الرئيسية / دراسات / حروب القرن الحادي والعشرين.. حروب المليشيات: قراءة في اتجاهات مليشيا دويخ نوشا

حروب القرن الحادي والعشرين.. حروب المليشيات: قراءة في اتجاهات مليشيا دويخ نوشا

مقاتلون غربيون مع الميليشيا المسيحية
مقاتلون غربيون مع الميليشيا المسيحية

خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط –
بقلم: د.سيف نصرت توفيق الهرمزي* –

عندما اندلعت ثورات التغيير في المنطقة العربية تحت ما يسمى (بثورات الربيع العربي) استبشرت الأوساط كافة بالتغيير بالرغم من أن قراءة التغيير في أذهان الشعوب العربية ومنطقة الشرق الأوسط سلبية بسبب التغذية العكسية للأنظمة الاستبدادية والقمعية التي قبعت لعقود في الحكم. وحتى على مستوى المنظومة الأكاديمية كان التأكيد أن التغيير سيخلق أنظمة ديمقراطية ودول قوية تدعم الرفاهية والازدهار والأمن والاستقرار .

بيد أن إدارة التغيير تلاعبت بها أيادٍ كثيرة منها دولية ومنها إقليمية ومنها داخلية، مستغلة ظروف الضعف والفجوة التي تركتها الأنظمة السابقة التي حصرت كل السلطات المختلفة بيد واحدة. وبسبب غياب الرأس او القائد في الدول العربية للتغيير جاءت انعكاسات التغيير بما لا تحمد عقباه.

وبعد هذه المقدمة عن حال المنطقة تجلت بصورة واضحة معالم يمكن استشفافها بانجرار المنطقة العربية ككل الى منحنيات التقسيم التي تتراوح ما بين البلقنة واللبننة والصوملة، وتحت عنوان كبير وسياسة معروفة يطلق عليها (الفوضى الخلاقة – المنظمة) ليحل التقسيم على هذه الأسس الى داخل الجيوش بعنوانين مختلفة يربطها قاسم مشترك وهو القتال العقائدي والديني والمذهبي والقومي، يمكن ان نسمّيه “جيوش المليشيات”.

واليوم نستعرض في سلسلة مترابطة ميليشيا “دويخ نوشا “Dwekh Nawsha التي انبثقت في العراق لمعرفة أفكارها التي تنطلق منها والأسباب الدافعة التي تجمعها وأين مُستقرها وما هي أهدافها وأبعادها المستقبلية.

مليشيا دويخ نَوشا: يعود إطلاق التسمية الى اللغة الآرامية القديمة والتي تعني (التضحية بالنفس) أو الفدائي وهي اللغة التي يستخدمها مسيحيو العراق الأصليون من الأشوريين، تشكلت هذه المليشيا مع دخول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الى الموصل والسيطرة على سهل نينوى الذي تقطنه غالبية مسيحية، وتعد من أغنى مناطق العراق بالمعامل والإنتاج بعد تعطل المنظومة الصناعية في عام 2003.

في البداية كان تشكيل الفصيل المسيحي من قبل الحزب الوطني الأشوري Assyrian Patriotic Party وكان معظم المنتمين الى صفوف القتال من أهالي المناطق التي استحوذ عليها تنظيم الدولة (داعش) في محاولة منهم للدفاع عن النفس وتحرير أراضيهم واسترجاع حقوقهم.
وقد أشرفت على تدريبهم قوات من البشمركة الكردية للقتال على محاور مختلفة في سهل نينوى فضلاً عن الدعم الألماني والفرنسي بالسلاح لهم، بيد أن الدعوات التي تسللت عبر مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت للقتال الى جانبي كل جماعة على أساس الأفكار التي تجمعهم، مما حدا بالحزب الأشوري الى عولمة المطالب لتجنيد أكبر عدد ممكن من المقاتلين في صفوفه ممن يؤمنون بمبادئهم كما فعل غيرهم في العراق.
وبذلك أصبح العراق بلداً يستقطب مقاتلين أجانب ليس فقط الى صفوف “داعش” بل كافة الفصائل والمليشيات، فعلى سبيل المثال يقاتل في العراق الى جانب قوات الحشد الشعبي مقاتلون أجانب لبنانيون وأفغان وإيرانيون، ويقاتل الى صفوف الكرد من نفس القومية من السوريين والأتراك فضلاً عن الكرد حاملي الجنسية الأوروبية، والأمر ليس مستبعداً من قبل ميليشيا “دويخ” التي انضم اليها بريطانيون واميركيون منهم جنود شاركوا في الحرب على العراق في عام 2003 ومنهم من شركات أجنبية سابقة كشركة “بلاك وتر” التي تقع تحت عبارة الجيوش المتنقلة –المرتزقة.
يحمل هذا الفصيل شعار يمثل خارطة البلدات الأشورية في سهل نينوى، وهو تعبير يحاكي مفاهيم دينية مسيحية قديمة يقول البعض إنها تعني قائد أو رئيس الملائكة . وجاءت هذه الصيحات والجولات المكوكية من قبل العاملين على ميليشيا “دويخ نوشا” لغرض ربطالمسيحيين المشرقيين ببعضهم البعض. إلا أن أغلب الأجانب المنتمين اليه هم من الغربيين الذي يتقاطعون حتى مع المذهب الذي يعتنقونه.

والحقيقة التي يمكن تلمّسها في ظل الزخم الكبير للعمليات العسكرية والقوى المتصارعة على أرض العراق بمختلف تشكيلاتها، فإن عدد ميليشيا “دويخ نوشا” لا يتجاوز الـ850 عنصراً مقاتلاً، وأن الأجانب المنتمين إليه بحسب تقارير استخباراتية عراقية لا يتجاوز الـ100 مقاتل. إلا أنهم مدربون ومعظمهم مقاتلون سابقون في الجيش الأميركي والبريطاني.

وإذا ما تعمقنا أكثر في دوافع إنشاء هذه المليشيات في المنطقة بهذه الصيغة، نجد أمامنا دوافع معلنة تتقدمها الدفاع عن المذهب أو العقيدة المهددة بالانقراض أو الإبادة، كما حصل في الموصل وسهل نينوى، بعد أن تم إعلان الخلافة وفرض الجزية أو مغادرة مناطقهم والاستحواذ على كافة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة.

أما الدوافع غير المعلنة والأيادي الخفية التي تقف وراء ذلك في ظل بزوغ الفواعل من غير الدول على سطح النظام الدولي، فإنها تكمن في تمزيق المنطقة العربية الى كانتونات صغيرة تقوم على أسس طائفية وعرقية واثنية تتجادل فيما بينها وتتبادل الصراع بمسميات مختلفة على شكل كونفدراليات ستقود مستقبلاً إلى قيام دويلات صغيرة. وهذا هو عنوان الشرق الأوسط الجديد الذي تم طرحه في عام 2006، لتبقى كل جماعة تستنجد بالدول الإقليمية أو الدول الكبرى التي تتفق مصالحاه أو توجهاتها مع تلك الجماعة أو القومية لإنقاذها.
والأمر ليس مستغرباً، فقد برزت معلومات سرية من قبل مقربين من وكالات الاستخبارات الأميركية تقول إن الهدف ما بعد الحرب على (داعش) في العراق وسوريا هو تأسيس جيوش صغيرة تحت مسمى الحرس الوطني بدلاً من الجيش الوطني وأقاليم تشبه إقليم كردستان بدلاً من المحافظات على نفس الأسس الآنفة الذكر ، على الشكل التالي: تأسيس إقليم سهل نينوى – إقليم السرايا بحسب الاصطلاح الأميركي يضم المسيحيين وباقي الأقليات من الايزيدين والشبك، ويكون القوة التي تحمي الإقليم متمثلة بجيش (دويخ نوشا) والحركة الإيزيدية بالتعاون مع قوات البشمركة.
هذه القوى والميليشيات تشكلت بسبب انهيار المؤسسة الأمنية في ما بعد 12\6\2014 وبالتالي فهي أحد مخرجات الضعف في الدولة لعدم استطاعة الأخيرة من حماية سكانها، بالإضافة الى استغلال الولايات المتحدة الأميركية الأمر من أجل تفتيت جيوش المنطقة والعراق في مقدمتهم لضمان أمن إسرائيل وانسياب السياسات في مضمار لا يتقاطع مع أولويات المصالح الحيوية لها .

*مقرر قسم العلاقات الدولية \كلية العلوم السياسية – العراق.

عن مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط مركز بحث وتفكير عربي

شاهد أيضاً

مشكلة الاندماج الوطني في كينيا

خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط – إعداد: أسماء حجازي — كينيا دولة افريقية تقع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *