أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / المقومات العسكرية والتكنولوجية للولايات المتحدة ودورها في فرض مكانتها الدولية

المقومات العسكرية والتكنولوجية للولايات المتحدة ودورها في فرض مكانتها الدولية

 

US_ISIS_raids

 

خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط – بقلم: د. سيف نصرت توفيق الهرمزي* – 

 

مقدمة :

عند النظر باستجلاء حول أهم المقاربات التي تتكئ عليها مقومات أي دولة معيّنة نجدها ترتكز بصورتها التقليدية على العامل العسكري، فهو المعيار الأول لقياس مقومات قوة الدول وبالتالي قدرتها وصولاً الى الدور والمكانة في النظام الدولي. بيد أنه لم يعد المقوم العسكري بهذه الصورة التقليدية، لاسيّما مع دخول السلاح النووي والبيولوجي، إذ أصبح في مقدمة استراتيجيات الردع، والذي اذا ما أُخل في ركيزة من قواعده، فإنه سيؤدي الى كوارث لا يمكن أن نصفها أو مقارنتها بما حصل في الحربين العالميتين. بل إن العامل التكنولوجي أصبح ركيزة أساسية في كل مقومات الدولة العسكرية والاقتصادية..الخ، فجيوش اليوم لا تقاس بما تمتلك من عدة وعتاد، بل إن قياس اليوم على الاستخدام الأمثل في تحقيق الأهداف وبالنتائج المرجوة، وهو ما يسمى اليوم بالجيوش الذكية والأسلحة الذكية، فالجندي الإلكتروني أصبح فاعلاً له مدلولاته أكثر من الجندي الحقيقي الذي لا يستطيع خرق سيادة الدول إلا بالتضحيات.

إن الدولة المهيمنة اليوم هي الدولة التي تمتلك القوة والقدرة بالاعتماد على مركبات قوتها المادية وغير المادية بما يجعلها تتحكم في الدول الأخرى مع اختلاف نوع التأثير. ولكننا اليوم في قرن أصبح يبحث عن أقل الخسائر وأكبر الأرباح ، فالقرن الحادي والعشرون هو قرن الحروب الذكية وحرب القوة الناعمة التي تعتمد بشكل كبير على المقوم التكنولوجي، وتحديداً الفاعل الرقمي في إدارة التغيير وفرض الإرادات على الدول التي تدور في فلكها أو تسعى بها الى هذا الفلك.

ولا غضاضة في أن الولايات المتحدة بقدراتها وإمكانيتها العسكرية والتكنولوجية تمسك بأهم مفصلي الجسد العالمي إن صح التعبير والتشبيه، ليس للفترة الآنية فحسب بل على المدى المستقبلي المنظور أيضاً.

لذا سوف نتطرق في هذه الورقة البحثية هذه عن أهم المقومات العسكرية والتكنولوجية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية، والتي اكتسبتها في ظروف اقتناص الفرص في ظل تصارع الدول الكبرى لتتربع قمة الهرمية الدولية في التراتبية العالمية.

 

 

US_ship

 

 

المقومات العسكرية للولايات المتحدة الأميركية:

عند العودة الى المفاهيم المعجمية والقاموسية قبل الدخول في المصاديق اليقينية للقوة العسكرية، من المهم الوقوف عند معنى القوة، التي تعني في معناها التقليدي بأنها “قدرة طرف على التأثير على أطراف أخرى بشكل مقصود”، بحيث يمكن “تقليل مقاومة الآخرين له فيما يتعلق بخطة العمل التي يريد تبنّيها في مجال معيّن خلال فترة من الزمن”.

المعيار التاريخي الأول للقوة، هو المعيار العسكري، وتنبع أهمية القوة العسكرية إجمالاً من كونها تمثل أحد العناصر الأساسية في تحديد مركز الدولة ومكانتها في النظام الدولي، فضلاً عما تمثله من مفتاح للأمن والاستقرار.

ويكاد الرأي يتفق على ان الولايات المتحدة تمتلك من القدرات العسكرية المتنوعة ما يجعل من الصعب مقارنتها بأي قوة آخري في الماضي او الحاضر وربما حتى في المستقبل. وهذا نوع من القوة هو الذي صنع للولايات المتحدة هيبتها في العالم، بعد ان كانت تنبع من قوة مثلها وازدهار مجتمعها لكنها في غمرة التنافس العسكري والسياسي و الايديولوجي ترهلت تلك المثل واهتزت وفقدت بريقها، ولم يعد الأمريكان يتمتعون بهيبتهم الا عندما يلوحون بالعصا الغليظة “القوة العسكرية”.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء وما لحقه من تغييرا في موازين القوى اثر دخول الآلة العسكرية الأمريكية إلى جانب الحلفاء بكامل ترسانتها العسكرية ومنها أسلحة الدمار الشامل ممثلة بالأسلحة النووية التي استخدمتها الولايات المتحدة لقصف مدينتي (هيروشيما ونكازاكي) اليابانيتين ليصدم العالم من جراء حجم الكارثة وما رافقها من اثار سياسية وعسكرية وبشرية حيث قتل ما يزيد عن (220 ) الف ياباني، بعد كل هذا دخل العالم مرحلة جديدة من العلاقات بين وحداته السياسية حيث بداية حرب جديدة ، مختلفة واكثر رعبا، اطلق عليها اصطلاح (الحرب الباردة)، فاعلها الرئيس القوة العسكرية الامريكية.

وخلال أكثر من أربعة عقود من زمن الحرب الباردة طغت تلك الحالة على مجمل سياسات و استراتيجيات أطراف الصراع الدولي ( الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة ) بكل ما تطلبته من سباق رهيب في التسلح على مختلف أشكاله و أحجامه وهو ما انعكس بمجمله على عمل واستراتيجية المؤسسة العسكرية الأمريكية التي كان عليها ان تنتصر في حرب أخرى تعتمد في الأساس على التنافس في بناء (آلة الدمار). وهكذا بدا معيار الأداء الاستراتيجي الأمريكي مربوطاً على ما يدره الأداء العسكري من انجازات. وجعل من الولايات المتحدة تتوافر على قدرات قتالية متطورة جدا بتكنولوجيا قتالية جعلت الجيوش الأخرى، بالمقارنة مع الجيش الأمريكي عتيقة الطراز.

 

 

 

فالولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بقدرة عسكرية ضخمة لا يمكن مقارنتها مع أي دولة أخرى ، مما مهد لها الاحتفاظ بمكانة مؤثرة في السياسة الدولة ، وتقترن قدرة الولايات المتحدة العسكرية من الناحية التقليدية بالحجم الإجمالي للقوات المسلحة آذ يبلغ عددها نحو (1.5) مليون جندي موزعة على مختلف الصنوف العسكرية المعروفة .أما من الناحية النووية فان الولايات المتحدة الأمريكية تعد الدولة الأولى في العالم سواء على مستوى الكم من الأسلحة ام على مستوى ما تتمتع به أسلحتها النووية من نوعية متطورة بفعل التقنية العالية المستخدمة فيها، اذ تحتفظ بأكبر عدد من الرؤوس النووية التي وصل عددها إلى حوالي 15 ألف رأس نووي .كما تمتلك الولايات المتحدة اكبر عدد من الغواصات النووية في العالم تصل الى 500 غواصة نووية فضلا عن امتلاكها لأكثر من 500 قاذفة استراتيجية بعيدة المدى .

وتعتمد الولايات المتحدة على القوة الذكية في بناء جيشها وتطوريه في جميع الاستراتيجية الشاملة الانية والمستقبلية ، وفي مطلع عام  2008 لاقت فكرة القوة الناعمة  والقوة الذكية لجوزيف ناي وزميله ارميتاج” لتخرج لنا نظرية ذات منطلقات كلية منها ما يعتمد على تعضيد القوة العسكرية حتى اصبحنا امام اصطلاح الجيش الذكي من خلال تسليح وتجهيز الجيوش والفرق العسكرية المنتشرة خارجها بأحدث النظم التكنولوجية والإلكترونية بالاعتماد على الاقمار الصناعية، خاصة أننا في العصر المتميز بثورة المعلومات والاتصال، والابتكارات التكنولوجية، القادرة على الإسهام في شؤون الحرب، وعلى تصنيع أسلحة “ذكية” Smart. هذه النظم، التي تمثلت في الطائرات الخفية، والصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، وأنظمة القيادة والسيطرة الآلية، والأقمار الصناعية، ونظام تحديد المواقع على مستوى الكرة الأرضية Global Positioning System: GPS، وطائرات الإنذار المبكر، والسفن الحربية “ايجيس”.  ومن هنا جاء امتزاج القوة العسكرية بالتكنلوجيا لتكون الدولة رقم واحد في العالم من حيث العدد والعدة والتقدم التكنولوجي في ادق مفاصل القوة العسكرية.

كما تحتفظ الولايات المتحدة الاميركية بأكثر من مليون جندي مسلحين من الرجال والنساء في اربع قارات. وتنشر أربع مجموعات قتالية محمولة مستعدة للحرب في كل محيطات الأرض، وأنشأت في عام 2007 قيادة عسكرية مستقلة للقارة الأفريقية مقرها المغرب. وتحتفظ الولايات المتحدة بأكثر من (50) الفاً من جنودها على سفن الأسطول الأمريكي، الذي يجوب بحار العالم، وهناك أكثر من 800 منشأة عسكرية أمريكية في الخارج، منها (60) قاعدة رئيسة، ووجود عسكري أمريكي في 140 دولة، منها انتشار رئيس في (25) دولة، فضلاً عن التزامات قوية بالدفاع عن (31) دولة، واتفاقيات دفاعية مهمة مع (29) دولة أخرى، تضمن بقاء عدد من الدول بدءاً من إسرائيل إلى كوريا الجنوبية. بذلك يكون الهدف النهائي منها هو تحقيق وتعزيز المصالح العامة والقيم للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.

وهو ما حتم وضع ميزانيات ضخمة للدفاع من خلال تخصيص نسبة متواضعة جداً من ناتجها القومي. فالميزانية العسكرية للولايات المتحدة التي كانت قد بلغت 6% من إجمالي ناتجها القومي في أواسط ثمانينيات القرن المنصرم. أن ميزانية البنتاغون تساوي الميزانيات العسكرية المجتمعة للدول الـ ( 12 ) او الـ( 15 ) التي تلي الولايات المتحدة ” بعبارة أخرى، ان أنفاق الولايات المتحدة العسكري يشكل( 40 ــ 50%) من الأنفاق الدفاعي في دول العالم كافة . فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي مجتمعة، تنفق على الدفاع نحو ( 170 ) بليون دولار سنويا، ولكن الولايات المتحدة تنفق أكثر مـــن 400() بليون دولار بالسنة، ويمكنها بشكل مريح ان تزيد من هذا الرقم بمـعدل ( 60 % ) من دون ان تتجاوز معدل الـ ( 5 % ) من أجمالي الناتج المحلي.

ومما تجدر الإشارة أليه أن الولايات المتحدة من خلال آلتها العسكرية منتجة ايضاً وليست مستهلكة فقط، إذ أخذت صناعة الدفاع الأمريكية تحتل المرتبة الأولى عالميا سواء من ناحية حجم الإنتاج أم من ناحية التصدير للأسلحة و بذلك غدت واحدة من مسببات الدخل القومي الأمريكي، وذلك بفضل الصادرات التسليحية الأمريكية إلى العالم، التي عدت مصدراً ضخماً للسلاح في العالم، إذ بلغت قيمة صادراتها 19% من الصادرات العالمية لعام 2003 – 2004.

وبسبب من الدور الكبير الذي مارسه المجمع الصناعي العسكري خلال مرحلة الحرب الباردة و الذي أتاح له هامشاً كبيراً من التأثير في صنع القرارات والاستراتيجيات في الولايات المتحدة ونفوذ واسع داخل الإدارات الأمريكية المتعاقبة على البيت الأبيض، استمر ذلك المجمع بضغطه ولكن هذه المرة باتجاه صنع سياسات خارجية تتوافق مع مصالحها ومن هذه السياسات هي توسيع حلف الناتو.

ان ما يجعل الولايات المتحدة الامريكية تتمتع بمثل هذه القدرة العسكرية لا يرجع فقط الى حجم الانفاق العسكري الكبير وتطور هذه المؤسسة وانما يرجع ذلك الى الغاية النهائية من الاستراتيجية العسكرية العليا ، فهي ترمي الى فرض هيمنة الولايات المتحدة الامريكية على النسق الدولي والتأثير الفاعل في البيئة الدولية بما يخدم مصالحها ونظرتها الامبراطورية المستقبلية .

وفي هذا الاطار فقد اشارت البيانات الرسمية للولايات المتحدة الاميركية بشكل واضح بعد أحداث 11 ايلول2001 حول استراتيجية الولايات المتحدة الاميركية إلى ضرورة الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال التهديد بالقوة العسكرية واستخدامها فعلا اذ نصت على : (انه يجب تكون قواتنا العسكرية قوية بما فيه الكفاية لثني الخصوم الاخرين عن مواصلة بناء قوة عسكرية بامل مضاهاة القوة العسكرية او تجاوزها)

هذا التهديد الجديد بعد زوال التهديد السوفيتي والمتمثل بالإرهاب جعل إدراك الولايات المتحدة ينصب على تبني مفهوم جديد يرى ضرورة تامين وجود عسكري متقدم على المستويين الإقليمي والعالمي وذلك من خلال نشر قوات خارج إطار الولايات المتحدة يعطيها الاستعداد على تنفيذ المهام في أي مكان وفي أي وقت ، وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول: أن الولايات المتحدة دخلت القرن الحادي والعشرين وهي مدججة بالسلاح وتتوافر على تفوق حاسم ومؤثر على سواها من القوى الكبرى والتي افتتحت هذا القرن باحتلال دولتين تحت ذريعة الحرب على الإرهاب الامر الذي انعكس وبجد في تفكير منظري الإستراتيجية الامريكية ومحاولاتهم رسم استراتيجية شاملة تتلائم مع تطلعات أدارة الرئيس بوش (الابن) التي تنتمي الى مجموعة المحافظين الجدد متبنية مشروع (القرن الأمريكي) من خلال انتهاج عقيدة عسكرية جديدة عماده الأسلوب الوقائي في التعامل مع الدول المناهضة أو (المارقة) حسب التصنيفات الأمريكية للدول وبما يعينها على إعادة رسم الخارطة الدولية يدفعها في ذلك طموحها لاستثمار هامش القوة العسكرية المتاحة لها وهذا ما شجع الساسة الأمريكان على تبنّي عقيدة عسكرية تقوم على المبادرة بالفعل وليس رد الفعل .

 

المقومات التكنولوجية للولايات المتحدة الأميركية:

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية تطورا كبيرا في قدرتها التكنولوجية اذ تعد في مقدمة الدول الرأسمالية التي دخلت حيز ما يسمى بالثورة الصناعية الثالثة او ثورة المعلومات وهو ما يعني ريادتها وتقدمها في مجالات التكنولوجيا المعقدة كالتكنولوجيا العسكرية والفضاء والاتصالات والعقول الالكترونية والهندسة الوراثية وغيرها .لذا تعد التكنلوجيا الحديثة والثورة المعلوماتية واحدة من اهم ميادين القوة الامريكية المؤثرة في كافة الاصعدة .

فتقنية المعلومات المتطورة خلقت وضعاً وصفه (ولتر رستون) بـ”افول للسيادة”(نظراً لما خلفته تلك التطورات من مخاطر قاسية فقدت عبرها الدول قدسية حدودها السياسية وذلك بسبب عدم قدرتها على الوقوف بوجه الموجة العارمة التي اطلق عليها (الفن توفلر) “الموجة الثالثة”*. وقدم “الفن توفلر” اشهر الكتاب الامريكيين العديد من المؤلفات في تفسير الظواهر الدولية ذات الصلة المترابطة بالقيمة التكنولوجيا الجديدة المبنية على المعرفة والمعلوماتية هي الاساس في التحول الاجتماعي، وذلك بتحجيم العالم وكأنه قرية صغيرة ولم يعد فيه اي مجتمع مها كان صغيراً او متخلفاً او بعيداً او معزولاً ، عن التأثيرات العالمية. وان هذا التحجيم للأبعاد المكانية وسرعة الاحداث وتلاحق الانتاج والتطور التكنولوجي بحيث تمكنت التكنولوجيا في تغيير عادات الاستهلاك والحياة اليومية للفرد والمجتمع ، وبالتالي من يمتلك تلك المقومات وتوظيفها يهيمن على الوحدات الدولية ولكن يختلف ذلك التأثير في ناطق الاستجابة ورفضها.

لقد باتت القدرة التكنولوجية من أهم معايير القوة، فصناعة الغد هي صناعات “المادة الرمادية”: المايكرو- الكترونيك، البيو- تكنولوجيات، برامج الكومبيوتر، والرقائق المعلوماتية والروبوتات (robots)، والاتصالات…الخ. ولأجل ذلك تمارس تقنية المعلومات دور قاطرة التغيير في الحقبة الجديدة من السياسة العالمية، فهي تدفع الإصلاح والعولمة قدماً وتشكل أهمية متزايدة للقوة القومية، ومن ثم تعيد تشكيل العلاقة بين السياسة والقوة. وتعتمد القوة العسكرية الآن في جوهرها على تقنية المعلومات، وبالتالي على الانفتاح والتكامل العالمي الذي افرز تلك التقنية وحافظ على بقائها.

ومن خلال لغة الارقام يمكن إدراك حقيقة تمتع الولايات المتحدة بموقع الصدارة العالمية في امتلاك القدرات التقنية، إذ انها تُعد الدولة الأسرع في مجالي الابتكار واستغلال التقنيات التكنولوجية الحديثة، وتمتلك نظاما للعلوم والتكنولوجيا والبحوث لا يضاهيه أي نظام اخر في العالم، ويقدر ما تخصصه الولايات المتحدة سنوياً للبحوث العلمية والتطور التقني مجموع ما تنفقه الدول الصناعية السبع التي تليها في الثروة. لاسيما وإنها تُنفق ما يزيد على (290) مليار دولار، هكذا فهي تمثل 40% من النفقات العالمية للبحث والتطوير ولها 50% من البراءات المودعة في العالم، وأن30% من المنشورات العلمية العالمية، امريكية واكثر من نصف الأقمار الصناعية، هي أمريكية(، وان 90% من الذين فازو بجائزة نوبل في الكيمياء و العلوم والاقتصاد، هم امريكان.

ففي مجال المنتجات ذات التكنولوجيا العالية فقد احتلت الولايات المتحدة الامريكية المركز الاول في انتاج الالكترونيات بنسبة 40% مقابل 27% لليابان ، كما تحتل الولايات المتحدة مركز الصدارة في انتاج الحواسيب فمن اجمالي (228) مليون جهاز حاسوب في العالم تمتلك الولايات المتحدة اكثر من (100) مليون جهاز بنسبة تصل الى 45% من العالم ، كما ان سوق الحواسيب الصغيرة اللاب توب يعادل 36% من حجم السوق العالمي والذي يبلغ اكثر من 70 مليون جهاز ، اما ما يخص انتاج البرامج وتطويرها فتعد الولايات المتحدة اكبر منتج للبرمجيات للعالم اذ يتجاوز انتاجها الى 45% من حجم الانتاج العالمي ، تليها الاتحاد الاوربي بنسبة 23% واليابان والهند بنسبة 18% .

اما على صعيد التكنولوجيا العسكرية فهي تمتلك مجمعا صناعيا ضخما ، اذ يعمل فيه اكثر من 30% من المهندسين في المجال التكنولوجي والمعلوماتي ، فهم يعملون على التطوير وإدخال التقنيات الالكتروني في المجال العسكري ليظهر لدينا ما يسمى بالأسلحة الذكية والأسلحة ذات التحكم من بعد والطائرات بدون طيار، وهو ما جعلها أفضل من ناحية تقليل الخسائر البشرية من ناحية والدقة في اصابة الهدف فضلا عن القوة التدميرية إلى جانب تقليل نسبة الأنفاق .

و بدأت الثورة المعلوماتية تأخذ بعد اخر تطوير عمل وتأثير وسائل الاعلام و الدعاية الامريكية، و إذا كان إعلام القرن العشرين إعلام الكلمة المسموعة بحدودها المغلقة لاعتبارات تكنولوجية و جغرافية، فإنّ إعلام القرن الحادي و العشرين بما يمتلكه من خاصية التفرد بمزايا العلم و التكنولوجيا، و التفرد بخصائص العالمية بمعناها الشمولي، شكل بما يحويه من منطلقات فكرية ظاهرة حياتية بارزة تتجمع عبرها ميادين الحياة بكل نظمها و تقاليدها تحت يافطة البناء الأيديولوجي. وان من يملك القوة الناعمة بكل مصادرها يكون قادر على التحكم بالعقول وترويض القلوب بما يتوافق والمصالح العليا للدول وتتقدمهم الولايات المتحدة الاميركية التي ادارة التغيير عبر مواقع الانترنيت والتواصل الاجتماعي لتغذية الافكار بمبادئ الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان وخلق فجوة ما بين الانظمة والشعوب للنفوذ للدول التي تكمن فيها مصالحها الحيوية وفي مقدمتها منطقة الشرق الاوسط وما ثورات ما يسمى (الربيع العربي) والفوضى الخلاقة الا احدى نتائج أدوات القوة الناعمة الاميركية والآلة الاعلامية الضخمة التي تسيطر عليها.

وتساوقاً مع ما سبق فان الولايات المتحدة اخذت هذا الجانب في التوظيف السياسي للثورة المعلوماتية في عملية الغزو الاعلامي. إذ إن هذا الغزو، في حقيقتيه، لا يكاد يخرج عن كونه توجها استراتيجياً منظماً له اساليبه وتكتيكاته، فهو ليس مجرد تدفق معلومات وأفكار ومعتقدات ، وإنما هو عملية مقصودة ترتبط بقوانين النظام السياسي واحتكاراته وتوجهاته ويخضع لعمليات التطور العلمي في البحوث البيولوجية والسيكولوجية بقصد السيطرة على اتجاهات تفكير الناس وملء أدمغتهم بكم هائل من المعلومات والأفكار لتنفيذ المخطط السياسي- النفسي- الثقافي المسوّق للنموذج الأمريكي، في سبيل سعيها لتحقيق غاياتها نحو الهيمنة.

ان السياسة الأمريكية في سعيها لفرض الهيمنة وديمومة سيطرتها، وفي سعيها لكبح جماح القوى التي تمثل تهديداً مستقبلياً لمكانتها العالمية، فإنها اتبعت تشكيلة واسعة من الأساليب الإستراتيجية بعضها لم يفارقها كأسلوب دائم في تنفيذ أهداف استراتيجيتها منذ الحرب العالمية الأولى( كأسلوب التحالف والتالف الاستراتيجي)، وبعضها استجد في ظروف ومراحل معينة فرضته طبيعة البيئة الإستراتيجية التي تعمل فيها، وبحسب طبيعة العدو ومستوى التهديد الذي يمثله، لكن جميعها مثلت حزمة متناسقة ومتوافقة تشترك في الهدف وهو (الهيمنة) برغم الاختلاف بتكتيك الفعل الاستراتيجي.

*أستاذ جامعي وباحث عراقي مقيم في أربيل.

 

 

المصادر

  1. غسان العزي، غسان سلامة وآخرون، السياسة الأمريكية والعرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991.
  2. ابراهيم ابو خزام، العرب وتوازن القوى في القرن الحادي والعشرين، مكتبة طرابلس العالمية،طرابلس ليبيا ،1997 .
  3. بول سالم ، الولايات المتحدة والعولمة : معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين ، كتاب العرب والعولمة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ،1998 .
  4. ديفيد جومبرت، الحرية والقوة في عصر المعلومات، في: الدور المتغير للمعلومات في الحرب، مجلة دراسات عالمية، مركز الأمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ابو ظبي، العدد(53)، 2004.
  5. مؤسسة راند الامريكية، تطويق الكرة الأرضية بقواعد الانتشار السريع، ترجمة : مجموعة خبراء بيت الحكمة: مجلة الحكمة، بغداد ، العدد ( 22 ) ، كانون الثاني ، 2002.
  6. احمد ثابت، مكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي : دور القوة والتوازن الدولي الجديد، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، العدد (171)، يناير 2008.
  7. سليم كاطع علي ،مقومات القوة الأمريكية واثرها على النظام الدولي ، مجلة دراسات دولية ، العدد 42، 2009، تشرين الاول.
  8. حنان دويدار، الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، مجلة السياسة الدولية، العدد (127)، يناير 1997.
  9. د. سيف نصرت توفيق ، الحرب الاميركية على العراق الدوافع الاستراتيجية والابعاد الاقتصادية ، دار روافد ، بيروت، 2014.
  10. د. إسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية: النظرية والواقع، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، الطبقة الأولى، 2001.
  11. عبد الناصر جدلي، أثر الحرب الباردة على الاتجاهات الكبرى للنظام الدولي، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2011.
  12. Joseph S. Ney JR., and Wange Jisi, Hard decisions on soft power.. Opportunities and Difficulties for Chinese soft power, Harvard International Review, summer 2009.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *