والتعليق عليه نخبة من العلماء، ط5، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ/1985م.
2- التاريخ الباهر في الدولة الاتابكية بالموصل، تحقيق: عبد القادر طليمات، القاهرة 1963م.
 أسامة بن منقذ الشيزري (ت: 584هـ/1185م):
3- الاعتبار، تحقيق: فيليب حتى، برنستون، 1930.
4- لباب الآداب، تحقيق: أحمد شاكر، القاهرة، 1354هـ/1935م.
5- ديوان أسامة، تحقيق: أحمد بدوى، وحامد عبد المجيد، المطبعة الأميرية، القاهرة 1953م.
6- العصا، تحقيق: عبد السلام هارون، في نوادر المخطوطات، وأخرى من تحقيق: حسن عباس، هيئة الكتاب، فرع الإسكندرية، ط2، 1981م.
7- المنازل والديار، تحقيق: مصطفي حجازي، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1994م.
8- البديع في نقد الشعر، تحقيق: احمد بدوى وحامد عبد المجيد، القاهرة، 1960م.
9- مختصر سيرة ومناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، مكتبة دار الفكر العربي (د.ت).
 المقريزي: التاريخ المقفى الكبير، تحقيق: محمد اليعلاوى، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991م

ثانيا: المراجع
• أحمد قدري الكيلاني: أسامة بن منقذ، دمشق، 1997م.
• أحمد كمال ذكي: أسامة بن منقذ، القاهرة، 1968م.
• جرجس مخول: “شيزر وبنو منقذ، مجلة البحث التاريخي”، عدد 1، 1977م
• حسن عباس: أسامة بن منقذ، جزءان، الهيئة العامة للكتاب، الإسكندرية، 1981م.
• طاهر الغساني: أسامة بن منقذ، أو شيزر وأل منقذ، المكتبة الوطنية، حماة، د.ت.محمد عدنان قيطاز: أسامة بن منقذ، دمشق، 1998م.
• علي إبراهيم عبد الفتاح كيلاني: “الغربة في شعر أسامة بن منقذ”، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، جامعة مؤتة، الأردن، مجلد 8، عدد 2، ربيع ثان 1414هـ/ أيلول 1993م.
• فيليب حتى: “درس في حياة أسامة بن منقذ وكتاب الاعتبار”، مجلة المجمع العلمي العربي، مجلد10، 1930م.
• محمد أحمد حسين: أسامة بن منقذ؛ صفحة من تاريخ الحروب الصليبية، القاهرة، 1946م.
• محمد جاسم: إمارة بني منقذ العربية، بغداد، 1985م.
• محمد محمد مرسي الشيخ: الإمارات العربية في بلاد الشام في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، الإسكندرية، 1980م.
• محمود عبد الله الجفال: أسامة بن منقذ، حياته وشعره، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة القاهرة.
• يعقوب صروف:
1- “كتاب لباب الآداب”، مجلة المقتطف، جـ12، مجلد32، ديسمبر، 1907م، شوال 1325هـ.
2- “نوادر من لباب الآداب”، مجلة المقتطف، جـ6، مجلد33،يونيه 1908، جماد أول، 1326هـ.

سؤال العنف في فكر الخميني بين النظرية والتطبيق

بقلم: د. هيثم مزاحم* — يرى الإمام الخميني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينقسمان إلى واجب ومندوب، فما وجب عقلاً أو شرعاً وجب الأمر به، وما قبح عقلاً أو حرم شرعاً وجب النهي عنه، وما ندب واستحب فالأمر به كذلك وما كره فالنهي عنه كذلك. وهو يفتي بأن الأقوى أن وجوبهما كفائي، فلو قام به من به الكفاية سقط عن الآخرين، وإلا كان الكل مع اجتماع الشرائط تاركين للواجب. ويشترط أن يكون الآمر أو الناهي يعرف أن ما تركه المكلف أو ارتكبه معروف أو منكر، فلا يجب ذلك على الجاهل بالمعروف والمنكر، فالعلم شرط الوجوب، إذ يجب تعلم شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموارد الوجوب وعدمه والجواز وعدمه، حتى لا يقع الآمر أو الناهي في المنكر في أمره ونهيه.

أما الشرط الثاني لوجوب الأمر أو النهي في الرأي الفقهي للخميني، فهو أن يحتمل تأثير الأمر أو النهي، فلو علم أو اطمأن بعدمه فلا يجب. والشرط الثاني هو الاستمرار بالمنكر. والشرط الثالث ألا يكون في إنكاره مفسدة، فلو علم أو ظن أن إنكاره، موجب لتوجه ضرر نفسي أو عرضي أو مالي يعتد به عليه أو على أحد متعلقيه كأقربائه وأصحابه وملازميه فلا يجب ويسقط عنه، بل وكذا لو خاف ذلك لاحتمال معتد به عند العقلاء.

يقول الخميني في مسألة متعلقة بالموضوع: “لو كان المعروف والمنكر من الأمور التي يهتم بها الشارع الأقدس، كحفظ نفوس قبيلة من المسلمين وهتك نواميسهم، أو محو آثار الإسلام ومحو حجته بما يوجب ضلالة المسلمين، أو إمحاء بعض شعائر الإسلام كبيت الله الحرام، بحيث يمحى آثاره ومحله وأمثال ذلك، لا بد من ملاحظة الأهمية، ولا يكون مطلق الضرر ولو النفسي أو الحرج موجباً لرفع التكليف. ويتابع الخميني: “لو كان في سكوت علماء الدين ورؤساء المذهب (أعلى الله كلمتهم) تقوية للظالم وتأييد له -والعياذ بالله- يحرم عليهم السكوت، ويجب عليهم الإظهار ولو لم يكن مؤثراً في رفع ظلمه. لو كان سكوت علماء الدين ورؤساء المذهب (أعلى الله كلمتهم) موجباً لجرأة الظلمة على ارتكاب سائر المحرمات وإبداع البدع يحرم عليهم السكوت، ويجب عليهم الإنكار، وإن لم يكن مؤثراً في رفع الحرام الذي يرتكب”.

ويفتي الخميني بأنه “لا يجوز إشفاع الإنكار بما يحرم وينكر كالسب والكذب والإهانة، نعم لو كان المنكر مما يهتم به الشارع ولا يرضى بحصوله مطلقاً، كقتل النفس المحترمة وارتكاب القبائح والكبائر الموبقة جاز، بل وجب المنع والدفع ولو مع استلزامه ما ذكر لو توقف المنع عليه. لو كان بعض مراتب القول أقل إيذاء وإهانة من بعض ما ذكر في المرتبة الأولى، يجب الاقتصار عليه، ويكون مقدماً على ذلك، فلو فرض أن الوعظ والإرشاد بقول ليّن ووجه منبسط مؤثر أو محتمل التأثير، وكان أقل إيذاء من الهجر والإعراض ونحوهما، لا يجوز التعدي منه إليهما، والأشخاص آمراً ومأموراً مختلفون جداً، فرب شخص يكون إعراضه وهجره أثقل وأشد إيذاء وإهانة من قوله وأمره ونهيه، فلا بد للآمر والناهي من ملاحظة المراتب والأشخاص، والعمل على الأيسر ثم الأيسر”.

أما المرتبة الثالثة للنهي عن المنكر فهي الإنكار باليد. يفتي الخميني بأنه “لو علم أو اطمأن الناهي بأن المطلوب لا يحصل بالمرتبتين السابقتين أي بالقلب واللسان، وجب الانتقال إلى المرتبة الثالثة، وهي إعمال القدرة مراعياً للأيسر فالأيسر. إن أمكنه المنع بالحيلولة بينه وبين المنكر وجب الاقتصار عليها لو كان أقل محذوراً من غيرها. لو توقفت الحيلولة على تصرف في الفاعل أو آلة فعله -كما لو توقفت على أخذ يده أو طرده أو التصرف في كأسه الذي فيه الخمر أو سكينه ونحو ذلك- جاز بل وجب.

يخطو الخميني خطوة أكبر في مسألة جواز استعمال العنف في النهي عن المنكر، لكنه يشترط الإذن من الفقيه الجامع للشروط، بل يشترط إذن الإمام المعصوم أو من يقوم مقامه في الجرح والقتل، إلا إذا كان دفاعاً عن النفس، فلا يحتاج إلى الإذن. يقول في فتاواه في “تحرير الوسيلة” في هذا الصدد: “لو لم يحصل المطلوب إلا بالضرب والإيلام فالظاهر جوازهما مراعياً للأيسر فالأيسر والأسهل فالأسهل، وينبغي الإذن من الفقيه الجامع الشرائط، بل ينبغي ذلك في الحبس والتحريج ونحوهما. لو كان الإنكار موجباً للجر إلى الجرح والقتل فلا يجوز إلا بإذن الإمام (عليه السلام) على الأقوى.

لكن الخميني حذر جداً ويحتاط كثيراً في الإفتاء بجواز استخدام العنف في النهي عن المنكر، فهو يحرم قتل مرتكب المنكر مع إمكانية دفعه عن المنكر بالجرح مع مراعاة الأيسر فالأيسر في الجرح، ولو تمكن من الدفع بالأدنى من ذلك كالإنكار بالقلب واللسان لوجب عليه ذلك، وإن تعدى الناهي وجب عليه ضمان ذلك من قبيل دفع تعويض لمرتكب المنكر. يقول الخميني: “لا يجوز التعدي إلى القتل مع إمكان الدفع بالجرح، ولا بد من مراعاة الأيسر فالأيسر في الجرح، فلو تعدى ضمن، كما أنه لو وقع عليه من فاعل المنكر جرح ضمن أو قتل يُقتص منه. ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في أمره ونهيه ومراتب إنكاره كالطبيب المعالج المشفق، والأب الشفيق المراعي مصلحة المرتكب، وأن يكون إنكاره لطفاً ورحمة عليه خاصة، وعلى الأمة عامة.

يحصر الخميني الأمور السياسية والقضائية والمالية من تنفيذ الحدود وأخذ الخمس والزكاة والحقوق الشرعية بالإمام المعصوم أو نوابه الفقهاء الجامعين للشروط، باستثناء الجهاد الابتدائي أي الهجومي، وليس الجهاد الدفاعي. وهو يوجب على هؤلاء الفقهاء وجوباً كفائياً القيام بهذه المهام بحسب إمكاناتهم، فيقول: “يجب كفاية على النواب العامين القيام بالأمور المتقدمة مع بسط يدهم وعدم الخوف من حكام الجور، وبقدر الميسور مع الإمكان. يجب على الناس كفاية مساعدة الفقهاء في إجراء السياسات وغيرها من الحسبيات التي من مختصاتهم في عصر الغيبة مع الإمكان، ومع عدمه فبمقدار الميسور الممكن”. ويرى الخميني أنه “لا يجوز الرجوع في الخصومات إلى حكام الجور وقضاته، بل يجب على المتخاصمين الرجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط، ومع إمكان ذلك”.

ويتطرق الخميني في فتوى أخرى إلى المقاطعة الاقتصادية لدول أو شركات أجنبية تضر باقتصاد المسلمين، فيقول: “لو كان في الروابط التجارية من الدول أو التجار مع بعض الدول الأجنبية أو التجار الأجنبيين مخافة على سوق المسلمين وحياتهم الاقتصادية وجب تركها وحرمت التجارة، وعلى رؤساء المذهب مع خوف ذلك أن يحرموا متاعهم وتجارتهم حسب اقتضاء الظروف، وعلى الأمة الإسلامية متابعتهم، كما يجب على كافتهم الجد في قطعها”.

بناء عليه، فإن تولي الشرطة الدينية أو هيئة للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد جعل الأمر خاضعاً للتنظيم والقانون، وأصبح من شأن الدولة وبخاصة في المرتبة الثالثة كالنهي باليد وبخاصة الجرح والقتل. لكن ذلك قد عزز صلاحيات الشرطة الدينية و”الباسيج”، وأجهزة تابعة للأمن والحرس الثوري، التي تقوم بالأمر والنهي وبخاصة فرض ارتداء الحجاب الكامل على النساء في إيران. وكان الأمر مثار جدل كبير بين الإصلاحيين والمحافظين خلال العقدين الماضيين، وبخاصة منذ وصول الرئيس محمد خاتمي إلى الرئاسة عام 1997، وكذلك منذ انتخاب الرئيس حسن روحاني عام 2013.

المصدر: مقتطفات من دراسة للباحث بعنوان “سؤال العنف في فكر الخميني بين النظرية والتطبيق”، ضمن الكتاب 130 (أكتوبر/تشرين الأول 2017) “مرجعيات العقل الإرهابي: المصادر والأفكار”، الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي، منشور في موقع ميدل ايست اونلاين

لعنة الجعرافيا

 

بقلم: إيمان شمس الدين — تدور رحى الصراعات حول قطب الجغرافيا، وما لها من أبعاد هامة خاصة اقتصادية في توجيه السياسات و تصنيف المحاور والتوجهات السياسية المؤدلجة، ولا يمكننا إبعاد الدين أبدا عن هذا الصراع، كونه القطبة الخفبة التي تتحرك في اتجاهات الجغرافيا.

 

اليوم الصراع قائم بكل تفاصيل الماضي، فهو كان ومازال المكون الرئيس في صناعة الحاضر والمستقبل.

 

صراع الصليبيين مع المسلمين، والعثمانيين المسلمين مع الغرب، و اهل قريش في مكة مع رسالة النبي محمد ص والتي اختصروها بصراع نفوذ وزعامات ولم يدركوا رسالته الإلهية.

 

صراع دين العولمة والقطب الواحد ومحاولة بسط نفوذ الثقافة والفكر الذي يراه هذا القطب بحجة التفوق والتحضر ، صراع ثروات حول جغرافيات غنية بالثروات وبالممرات المائية التي تشكل ثقل اقتصادي في التبادل التجاري لدول مطلة عليها بالتالي تشكل نقطة ضعف تتصارع عليها تلك الدول لبسط نفوذها وإملاء سياساتها على الدول المطلة المجاورة.

 

وضع حجر الأساس:

 

كانت الصراعات منذ القرن التاسع عشر قائمة على التوسع المنهجي جغرافيا خاصة بعد سقوط الدولة العثمانية والتسابق بين القوى العظمى على وراثة الإرث الجغرافي العثماني، خاصة الجغرافيا الغنية من جهة بالثروات ومن جهة أخرى بمواقع استراتيجية رابطة ومحورية في المسارات التجارية. هذا فضلا عن الاهتمام بنقاط القوة التي تجمع هذه الجغرافيا وأهمها على الإطلاق الدين والعروبة و الأوطان.

 

ولتحقيق استراتيجيات نابليون التوسعية تم توظيف التالي:

 

  • الخطابات الدينية.
  • استحضار تاريخ الصراعات خاصة بين الصليبيين والمسلمين.
  • توظيف الجغرافيا في ضرب نقاط قوتها الخاصة بمنطقتنا.

 

كان الخوف يكمن في استمرار تلاقي القوة القومية العروبية خاصة مع القوة الدينية الإسلامية خاصة، واستمرار الجمع بين هاتين القوتين يشكل مركز قوة رادع لكل محاولات التوسع والهيمنة.

 

هذا فضلا عما تشكله الجغرافيا الممتدة من النيل إلى الفرات من ثراء تمثل في :

 

  • ثراء معرفي تاريخي متراكم شيد حضارات عدة عكست التنوع العرقي والديني والثقافي في هذا الامتداد.
  • ثراء مادي غني بالمياه والموانئ وطرق التجارة والثروات المعدنية بما فيها النفط.
  • ثراء هوياني قائم على مشتركات غزيرة في الهوية تمثل ثقل وقوة جامعة في هذه المنطقة، قادرة دوما على بناء جسور رابطة بين الشعوب، وهو ما يخشاه دوما أي مشروع توسعي استعماري.

 

”مصر النيل متصلة اتصال غير قابل للانفصال مع السهل السوري الذي يشكل معها زاوية قائمة تحيط بالشاطذ الشرقي – الجنوبي للبحر الأبيض، وهذه الزاوية القائمة بضلعها الجنوبي في مصر تمد تأثيرها بالعرض إلى كل الساحل الشمالي لأفريقيا، وبالطول إلى الجنوب حتى منابع النيل، ومن ضلعها الشمالي في سوريا تلامس حدود بلاد ما بين النهرين  (العراق) وشبه الجزيرة العربية والخليج، وحتى طرق الاقتراب البري البحري إلى فارس والهند.

أي أنه وعلى طول العصور كان لا بد أن تكتمل الزاوية الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض لتدخل في إطار سياسي واحد يجعل كل ضلع منها تأمينا للضلع الثاني“.[1]

 

فجاء الاستعمار بعد سقوط الدولة العثمانية، ليعزز توسعه الجغرافي بخطوة أولية تضمن له ضرب الاتصال العروبي الاسلامي، و تعبد له الطريق للدخول والخروج لمنطقتنا كيف ما شاء ووقت ما شاء.

 

وكانت هذه الخطوة باصطناع كذبة دينية إنجيلية توراتية اسمها وطن اليهود وحقهم التاريخي في أرض كنعان.

 

وكان أول من التفت إلى هذه الفكرة نابليون بونابارت حيث يقول المفكر محمد حسنين هيكل في كتابه ” المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل” :

 

“إن بذور المقدّسات: المحرّمات العربية تجاه الصهيونية وإسرائيل تعود في بداياتها وأصولها إلى القرن التاسع عشر”.

ثم لفت هيكل إلى أن  “طوال القرن التاسع عشر كان العالم مشغولاً بأربع قضايا: ظاهرة الوطنية، وظاهرة التسابق إلى المستعمرات والتنافس عليها بين القوى الأوروبية، والمسألة الشرقية أي التربّص بإرث الخلافة العثمانية، والمسألة اليهودية، فقد كان اليهود هدف عداء استفحل خصوصاً حول تواجد كثافة الوجود اليهودي في شرق أوروبا وروسيا ووقتها كان 90 بالمائة منهم يعيشون على تخوم ما بين روسيا وبولندا”.

واستطاع نابليون – حسب هيكل – الربط والتوليف بين المسائل الأربع وقد التقط في البداية آخرها وهي المسألة اليهودية”.

 

وكانت حملة نابليون على مصر  التي سميت حملة النيل كما يرى هيكل تستهدف هدفين:

“احتلال مصر كبداية لعملية إرث الخلافة. والزحف منها إلى فلسطين والشام. فنابليون لم يكن ينظر إلى مصر وحدها وإنما كان يراها في اتصال غير قابل للانفصال مع السهل السوري الذي يشكّل معها حجر زاوية قائمة تحيط بالشاطئ الشرقي الجنوبي للبحر المتوسّط، وهذه الزاوية القائمة بضلعها الجنوبي في مصر تمدّ تأثيرها بالعرض إلى كل الساحل الشمالي لأفريقيا وبالطول إلى الجنوب حتى منابع النيل، ثم أنها بضلعها الشمالي في سوريا تلامس حدود بلاد ما بين النهرين وشبه الجزيرة العربية والخليج وحتى طرق الاقتراب البري والبحري إلى فارس والهند”.

 

واختياره لتلك المنطقة يعند لذكرياته التاريخية في الحرب الصليبية الاسلامية، وما شكلته هذه المنطقة الجنوبية سواء من خطر خارجي أو من الإسلام والعروبة في مصر وسوريا- ضلعي الزاوية -، اللذين سبق لهما خلال الحروب الصليبية أن صنعا قوة ذاتية تتشجّع على الانفلات من قبضته.

 

وهو ما يتطلب زراعة كيان لا عروبي ولا إسلامي، تابع لفرنسا وفي ذات الوقت مناهض للعروبة والإسلام فيفصل ثقل القوة عن بعضه ليصبح بونابارت  أكثر قدرة على التحكم والهيمنة وتطويع المنطقة لإمبراطوريته الحالمة.

 

لذلك وظف نابليون لهذا الهدف الخطاب الديني في ورقته اليهودية التي وزعت على كل اليهود كنداء منه إليهم حيث قال:

 

” من نابليون بونابرت القائد الأعلى للقوات المسلّحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة منطقة فلسطين الشرعيين

أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الاحتلال والطغيان أن تسلبه إسمه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط.

إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين ـ وإن لم تكن لهم مقدرة الأنبياء مثل إشعياء ويوئيل ـ قد أدركوا ما تنبّأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع أن عبيد الله(كلمة إسرائيل في اللغة العبرية تعني أسير الله أو عبد الله) سيعودون إلى صهيون وهم ينشدون، وسوف تعمّهم السعادة حين يستعيدون مملكتهم  من دون خوف.

انهضوا بقوة أيها المشرّدون في التيه. إن أمامكم حرباً مهولة يخوضها شعبكم بعد أن اعتبر أعداؤه أن أرضه التي ورثها عن الأجداد غنيمة تقسّم بينهم حسب أهوائهم.. لا بدّ من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت نير العبودية، وذلك الخزيّ الذي شلّ إرادتكم لألفي سنة. إن الظروف لم تكن تسمح بإعلان مطالبكم أو التعبير عنها، بل إن هذه الظروف أرغمتكم بالقسْر على التخلّي عن حقكم، ولهذا فإن فرنسا تقدّم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل، وهي تفعل ذلك في هذا الوقت بالذات، وبالرغم من شواهد اليأس والعجز.

إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، ويمشي بالنصر أمامه وبالعدل من ورائه، قد اختار يروشلايم مقراً لقيادته، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي استهانت طويلاً بمدينة داود ملك إسرائيل وأذلّتها.

يا ورثة فلسطين الشرعيين ..

إن الأمّة الفرنسية التي لا تتاجر بالرجال والأوطان كما فعل غيرها، تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء.

انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تحالفهم الأخوي شرفاً لأسبرطة وروما، وأن معاملة العبيد التي طالت ألفي سنة لم تفلح في قتل هذه الشجاعة.

سارعوا، إن هذه هي اللحظة المناسبة ـ التي قد لا تتكرّر لآلاف السنين ـ للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سلبت منكم لآلاف السنين وهي وجودكم السياسي كأمّة بين الأمم، وحقكم الطبيعي المُطلق في عبادة إلهكم يهواه، طبقاً لعقيدتكم، وافعلوا ذلك في العلن وافعلوه إلى الأبد“.

 

”كان استهداف نابليون لمصر لموقعه الفريد كما قدره بنفسه حيث:

  1. معبر مطل على البحر الأبيض النافذ من جبل طارق إلى الأطلنطي متناهيا إلى العالم الجديد في أمريكا، ثم هو مطل على البحر الأحمر الذي يمكن وصله بالبحر الأبيض والذي يتدفق بمياهه جنوبا حتى يدخل إلى بحر العرب عند عدن،ويمتد إلى المحيط الهندي ثم إلى المحيط الهادي.
  2. هو بلد في مستقر في رأس أفريقيا مستند في الوقت نفسه على كتف آسيا.
  3. ثم هو أرض تصلح بطبيعتها السهلة ومواردها الزراعية لأن تكون قاعدة مأمونة لجيش كبير يأكل ويسكن ويستعد في أمان.“ المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل / محمد حسنين هيكل

إذا هو موقع جغرافي وثروات يمكن توظيفها بما يخدم المستعمر وأطماعه التوسعية عبر التاريخ؛[2].

 

 

فكان السعي لأسباب عدة أهمها:

 

  • التخلص من اليهود في أوروبا لدورهم التاريخي في مناهضة المسيحية، وفي الهيمنة الاقتصادية وهو ما يشكل دوما خطر وجودي على تلك الدول.
  • الهيمنة والتوسع المستديمان، عبر  فهم الجغرافيا واللعب على نقاط قوتها وضعفها.
  • تفتيت نقاط القوة وتهشيمها لتتحول إلى نقاط ضعف، من خلال خلق كيان يهودي قومي ديني قادر على تنفيذ خطط الهيمنة والاستعمار  دوما، وضمان بقاء هذه المنطقة الغنية بالثروات المادية والمعنوية تحت نفوذ الغرب.

 

 

 

 

التقسيم الجغرافي والاستعمار:

 

بعد زراعة كيان في فلسطين يفصل بين ضفتي العروبة والإسلام مصر الأفريقية وما تشكله من مطلات جغرافية هامة على القرن الإفريقي، خاصة السودان الخصبة زراعيا ومائيا وبشريا، وسوريا وما تشكل من عمق جغرافي يربطها بتاريخها وحضاراتها وتنوعها بجوار ثري ماديا وثقافيا، هذا فضلا عن الثقل الاقتصادي لسوريا والذي صنعته جغرافيتها الممتدة بامتداد طريق الحرير القديم المتصل إلى الصين.

 

فطريق الحريرهو مجموعة من الطرق المترابطة كانت تسلكها القوافل والسفن وتمرّ عبر جنوب آسيا رابطةً تشآن (والتي كانت تعرف بتشانغ آن) في الصين مع أنطاكية في تركيا بالإضافة إلى مواقع أخرى. كان تأثيرها يمتد حتى كوريا واليابان. أخذ مصطلح طريق الحرير من الألمانية (زايدنشتراسه Seidenstraße)، حيث أطلقه عليه الجغرافي الألماني فريديناند فون ريتشتهوفن في القرن التاسع عشر.

كان لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار كثير من الحضارات القديمة مثل الصينية والحضارة المصرية والهندية والرومانية حتى أنها أرست القواعد للعصر الحديث. يمتد طريق الحرير من المراكز التجارية في شمال الصين حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي. يمرّ الفرع الشمالي من منطقة بلغاركيبتشاك وعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم وحتى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان ووصولاً بالبندقية. أمّا الفرع الجنوبي فيمرّ من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين والعراق والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال أفريقيا. موسوعة ويكيبيديا.

 

فكان لهذا الرابط دورا عميقا اقتصاديا وحضاريا جعل من المنطقة مقصدا تجاريا وثقافيا ونهضويا، وللجغرافيا دورا كبيرا في تشكيله.

 

تطلع الاستعمار إلى المجيء إلى منطقتنا بنفسه مدعيا لنفسه التفوق والتقدم الحضاري بالتالي وصايته على منطقتنا التي تخلفت كثيرا عن ركب حضارته، بالتالي يصح للأمم المتقدمة قيادة وريادة الأمم المتأخرة بحجة الأخذ بيدها نحو التقدم والازدهار.وواضع معاني التقدم والتخلف. وقد أشارت نجلاء مكي في دراستها المعنونة“الاستغراب القسري في جدل التثاقف بين المركز والهوامش“ إلى ذلك قائلة:“فوفقا للتصور الأوروبي المبني على نظرة ثنائية للعالم ”برابرة ومتحضرون“ فإن الغرب هو منتج القيم الإنسانية والمحدد الوحيد لمسار انتقال أي ثقافة من البربرية إلى المدنية، وهي كل الثقافات غير الغير غربية، وواضع معايير التقدم والتخلف“[3]

 

بالتالي وجودنا كمتخلفين وفق تصنيف أوروبا المتحضرة في جغرافيا غنية بالثروات المعرفية والمادية بالتالي غير مؤهلين لإدارة هذه الموارد الغنية، يخول الغرب وضع نفسه قيما حضاريا مخولا في إدارتنا وإدارة مواردنا كما يرى، حتى انتقالنا للمدنية.

 

كان هذا هو العنوان العام لدعوى الغرب في الاستعمار، لكن التفاصيل كمنت بها كل شياطين الدنيا، فبالأصل يعتقد الغرب أنه عرق متقدم دوما، وأننا عرق متخلف، فهو يعيش التمييز العرقي بكل تفاصيله بل بنى حضارته على أساسه، وشعّب مناطق استعماره وفق هذا المبدأ، هذا فضلا عن خلفيته العقائدية التي تدعمها الكنيسة في ضرورة التبشير بالمسيحية، وقد استغلت القيادات السياسية في الغرب هذه النقطة العقائدية لتشجع شعوبها على نزعة الهيمنة والاستعمار، لكنها في حقيقة الأمر لا تتحرك غالبا من بعد ديني بالأصل، بل يحركها عقيدتها الاقتصادية الرأسمالية التي تعزز لديها الرغبة الجامحة المستديمة نحو كل موارد وثروات مادية سواء معدنية أو غيرها، للهيمنة عليها لتضخم رؤوس أموالها فتكون هي المرجعية الإقتصادية الكبرى المهيمنة في العالم، إضافة لتمكنها و تقدمها التقني التكنولوجي والعلمي بالتالي تصبح حتما وإلزاما قوة تفرض سياساتها على منطقتنا.

 

جاء الاستعمار العسكري لمطقتنا كمرحلة ثانية بعد زراعة الكيان الصهيوني، يحاول أن يوطيء الأرض والجغرافيا لهذا الكيان ويمكنه ليتحول لقوة عظمى متقدمة تابعة له وتدير المنطقة وفق إرادته، إضافة لمحاولته تغيير هوية الشعوب بالاستعمار العسكري من جهة، و الاستعمار الثقافي من جهة أخرى، فعمد إلى بناء مدارس وجامعات و استغلال العقول المميزة بتسهيل هجرتها للوطن الأصل، إلا أن مشروع تغيير الهوية وصياغتها وفق عناوين وتفاصيل المستعمر الثقافية لم يتحقق كمنجز استعماري كما تم التخطيط له، والسبب أن الوجود العسكري خلق حاجزا نفسيا كبير لدى الشعوب، و رفع عندها شعور الرفض والمقاومة، وهو دفع كثير من النخب لقيادة الشعوب في المنطقة نحو المواجهة وتحرير الأرض وربطها بالكرامة والعزة، وهو ما كبّد الاستعمار خسائر جمة، وأعاق خطته في تمكين الكيان الغاصب الصهيوني، وتحت ضغط المقاومات الشعبية المتنقلة، وضغط استنزاف طاقات المستعمر وعديده البشري، انتقل الغرب إلى مرحلة جديدة لإكمال مشروعه في الهيمنة خاصة بعد اكتشاف النفط الذي أفقده صوابه ودفعه للاصرار على المضي في خطة الاستعمار لكن هذه المرة بطرق أقل خسارة مادية عليه، وأكثر قدرة على الاختراق الثقافي الناعم.

 

فهناك جبهات اشتعلت في مواجهة المخطط الجديد على المنطقة بسلب فلسطين من أهلها وجعلها واغتصابها ككيان لليهود وبلد قومي إيديولوجي لهم، وذراع استعمارية متقدمة، هذه الجبهات كان أهمها سوريا ولبنان ومصر والأردن، بل شاركت دول بعيدة جغرافيا في الخليج في بعض الحروب المشتعلة في مصر في مواجهة الكيان الصهيوني.

“وانطلقت شعلة المقاومة على أرض فلسطين ذاتها وحتى سنة ١٩٩٣ م رصد عدد ما قدمته فلسطين في ساحات المقاومة وفي مواجهة الكيان الصهيوني منذ نشأته وكانت كالتالي:

٢٦١،٠٠٠ شهيد ، ١٨٦،٠٠٠ جريح ، ١٦١،٠٠٠ معاق ، قرابة مليونين لاجئ.

 

أما لبنان منذ عام ١٩٤٨م إلى ١٩٩٣م رصدت أعداد ما قدمه هذه البلد الصغير الحجم في مواجهة الخطة الاستعمارية الجديدة وكانت كالتالي:

٩٠،٠٠٠ شهيد ، ١١٥،٠٠٠ جريح ، ٩،٦٢٧ معاق، واضطر ٨٧٥،٠٠٠ لبنانيا للهجرة خارج لبنان .

 

أما مصر فما بين ١٩٤٨ م و ١٩٧٣م وهي أكبر بلد تحمل عبئ قيادة المواجهة في تلك الفترة قدمت:

٣٩،٠٠٠ شهيد، ٧٣،٠٠٠ جريح ، ٦١،٠٠٠ معاق وأكثر من مليوني مواطن مصري اضطروا للهجرة من سيناء.”[4]

 

وهذه أرقام تدلل على حجم المقاومة والمواجهة المشتعلة بين أصحاب الأرض و المستعمرين الجدد ورعاتهم، ويدلل على حيوية هذه الأمة، التي رفضت ابتداء رغم ما تعيشه من خلافات و ضغوطات أي استعمار وتواطؤ على الأمة وجغرافيتها. وهذا ما يدفع اليوم المستعمرون الجدد وأقصد بالجدد، أى المنهج الجديد في الاستعمار، يدفعهم لتشويه ثقافة المقاومة والجهاد وربطها بدلالات سلبية تجهض المصطلح في وجدان الشعوب مع التقادم، وتصنع له في ذاكرتهم دلالات وحشية إرهابية تبعدهم عن كل محاولات الرفض، وتصنع لهم ذاكرة ووجدان جديدين تصوغه مفاهيم الرضوخ، والتطبيع، والقبول، والنأي بالنفس عن أي محاولات نهوض ومناهضة.

 

 

الأنظمة الوظيفية وتحويل الأولويات:

 

كانت خطوات الاستعمار في تكريس وجوده متلاحقة، وتعمل على تفريغ شعوب المنطقة من ثرواتها، انتاجيتها الذاتية، طاقاتها البشرية من خلال هدم البنى العقلية، وتهجير عقولها أو القضاء عليها، وكان هذا يستلزم بسط نفوذ أنظمة مستبدة تعمل على هدر كرامة الإنسان، وقتله داخليا، و منع كل محاولات النهضة وتحقيق المساواة والمواطنة الصالحة، وبناء الولاءات بين الحاكم والشعب ليس وفق مبدأ الدولة الوطنية والانتخاب بل وفق مبدأ قبلي يبني جسور القرب و البعد بين الحاكم والشعب وفق مبدأ الموالاة له أو عدمها وعمق هذه الموالاة، وضرب منظومة القيم، والعمل على هزيمة الفرد نفسيا وإقناعه بعد القدرة و عدم امتلاك الإرادة في التغيير، من خلال إجهاض كل محاولات الخروج على الأنظمة العميلة لها، وإحباط كل سعي نحو العدالة والتغيير.

 

مرت المنطقة بمراحل متعددة بعد سايس بيكو أهمها:

 

المرحلة الأولى: الهدم المنهجي لوعي الشعوب:

 

والخطوات في الهدم المنهجي اعتمدت على:

 

١. خفض سقف الحريات إلى الحد الذي يسلب الفرد والمجتمع القدرة حتى عن التعبير عن الرأي.

٢. تكريس الثقافة القبائلية القائمة على العصبيات، والولاءات والطاعة والولاء.

وسلب الحرية هو إغلاق للباب الذي يحقق العدالة وبالتالي الكرامة الإنسانية.

٣. تدريجيا تبديل منظومة القيم والمفاهيم، التي تؤدي لتبديل معالم الهوية وفق إرادتها، ليصبح الإنسان العربي مجرد مظهر يشبه الغرب، لكنه مفرغ نفسيا وعقليا.

٤. ويستلزم ذلك ضرب كل مناهج التربية والتعليم، وتفريغها تدريجيا من أهم العلوم العقلية التي تعزز قيمة العقل وثقافة السؤال ورغبة البحث، والاعتماد على الدليل والبرهان في المعارف وقبولها من عدمه.

 

ولتحقيق هذه الخطوات الأهم تطلب ذلك زرع أنظمة مستبدة، ولكي تتمكن هذه الأنظمة من قيادة المجتمعات، كان لابد من وسيلة ناجعة ومقنعة يمكن من خلالها الهيمنة على العقول والقلوب والوجدان، ولا يوجد عبر التاريخ وسيلة كالدين وتوظيفه في السياسة ليكون خادما لها، ومقننا تشريعات وفق مقاساتها تمكن الحكام من السلطة ومن رقاب الناس، وتجعل المجتمعات طيعة سهلة الانقياد. خاصة أن منطقتنا تاريخيا معروفة في ميلها المحافظ وعمقها التاريخي المرتبط بالدين، حيث المقدس والمحرم من أساسيات ثقافتها وهويتها، بل هو في عمق وجدانها ومحرك قوي لها عبر التاريخ بل باعث لكثير من نهضاتها.

 

لذلك تم تمكين أنظمة تناسب كل مجتمع ونقاط ضعفه وثغراته التي يمكن من خلالها النفوذ والهيمنة.

 

المرحلة الثانية: الأنظمة والسياسات المزدوجة:

 

هذه الأنظمة جاءت في ظل وعي أممي مناهض رافض للاستعمار واحتلال فلسطين، مما اضطر أغلبها لممارسة سياسة ذات وجهين:

  1. وجه خارجي مع الشعوب يتوافق مع لغتها الرافضة، ويتبنى شكليا قضية فلسطين ومواجهة الاستعمار.
  2. وجه داخلي بينها وبين رعاتها من المستعمرين، يعمل وفق خطة منهجية في كي وعي الشعوب مع التقادم، بما يتناسب والكيان الغاصب ليصبح كيانا مقبولا في المنطقة ويتم التعايش معه كواقع مقبول وكقوة عظمى لها الحق في تسيير المنطقة وشعوبها وفق إرادتها.

وبين كان كل من لبنان وسوريا وفلسطين والأردن كشعوب تواصل نضالها في مواجهة الكيان الصهيويني، كانت كثير من هذه الأنظمة التي وضعها المستعمر تعمل على إجهاض هذه المقاومات من تحت الطاولة، بل تتآمر على أي نظام يدعم الحركات المقاومة، كما حدث مع جمال عبد الناصر وما تعرض له من خيانات داخلية وخارجية.

فانتقل الاستعمار من استعمار الجغرافيا بنفسه، إلى إدارة المنطقة من خلال  الأنظمة الوظيفية، ومع ذلك استمرت حركات المقاومة في مواجهة الاحتلال، لأن وعي الأمة كان مازال يمتلك رصيدا عميقا من الرفض والكرامة والعزة، ومازالت ذاكرته ووجدانه ممتلئة بمنظومة القيم وعمقها التاريخي الديني المرسوم بحدود المقدس والمحرم.

 

المرحلة الثالثة: التطبيع واستمرار كي الوعي:

 

وتدريجيا بدأت ملامح جديدة لهوية المنطقة ترتسم مجددا من خلال جغرافيتها القديمة القيادية، فمصر التي طالما كان لها السبق في قيادة المنطقة نهضويا وأيضا قيادتها في مواجهة الاستعمار والاحتلال، استطاع الغرب بعقليته الاستعمارية جرها إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني من خلال معاهدة سلام مذلة. وما إن دخلت مصر في مقدمة المطبعين حتى فرطت حبات السبحة. لتدخل الأردن بعد ذلك، والسلطة الفلسطينية، وتبقى سوريا والعراق بمعزل عن التطبيع بل تبقى سوريا متمسكة بمنهج المقاومة وداعمة له.

في هذه الفترة كانت أمريكا قد دخلت بقوة على خط الدعم الصهيوني، وما أعنيه هنا ليس تبنيها للمشروع بل وجودها ودورها فيه، أي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية تشكل قوة عظمى في العالم، تتماهى ثقافتها مع المعسكر الغربي في ثقافته التوسعية، ونزوعه نحو الهيمنة وبسط النفوذ.

وكان لها ثقلا وجوديا عسكريا واستخباراتيا في إيران، في إبان حكم رضا شاه بهلوي، وأيضا لعبت جغرافيا إيران دورا مهما في اختيارها، خاصة جوارها للإتحاد السوفييتي القوة العظمى الثانية والند الرئيس لأمريكا إبان الحرب الباردة، فضلا عن احتياجات الغرب وأمريكا للطاقة وما يشكله النفط في هذه المنطقة من ثروة هامة وثقل استراتيجي، سال لعاب الغرب وأمريكا له وجدد الصراع والتسابق لأجل النفوذ والهيمنة بينهم.

 

كانت حركات المقاومة في المنطقة تعتمد في تمويلها على ذاتها غالبا، أو على دعم بعض الأثرياء، أو الأمراء الذين إما مازالوا مقتنعين بثقافة المقاومة لقوميتهم العروبية، أو المتسابقين منهم على صناعة نفوذ بدعم مجموعات مقاومة ضد الصهاينة لتشكل ورقة في يدها تضغط بها على غرمائها لتحقيق مطالب سياسية أو اقتصادية. وما إن تحقق ماتريد توقف دعمها أو تنقلب عليهم وتسلم رقابهم إلى أعدائهم من الاستخبارات الصهيونية والأمريكية أو بعضها كان عربيا عميلا. أو حتى بيعهم لآخرين يحتاجونهم كورقة للضغط باتجاهات مختلفة لتحقيق أيضا مصالح اقتصادية أو سياسية.

 

في هذه الفترة كان للإعلام دورا هاما خاصة من خلال الصحف ووكالات الأخبار، في نقل الأحداث وصناعتها، وكانت الحركات النهضوية في الأمة لا تخفت، سواء نهضة على مستوى الوعي المقاوم، أو نهضة على مستوى فهم الدولة ووظيفتها، أو نهضة على مستوى فهم الدين ودوره في الحياة.

 

ولكن كانت هذه النهضات تتم بفعل نخب دينية وفكرية وليست من قبل دول أو أنظمة، وكانت هذه النهضات تواجه من قبل كثير من الأنظمة بالقمع أو المنع أو الشيطنة، لخطورتها على وجود هذه الأنظمة التي ترفض أي حراك يؤدي للنهوض بالوعي وتغيير منهجية تفكير الشعوب، وصناعة وعي مغاير لما كرسته عبر سنين وجودها. هذا فضلا عن محاولات استعمارية في تشتيت أولويات الأمة، وتوجيه انتباهها لقضايا فرعية عن القضية الأم فلسطين، فخاضت أمريكا حربا مع الاتحاد السوفييتي ليس بشكل مباشر وإنما عن طريق أنظمتها الوظيفية التي ضخت المال والعديد البشري إلى أفغانستان تحت شعار الجهاد لتتشكل القاعدة فيما بعد، وترفع شعار الجهاد لا في فلسطين ولا ضد الكيان الصهيوني، وإنما باتجاهات متعددة شتت قوة الأمة واستنزفت طاقات شباباها في حروب بالوكالة، كي يتفرغ الكيان الصهيوني في بناء قوته وتمدده الجغرافي الاستيطاني في فلسطين، والأمة مشغولة في حربها مع الكفر تحت شعار الجهاد في سبيل الله.

 

استمرت هذه المرحلة المعنية بتطويع عقل الأمة وكي وعيها، والتمهيد للتطبيع الذي يجعل من الكيان الصهيوني الغاصب دولة مقبولة في جسد منطقتنا نتعايش معها لكنها دولة عظمى كذراع ممتدة في جسدنا للغرب، استمرت منذ تقسيم سايس بيكو وحتى نجاح حراك نهضوي تغييري شعبي في إيران حيث أطاح السيد الخميني بشاه إيران واستطاع إقامة جمهورية إسلامية، كانت أول من أعلنت فتح سفارة لفلسطين وحددت معالم الدولة بمناهضتها للكيان الصهيوني، ودعمها لكل المستضعفين في الأرض دون النظر لمذاهبهم وانتماءاتهم، ودعمها لكل حركات المقاومة الرافضة للظلم والاحتلال.

 

المرحلة الرابعة: المواجهة والشيطنة والتقسيم المعنوي:

 

معالم هذه المرحلة بدأت ترتسم في لبنان وسوريا وفلسطين وإيران، حيث عادت الحياة مجددا للمقاومات المناهضة للكيان الصهيوني، بعد أن تم تفتيت المقاومة الفلسطينية ورضوخ بعض قادتها للإملاءات الأمريكية ومهادنة الصهاينة وإن بشكل غير ظاهر.

 

في هذه المرحلة تحقق التالي:

 

  1. ظهرت إيران كدولة مستقلة استطاعت أن تعيد بناء ذاتها داخليا، بشكل مستقل عن أي تبعية خارجية للقوى العظمى، بل كانت دولة مناهضة لقوى الاستكبار كما أسمتها، وداعمة لحركات المقاومة وحركات التحرر المستضعفة في كل مكان، و مناهضة للكيان الصهيوني باعتبار القضية الفلسطينية قضية الأمة المركزية، ونشطت في هذا الصدد بشكل كبير سواء بالدعم المادي أو المعنوي.
  2. تشكلت نواة مقاومة جديدة في لبنان ومن أفراد كانوا في تيارات مقاومة لبنانية وبعضها فلسطينية، هذه النواة غلب عليها الطابع الديني كون جل أفرادها من الحوزة الدينينة التي أسسها السيد عباس الموسوي في بعلبك وأطلق عليها “حزب الله”. هذه المقاومة مع مقاومات لأحزاب شيوعية وعلمانية أخرى استطاعت طرد الصهاينة من بيروت إلى الجنوب، ومن ثم من صيدا في الجنوب اللبناني إلى أطراف الجنوب في محاذاة فلسطين.
  3. في فلسطين انتظمت المقاومة في تشكلات جديدة خارج جسد فتح، وبدأت مسار عمليات كبرى في عمق الكيان الصهيوني أحدث له صدمة وجودية عكست قدرات المقاومة وتطورها.

وهنا لا يعني غياب أي مقاومة قبل نجاح ثورة الإمام الخميني، فالمقاومة نشأت منذ الاستعمار واحتلال فلسطين، ولم تهدأ أبدا، لكن الخيانات والتآمر على المقاومة كان كبيرا، ودعمها كان يأتي من أفراد وكان متقطعا، فكانت تتوهج تارة ويخفت وهجها تارة أخرى، لا لضعف فيها، وإنما لكثرة التآمر عليها وخيانتها من الداخل والخارج.

 

ولكن عندما تتبنى دولة وما تملكه من قدرات وثروات، عندما تتبنى المقاومة وتدعمها بالمال والسلاح والتدريب، بشكل مستمر، بل تضع في دستورها كبند إلزامي دعم حركات التحرر والقماومة، هنا يختلف تماما الوضع، ويختلف الأداء بل تختلف ملامح وجود المقاومة واستمراريتها.

 

وتصاعدت وتيرة حركات المقاومة تدريجيا، نتيجة الدعم اللوجستي الإيراني، وبسالة المقاومين وإصرارهم على التحرير، مما هدد مشروع الاستعمار في منطقتنا كونه هدد استمرار وجود الكيان الصهيوني الغاصب من جهة، وهدد هيمنة الغرب من جهة أخرى، إذ نشأت دولة جديدة تتبنى النهج المقاوم، وتريد أن تعيد وعي الأمة لذاتها من خلال التخلص من أي تبعيات خارجية، والاعتماد على الذات، والوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، وهو ما يعني  نهضة عقلية تغني سماء الأمة بكل أنواع الإبداعات النهضوية، ونجاح ثورة الشعب الإيراني في ظل جغرافيا تحكمها أنظمة وظيفية وقبلية، يعني انتقال عدوى الثورات للجوار، وتطلع الشعوب لنفس الخيارات، بالتالي كان على أمريكا والغرب قطع الطريق على محاولات إفشال مخططاتها، فقامت بعدة خطوات بعضها عسكري، وبعضها متصل بالثقافة والهوية:

  1. قامت باغتيال كبار القادة الإيرانيين في بداية الثوة من النخب الدينينة والثقافية والعسكرية.
  2. أدخلت إيران في حرب استنزافية مع جارتها العراق ووظفت كل الأنظمة لدعم العراق ضد إيران، وعمدت لمحاصرة إيران اقتصاديا أثناء الحرب لإضعافها ومن ثم إما إرضاخها أو القضاء على نظامها الجديد.
  3. خلقت حواجزا نفسية وقومية ومذهبية بين إيران الفارسية وجوارها العربي، فكان ينظر للحرب الإيرانية العراقية، على أنها حرب بين العرب والفرس.
  4. شيطنت الثورة من خلال مذهبتها، رغم أن إيران دولة متعددة الأعراق والمذاهب، وأن الدولة قامت على استفتاء الجميع دون تمييز حول شكل الدولة وحول دستورها ونظام الانتخابات.
  5. سخرت الإعلام بكل جوانبه وخاصة الصحف في سبيل تعزيز حركة الشيطنة وكي الوعي وعمل حاجز نفسي للشعوب مع إيران، كي لا يتم استنساخ فكرة الثورة من الشعب الإيراني الذي آسقط نظاما ملكيا حكم قرابة أكثر من ألف عام في إيران. وهو ما يعني إعادة وعي الشعوب على امتلاكها القدرة في تكرار التجربة مع أنظمة حديثة العهد، بالتالي ستكون سهلة الزوال إذا ما قررت الشعوب ذلك.

 

فاستطاعت القيام بتقسيم جديد للمنطقة لكنه هذه المرة معنويا، قسم الشعوب إلى عرب وفرس وسنة وشيعة.

 

لكن كانت النتيجة التالي:

  1. خرجت إيران من الحرب مع استمرار نظامها قائما بل أقوى، ومصرا على كل ما تبناه في دستوره خاصة ضد الكيان الصهيوني.
  2. انتقلت المقاومة في لبنان وفلسطين لمراحل جديدة في المواجهة قضت مضاجع الكيان الصهيوني، وبدأت تظهر ملامح ضعف خطيرة، بعد أن اقتنعت الشعوب في مرحلة كي الوعي، أن الجيش الصهيوني هو الجيش الذي لا يقهر.
  3. انتقلت إيران لمرحلة التصنيع والانتاج والاكتفاء الذاتي، وهو ما أهلها لمزيد من دعم حركات التحرر من آنتاجها الخاص رغم الحصار الاقتصادي الشديد عليها.
  4. نجحت المقاومة في لبنان نجاحا باهرا في دحر الكيان الصهيوني من جنوب لبنان وتحرير الأرض، وكسر آسطورة الجيش الذي لا يقهر، وهو ما أعاد للأمة رشدها بذاتها، وقدرتها على النهوض والتحرير، وامتلاكها الإرادة لذلك.
  5. انتفضت فلسطين مجددا وتنامت قوة المقاومة الفلسطينية وقدراتها العسكرية، وباتت غزة مكسر عصى للعدو الصهيوني تشكل قوة ردع فلسطينية في داخل الكيان الصهيوني.
  6. تغيرت موازين القوى وباتت إيران والمقاومة في لبنان وفلسطين أرقاما تغير المعادلات في المنطقة، يحسب لها الكيان الصهيوني ألف حساب خاصة بعد خسارته في حرب تموز ٢٠٠٦ م في لبنان، وحربه في غزة ٢٠٠٨ ، ٢٠١٢ م وتطور قدرات المقاومة الفلسطينية من كافة التوجهات العسكرية في كلا الحربين، وتداعيات هذه الفشل على صورة الكيان الصهيوني داخليا وخارجيا، ونجاح منظمات حقوقية في إثبات المجازر الصهيونية ضد اللبنانيين والفلسطينيين في تلك الحروب. وكشف زيف ادعاءات الكيان الصهيوني، خاصة بعد دخول الفضائيات على خط المواجهة، وبعد دخول وسائل التواصل الاجتماعي التي مكنت المقاومة من نقل الصورة والحدث في لحظة وقوعه.
  7. تم التخطيط مرارا وتكرارا لتقويض هذه القوة وشيطنتها من خلال الإعلام بكل أشكاله وتقنياته وهدم مساراتها الجغرافية المتصلة، وخلق فتن تزعزع تماسكها، وكان الفشل مصير تلك المحاولات غالبا.رغم أن الشعوب صدقت الشيطنة ولم تعد تلتف حول المقاومة خاصة حماس وحزب الله. وكانت الشيطنة تعتمد على التفرقة المذهبية والقومية.
  8. كان للجغرافيا دورا بارزا في دعم حركات المقاومة خاصة الدعم العسكري، فاتصال إيران بسوريا والأخيرة بلبنان، كان له دورا بارزا في تمكين الجسر بين إيران وحركات التحرر. وكانت السودان ممرا هاما إلى فلسطين لإمدادها بالمال والسلاح.
  9. بعد ذلك بتنا في عصر ثورات الربيع العربي التي أثبتت ازدواجية معايير الغرب وللأسف الشعوب التي تبعت دين ملوكها، فبينما نجدها تدعم الثورات في بعض الدول، إلا أنها تشيطن ثورات أخرى، وكان هذا يدلل على أن ما يدعيه الغرب من تحضر وتقدم حضاري يفرض عليه قيادة الأمم هو ادعاء كاذب، بل هو قشرة يستر بها عورة أفكاره الاستعمارية والتوسعية.
  10. بعد الثورات دخلنا في مرحلة تقسيم المقسم، وهي تقسيم المنطقة مجددا تقسيما قوميا ودينيا يجعل من الكيان الصهيوني وجودا طبيعيا مقبولا في جسد المنطقة. وكانت العراق وسوريا من أهم الدول التي يبدأ منها التقسيم، فسوريا كونها حلقة الوصل بين إيران والمقاومة فهي خط الإمداد بالسلاح، والعراق لما يشكله من عمق تاريخي في المنطقة، وعمق جغرافي واقتصادي، فنجاح تجربته في الديموقراطية يهدد وجود الأنظمة الوراثية المجاورة، ويهدد هيمنة الغرب على عقول الشعوب وكي وعيها، خاصة بعد الثورات وما بلغت له الشعوب من مطالب أهمها الحرية والعدالة والديموقراطية.
  11. تم صناعة وجه ديني جديد هو داعش، كأداة جديدة لشيطنة الإسلام، ولمواجهة إيران وقوى المقاومة، من خلال حرب المصطلحات والدلالات، التي تعتمد على شيطنة مفهوم المقاومة والجهاد، وخلط المقاومة مع الإرهاب، وتشويه مفهوم الجهاد، وصرفه عن دلالاته الحقيقية ليصبح مرتبطا في ذهن الشعوب بالوحشية والدم.
  12. كانت الأنظمة الوظيفية هي عماد قوي بيد الغرب وأمريكا لتطبيق مخططاتهم على الأرض، كون هذه الأنظمة قائمة على أسس قبلية ودينية تفرض على شعوبها بالدين فروض الولاء والطاعة وبلغة العصبيات فروض الاتباع، وبلغة المذهبيات فروض الانصياع والدعم.
  13. في العراق أصدرت المرجعية فتوي الجهاد وتشكل الحشد الشعبي لمواجهة داعش في الموصل، وكان لإيران دورا هاما في دعم الحشد من حيث التدريب والسلاح، فسقطت داعش.
  14. في سوريا فشلت كل مخططات الغرب لتغيير النظام خلال خمس سنوات من الحرب مازالت ممتدة إلى حين كتابة هذا المقال، رغم بلوغها نهايتها، واستطاعت المقاومة اللبنانية النجاح في سوريا بدعمها للجيش السوري لوجستيا بالتعاون أيضا مع إيران والعراق.
  15. تشكل نتيجة ذلك هلال خصيب مقاوم من إيران إلى العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى فلسطين ممتد ومتصل جغرافيا ومعه روسيا والصين. وبات هناك قوة إقليمية مقاومة فرضت وجودها في موازين اللعبة الدولية المستمرة لبسط النفوذ والهيمنة والاستعمار،  رغم كل محاولات الشيطنة في وعي الشعوب، ورغم كل الحملات الإعلامية في تشويه صورة إيران والمقاومة تحت مسميات مذهبية وقومية وغيرها، ليتحقق إخفاقا جديدا يضاف إلى الإخفاقات المتتالية لهذا الاستعمار منذ قدومه إلى أرضنا طامعا طامحا، وإلى يومنا هذا، لتتحول الجغرافيا إلى لعنة عليه بعد أن كان يراها لعبته التي يجيدها ويوجهها ويهيمن عليها، كي يمتص ثرواتها وينفذ طموحه التوسعي وقيادة العالم بعقلية استعلائية فجة، تجعل منه الأكثر حضارة ومنا الأكثر تخلفا.

و نجاح الغرب وأمريكا لم يكن إلا لوجود وهن في جسدنا، وثغرات في وعينا، وتخاذل من كثير من أنظمتنا، لذلك مازال يحاول عبر هذه الأظمة الوظيفية، يمتص ثرواتنا عبرها من جهة، ويتآمر علينا عبرها من جهة أخرى، وهذا لا يعني عدم تقصيرنا، ولا يعني أيضا استسلامنا بالكامل.

وستبقى محاولاته مستمرة وسنبقى نواجهه بكل ما نملك، من عتاد عسكري وعقلي وبشري، فإن كان يخيفنا بالموت، فعليه أن يعلم أن موتنا يعني وجودنا واستمرارنا، ويعني له موته وفناءه، وتهاوي كل مخططاته وفنائها إلى الأبد.

ولعل هذه أهم المراحل التي مرت بها منطقتنا بشكل مختصر، وقد ركزت على المفاصل التاريخية الرئيسية في مسار الأمة، والتي كان لها السبق في مواجهة المخططات ضدها، وكان لها الأثر في الانتقال المرحلي في المواجهة، وهي محاولة في طريق المحاولات المستقرئة للأحداث والمستلهمة منها قراءة في طريق الأمل والخلاص والنهضة.

 

[1] المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل / محمد حسنين هيكل ص٣٦

[2] مصدر سابق

[3]  سلسلة استراتيجيات معرفيةنحن والغرب ١/ مقاربات في الخطاب النقدي الإسلامي

[4] المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل / محمد حسنين هيكل

الإصلاح والتجديد بين التخلف والاستبداد

بقلم: إيمان شمس الدين* —  الاستبداد ظاهرة تاريخية مارسها الفرد ومارستها الشعوب في التاريخ، وكانت لها تداعيات تراكمية على تشكيل عقل الإنسان وبالتالي على بنيته الفكرية والتي شكلت رؤيته للحياة وسلوكه فيها.

فكانت الرسالات السماوية التي جاءت على فترات زمنية متوالية تعيد النصاب للمسار التاريخي وفق السنن، وتسعى لتقيم نصاب العدالة الاجتماعية، وتعيد بنية الأفكار وفق المسار السليم.

ولا يزال التحدي مستمراً في الصراع بين الاستبداد ومحاولة سلب العقول والوعي الإنساني، وبين محاولات التحرر و تحقيق العدالة.

ويكمن خطر الاستبداد جوهرياً في محاولة من يمارس تقمص دور الرب، وجعل الناس عبيداً من خلال خفض مستوى وعيهم، وتغيير سلم أولوياتهم، وتشويه رؤيتهم الكونية ليصب ذلك كله في صالح المستبد، الذي يهمه جداً التجهيل ليبقى هو متربعا ًعلى  العرش ورقاب الناس.

مظاهر الاستبداد:

قد لا يمثل الاستبداد سلطة حكم فقط، فهو ممارسة يمكن أن يقوم بها أي إنسان، بل هو مجموعة مظاهر وسلوكيات ما إن تتم ممارستها حتى يتصف ممارسها بالمستبد، فقد يكون أب أو أم أو ابن أو مدير عمل أو رئيس حزب الخ.

أهم هذه المظاهر هي:

* سلب الحرية: وهي الخطوة الأولى والأهم في مسيرة تجهيل المجتمع، كون الحرية قيمة آلية ضرورية ولازمة تمهد لتحقيق العدالة ومن ثم تحقيق الكرامة الإنسانية التي هي جوهرة القيم. ويتم ذلك عبر آليات عديدة منها:

.١اللجوء لسن قوانين ملزمة وعائمة دون ضوابط تحد من حرية التعبير وحرية الرأي، وتقلص من أفق الاختلاف في الرأي لفرض وجهة نظر أحادية على المجتمع. هذا على مستوى الدولة.

 

٢. أما على مستوى الأسرة والمجتمع فيكون بإنزال عقوبات من الوالدين على الفرد الذي يخالف تعليمات  الوالدين أو مناقشتها خاصة في حال كانت تعليمات شديدة، أو محاولة التمرد بالسؤال والنقاش على النظام الأبوي التربوي، أو محاولة تعديله حتى لو كانت المحاولات سليمة، وفرض رؤية واحدة من قبل الأب أو الوالدين على كل أفراد الأسرة، وسلب حقهم في حرية التعبير والاختيار لتصبح هناك عملية نسخ لعقل ومنهج الوالدين على الأولاد، ويتم معاقبة الفرد بعدة طرق منها الضرب أو الحرمان، وهنا لا نعني تهاون الوالدين في التربية بل نعني الاعتماد على منهج مستبد تلقيني في التربية قد ينتج أفرادا لديهم قابلية الاستبداد تمكن الأنظمة المستبدة  منهم لمزيد من التدجين والتطويع.

.٣ اجتماعياً إذا خالف رأي المجتمع وحاول مواجهة الانحرافات، أو واجه سلطة العادات والتقاليد المنافية للعقل والشرع، ويتم إسقاطه اجتماعياً وعزله، وقمع حرياته باستخدام القوانين التي سنتها الدولة لقمع الحريات ضده، وبذلك تصبح القوانين القامعة للحريات أداة ووسيلة قمع بيد الدولة وبيد المجتمع بحيث ينشغل مكونات المجتمع ببعضهم البعض عن الانشغال في مراقبة الدولة والمطالبة بالعدالة والتنمية والديموقراطية.

 

.٤ وضع عقوبات مغلظة تصل إلى التعذيب السري، والسجن الطويل الأمد، وسلب كل المقومات الإنسانية لكل من يحاول الخروج عن رؤية السلطة. مما يشيع ثقافة الخوف من جهة والرضوخ من جهة أخرى ويعمل مع التقادم على تطويع العقول و تدجينها، وخفض سقف المطالب من مطلب العدالة إلى مطلب العيش بأمان وتوفير القوت اليومي والذي هو أقل حق من حقوق المواطنين على الحكام أو حتى حق للإنسان. كما تمارس كثير من الأنظمة منهجا تعسفيا كسحب جنسية الشخص وسلبه مواطنيته وكل حقوقه المترتبة عليه، أو العمل على نفي الشخص خارج البلاد وسحب كل مقوماته الحياتية من أموال وهوية وخلافه، لمجرد مطالبته بحقه أو تعبيره برأي مناهض للنظام.

 

*  سلب الحق في الاختيار وتقرير المصير، ومواجهة ثقافة السؤال بالقمع والمنع والتسليم لكل ما يتم تلقينه من جهة إلى جهة، وهذا يحدث في الدول المستبدة أو في نظام الأسر التربوي أو حتى في نظام كثير من الأحزاب والعلاقات الاجتماعية في المجتمع.

 

* الهبوط بمستوى التعليم والسيطرة الحكومية على الإعلام بشكل مباشر أو غير مباشر لصناعة وعي وفق مقاييسها الخاصة.

* ممارسة كل أنواع العصبيات التي تشغل المجتمع بعد تسطيح التعليم، ليصبح مجتمع انفعالي وليس عقلاني تثيره العصبيات وتشغله عن الأولويات النهضوية فيبقى يدور في فلك النظام المستبد.

* عدم الاهتمام بالعلوم الإنسانية والفلسفية والمنطقية التي تنظم التفكير وتنهض بالعقل.

* عدم الترخيص لمؤسسات مجتمع مدني تنهض بوعي الناس، وإذا تم ترخيصها فيكون ضمن شروط تفرغها من وظيفتها الحقيقية بحيث تمنع تعاطيها بالسياسة، وتراقب برامجها، بل تفرض دعما لها حكوميا تجعلها تحت سلطة الحكومة ماديا وقانونيا بالتالي تقوض من هدف وجود هذه المؤسسات في نهضة المجتمع .

* منهج الشيطنة الإعلامية والقضائية للمعارضة لتشويه المفهوم في ذهنية الشعب، وخلق فوبيا في لاوعيه من أصل الحراك المعارض بعد ربطه كمفهوم في الذهنية العامة بالدلالات الشيطانية التي قامت بصنعها الأنظمة المستبدة.

*طرح مشاريع تنمية توهم الشعب بسعي النظام للتطوير، من خلال إنجاز مسارح أو بعض الطرق أو مجمعات ترفيهية، أو مشاريع تجارية هي في واقع الأمر وسيلة ملتفة على مدخول الفرد لينفقه في هذه المشاريع التي يتم إنجازها بسرعة قياسية، مع إيهام الشعب بأنها مشاريع نهضوية وهي في واقعها مشاريع تنفيعية للنافذين في الدولة ، بينما لا وجود لتنمية حقيقية بل مجرد فقاعات ينشغل بها الشعب .

 

* تكريس الحالة الانفعالية في التفكير، وطمس معالم التفكير العقلي المتزن، وهذا من خلال مناهج التعليم وإبراز العصبيات بكافة أشكالها والتي تحفز جانب الانفعال العاطفي في الدماغ وتحَجّم من الجانب التفكير المنطقي في الدماغ. فيسهل بذلك قيادة تلك الأدمغة، واستخدامهم كحطب في المعارك التي تصطنعها الأنظمة المستبدة، خاصة ضد المعارضين.

 

هذه بعض مظاهر الاستبداد التي تمثل سلوكيات عامة من السلطة إلى الأسرة إلى المجتمع، و ممارسة هذه المظاهر كسلوك مع التقادم ينتج عقولا منغلقة على ذاتها وتم تدجينها وتركيبها بشكل يتناسب و هوى السلطة، ويصبح بذلك أداة بيد السلطة تحركها بالاتجاه الذي تريد.

ومن خصائص البلدان النامية كما يصفه أ.هاجن في دائرة المعارف العالمية- المجلد الخامس، مادة علم اجتماع التنمية، تحكم المرتبية الجامدة فيها، وانتشار بنى التسلطية – الرضوخية. فالتسلط والاستبداد ظاهرة سياسية تتحالف في بنيتها قوى خارجية كانت استعمارية وقوى داخلية هي أنظمة وظيفية لقوى الاستعمار القديم وتتميز بالقهر المفروض على مجمل سكان البلدان النامية. فهي بنى اجتماعية قامعة ومٌوَلّدة للشلل .

هذا فضلاً عن انتقاص قيمة الإنسان وعدم إتاحة الفرصة له لتحقيق ذاته والتعبير عنها وفق إمكانياتها وقابليتها، وفرض مستوى وعي منخفض وقابل وراضي بهذه القيمة المنتقصة، وهذا الانتهاك الصارخ لذاته والقمع الذي يقوض كل مقوماته في الحركة المستمرة نحو كمالاته اللائقة.

الانهزام النفسي يكون نتيجة طبيعية مع التقادم، وخلق إنسان مهزوم نفسيا هو هدف بذاته سعت جهات كثيرة لتحقيقه في عالمنا الثالث كما أطلقوا عليه، وتداعيات هذا الانهزام النفسي هو التخلف بكافة أشكاله.

 

صناعة التخلف انقلاب الصورة:

“برز مصطلح التخلف بعد نهاية الحرب الكونية الثانية مع حصول عدد كبير من البلدان المستعمرة على الاستقلال،  ويعرف التخلف بأنه ظاهرة كلية ذات جوانب متعددة تتفاعل فيما بينها بشكل جدلي، تتبادل التحديد والتعزيز، مما يعطي الظاهرة قوة وتماسكا كبيرين، ويمدها بصلابة ذات خطر كبير في مقاومة عمليات التغيير” [1].

ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن التخلف الاقتصادي والتنموي والسياسي بل مقصدنا التخلف الاجتماعي وانعكاساته النفسية الفردية والاجتماعية، وكيف يتحول الأفراد والمجتمعات إلى حوائط صد مانعة عمليات التغيير الكبرى، ومواجهة كل محاولات التجديد والتغيير.

يساهم التخلف بشكل كبير بانقلاب كثير من المفاهيم انقلابا دلاليا تارة، وانقلابا سلوكيا تارة أخرى، مما يعيد رسم علاقة المفاهيم بدلالاتها وفق صيغة الاستبداد الموجودة ومراداته الدلالية، وأضرب مثالا هنا من واقعنا المعاصر، منذ أحداث 11 أيلول سبتمبر 2001. وهناك تراكم لحرب المصطلحات بشكل مكثف إعلاميا وعسكريا  تهدف لإعادة رسم كثير من المفاهيم في منظومتنا الإسلامية، وتغيير دلالاتها وربطها بدلالات سلبية في ذهن الجمهور لتشويهها مع التقادم. ومن هذه المصطلحات : تم ربط المقاومة بالإرهاب، تم ربط الإسلام بالراديكالية، تم ربط الإسلام بالتخلف، وتم ربط الحرية بالحداثة وغيرها من المصطلحات التي بات اليوم  منقوشة في ذهن الأجيال في منطقتنا، حيث بات التمييز بين فعل المقاومة وفعل الإرهاب صعبا، وبات الحديث عن الإسلام مرتبط بالحديث عن الراديكالية والتشدد والانغلاق والتخلف، وحينما نتحدث عن الحرية والحداثة تنصرف أذهاننا إلى النموذج الغربي . فبعد صناعة التخلف من خلال الاستبداد عبر التراكم الزمني، ساعد هذا النمط المتخلف في انقلاب صورة كثير من المفاهيم وإعادة صياغتها في ذهنية الجماهير العامة دون أدنى مقاومة.

” يسبب هذا الالتباس عند الإنسان المقهور بالاستبداد اختلال التوازن الوجودي لانعدام تحقيق الذات ويؤدي إلى حالة مفرطة من التوتر والقلق، وتبرز حاجته لمواجهة هذا الوضع المأزقي، لكن ونتيجة تقليص القدرات الفكرية البعيدة المدى، والتركيز على القدرات والحالات الانفعالية العاطفية، والتي كرستها سلطة الاستبداد كمنهج تفكير يصب في صالحها كونها تستطيع تحريك هذا المنهج في التفكير لدى الجماهير وقتما تريد، فإن الجماهير المقهورة التي بلغت ذروتها في القهر تسعى للخروج من هذه الدوامة لكن على الطريقة الانفعالية كحلول دفاعية، هذه الحلول لا تحاول تغيير الواقع الداخلي أو الخارجي، بل لا تقوى عليه، بل تهدف هذه الحلول إلى التأقلم والتلاؤم مع الوضعية الراهنة بل والتصالح والانسجام معها بما يكفل تحقيق ذاتها ظاهريا واستقرارها الوجودي أيضا ظاهريا، هذه الحلول الدفاعية قصيرة المدى ملغومة داخليا كونها لا تلبي الحاجات الحيوية على المدى الطويل، بل هي حلول تخديرية تسعى لتسكين الشعور بالقهر والرفض مدة زمنية، ثم يعود التوتر للارتفاع ويختل مجددا التوازن، وهذا يدفع الإنسان بعد زمن من القهر والشد والجذب للذهاب إلى الحلول التغييرية البعيدة المدى، التي تقلب المعادلة المفروضة على الإنسان المقهور.

وهذه المحاولات تشمل مواجهة الداخل والخارج، بما يحقق له وجوده وذاته بما يتلاءم مع الحاجات الحيوية والأهداف الوجودية وتحقيق الذات”.[2]

المجتمع المقهور ومواجهة التجديد:

عندما يتأقلم المجتمع المقهور مع الواقع الاستبدادي الخارجي، يتحول بذاته هو كمجتمع إلى عقبة كؤود في وجه حركات التجديد والإصلاح، خاصة في بعدها الفكري والديني بل أحيانا السياسي.

كون من سمات هذه المجتمعات التقليد والتقليدية، والخوف من أي محاولة مواجهة مع العادات والتقاليد، كونه يحتمي بها كجزء من هويته التي يجد فيها ذاته المستلبة، و يحقق من خلالها وجوده المقهور، ويجد فيها ماضيه قبل استلابه، وشخصيته قبل احتواؤها وقهرها.

فيعتبر أي محاولة تجديدية إصلاحية  للأفكار والعادات والتقاليد هي محاولة تهدد وجوده وكينونته بل صيرورته التاريخية.

فيواجه محاولات التغيير هذه بممارسات شبيهة إلى حد كبير لتلك الممارسات التي يمارسها عليه المستبد لمواجهة أي محاولات تغيير من قبل الجمهور.

فيقوم بإسقاط أصحاب فكرة التجديد والإصلاح اجتماعيا، وعزلهم بالتالي عن وعي المجتمع، ويعمد لممارسة وصاية فكرية على تلك العادات والتقاليد والأفكار الدينية كمدافع عنها ليمارس نتيجة عقدة النقص التي يعيشها، يمارس هو دور المستبد بحجة الدفاع عن التراث.

ويبقي مفتاح الصندوق الذي يعيش فيه المجتمع بيده لمنع أي محاولات تغييرية يمكنها دفع مسيرة العقل نحو التفكير الواعي المنطقي وبعيدا عن التبعية العمياء والتقليد المضلل.

ونجد هذه المواجهة تزداد وتيرتها من قبل المجتمع المقهور كلما ازداد الاستقرار النسبي، خوفا من تعكير هذا الاستقرار حتى لو كان استقرارا موهوما صنعته مخيلته المقهورة والمقموعة، كنوع من الخروج من مأزق الذات والتأقلم الذي أسلفنا عنه سابقا كحل ترقيعي لمواجهة حالة القهر الاجتماعي.

ورفض أي حراك تجديدي وإصلاحي نابع من الخوف على الاستقرار النسبي من جهة، وعلى تفكك الجماعة التي ينتمي إليها من جهة أخرى، والتي تشكل له الحصن والانتماء والشعور الموهوم بالأمان، بل الشعور الموهوم بالطمأنينة الإيمانية التي نتجت عن ممارساته واعتقاداته بهذا التراث وهذه العادات والتقاليد.

فعادة كلما اقترب الإنسان من المتسلط تنكر لمجتمعه أو جماعته، وكلما اقترب من جماعته تنكر وابتعد عن المتسلط.

وغالبا في المجتمعات المقهورة بسلطة المستبد، تحدث هناك انكفاءات للمجتمع داخلية، سواء انكفاء أسري أو عائلي أو قبلي، أو فئوي، تشكل كل جماعة منكفئة على ذاتها حصانة داخلية لمجموعها ينتج عنها شعور وهمي بالانتماء والهوية وتحدث حالة من الاستقرار النسبي للذات. لكنها تحول المجتمع إلى كانتونات متعددة الانتماءات والهوية، يمكن للمستبد استغلالها في الدفاع عن سلطته وكرسي السلطة.

هذه الانكفاءات تعوض الفرد عن غياب العدالة في الدولة وعن تسلط المستبد و محيطه من خلال عدة طرق أهمها:

* تعمد لعمل شبكة علاقات إما مع المتنفذين في السلطة، أو مع المستبد نفسه، و بذلك تضمن تحقيق حاجياتها الخاصة مقابل مجموعة تنازلات أو مقابل أمور يطلبها منهم المستبد.

* تدفع ببعض أفرادها للنفاذ في جسد السلطة ليصبح لديهم نفوذ يمكنهم من تحقيق ما يريدون عن طريق هؤلاء الأفراد من خلال علاقاتهم النافذة التي شكلها من خلال مواقعهم في السلطة.

* المصاهرة و خلق شبكة أنساب مع المستبد ومحيطه ، ومن ثم استغلال المصاهرة في تحقيق نفوذ معين أو مطالب معينة تمكنهم من تحقيق نفوذ فاعل في السلطة، ومحقق لمطالب المجموعة.

هذه بعض الطرق التي يمكن من خلالها للجماعات المنكفئة على ذاتها تحقيق وجودها بشكل موهوم في ظل الدول المستبدة، وهو نظام محاصصات قبلي لا يمت للدولة وبنيتها بصلة، لا من حيث مفهوم المواطنة الصالحة ولا من حيث مفهوم الدولة الحديثة.

وبذلك تواجه حركات التجديد والإصلاح في جسد المجتمع عقبات كؤود سواء من الأفراد أو الجماعات أو السلطة، كون حركات الوعي التغييرية النهضوية تشكل هواجس ومخاوف كبيرة للسلطة المستبدة، فتواجهها إما بشكل مباشر، أو من خلال حلفائها في المجتمع الذين تحالفوا معها لتحقيق مكاسب كما ذكرنا آنفا، و تحرك بعض نخب السلطة المجتمع برمته من خلال فتاوى التضليل والتكفير والرفض لتلك الحركات التغييرية بحجة مساسها بتراث حولته هي لمقدس ممنوع المساس، لما يضمن لها من ديمومة وجودية رغم زيف كثير منه.

وطبعا قد ينطبق ذلك على مؤسسات دينية تمارس منهجا استبداديا في فرض رؤيتها الدينية على المجتمع، وتبني لها شبكات علائقية ممتدة تحصن المجتمع من أي محاولات للتغيير والتجديد، وهذا بذاته له بحث آخر متشعب ولا نريد الإسهاب ولكن نفرد له بحثا خاصا لأهميته.

التقليد ودوره في صناعة التخلف والاستبداد:

ما أعنيه هنا بالتقليد هو التوارث الذي يحدث من الآباء للأجداد للأفكار والسلوكيات والعادات والتقاليد الاجتماعية والقبلية والعائلية والفردية.

ويصل الأمر ايضا لتقليد الأبناء لدين ومعتقدات ومرجعيات آبائهم الدينية، دون السماح للأبناء بالخروج عنها، وممارسة سطوة معرفية أبوية تمنع أي محاولات للخروج من هذا الصندوق، أو التفكير خارجه، وهي ممارسات استبدادية قهرية تفرض رؤيتها الأحادية على الأبناء، و تؤسس لمنهج استبدادي يشيع حالة التخلف، والتراجع عن المواكبة ورفض كل ما هو غير متوافق مع ما توارثته الأجيال، بل أحيانا محاربته بطريقة الإرهاب الفكري والإسقاط الاجتماعي بل الحرمان من الإرث لمن خرج عن هذه السطوة المعرفية.

وعادة ما يحدث ذلك في المجتمعات العربية وخاصة الخليجية التي تسيطر عليها ثقافة القبيلة، أو الثقافة الأبوية السلطوية التي تمارس سطوة تلغي كل حق اختيار وإرادة حرة للأجيال.

وهذا بذاته عائق كبير وحائط صد أمام حركات التجديد والإصلاح، يحتاج بذل جهد كبير لعمل انزياحات معرفية في الوعي لتفكيك أولا بنى الاستبداد السلوكية، وتحرير الإرادات ثانيا من السطوة المعطلة والٌمشِلّة لأي محاولة تفكير حر، وثالثا إطلاق سراح العقل من التقليد السلبي المعطل وعمل تمرين متكرر للاختيار الحر العقلاني.

وهذا يحتاج تدرجا زمنيا ومعرفيا ليتم تحقيقه، وقدرة على فهم لوازم الزمان والمكان وحقيقة القابليات وما هي حاجتها المعرفية وآليات اختراق هذه الجماعات المنغلقة بطرق غير صدامية. هذا فضلا عن حاجة حركات التغيير لأشخاص من داخل هذه الجماعات والمجتمعات مؤمنين بضرورة التغيير والتجديد، ويملكون فهما عميقا لمجتمعاتهم وجماعاتهم يمكنهم من الاختراق الهادئ معرفيا وعقليا دون إحداث أي ضجة مفتعلة اجتماعيا لإسقاط المشروع برمته.

لذلك يعتبر التقليد بهذه الصورة مظهرا من مظاهر صناعة التخلف والاستبداد، و عائقا معرفيا محوريا أمام كل حركات التغيير والتجديد. ومعطلة للتطور الذاتي للفرد والمجتمع بالتالي يمكن من بسط نفوذ المستبد كونه يخدم مصلحته في الحفاظ على تراثه وعاداته وتقاليده التي من خلالها يتحكم في الأفراد والمجموعات ويوجهها معرفيا ويصنع لها وعيا وفق مقاييسه المطلوبة، وموطّنا بذلك منهج التلقين في التعليم . وهو ما ينافي ما فطر الإنسان عليه من حرية الإرادة والاختيار، و فلسفة السؤال المعرفي، وثقافة الشك المولدة لليقين.

وبعد استلاب الإرادة والهيمنة على العقل والمعرفة التي هي مصدر السلوك الفردي والاجتماعي، يصبح سهلا جدا رسم دلالات لمفاهيم كبرى تشكل وجود الإنسان، كالكرامة ومقومات العيش الكريم.

فيصبح من مقومات العيش الكريم التالي:

* امتلاك الأموال حتى لو بطرق غير مشروعة مقابل الولاء المطلق للمستبد

* امتلاك الأموال والرفاه المبني على العطاء المشروط وهو عبارة عن إعطاء المستبد مبلغا ماليا لهذا الشخص او المجموعة مقابل تقديم فروض الطاعة أو تقديم تنازلات تحط من قيمتهم الإنسانية، وهذا المال في الأصل هو مال الشعب لا مال المستبد الخاص.

* إحراز منصب متقدم في السلطة شريطة القبول بها وبكل قراراتها حتى لو كانت ظالمة و متعسفة.

*  الحصول على مكافآت ومميزات وظيفية مقابل التعامل مع المستبد، من خلال تمرير مشاريع فاسدة له من قبل هذا الشخص من موقعه الوظيفي، أو تنفيع أقرباء وأصدقاء له بصفقات فاسدة وبطرق غير مشروعة.

 

فتدور مقومات العيش الكريم على أسس أهمها:

.١ المال

.٢المنصب

.٣الرفاه

.٤ السلطة

حتى لو كان ذلك مقابل هوان النفس وذلها، والقبول بالظلم والاستبداد والفساد.ولا محل هنا لمفهوم الكرامة وفق مبدأ ” من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا”

فالكرامة حصن الإنسان من الذل ، وسلاحه في مواجهة الظلم والفساد والانحراف، لأنها تجعل الدنيا في نظره سخيفة دون كرامة وعزة، فتحقق الكرامة محور مهم في هوان الدنيا على صاحبها، بالتالي دفعه لمواجهة كل أشكال الانحراف دون خوف إلا من الله.

وكلما هانت كرامته وتضاءلت في وجوده، كلما انأسر للدنيا وبات ذليلا لها بالتالي رضي بالذل والفساد والظلم في قبال سلامته الظاهرية في دنيا زائلة مع هدر شديد للكرامة. وهذا لا يكون وليد اللحظة، بل يكون نتيجة طبيعية لتراكم الاستبداد، وتراكم الانهزام النفسي أمام الاستبداد، وازدياد شعور الرضوخ والتكيف مع وضع التخلف والاستبداد، وبالتالي يصبح هناك انقلابا كبيرا في دلالات المفاهيم، وينتفي كليا مفهوم الكرامة مع التقادم، بل تقدم التبريرات العملية والفقهية و النظرية لمفهوم العيش الكريم وفق ما اسلفنا سابقا، ولا وجود لمفهوم الكرامة أمام قاعدة عامة هي ” الغاية تبرر الوسيلة”.

 

الاصلاح والتجديد ومواجهة الاستبداد:

إذا مشاريع التجديد والإصلاح تحتاج مقدمات ضرورية أهمها مواجهة الاستبداد وفي نفس الوقت مواجهة التخلف، فالأول مواجهة سياسية تغييرية مع الأنظمة تتطلب استراتيجية محكمة وبعيدة المدى تأخذ في الحسبان خصوصية كل دولة، وآليات التغيير المناسبة لها، وما هي نوعية التغيير التي تحتاج لها وما هو مستوى الاستبداد فيها، وكيفية تحديد النخب المناسبة لهذا العمل، والثانية اجتماعية تتطلب تدرج زمني ومعرفي وخطة تأخذ في الحسبان طبيعة المجتمع وتركيبته وآليات اختراقه و أهم المعارف التي تحدث انزياحا معرفيا حقيقيا، كون كل مجتمع له متطلباته المعرفية ويختلف مستوى تخلف مجتمع عن آخر، كما تختلف حاجة المجتمع المعرفية عن آخر، وتحديد درجة التخلف و الشخصيات النخبوية المناسبة في مواجهته وقيادة مشروع التغيير، على أن تكون متصلة بالنخب التي ستقود مشروع التغيير السياسي لمواجهة الأنظمة المستبدة.

وبعد ذلك يمكننا السير قدما في مشاريع التجديد والإصلاح، بعد تهيئة الأرضيات السياسية و القابليات العقلية في المجتمعات.

أما محاولات التجديد والإصلاح في ظل أجواء الاستبداد والتخلف، فستكون في أغلبها محاولات فاشلة أو غير مؤثرة إلا في حدود ضيقة جدا مع وجود ثقافة فوبيا قامعة  لمنع هذا التأثير بالانتشار.

 

[1] د. مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور ص 33.

[2] د. مصطفى حجازي مصدر سابق بتصرف ص 98.

 

*باحثة لبنانية.

في ذكرى إدوارد سعيد.. عن مآلات الاستشراق

بقلم: د. هيثم مزاحم — تعرّض الاستشراق لحملات نقدية واسعة في القرن العشرين، بدأها عمر فروخ في كتابه(مع مصطفى الخالدي): “التبشير والاستعمار” ومحمد البهي في كتابه “الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي”، وملحقه “المستشرقون والمبشرون ومناهضة الإسلام” في الخمسينيات من القرن الماضي، ثم تابعها أنور عبدالملك عام 1963 في مقالة شهيرة نشرت في مجلة “ديوجين” بعنوان “الاستشراق في أزمة”، ومن بعده كتب عبدالله العروي كتاب “الآيديولوجية العربية المعاصرة” حمل فيه على المستشرق غوستاف فون غرينباوم في منتصف الستينات.
وفي سبعينيات القرن العشرين نُشر كتيب لماكس تيرنر بعنوان “ماركس ونهاية الاستشراق” لينتقد الاستشراق باعتباره أحد آيديولوجيات الاستعمار وأدواته.
وجاءت دراسة إدوارد سعيد الشهيرة “الاستشراق” في العام 1978 لتشن حملة قاسية على الاستشراق باعتباره “المؤسسة استعمارية” عرّفه بأنه “المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق – التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، وبوصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه، وحكمه: وبإيجاز، الاستشراق كأسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستبنائه، وامتلاك السيادة عليه”. فالاستشراق على حدّ قوله هو “الفرع المنظم تنظيماً عالمياً الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تتدبّر الشرق – بل حتى أن تنتجه – سياسياً، واجتماعياً، وعسكرياً، وعقائدياً، وعلمياً، وتخيلياً، في مرحلة ما بعد (عصر) التنوير”.
وقد احتل الاستشراق في رأي سعيد موقعاً هو من السيادة بحيث إنه “ليس في وسع إنسان يكتب عن الشرق، أو يفكر فيه، أو يمارس فعلاً متعلقاً به دون أن يأخذ بعين الاعتبار الحدود المعوّقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والفعل. وبكلمات أخرى، فإن الشرق، بسبب الاستشراق، لم يكن (وليس) موضوعاً حراً للفكر أو العمل. ولا يعني هذا أن الاستشراق، بمفرده، يقرّر ويحتّم ما يمكن أن يقال عن الشرق، بل إنه يشكّل مجموعة المصالح الكلية التي يُستحضر تأثيرها بصورة لا مفرّ منها في كل مناسبة” يكون فيها الشرق موضوعاً للنقاش.
فالاستشراق – في رؤية سعيد – طريقة “للوصول إلى تلاؤم مع الشرق مبنية على منزلة الشرق الخاصة في التجربة الأوروبية الغربية. فالشرق ليس لصيقاً بأوروبا وحسب، بل إنه كذلك موضع أعظم مستعمرات أوروبا، وأغناها، وأقدمها، ومصدر حضاراتها ولغاتها، ومنافسها الثقافي، وأحد صورها الأكثر عمقاً وتكرار حدوث للآخر”. حيث أن الشرق ساعد على تحديد هوية أوروبا أو الغرب بوصفه “صورتها، وفكرتها، وشخصيتها، وتجربتها، المقابلة”(2). بل هو في نظره “أسلوب من الفكر قائم على تمييز وجودي (أنطولوجي) ومعرفي(ابتسمولوجي) بين الشرق والغرب”. فالاستشراق ليس بمنأى عما يسميه دَنِس هَي، “فكرة أوروبا، وهو مفهوم جمعي يحدد هويتنا “نحن” الأوروبيين كنقيض “لأولئك” الذين ليسوا أوروبيين”، وهي فكرة كون الهوية الأوروبية متفوقة على الشعوب والثقافات غير الأوروبية.
ويعتبر سعيد أن الاستشراق “ليس مجرد موضوع أو ميدان سياسي ينعكس بصورة سلبية في الثقافة، البحث، والمؤسسات؛ كما أنه ليس مجموعة كبيرة ومنتشرة من النصوص حول الشرق؛ كما أنه ليس معبّراً عن، وممثلاً لمؤامرة إمبريالية “غربية” شنيعة لإبقاء العالم “الشرقي” حيث هو. بل إنه، بالحري، توزيع للوعي الجغرا – سي (الجيو- بوليتيكي) إلى نصوص جمالية، وبحثية، واقتصادية، واجتماعية، وتاريخية، وفقه لغوية؛ وهو إحكام لا لتمييز جغرافي أساسي وحسب (العالم يتألف من نصفين غير متساويين، الشرق والغرب)، بل كذلك لسلسة كاملة من “المصالح” التي لا يقوم <الاستشراق> بخلقها فقط، بل بالمحافظة عليها أيضاً بوسائل كالاكتشاف البحثي، والاستبناء فقه اللغوي، والتحليل النفسي، والوصف الطبيعي والاجتماعي؛ وهو إرادة، بدلاً من كونه تعبيراً عن إرادة معينة أو نية كعينة لفهم ما هو، بوضوح، عالم مختلف (أو بديل وطارئ) والسيطرة عليه أحياناً والتلاعب به، بل حتى ضمّه..”.
في أعقاب الانتقادات العنيفة للاستشراق قامت الجامعات الغربية بتغيير المصطلح وتسميته بالدراسات الإسلامية أو العلوم الإنسانية في آسيا وشمالي أفريقيا، واعتبار المستشرقين العلماء الخبراء في المجتمعات والثقافات الإسلامية تحديداً. أما التغيّر الآخر في مفهوم المستشرق فيتعلق بمجال التخصص. ففي السابق كان معظم المستشرقين علماء متخصصين في اللغات الشرقية، وكانت هذه طريقة صارمة في الدراسة. لكن خلال العقود القليلة الماضية بدأ الباحثون من فروع المعرفة الأخرى ينهمكون في البحث في الجماعات والثقافات الإسلامية، وبينهم مؤرخون اجتماعيون، وانثروبولوجيون، وسوسيولوجيون، ومتخصصون في الأدب والفنون والدين.
ويرى المستشرق جان دي. جاك واردنبرغ في دراسته “المستشرقون” أن النظرة العلمية الغربية عن الإسلام قد تغيّرت في العقود الأخيرة، لا في توسّع مواضيعها ومضامين أبحاثها فحسب، وإنما في الطريقة التي فُهم بها الإسلام والمجتمعات والثقافة الإسلامية عموما أيضاً. كما تغيرت نظرة الغرب إلى الإسلام جوهرياً منذ العصور الكلاسيكية للاستشراق، أو منذ الحرب العالمية الأولى. ويعتبر واردنبرغ أن هذه الاختراقات قد تحققت بفضل الابتكارات التي قام بها بعض المستشرقين البارزين إذ استكشف المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون، الذي تخصص في دراسات التصوّف وخصوصاً في المتصوف الشهير الحلاج، قوىً روحية غير معروفة إلى حد كبير في الإسلام.
كما يستشهد واردنبرغ بعمل المستشرق غوستاف ادموند فون غرونباوم عن المقارنات الجوهرية بين التعابير الثقافية الوسيطة في العوالم الإسلامية والبيزنطية واللاتينية، ودعوة المفكر كليفورد غيرتز وآخرين إلى الإهتمام بالأنماط الأساسية واختلافات المعاني ضمن المجتمعات الإسلامية؛ ومحاولة مكسيم رودنسون لإعادة النظر في أهداف وأدوات البحث في الدراسات الإسلامية.
كما أحدث ظهور دول إسلامية مستقلة تغييراً مهماً في رؤية المستشرقين، فإذا كان الجيل الأقدم من المتخصصين بالإسلاميات يعدّون الإسلام المعاصر خالياً من التعبير السياسي وإن المجتمعات الإسلامية لا تتطور إلا طبقاً لحاجات الغرب وتوجيهاته، فإن الباحثين الذين بدأوا عملهم بعد الحرب العالمية الثانية، في حقبة خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قد طوّروا وجهات نظر مختلفة كلياً عن العالم الإسلامي، مشددين على ديناميكيته الداخلية الخاصة.
يقول واردنبرغ إن المسلمين أنفسهم قد أكدوا هويتهم الإسلامية الخاصة خلال العقود الأخيرة بطرائق كان من الصعب تصوّرها في حقبة الخمسينيات، وذلك في الأقوال والأفعال، ومن ضمنه النشاط السياسي المكثّف، فلم يعد بالإمكان أن يُفسّر على أنه مجرد تمرد ضد القانون والنظام الغربي. وأدى ذلك كله إلى نقلة معينة في النظرة إلى الإسلام والعالم الإسلامي عموماً، بمضامينها من أجل تطوير البحث الأكاديمي في الغرب. وكانت ثمة صورة ثابتة تقريباً عن الإسلام في البحث الأكاديمي الغربي، بصفته حقيقة تاريخية ومجموعة من العقائد والممارسات. لكن هذه الصورة تحطمت عبر مسار التاريخ وعبر تطوّر البحث الأكاديمي المتخصص، فظهرت قراءات غربية جديدة للإسلام، دينية وآيديولوجية وسياسية. ويرى واردنبرغ أن هناك حاجة في الدراسات الإسلامية والشرقية في أنْ يطّلع الأكاديميون أكثر من ذي قبل على بعض التطورات الجديدة في العلوم الإنسانية، من ضمنها علم الدين. فالتفاني المفرط جداً لفقه اللغة، أو التاريخ، أو الأنثربولوجيا، لا يترك سوى متسعاً قليلاً من الوقت للتقصي عمّا يحصل في فروع المعرفة الأخرى.
كما تعرّض الاستشراق خلال العقود الأخيرة لنقد إسلاموي أصولي يُمكن وصفه بأنه انتقائي، فهو يتهم معظم المستشرقين بأنهم معادون للإسلام ومشتركون في مؤامرة صهيونية لتشويه الإسلام وتضليل المسلمين. لكن البعض منهم يعتبر أن المستشرقين أصناف فمنهم من كان منصفاً وموضوعياً أنصف الإســلام، ومنهم من اعتنقه عقيدة وديناً، ومن هؤلاء المستشرقين الذين سحروا بالشرق والحضارة الإسلامية: مونتغومري وات، موضوع الدراسة، وآخرون.
ولا شك أن بعض المستشرقين قد طغت أحقادهم على كتبهم التي اتسّمت بالكذب والافتراء واللاموضوعية. فقد قال أليكسي جورافيسكي إن الأغلبية المطلقة من المستشرقين “لم يتخلصوا من المواقف المعادية للإسلام”. ورأى توماس كارليل أن أقوال “أولئك السفهاء من المستشرقين في محمد، إنما هي نتائج جيل كفر، وعصر جحود وإلحاد، وهي دليل على خبث القلوب وفساد الضمائر، وموت الأرواح”.
وقد شهد ليوبولد فايس بأن أبرز المستشرقين قد جعلوا من أنفسهم “فريسة التحزّب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام، وأن طريقة الاستقراء والاستنتاج التي يتبعها أكثر المستشرقين تذكرنا بوقائع دواوين التفتيش.

إنصاف الاستشراق
في مقابل هذا النقد القاسي للاستشراق، والذي لا يميّز إلا نادراً بين مستشرق وآخر، ثمة باحثون عرب ومسلمون وغربيون ينصفون الاستشراق ويدافعون عنه باعتبار أنه “شكّل نافذة جيدة على الشرق، تم التعريف من خلالها، وطوال قرن ونصف القرن، بالعرب والإسلام، وحضارتهما، بطرائق موضوعية وودودة في أكثر الأحيان”، على حد تعبير المستشرق الألماني فرتز شتبات. ويضيف شتبات: “بعد تغير الظروف والمناهج في تلك الدراسات(الاستشراقية)؛ فإنه سيكون علينا النظر إليها من جانبين: جانب الجهود المبذولة في نشر النصوص العربية القديمة نشرات علمية، شكّلت منهجاً سار عليه في ما بعد المحققون والدارسون العرب. وجانب العروض الشاملة والمتخصصة للتاريخ السياسي والثقافي العربي والإسلامي، ودراسات التاريخ الديني، والنظام الديني، وتطورات الحضارة الإسلامية في عالم ما بعد العصور الكلاسيكية، وصولاً إلى نهايات الدولة العثمانية”.
بدوره، ينصف الدكتور رضوان السيّد الاستشراق عموماً والألماني منه خصوصاً بالإقرار بإنجازاته الضخمة خلال أكثر من قرن ونصف القرن من جانب. كما يرفض السيّد منهج الرؤية لدى إدوارد سعيد، وهي الرؤية التي تفترض أن الاستشراق هو الذي صنع رؤية الغرب الاستعماري للشرق. ويرى أنه لا يمكن متابعة سعيد في تحديداته للمستشرقين ممن هم في “المؤسسة” الاستعمارية ولمن هم خارجها.

المصدر: الميادين نت

الحملة ضدّ اتّفاق حزب الله – “داعش” تعكّر “التحرير الثاني” للبنان

بقلم: د. هيثم مزاحم* — عكّرت الانتقادات والاتّهامات اللبنانيّة والعراقيّة والأميركيّة لصفقة حزب الله-“داعش” في شأن خروج مسلّحي الأخير من جرود القلمون الغربيّ الحدوديّة مع لبنان في اتّجاه محافظة دير الزور السوريّة، الانتصار اللبنانيّ بـ”التحرير الثاني”.

في 13 أيلول/سبتمبر الجاري، أعلن حزب الله أنّه استعاد أسيره أحمد معتوق الذي كان تنظيم “داعش” يحتجزه في محافظة دير الزور السوريّة، في مقابل إفراج الحزب عن قائد “داعش” في منطقة القلمون الغربيّ السوريّة أبو السوس، وعنصر آخر هو أبو زيد. كذلك، سمح الجيش السوريّ لقافلة مسلّحي “داعش” وعائلاتهم بالتوجّه إلى مدينة الميادين في محافظة دير الزور، بعدما كانت غارات التحالف الدوليّ بقيادة أميركا قد منعت الباصّات التي تنقلهم من الوصول إلى المحافظة، وقتلت العشرات منهم في عمليّات قصفها.
وكان الاتّفاق بين حزب الله و”داعش” قد قضى بخروج مقاتلي “داعش” وعائلاتهم من الجرود اللبنانيّة ومنطقة القلمون السوريّة، في مقابل كشفهم عن مصير الجنود اللبنانيّين الذين اختطفهم التنظيم في آب/أغسطس 2014، وتسليم أسير لحزب الله وجثامين لقتلاه يحتجزهم “داعش”.
هذا الاتّفاق الذي بدأ تنفيذه في 30 آب/أغسطس الماضي قد أثار ردود فعل لبنانيّة وعراقيّة وأميركيّة مستنكرة، متّهمة حزب الله والنظام السوريّ بإخراج مقاتلي “داعش” من منطقة الحدود اللبنانيّة-السوريّة، من دون محاكمة على جرائمهم ضدّ العسكريّين اللبنانيّين المختطفين وعمليّاتهم الإرهابيّة في لبنان، وذلك بعدما استسلم بعضهم لحزب الله وبقي بعضهم الآخر محاصراً من الجيش اللبنانيّ من جهة، ومن حزب الله والجيش السوريّ من الجهة المقابلة.
جاءت أبرز هذه الانتقادات من فريق 14 آذار وتيّار المستقبل في لبنان، حيث قال رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع إنّ حزب الله مدعوماً من النظام السوريّ قد حاول حرمان الجيش اللبنانيّ من جني ثمرة النصر على “داعش” معنويّاً ومنع المحاسبة القضائيّة عن مسلّحي “داعش”، وذلك قبل ساعات من إطباق الجيش اللبنانيّ عليهم في مربّعهم الأخير. وأضاف جعجع أنّ حزب الله تفاوض مع هؤلاء المسلّحين، ثمّ سهّل خروجهم “وكأنّ لا أسرى لنا قتلوا، ولا شهداء وجرحى من الجيش اللبنانيّ والمدنيّين سقطوا، وكأنّ لا تفجيرات وقعت في القاع أو في الضاحية الجنوبيّة وراس بعلبك والبقاع”.
قال مصدر قياديّ في تيّار المستقبل طلب عدم الكشف عن اسمه لـ”شجون عربية” إنّ حزب الله كان رفض في عام 2014 التفاوض مع “داعش” لإطلاق العسكريّين عندما كانوا أحياء، واليوم قام بالتفاوض على كشف مصيرهم وهم أموات.
من جهته، اعتبر الباحث والأستاذ الجامعيّ اللبنانيّ ربيع بركات في حديث لـ”شجون عربية”أنّ الحملة التي ينظّمها خصوم حزب الله المحلّيّون والدوليّون ضدّ الصفقة مع “داعش” هدفها التصويب على الدور الذي لعبه الحزب في معارك جرود عرسال، وذلك في سياق الخلاف على شرعيّة دوره في الحرب السوريّة. وأضاف أنّ الحملة تتّصل بقلق خصوم حزب الله في لبنان من الاستثمار السياسيّ السريع للحزب لهذه المعركة٬ وكذلك بالهاجس الأميركيّ من أن تكون نتيجة الصفقة نقل مئات من مقاتلي “داعش” إلى جبهة مواجهة للقوّات الحليفة لواشنطن في الرقّة.
وعن سبب إبرام هذه الصفقة٬ رأى بركات أنّ “حزب الله كان يفضّل طيّ صفحة جرود عرسال بأقلّ خسائر ممكنة وفي أسرع وقت٬ كما أنّ مصلحته ومصلحة دمشق تقتضيان أن ينشغل حلفاء واشنطن بمزيد من المعارك، بدلاً من أن ينشغلا هما بها”.
أمّا المحلّل السياسيّ اللبنانيّ داود رمال فقد تحدّث إلى “شجون عربية” عن ظروف هذا الاتّفاق، فقال إنّ ما تبقّى من عناصر “داعش” قد تعمّدوا، بعدما أحكم الحصار عليهم في الجرود، وضع عائلاتهم من الأطفال والنساء داخل الكهوف والمواقع التي تحصّنوا فيها، “وكأنّ المطلوب ارتكاب مجزرة في حقّ هؤلاء لإثارة جمعيّات حقوق الإنسان ضدّ حزب الله والجيش اللبنانيّ، وحتّى منتقدو الاتّفاق كانوا سيكونون أوّل المنتقدين لاستهداف هؤلاء المدنيّين”.
وبالنسبة إلى عدم تسليم مسلّحي “داعش” إلى القضاء اللبنانيّ، رأى رمال أنّ عمليّة فجر الجرود قد “حدّدت بهدفين هما كشف مصير العسكريّين المختطفين لدى “داعش”، وإخراج “داعش” من الأرض اللبنانيّة، وقد تمّ ذلك بأقلّ خسائر ممكنة، كما أنّ القيادات المتورّطة في عمليّة إعدام العسكريّين موجودة في سجن رومية اللبنانيّ بحسب اعترافاتهم أمام المحكمة العسكريّة اللبنانيّة”.
وعن اتّهام البعض حزب الله بإبرام الصفقة منفرداً مع “داعش”، أوضح رمال أنّ الحكومة اللبنانيّة أناطت بالمدير العامّ للأمن العامّ اللواء عبّاس ابراهيم ملفّ العسكريّين المختطفين ولم تبرم وثيقة استسلام “داعش”، إلّا بعد موافقة السلطات اللبنانيّة الرسميّة.
وكان حزب الله قد ردّ على انتقاد رئيس الوزراء حيدر العبادي نقل مسلّحي “داعش” إلى محافظة دير الزور، ببيان شرح ظروف نقلهم من جرود القلمون السوريّة، إلى أرض سوريّة أخرى هي دير الزور، معتبراً أنّ الحزب يقاتل “داعش” هناك أيضاً، وبالتالي فإنّ نقلهم لأسباب تكتيكيّة تتعلّق بأولويّات المعركة.
وكان لافتاً ظهور قياديّ عسكريّ من حزب الله على التلفزيون يدعى أبو مصطفى، في 9 أيلول/سبتمبر، وهي المرّة الأولى في تاريخ الحزب الذي يتحدّث فيها مسؤول ميدانيّ أمام الكاميرات من دون أن يخفي وجهه، إذ تحدّث في نقل مباشر من دير الزور عن دور الحزب في فكّ حصار “داعش” للمدينة، حيث حرص إعلام الحزب والإعلام القريب منه على إظهار هذا المسؤول، وهو يقاتل هناك، في رسالة ردّ مباشرة على السياسيّين العراقيّين واللبنانيّين والأميركيّين والإعلام المعادي لحزب الله، الذين حاولوا تصوير صراع حزب الله مع “داعش” بأنّه مسرحيّة.
لا شكّ في أنّ قيادة حزب الله لم تتوقّع أن يواجه هذا الاتّفاق بينه وبين “داعش” كلّ هذه الانتقادات التي عكّرت صفو الانتصار، الذي أعلنه أمينه العامّ السيّد حسن نصر الله في 29 آب/أغسطس تحت عنوان “التحرير الثاني” للبنان من التكفيريّين، بعد التحرير الأوّل له من الاحتلال الإسرائيليّ في 25 أيّار/مايو 2000. لذلك، حرص نصرالله على الظهور مرّتين لتوضيح هذا الاتّفاق، الذي استكمل تحرير الجرود اللبنانيّة من التكفيريّين، ليكون لبنان الدولة الأولى في المنطقة التي تطهّر أراضيها من “داعش” وجبهة النصرة.
وقد كان مفاجئاً أنّ القوى اللبنانيّة وكذلك واشنطن، لم تعترض على اتّفاق حزب الله مع جبهة النصرة في 29 تمّوز/يوليو 2017، والذي أخرج مقاتلي الجبهة من جرود عرسال إلى محافظة إدلب السوريّة، مقابل تسليم أسرى لمقاتلي حزب الله وجثث لهم، وذلك حقناً للدماء، بينما بالغت هذه القوى في انتقاد الاتّفاق مع “داعش” الذي هدف إلى النتيجة نفسها، أي إخراج هؤلاء الإرهابيّين من جرود لبنان، وتجنّب معركة قاسية معهم كانت ستؤدّي إلى سقوط مزيد من الخسائر في صفوف الجيش اللبنانيّ وحزب الله من جهة، وسقوط مدنيّين بين عائلات مقاتلي “داعش” من جهة أخرى.

*د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط.

تحالف حماس مع دحلان ينذر بقطيعة بين فتح وحماس

تحالف حماس مع دحلان ينذر بقطيعة بين فتح وحماس
د.عقل صلاح*
كان الخلاف ما بين حركة فتح وحركة حماس منذ عام 1993 ولغاية عام 2004،خلافًا سياسيًا، ولم يأخذ الخلاف ما بين الحركتين طابعاً عنيفاً، ولم يظهر للعلن بشكل رسمي. فقد كان هناك تفاهم قائم ما بين قيادة الحركتين المتمثلة بالرئيس الشهيد ياسر عرفات والشيخ الشهيد أحمد ياسين، فكانت حماس متفهمة لموقف فتح من مشروع التسوية واستحقاقاته، وكانت فتح متفهمة للمقاومة المسلحة التي كانت تقوم بها حماس(1).
وعلى الرغم من وجود تاريخ من التوتر والتنافس السياسي بين الحركتين إلا أنه كان هناك نقاط يتم الاتفاق عليها رغم وجود الاختلاف، فقد كان هناك تعاون ميداني نشط في تنفيذ العمليات العسكرية المشتركة في بداية انتفاضة الأقصى بعد عام 2000.
إلا أن شدة الخلاف بين الحركتين ازدادت بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والتي بدورها لم تعمر طويلاً، مما أدى إلى تصاعد الاشتباكات بين الحركتين وإلى وقوع قتلى وجرحى، وبالرغم من محطات الحوار بين الطرفين إلا أن الصدام المسلح استمر ووصل ذروته باستيلاء حماس في الرابع عشر من حزيران/يونيو2007 على القطاع بالقوة العسكرية، مما أدى إلى انقطاع الاتصالات والحوارات بين الطرفين. هناك اختلاف حول الأسباب التي أدت إلى نشوء الخلافات ووصولها حد الاقتتال بين الحركتين، أبرزها الاختلاف الأيديولوجي بين الحركتين، ورفض حماس الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل وحيد وشرعي للشعب الفلسطيني، ومحاولة حركة حماس تشكيل قوة موازية للسلطة في غزة إثر الانسحاب الإسرائيلي منها. كما أن اختلاف البرامج السياسية لكلا الطرفين، واستمرار الحصار الدولي ومنع المساعدات أدت إلى فشل حكومة الوحدة الوطنية، وحدوث حالة الانقسام والاقتتال التي تعتبر الأسوأ في تاريخ الشعب.
تعزز الانقسام الجغرافي بين الضفة والقطاع بعد الانقلاب الذي قامت به حماس في غزة والذي أدى إلى قيام حكومتين متناحرتين في كل من القطاع والضفة. إن أحداث العنف التي شهدتها الأراضي الفلسطينية ما بين حركتي فتح وحماس كان لها تأثير كبير على الشعب وعلى طبيعة العلاقة ما بين الحركتين وعلى العملية الديمقراطية.
لقد أصبح الانقسام الجاري بين الحركتين أمراً واقعاً يجري تكريسه على الأرض، ويغرس جذوره في كافة المجالات، إضافة إلى أن ممارسات الطرفين في الضفة وغزة طالت الحريات العامة والخاصة، والعملية الديمقراطية، والتعددية السياسية، واستمرار حملات الاعتقال السياسي في غزة والضفة، وكل هذا يجري في ظل الاصرار على فرض سلطة الأمر الواقع، وإقامة المجتمع الخاص بكافة أبعاده ومكوناته في القطاع، حيث أدى الانقسام إلى وجود حكومتين وسلطتين، إحداهما تحت الاحتلال، والأخرى تحت الحصار، وأدى هذا الأمر إلى تداعيات على الصعيد السياسي تمثل بإضعاف دور منظمة التحرير، والتشكيك بقدرة الشعب في حكم نفسه، مما مكن إسرائيل من التذرع بعدم وجود شريك فلسطيني، والتهرب من عملية السلام، إضافة إلى تراجع التأييد العربي والدولي لنضال الشعب الفلسطيني(2).
وجاء اتفاق مكة من أجل رأب الصدع بين حركتي فتح وحماس مابين السادس والثامن من شباط/فبراير عام 2006 برعاية المملكة العربية السعودية، حيث جرت في مكة حوارات، ومن أبرز ما تم الاتفاق عليه التأكيد على حرمة الدم الفلسطيني وعلى أهمية الوحدة الوطنية كأساس للصمود الوطني والتصدي للاحتلال، والاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية وفق اتفاق تفصيلي معتمد من قبل الطرفين، مع المضي في إجراءات تطوير وإصلاح منظمة التحرير، وتأكيد مبدأ الشراكة السياسية على أساس القوانين المعمول بها في السلطة الوطنية وعلى قاعدة التعددية الوطنية(3).
وتم الاتفاق بين الطرفين بناءً على اتفاق مكة على تشكيل حكومة وحدة وطنية على قاعدة المحاصصة، حيث تسمي حركة حماس رئيس الوزراء بينما تسمي حركة فتح نائبه، أما فيما يتعلق بالوزارات السيادية وهي الخارجية فتم الاتفاق على أن يتولاها مستقل مقبول من قبل الجانبين، والمالية من نصيب سلام فياض، والداخلية يتولاها مستقل تسميه حماس على أن يوافق عليه الرئيس. ووزارة الاعلام والسياحة والمرأة والثقافة فتعين بحسب التوافق بين رئيس الوزراء والكتل البرلمانية على أن تكون ثلاثة وزرات للكتل البرلمانية والرابعة لحماس، وبالنسبة لباقي الوزارات فتحصل حماس على تسعة وزارات فيما تحصل فتح على ستة وزارات (4).
لقد شهد قطاع غزة في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر عام2006، مواجهات دامية بين عناصر قوى الأمن الفلسطيني التابعة لفتح والقوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية على إثر مسيرات احتجاجية قامت بها قوات الأمن مطالبة بصرف الرواتب، تطورت من اشتباك بالأيدي إلى إطلاق للنار، وأسفرت الاشتباكات عن سقوط 9 قتلى و105 جرحى أطلق عيها أحداث الأحد الأسود، والتي انعكست على مدن الضفة. مما استدعى الرئيس عباس لإصدار أوامره إلى جميع الأجهزة الأمنية، بعدم المشاركة في أية تظاهرات أو احتجاجات، والتزامهم بأماكن عملهم وثكناتهم ومعسكراتهم، ومزاولة أعمالهم والقيام بواجباتهم في حفظ الأمن والنظام العام، وحماية الشعب ومصالحه وممتلكاته، وحملت كتلة فتح البرلمانية رئيس حكومة حماس ووزير الداخلية مسؤولية الأحداث الدموية، ومن جهتها حملت حكومة حماس بعض أفراد الأجهزة الأمنية مسؤولية الأحداث التي شهدها القطاع (5). مما أدى لانقطاع سبل التواصل بين الفصيلين ليتبادل الطرفان بيانات التهديد، ويحمل كل طرف مسؤولية الأحداث الدامية للطرف الآخر (6).
وعليه جرى تشكيل الحكومة الحادية عشر (حكومة الوحدة الوطنية) والتي ضمت 25 وزيرًا برئاسة هنية وعزام الأحمد رئيس كتلة فتح البرلمانية نائب له، والتي امتدت من 17 آذار/مارس وحتى 14 حزيران/يونيو عام 2007. إلا أن الحكومة لم تصمد أمام الخلافات والتجاذبات السياسية، مما أدى إلى انهيارها على إثر الانقلاب الذي قامت به حركة حماس في حزيران/يونيو عام 2007 (7).
لقد تذرعت الحركة بقيامها بالانقلاب بأن هناك انقلابًا من حركة فتح معدًا لها، إلا أن ما يثبت عكس هذا القول، أنه عند مهاجمة كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس لمواقع المؤسسات الأمنية لم يكن هناك ردود فعل من قبل أجهزة السلطة، لأنه لم يكن لديها خطة لمهاجمة مؤسسات حركة حماس، وكانت النتيجة سيطرة حماس على المؤسسات والمقرات الأمنية في قطاع غزة بسهولة وفي وقت قصير، فالانهيار الشامل للأجهزة الأمنية في القطاع في غضون أربعة أيام فقط، وسيطرة القوة التنفيذية وكتائب عز الدين القسام مهد لها الطريق لتعلن أنها قد انتصرت بالقوة العسكرية إلى جانب انتصارها بالأغلبية الشعبية من خلال الانتخابات (8).
قامت حركة حماس منذ الانقلاب بمنع حركة فتح من الاحتفال بانطلاقتها(9)، واتهمت حركة فتح الأجهزة الأمنية التابعة لحماس باستدعاء كوادرها، وبالتضييق عليهم باستمرار، إضافة إلى قيام حماس بمنع كوادر وقيادات فتحاوية من مغادرة القطاع في عدة مناسبات(10)، إلا أنها في عام 2013 سمحت لحركة فتح بالاحتفال بذكرى انطلاقتها (11). ويصف عادل عبد الرحمن أحد قيادات فتح ما تقوم به حماس تجاه فتح بالقطاع بأنه اجتثاث للحركة من الشارع بقدر ما تستطيع عبر مصادرة بيوت القادة وسياراتهم، ووضع يدها على الأملاك العامة للدولة (12).
فقد لعب إعلام الحركتين دورًا توتيريًا وما زال يقوم بهذا الدور السلبي في تعميق الانقسام حتى في بعض الأحيان خرج هذا الإعلام الحزبي عن السياق الوطني، وأيضًا الأخلاقي وأصبح يوصف بإعلام الردح.
دحلان يعمق الشرخ مابين الحركتين:
بعد التحالف الحمساوي مع التيار الدحلاني هل المرحلة القادمة تتجه نحو التصعيد بين حماس وفتح؟
لقد حافظ الطرفين (فتح وحماس) على حد أدنى من العلاقة، حيث شاركت حماس في مؤتمر فتح السابع عام2016. ولكن بعد قيام الرئيس محمود عباس بجملة قرارات عقابية بحق القطاع، ، والتصعيد الاعلامي والتهديدات المتبادلة، أصبحت القطيعة بين الحركتين هي سيدة الموقف.
بعد التحالف مابين حماس ودحلان، وصلت العلاقة بين فتح وحماس إلى طريق مسدود، وقد يحدث تقارب ومصالحة بين الحركتين في حال تم انتخاب رئيس جديد، لأن حماس وصلت لقناعة تامة بأن الرئيس عباس لايريد حماس قوية ولايريد المصالحة معها، وإنما يريد السيطرة عليها بهامش سيطرته على باقي الفصائل التابعة للمنظمة. وحماس تدرك أن الرئيس لايريدهم شركاء بل يريدهم منفذي لسياسته وبرنامجه، وهذا ما لاتقبله حماس بكونها حسمت أمرها في المشاركة في الحياة السياسية الفلسطينية الرسمية بكل مكوناتها حتى في الترشح لمنصب الرئاسة في الانتخابات الرئاسية الثالثة وسوف يكون القائد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة السابق هو الرئيس المستقبلي للشعب الفلسطيني.
وستفاوض حماس إسرائيل مباشرة مما سيزيد من أزمة حركة فتح في ظل التقارب الحمساوي مع دحلان الذي سيضعف الرئيس عباس من خلال فتح المجال واسعًا لدحلان للتحرك في القطاع. إضافة لازدياد نمو تيار دحلان في الضفة التي تعاني من تدهور في الوضع الاقتصادي وزيادة نسبة الاحباط والعزوف عن المشاركة السياسية الذي تجسد في الانتخابات المحلية حيث كانت نسبة التصويت متدنية جدًا حيث لم تتعدى الـ20% في انتخابات نابلس على سبيل المثال، بالإضافة للإنتخابات الطلابية في جامعة النجاح. في ظل التذمر من السياسات القائمة وزيادة حدة الفقر والبطالة وسياسة السلطة في استهداف أرزاق الموظفين ومخصصات أسر الشهداء والأسرى والجرحى، ستزداد شعبية تيار دحلان، وستلتقي مصالح كل من يتعارض مع سياسة الرئيس مع تيار دحلان في الضفة. وعليه ستصبح فتح في وضع أكثر صعوبة بعد فقدانها فتح غزة والمخيمات في الخارج، مما سيشجع المخيمات في الضفة وبعض المحافظات على الإلتحاق مع تيار دحلان. كل هذا يصب في مصلحة الاحتلال في الدرجة الأولى، وفي الدرجة الثانية في مصلحة حركة حماس التي حلت جزءًا من مشاكلها ومشاكل حكمها في القطاع. وهذا نتاج السياسات العامة الفردية والخاطئة المتبعة من قبل السلطة الفلسطينية في حل مشكلة التيار الدحلاني الذي يتغذى على أخطاء خصمه التنظيمي حتى اليوم.
وتجدر الإشارة إلى أن حركة حماس اتجهت إلى التحالف مع التيار الاصلاحي في حركة فتح الذي يقوده النائب محمد دحلان وقلبت الطاولة على المصالحة وعلى الرئيس محمود عباس وعلى حركة فتح الرسمية، فقد أصبح أعداء الأمس حلفاء اليوم. وفي هذه الخطوة التي أقدم عليها كل من حماس ودحلان هي خطوة تحقيق المصالح – أنا بحاجتك وأنت بحاجتي- فدحلان بحاجة لدعم تبلور تياره في غزة وينظر لهذه الخطوة على أنها الطريق السريع للوصول لسدة الحكم في حال حصلت انتخابات تشريعية ورئاسية ثالثة. وحركة حماس المحاصرة فقدت الأمل في فك الحصار بدون التحالف مع دحلان فكان التحالف هو المعبر الاطراري للبقاء في حكم القطاع.
وفي هذا السياق، أدانت حركة حماس المواقف غير المسؤولة للجنة المركزية لحركة فتح تجاه قطاع غزة. وقال الناطق باسم الحركة، عبد اللطيف القانوع، في تصريح صحفي في20حزيران/يونيو2017، “إن موافقة مركزية حركة فتح لإجراءات عباس القمعية ضد غزة وما تبع ذلك من تصريحات لقياداتها في هذا الشأن هي مواقف غير مسؤولة تسيء لشعبنا وتضحياته”. واعتبر القانوع، هذه المواقف “ترسيخ لديكتاتورية عباس وسياسته العنصرية تجاه أهل غزة ومشاركة مباشرة في تشديد الحصار على أهلها”، (20)
أما المصالحة الحمساوية الفتحاوية، فأصبح متوجب قبل تحقيقها أن تحصل مصالحة فتحاوية فتحاوية ومن ثم مصالحة فتحاوية حمساوية. وبخصوص الاتفاق الحمساوي والدحلاني برعاية مصرية سوف تحصل غزة على بعض حقوقها الطبيعية الحياتية مثل فتح المعبر والكهرباء والتجارة والعمران وغيرها التي سلبت منها. وفي المقابل فقد تلقت حركة فتح ضربة قوية وستكون عامل مهم من عوامل هبوط شعبيتها وزعزعت مصير وحدتها التنظيمية وسوف يقوى تيار دحلان ويكون له قاعدة انطلاق من الوطن ويشارك حماس في الحكم وادارة المسؤولية عن المعبر ويستطيع ان يتمدد الى الضفة الغربية التي تعاني من الفقر والبطالة والاحباط وفقدان الأمل في المستقبل وبالاخص عند فئة الشباب.

*كاتب وباحث فلسطيني
Salah.nablus@yahoo.com

الهوامش:
1- عواد جميل عودة، اشكالية العلاقة بيت حركة فتح وحركة حماس وأثرها على عملية التحول الديمقراطي في فلسطين(2004-2010م)، مرجع سبق ذكره، ص118
2- مرجع السابق، ص142-145
3-اتفاق مكة للوفاق الوطني، 8 شباط/فبراير 2007.
4- محضر اجتماع لجنة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، 8 شباط/فبراير 2006.
5- فايز أبو عون وأيمن أبو ليلة،” التنفيذية تدخلت لفض الاحتجاجات بالقوة وشرارة التوتر انتقلت إلى الضفة”، جريدة الأيام، 2 تشرين أول/أكتوبر 2006.
6- الجزيرة نت، “الأقصى تهدد قادة بحماس والحركة تتهم انقلابيي فتح”، 3 تشرين أول/أكتوبر 2006، وذلك على الموقع الإلكتروني: http://www.aljazeera.net/home/print/f6451603-4dff-4ca1-9c10-122741d17432/7f0d4076-37c9-46c7-a0f0-1f5106381562
7- نعمان عبد الهادي فيصل،الانقسام الفلسطيني في عهد الانتداب البريطاني وفي ظل السلطة الوطنية الفلسطينية: دراسة مقارنة، ص 170.
8- حمادة الفراعنة،”دور حماس في تعطيل وتخريب جميع نواحي الحياة: الانقلاب الحمساوي الاخواني”، 2012، الكرامة برس، وذلك على الموقع الالكتروني:http://www.karamapress.com/arabic/?action=detail&id=10573
9- فلسطين اليوم، “لأول مرة منذ الانقسام حماس تحتفل بالضفة وفتح بغزة بانطلاقتهما”، 10 كانون أول/ديسمبر 2012، وذلك على الموقع الإلكتروني: http://paltoday.ps/ar/post/154674
10- محسن صالح (محرر)، التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2011، صص 55-56.
11- صلاح حسن وآخرون، “مشير المصري الناطق باسم الحركة للوطن: حماس حركة سرية وجزء من التنظيم الدولي للاخوان”، 2 نيسان/ابريل 2013، وذلك على الموقع الإلكتروني: http://www.elwatannews.com/news/details/157505
12-عادل عبد الرحمن، “حماس تكرس الإمارة”، 5أبريل/نيسان2014، http://www.fatehwatan.ps/page-52239.html.
13-الرسالة نت، حماس: مواقف مركزية فتح ضد غزة “غير مسؤولة”، 20 حزيران / يونيو 2017، http://alresalah.ps/ar/post/162707