بقلم: عبد الله سليمان علي  – صحيفة السفير –
خلافاً لما أشيع في المرحلة الماضية حول انهيار تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش»، وتخلخل صفوفه، جراء الهزيمة التي لحقت به في عين العرب (كوباني) شمال حلب، جاء الاختراق المباغت في ريف الحسكة، الذي يقوده القائد العسكري عمر الشيشاني، كي يثبت، ليس احتفاظ التنظيم بقوته وقدراته العسكرية فحسب، بل ليعطي دليلاً دامغاً على أنه ما زال قادراً على المبادرة والهجوم.
ومن شأن هذا الأمر أن يضع استراتيجية التحالف الدولي على المحك، ويطرح تساؤلات حول دقة المعلومات التي تُبثّ في وسائل الإعلام حول حصيلة عملياته طوال الأشهر الماضية.
وأكثر من ذلك، من شأن التطورات في أكثر من مكان أن تثير شكوكاً حقيقية حول مجريات الأحداث منذ تأسيس التحالف الدولي وحتى الوقت الحاضر، وعما إذا كانت المعارك التي اندلعت منذ ذلك الحين، سواء في ليبيا أو العراق أو سوريا، جزءاً من استراتيجية التحالف لمحاربة الإرهاب، المتمثل في «داعش» وغيره من التنظيمات المتطرفة، أم أنها تأتي عكس ذلك تماماً، تطبيقاً للخطة التي وضعها التنظيم التكفيري لمواجهة التحالف ومنعه من وقف تمدده؟
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الرتل العسكري الذي قاده عمر الشيشاني، انطلق من مدينة الشدادي جنوب الحسكة، التي يسيطر عليها «داعش»، والتي يفترض أنها تعرضت لعشرات الغارات الجوية من قبل طائرات التحالف الدولي خلال الأسابيع الماضية، مروراً بمنطقة جبل عبد العزيز، ثم أكمل طريقه نحو هدفه المتمثل بمدينة تل تمر، حيث نجح بالسيطرة على خمس قرى، وخطف حوالي 150 أشورياً، بينما نزح حوالي خمسة آلاف شخص من عشرات القرى الأخرى المحاذية للضفة الجنوبية لنهر الخابور.
وهذا يعني أن غارات التحالف على مدينة الشدادي، التي قالت مصادر إن الأسرى نقلوا إليها، لم تؤدِّ إلى إضعاف التنظيم، ولم تفقده قدرته على المبادرة والهجوم. والأهم أنه بعد كل هذه الغارات ما زال قادراً على تسيير أرتال ضخمة باتجاه مناطق محددة يريد استهدافها، وذلك خلافاً لكل تصريحات المسؤولين الأميركيين الذي أكدوا، أكثر من مرة، أن من أهم نتائج عمليات التحالف الذي تقوده بلادهم هي فقدان «داعش» القدرة على التحرك ضمن أرتال. كما أن من شأن هذا الهجوم أن يطرح تساؤلات حول استخبارات التحالف الدولي وتنسيقها مع من يفترض أنهم حلفاء له على الأرض، وعما إذا كان الهجوم المباغت جاء نتيجة عجزها عن التنبؤ به لنقص في المعلومات التي تملكها، أم أنه مؤشر على وجود أسباب ودواعٍ تمنعها من مشاركة حلفائها كافة المعلومات التي تملكها، بغض النظر عن النتائج التي يمكن أن تترتب على ذلك؟
وسارع البعض إلى تفسير خطوة «الدولة الإسلامية» بالهجوم على تل تمر، بأنها تأتي في سياق رده على الهزائم التي لحقت به في بعض المناطق، وآخرها في تل حميس بريف القامشلي، حيث تمكنت «وحدات حماية الشعب» الكردية، خلال الأسبوع الماضي، من استعادة السيطرة على عشرات القرى، الأمر الذي أتاح لها الاقتراب من محيط المدينة مسافة أربعة كيلومترات، وتشكيل تهديد جدي على «داعش» فيها، بحسب بيان صدر عن المجلس العسكري السرياني الذي يقاتل إلى جانب «وحدات حماية الشعب».
لكن البعض الآخر وضع هذا الهجوم ضمن استراتيجية عامة يتبعها «الدولة الإسلامية» منذ تأسيس التحالف الدولي، وتهدف إلى محاولة إبعاد العمليات العسكرية عن المدن التي لها موقع القلب بالنسبة له، وأهمها مدينة الموصل التي كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن موعد الهجوم البري لتحريرها من «داعش».
وبحسب هؤلاء، ومن بينهم محللون عسكريون واستراتيجيون في تنظيم «داعش»، فإن معركة تل تمر تأتي كحلقة في سلسلة المعارك التي يخوضها التنظيم منذ أسابيع عدة، وتهدف إلى منع أو تأخير معركة الموصل قدر الإمكان. ومن هذه السلسلة تبرز المعارك في مدينتي بيجي والبغدادي في العراق، والتي يهدف التنظيم من وراء الاستشراس بالقتال في الأولى ومنع سقوطها كاملة بيد الجيش العراقي، ومن وراء مهاجمة الثانية ومحاولة السيطرة عليها، إلى منع تشكيل طوق حول مدينة الموصل، وبالتالي منع الجيش العراقي وحلفائه من إمكانية شن الهجوم البري.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى معركة تل تمر، فإن الهدف منها هو محاولة قطع التواصل بين قوات الأكراد في سوريا مع مثيلاتها في العراق، لا سيما أن تجربة عين العرب ما زالت ماثلة أمام أعين قادة التنظيم لجهة الدعم الذي تلقته «وحدات حماية الشعب» من قوات البشمركة، والتي كان لها تأثير على نتيجة المعركة.
والفائدة الأخرى التي يجنيها «الدولة الإسلامية» من وراء إشعال هذه المعارك، علاوة على منع إحكام الطوق عليه في الموصل وبالتالي تأخير الهجوم البري ضده، هي تشتيت جهود أعدائه، وإشغالهم بمعارك جانبية في مناطق بعيدة عن مركزه.
وقال مصدر ميداني في «المجلس العسكري السرياني»، لـ «السفير»، إن «المجلس العسكري السرياني ينسق تنسيقاً كاملاً مع قوات الحماية السريانية، ويتعاون مع وحدات حماية الشعب في مناطق مختلفة من مقاطعة الجزيرة، تتضمن مناطق الحسكة والقامشلي والخابور والحدود العراقية، حيث شارك المجلس في حملات عسكرية مختلفة في هذه المناطق وغيرها حسب الحاجة». ويضيف ان «الوضع الميداني في المناطق الشرقية حساس، ولا سيما وجود أعداد كبيرة من النازحين والسكان الأصليين للمنطقة في مناطق الصراع، وأيضا وجود قوات عسكرية مختلفة، لكل منها برنامجه وخططه التي تتعارض مع الآخر».
وإذا كانت قيادة عمر الشيشاني لمعركة ريف الحسكة من شأنها تكذيب الأنباء التي سادت مؤخراً حول خروجه من المشهد جراء إصابته إصابة خطيرة في معركة عين العرب تسببت له بالعجز، فإن هناك العديد من الشواهد الأخرى تؤدي إلى التشكيك بصحة أخبار مماثلة بثتها وسائل إعلام تدور في فلك التحالف الدولي حول مقتل قيادات التنظيم جراء الغارات المستمرة منذ حوالي ستة أشهر.
ومن قبيل ذلك خبر مقتل أبو علاء العفري رئيس المجلس العسكري في تلعفر، الذي انتشر في كانون الأول الماضي ليظهر اسمه في تقرير عراقي على أنه جرى ترفيعه وتعيينه مساعداً ثانياً لزعيم «الدولة الإسلامية» أبي بكر البغدادي قبل حوالي أسبوعين. وكذلك الأمر بالنسبة لوسام عبد الزبيدي «والي» محافظة صلاح الدين، الذي قيل إنه قتل في تموز الماضي، واليوم تتداول أوساط ليبية اسمه على أنه هو نفسه أبو نبيل الأنباري الذي يتزعم التنظيم في ليبيا.
وإذا كان التأكد من هذه المعلومات المتضاربة مهمة مستحيلة، فإن مجرد بثها في وسائل الإعلام من دون إثباتات على صحتها يعتبر كافياً للتشكيك بها، وبالتالي بحصيلة عمليات التحالف الدولي، خصوصاً عندما يجري الحديث عن أرقام مرتفعة لقتلى «داعش» وصلت حتى الآن إلى ثمانية آلاف قتيل، من دون أن تعكس هذه الخسارة أي تغييرات على قوة التنظيم أو قدرته على شن هجمات جديدة أو تسيير أرتال ضخمة.
من جهة اخرى، وفيما يقترب النزاع السوري من دخول عامه الخامس، التقى أربعة برلمانيين فرنسيين الرئيس السوري بشار الأسد رغم قطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين منذ العام 2012. وبحث الطرفان «واقع العلاقات السورية ـــ الفرنسية والتطورات التي تواجه المنطقتين العربية والأوروبية، ولا سيما ما يتعلق بالإرهاب». واعتبر الأسد أن «محاربة الإرهاب تتطلب إرادة سياسية حقيقية وإيماناً فعلياً بأن الفائدة ستعود بالمنفعة على الجميع، تماماً كما أن المخاطر ستهدد الجميع».