الرئيسية / كتب / أوروبا في الشرق الأوسط الجديد: فرصة أم إقصاء

أوروبا في الشرق الأوسط الجديد: فرصة أم إقصاء

Europe_newME_bookcover

يأتي هذا الكتاب في إطار التحليل السياسي الذي اتبعه المؤلف لسياسة أوروبا الغربية في منطقة الشرق الأوسط، فيما تشكل مقولاته حلقة جديدة في سلسلة اهتمامات المؤلف بالمنطقة، لأنه بدأ دراسته لعلاقة هذا الثنائي السياسي ما بين أوروبا إلى الشرق الأوسط بكتاب عن أوروبا والشرق الأوسط، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

وهي الفترة التي أعلنت فيها أوروبا الغربية عن تشجيعها لما يصفه المؤلف بأنه عمليات التحرير السياسي في المنطقة، وكانت تتبع في ذلك سياسة انطلقت من عوامل شتى من الإيجابيات والسلبيات. أما هذا الكتاب فهو يحلل مضامين أهداف السياسات الأوروبية الغربية.

ولكن بعد الأحداث الفاصلة التي شهدتها السنوات الخمس الأخيرة، وأطلق عليها المحللون وصف الربيع العربي وهي الظاهرة التي بدأت كما هو معروف من تونس ومن ثم في مصر. فيما لاتزال عواقبها الخطيرة ماثلة في أقطار أخرى تواجه مشكلات بالغة القسوة ما بين سوريا إلى اليمن وغيرهما.

ويحلل هذا الكتاب سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه هذه التطورات في مجموعها، وهي سياسات تمليها مصالح الطرف الأوروبي بالدرجة الأولى، سواء كانت مصالح اقتصادية وفي مقدمتها إمدادات الطاقة على وجه الخصوص، أو كانت مصالح استراتيجية يجسدها بدورها ضرورات أمن الأصقاع الجنوبية من أوروبا الغربية المطلة على البحر المتوسط.

حارت البشرية في تحديد بُعْد الزمان والمكان بالنسبة للمصطلح الذي أصبح متداولاً وشائعاً على مستوى عالمنا بأسره، المصطلح هو: الشرق الأوسط.

من حيث الزمان يكاد علماء التاريخ السياسي المعاصر يقفون عند عام 1902 الذي يتصورون أنه العام الذي تبلور فيها مصطلح الشرق الأوسط بوصفه المنطقة التي تجمع بين قارة آسيا من أقصى غربها، وقارة إفريقيا عند تخومها الشمالية، ولاسيما تلك المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

في هذا السياق يذهب معجم المصطلحات التاريخية إلى أن البعد الجغرافي للمنطقة التي تحمل اسم الشرق الأوسط يبدأ من تركيا شمالاً، إلى خليج عدن جنوباً، فيما يمتد أيضاً من ربوع وسط آسيا ثم غربها وحتى الأصقاع المغاربية (العربية) المطلة على المحيط الأطلسي.

وعندما يقف المؤرخون الغربيون بالذات عند سنة 1902 فلأنها كانت سنة فاصلة مع مطلع القرن العشرين، حيث مهدت لتوقيع الاتفاق الودي بين أكبر اثنتين من قوى الاستعمار وهما إنجلترا وفرنسا، وكان تاريخ الاتفاق المذكور هو عام 1904 حيث أُطلقت يد إنجلترا في المشرق (العربي) فيما أُطلقت يد فرنسا في المغرب (العربي أيضاً).

لكن تاريخ العالم يقف من جانبه عند أحداث فاصلة بحق وهي أيضاً متوازية مع هذه البدايات من طرح مصطلح الشرق الأوسط.

في هذه الفترة من عامي 1902- 1905، شهد العالم أولاً إعلان نظرية ألبرت أينشتاين في النسبية، كما انبهر عند تحليق أول طائرة في تاريخ البشرية على يد الأخوين ويلبور وأورفيل رايت في أميركا.

بيد أن المصطلح المذكور كان قد سبقه مصطلح آخر ربما يجسد مفاهيم أكثر تحديداً وهو المصطلح التالي: الشرق الأدنى.

وكانوا يقصدون به مع أفول القرن التاسع عشر، تلك المنطقة الواقعة بين غرب آسيا وشمالي إفريقيا التي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية أو السلطنة التركية، وكانت لغتها العربية، ويغلب على أهلها التدين بدين الإسلام.

حدث خلال الحرب العالمية

أياً كان الأمر فالحاصل أن ظل التعبير يراوح مكانه متأرجحاً بين شرق أوسط وشرق أدنى، حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية مع مطلع أربعينات القرن الماضي، فإذا بإنجلترا والحلفاء، ولأسباب استراتيجية – عسكرية يختارون القاهرة مقراً لقيادتهم، وأطلقوا عليه عنوان مركز العمليات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وفيما شهدت الخمسينات وردح طويل من ستينات القرن أسبقية لمصطلح العالم العربي – وطن القومية العربية، فقد أسفرت تراجيديا حرب يونيو 1967 عن عودة غالبة هذه المرة لمصطلح الشرق الأوسط الذي أصبح تعبيراً مفضلاً للدلالة بالذات على أبعاد الصراع العربي (الفلسطيني) – الإسرائيلي (الصهيوني)، وهو المصطلح الذي اختارت استخدامه ومن ثم أشاعته منظومة الأمم المتحدة، ابتداء من أواخر الستينات وحتى الوقت الحاضر.

لكن بحكم التقارب الجغرافي عبر المتوسط، فقد ظلت أوروبا الغربية معنية بالشرق الأوسط بكل ما شهدته المنطقة وماتزال تشهده من تطورات بالسلب والإيجاب على حد سواء.

من هنا نفهم عنوان الكتاب الصادر أخيراً عن جامعة أكسفورد البريطانية، والذي لم يختر له مؤلفه عبارة بديهية مثل: أوروبا والشرق الأوسط، بل جاء عنوان هذا الكتاب على النحو التالي: «أوروبا في الشرق الأوسط».

وجاء العنوان منطقياً، بل استكمالاً لكتاب سبق المؤلف إلى إصداره عن أوروبا والشرق الأوسط.

ومن ناحيته أيضاً، يحرص مؤلف الكتاب، وهو الأكاديمي الإنجليزي ريتشارد يونغز – على أن يبادر قارئه موضحاً أن علاقة أوروبا، سواء في الشرق الأوسط أو مع الشرق الأوسط، لم تكن أمراً ميسوراً ولا كانت سمناً على عسل كما قد يقال، بل كانت أقرب إلى المدّ والجزر، الشد والجذب ولهذا فالعنوان الفرعي لكتابنا يضيف المعنى التالي: فرصة أم استبعاد.

يتألف هذا الكتاب من 12 فصلاً يستهلها مؤلفنا بنظرة تحليلية على تحديات شرق أوسط جديد. وفيها يتوقف ملياً عند المتغيرات التي استّجدت على عدد من مواقع ومحاور المنطقة، وجاءت عبر السنوات الأخيرة على شكل تحولات وانتفاضات أو فلنقل ثورات أو متغيرات، بعضها يحاول أن يرسخ استقراره في تربة الواقع، وبعضها أفضى إلى تحولات سلبية، بل كارثية في بعض الأحيان، ولكنها أدت في مجملها إلى ما يصفه المؤلف بأنه إعادة رسم المعالم – الكونتورات حسب تعبير المؤلف – التي تدفع إلى تصوّر شرق أوسط جديد.

خصوصاً وأن المنطقة، كما توضح سطور الكتاب، لازالت تُراوح مكانها، أو فلنقل تتأرجح ما بين ظاهرة التحول إلى آلية المراجعات، فضلاً عن تعّرضها حتى تاريخه لعوامل شتى منها ما يدفع مسيرة التغيير إلى الأمام، ومنها ما يعوق هذه المسيرة بل إن منها ما يؤدي إلى انحراف هذه المسيرة عن الغايات التي كانت تتوخي تحقيقها.

عن أحداث سوريا وليبيا

من هنا كان بديهياً أن تتوقف فصول هذا الكتاب ملياً، ومن منظور تحليل الأحداث واستقاء عبرتها، عند ما حدث ولايزال يحدث في بلد عربي مشرقي هو سوريا، وما حدث ولايزال يحدث في بلد عربي مغاربي هو ليبيا.

على أن الكتاب يخلص منطقياً إلى ما يراه المؤلف بمثابة قضايا – حاكمة كما قد نتصورها، بمعنى أنها ما برحت تهيمن على المشهد السياسي العام في الشرق الأوسط، وفي هذا الخصوص يركز المؤلف على النقطتين التاليتين:

• أولاً الطاقة (النفط والغاز الطبيعي) والواقع الاقتصادي بشكل عام (الفصل العاشر).

• ثانياً الصراع العربي – الإسرائيلي (الفصل الحادي عشر).

على مهاد هذه الخلفية من اهتمامات مؤلف هذا الكتاب، يعمد الدكتور ريتشارد يونغز إلى انتهاج أسلوب المتابعة التحليلية لمواقف غرب أوروبا تجاه تلك الأحداث والتطورات: نلاحظ مثلاً تركيزه على تونس سواء بحكم كونها البلد العربي الرائد في مجال تحولات السنوات الخمس الأخيرة حين شهدت ما وُصف بأنه «ثورة الياسمين» التي اندلعت مع اندلاع الحريق الذي أشعله الشاب بوعزيزي في أسواق المدينة، ثم باعتبارها البلد الذي أوشك أن ينهي خارطة طريق التحولات التي أعقبت إزاحة النظام القديم.

هنا يرصد الكتاب تطورات المشهد التونسي، موضحاً أن هناك من أفراد الشعب في البلد العربي – المغاربي من لايزالون متشككين في جدوى مآلات هذه التطورات، وهو ما يشهد به – كما يلاحظ الكتاب – انخفاض حجم الإقبال على صناديق الاقتراع سواء في اختيارات الرئاسة أو في انتخابات مجلس النواب. عند هذا الموضع من الكتاب تتحول بوصلة اهتمام المؤلف إلى الاتحاد الأوروبي.

وهنا يوجه الكتاب انتقاداته إلى هذه المنظومة التي تضم، كما هو معروف، دول الغرب الأوروبي حيث يقول: لا يملك أكثر المحللين تعاطفاً سوى الاعتراف بأن الحكومات الأوروبية فشلت في الارتقاء إلى مستوى التحديات التي أصبح يجسدها شرق أوسط جديد أعيد رسم معالمه بصورة جذرية.

مؤثرات الحقبة الاستعمارية

والحاصل، كما توضح طروحات هذا الكتاب، أن قوى وفعاليات كثيرة ظلت تحاول التأثير في مجريات الأمور في المنطقة حتى منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية، وهي فترة السيطرة الاستغلالية التي دامت في بعض أنحاء الشرق الأوسط إلى عقد الستينات من القرن العشرين.

على أن الأهداف التي ظلت هذه القوى – من غرب أوروبا بالذات – تحاول التوصل إليها، كانت متباينة من دولة إلى أخرى حسب المصالح الخاصة لكل دولة، حتى ولو كان يضمها – كما ألمحنا – منظومة جامعة تحمل عنوان الاتحاد الأوروبي.

وقد كان هناك دول تسعى إلى تأمين حدودها المتوسطية في الجنوب الأوروبي بالذات – من خلال توسيع آفاق التعاطي مع ما ظل يجري عبر السنوات الخمس الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، ولم يكن الأمر مقتصراً على حكاية أمن الحدود، أو فلنقل أمن الثغور كما يقول المصطلح العربي الكلاسيكي، بقدر ما ضمت هذه الأهداف جهوداً ترمي إلى تحجيم وترشيد تيارات الهجرات المتدفقة إلى أوروبا وأصقاعها الجنوبية بالذات، وكانت ناشئة عن منطقة الشرق الأوسط في بعديْها العربي والإفريقي على السواء.

وفي هذا الإطار عادت قوى عدة من المنطقة كي تمارس ما رأته فرصاً سانحة للتأثير في المشهد السياسي الذي أسفرت عنه ديناميات ظاهرة الربيع العربي.

وفي مقدمة هذه القوى – كما يوضح المؤلف – كانت تركيا التي عاودت تحركها على صعيد الشرق الأوسط في محاولة ترمي إلى استثمار، أو إعادة استثمار، تاريخ طويل وحافل من علاقات أنقرة وإسطنبول مع أقطار المشرق والمغرب العربي، وهو تاريخ يمتد بداهة إلى أول سنة تعاطت فيه تركيا العثمانية مع الشرق الأوسط العربي المسلم، وكانت بالتحديد سنة 1516 للميلاد.

وبعدها ظلت علاقات التعاطي متواصلة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وحتى حلول سنوات العقدين الأول والثاني من القرن العشرين.

وفي المواضع الأخيرة من الكتاب، يكاد المؤلف يسلّم بما سبق وأن أبدته أوروبا الغربية من مظاهر المؤازرة والتفهّم للأوضاع التي أسفرت عنها ظاهرة الربيع العربي، لكن المقولات شبه الختامية لا تلبث أن تعترف بأن التأييد الأوروبي أصبح خاضعاً لحالات من المراجعة أو التريث أو التحفظ.

دور ضئيل لأوروبا في حفز الانتفاضات

النقطة التي تهم القارئ العربي في سياق هذا الموضوع إنما تتمثل في الاعتراف الموضوعي الذي يسجله المؤلف ويفنّد فيه الدعاوى التي تنسب إلى غرب أوروبا بعضاً من الفضل في تحولات الشرق الأوسط التي حمل بعضها – كما هو معروف – وصف «الربيع العربي».

وهنا يضيف المؤلف قائلاً: إن الاتحاد الأوروبي قام بدور أكثر من ضئيل في حفز الانتفاضات الاجتماعية التي شهدها العالم العربي، وعلى النقيض من ذلك، فإنه بات مطالباً بأن يرسم استراتيجيات جديدة يتسنى معها الاستجابة لعمليات الإصلاح الجارية حالياً في منطقة الشرق الأوسط، وهي العملية التي بدأت (في رأي المؤلف) في سنة 2010.

متغيرات السلب والإيجاب لاتزال تغمر المنطقة

يري مؤلف كتاب “أوروبا في الشرق الأوسط”، أن مثل هذه العوامل، في حال اقترانها وتفاعل مكوناتها وتبلور النتائج التي أسفرت عنها، أدت في نهاية المطاف إلى عزوف أطراف اليقظة العربية على نحو ما يقول تعبير المؤلف – عن تمهيد السبيل إلى تعاون يجمع في إطار من التواؤم الحقيقي بين الطرفين العربي والأوروبي ويؤدي إلى بناء تفاهم مجتمعي عبر البحر الأبيض المتوسط.

هنا أيضاً يؤكد المؤلف أهمية أن تتدارس أوروبا الغربية، بأسلوب التعمق والتأني الموضوعي – تطورات ومآلات الأمور الحالية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً وأن متغيرات السلب والإيجاب لاتزال تغمرها وتؤثر في سياساتها ما بين العراق شرقاً إلى تونس غرباً.

وما بين سوريا شمالاً إلى اليمن جنوباً، فضلاً عن مصر بحكم موقعها المتوسط في المركز الجغرافي، ثم موقعها المتوسطي إلى جنوبي البحر الأبيض، كل هذه التطورات سوف يكون لها تأثيرها البالغ في المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لدول غرب أوروبا.

وبمعنى أن انشغال المنطقة الأوروبية بأمور المنطقة الشرق أوسطية لن يكون مقتصراً على الاهتمام السياسي أو الانشغال الأكاديمي بقدر ما أنه يظل – في تأكيد الكتاب أيضاً – عاملاً حاسماً إن لم يكن حيوياً في تطورات الأمور على صعيد الاتحاد الأوروبي نفسه عبر المستقبل القريب والبعيد على السواء.

هنا أيضاً يقف المؤلف عند نقطة مهـــمة من حيث تطورات النفوذ أو التأثير الأوروبي في مجريات الأمور في منطقة الشرق الأوسط: يذهب إلى أن راسمي السياسات في بروكسل – مقر الاتحاد الأوروبي أو في عواصم هذه الدولة الأوروبية أو تلك – كان عليهم أن يدركوا أن نفوذ هذا الكيان الغرب – أوروبي أصبح مستضعفاً، سواء بفعل تطورات – تعقيدات ظاهرة الربيع العربي أو من حيث اقتران عواقب هذه الظاهرة مع المشكلات المالية التي ما برحت تواجهها العملة الأوروبية الموحدة بسبب أزمة 2008 المالية، تلك الـــــتي مازالت تحمل عنوان أزمة اليورو.

المؤلف في سطور

عمل الدكتور ريتشارد يونغز كبيراً للباحثين في المؤسسة الإسبانية للعلاقات الدولية والحوار في مدريد، وهو أصلاً من الأساتذة المحاضرين في قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة وورويك بالمملكة المتحدة. وقد التحق المؤلف أيضاً باحثاً في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.

وسبق له أن كان زميلاً باحثاً في مؤسسة ماري كوري التابعة للاتحاد الأوروبي في المعهد النرويجي للعلاقات الدولية، فضلاً عن سابق خدمته في موقع كبير المحللين السياسيين بوزارة الخارجية البريطانية في لندن. كما عمل خلال عامي 2012 و2013 كبيراً للباحثين السياسيين في أكاديمية – عبر الأطلسي في العاصمة الأميركية واشنطن.

 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

صدور كتاب “الرئيس والكونغرس” للباحث صباح عبد الرزاق كبة

صدر حديثاً عن دار الرافدين في بيروت كتاب “الرئيس والكونغرس والقرار السياسي الخارجي الأميركي” للباحث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *