الرئيسية / ترجمات / رحلة جيوسياسيّة: أراضي الحدود

رحلة جيوسياسيّة: أراضي الحدود

بقلم: جورج فريدمان، مدير مركز ستراتفور الاستراتيجي الأميركي

ترجمة: هادي نعمة – خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

الأرض الحدودية هي منطقة حيث التاريخ ثابت على واقع التغيّر المستمر. وتحتل البلدان التي سنزورها في هذه الرحلة (وهي تركيا ورومانيا ومولدوفا وأوكرانيا وبولندا) الأرضَ الحدودية بين الإسلام والكاثوليكية والأورثوذكسية المسيحية. ولقد كافحت النمسا التي تحكمها عائلة هابسبورغ (وهي ذات الانتماء الديني إلى “الروم الكاثوليك”) ضدّ الإمبراطورية العثمانية المسلمة، لقرون، مع توسّع نطاق الإمبراطورية العثمانية في الاتجاه الشمالي الغربي؛ حتى وقعت معركة مفصلية في فيينا العامَ 1683. ومبتدئةً في القرن الثامن عشر؛ توسّعت روسيا الأورثوذكسيّة من الشرق، عابرةً بيلاروسيا وأوكرانيا. ولأكثر من قرنَين من الزمن؛ ظلّ حزام الدول الممتدّ من بحر البلطيق إلى البحر الأسوَد، الأرضَ الحدوديةَ التي حاربت لأجلها ثلاثُ إمبراطوريات.
ولقد شهدت هذه المنطقة تبدّلات وتغيّرات لا تُحصى. وكانت الحرب الباردة المواجهةَ الواضحةَ الأخيرة، التي فيها تحاربت أوروبا الغربية، المدعومة — والمهَيمَن عليها أميركيًّا إلى حدّ بعيد – من قِبل الولايات المتحدة الأميركية. كان حزام الدول هذا، بنمط وطيد، ضمنَ الإمبراطورية السوفياتية. والآن استعادت دول هذا الحزام سيادتها. منحى اهتمامي بهذه المنطقة هو فهمُ كيفية تَـبَلوُرِ الأُطُر الجيوسياسية في الكرّة المقبلة؛ بشكل أوضح. اليوم، روسيا أقوى بكثير مما كانت عليه منذ عشر سنوات، والاتحاد الأوروبي يمرّ بمرحلة تعقيدات داخلية، وألمانيا تعيد حسابات موقفها، فيما تعلب الولايات المتحدة لعبةً غيرَ مضمونةٍ ومعقدةً. أريد فهمَ كيفية تفكير القوى الفاعلة، من تركيا إلى بولندا، حيال تموضعها في الكرّة المقبلة من اللعبة الإقليمية.

Friedman

مؤسس ومدير موقع ستراتفور، جورج فريدمان

اتهِمت بالتفكير على نحو محارب مسنٍّ يخوض الحرب الباردة. لا أعتقد أنَّ تقييمَ متّهِميَّ صائب؛ فإنَّ الاتحاد السوفياتي انهارَ، وتأثير الولايات المتحدة في أوروبا انخفض مستواه. فمهما كان في ما سيكون — في هذه المنطقة — فلن يكونَ حربًا باردة. وما لا اعتقد بأنه سيكون، في هذه المنطقة، هو أن تكون منطقةَ سلام سائد؛ إذ لم تكن من قبلُ كذلك قطّ، ولن تكون كذلك، إذن، في المستقبل. أريد فهمَ نمط الصراع الذي سيقع في المستقبل. لذلك؛ علينا أن نبدأ من الماضي، تحديدًا بالحرب العالمية الأولى لا الحرب الباردة.

إعادة تشكيل المنطقة بعـد الحرب العالمية الأولى

خلقت الحرب العالمية الأولى هندسةً جديدة جذريًّا للمنطقة. فقد انهارت الإمبراطورية العثمانية ومعها انهارت الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية، وحلّ الاتحاد السوفياتي محلَّ الإمبراطوريّة الروسيّة، وأزيحت الإمبراطورية الألمانية واسـتُبدِلت مكانها جمهورية. لم تُعانِ منطقة في العالم من الحرب، أو آل أمرها إلى الفقر والتعاسة، أكثر من هذه المنطقة. ولم تنتهِ الحرب لشعوب هذه المنطقة في العامِ 1918، فقد استمرّت تزامنًا مع خمود الإمبراطوريات المنازِعة من أجل البقاء، ومع كفاح الدول الجديدة داخليًّا وفي ما بينها.
سمح انهيار الإمبراطوريات بنشوء عدد من الدول المستقلّة. فمن دول البلطيق إلى بلغاريا، تحوّلت الدول إلى حالة “الولاية-الدولة”. وكثير من حدود بعض الدول تمّ تحديدها من قِبل القوى المنتصرة في معاهدتَي “فرساي” و”تريانون”. اخترعت هذه القوى “يوغوسلافيا”، التي تعني، حرفيًّا: “أرض الصقالبة الجنوبيّين”، من بين مجموعة من الدول العدائية (المتعادية). بذلك أعادت هذه القوى تشكيل حدود هذه البلدان. وإذا كانت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، هي من أعاد تشكيل المنطقة، فإنَّ البولنديّين هم الذينَ أتقذوها.
تنقسم الحدود بين الإمبراطورية الروسية/الاتحاد السوفياتي وأوروبا إلى قسمَين. تشكّل جبال كارباثيا حدودًا قاسية وَعِـرَة بين الروس وباقي أوروبا من سلوفاكيا إلى الجنوب. ليست هذه الجبال مرتفعة بالتحديد، لكنها وعرة، تشتمل على قرًى متناثرة وقلّةٍ من الطُرُقٍ السالكة. ولطالما انتمى أهالي كارباثيا إلى جميع بلدان المنطقة، لكنهم ليسوا هيّـني الخضوع. حتى اليوم؛ يسود هولاءِ قُطّاع الطُّرُقِ اللصوصُ. ليس من المستحيل تحريك قوى عسكرية في مناطق أهالي كارباثيا، لكنَّ الأمرَ ليس بالسهل كذلك.
ويسودُ الجزءَ الشماليَّ من أوروبا سهلٌ واسعٌ يمتدُّ من فرنسا إلى موسكو؛ مسطَّح وسَـبِخٌ لجهة الشمالِ منه، لكن عمومًا هو أرض صالحة للجنود ليعبروها. وباستثناء بعض الحواجز المائية (على شكل أنهار)، فإنَّ هذا السهلَ هو الطريق الذي يعبره الغزاة الأوروبيون. فقد عـبَر نابوليون هذا السهلَ ليصل إلى موسكو، ومثلُه هتلر (الذي عبر القوقاز كذلك). أمّا ستالين فقد عاد إلى بلاده سالكًا هذا الطريق عينَه الذي اعتمده نابوليون وهتلر للوصول إلى الأرض الروسية.

الـ “إنترماريوم”

بعد الحرب العالمية الأولى؛ نشأت بولندا من جديد دولةً ذات سيادة. وكان الروس قد أذعنوا لألمانيا في العامِ 1917 ووقّعوا على معاهدة “برست-ليتوفسك” العامَ 1918؛ وبها تخلّوا عن قسطٍ وافر من الأراضي، من ضمنها أوكرانيا، لصالح ألمانيا. ومع هزيمة ألمانيا؛ فقدت “برست ليتوفسك” فاعليَّـتها وحاول الروس استعادة ما تخلَّوا عنه سالفًا في هذه المعاهدة. جزءٌ من ذلك كان بولندا. وفي العامِ 1920؛ وقعت معركةٌ مفصليّة في وارسو، إذ صدَّ جيشٌ يقودُهُ الجنرال جوزيف بيلسودسكي غزوًا سوفياتيًّا؛ وكان الجنرال بيلسودسكي قد عقد حلفًا مع أوكرانيا لم يُجدِ نفعًا.
بيلسودسكي شخصية مثيرة للاهتمام؛ فهو رجعيّ تارةً وأصوليٌّ أخرى. لكن ما يهمّني منه هو رؤيته الجيوسياسيّة. فلقد كان بيلسودسكي وطنيًّا، واستطاعَ فهمَ أنَّ هزيمة روسيا من قِبل ألمانيا كانت الخطوة الأولى على طريق يؤدّي إلى بولندا مستقلّة. كذلك؛ آمن بيلسودسكي بأنَّ هيمنة بولندا على أوكرانيا – وهي من الخِدَعِ القديمة – سـتؤمّن حرّية بولندا بعد هزيمة ألمانيا. إلّا أنَّ محاولته التحالفَ مع أوكرانيا فشلت؛ فقد هزم الروسُ الأوكرانيّينَ واستثاروا بولندا، فهزمهم بيلسودسكي.
وإنه مثيرٌ للاهتمام التكهُّـن حول التاريخ، في حال خسر بيلسودسكي وارسو. فإنَّ السهلَ الشمالي الأوروبيّ كان “مفتوحًا على مصراعيه”، وكان في وسع السوفيات التحرّك نحوَ ألمانيا. بلا شكّ؛ كان الفرنسيّون ليتحرّكوا بُغيةَ صدّهم، لكنه كان ثمة حزبٌ شيوعيٌّ قويّ في فرنسا لا يتحمّل خوضَ الحروب. كانت الأمور لتسيرَ على مساراتٍ كثيرة مختلفة لولا أن صدّ بيلسودسكي الروس؛ لكنه فعل.
كانت لدى بيلسودسكي فكرةٌ أخرى. كانت ألمانيا غارقة في الفوضى، ومثلها كانت روسيا؛ لكن كلتاهما ستقومان بعدها من غرقهما. فاعتقد بيلسودسكي بأنَّ تحالفًا في موضعه، من شأنه أن ينقذ المنطقة. كانت رؤيته ما يسمى “إنترماريوم” — وهو تحالف بلدان ما بين البحرَينِ يدور في فَلَكِ بولندا، ويضمُّ تشيكوسلوفاكيا والمجر ورومانيا وفنلندا ودوَل البلطيق. لم يُكتب لهذا المشروع ان يتحقّق؛ لكن لو كان ليتحقّق، لعلّه لما وقعت الحرب العالمية الثانية، أو أنها كانت لتأخذ مساراتٍ غير التي كانت واقعًا. هي فكرةٌ شغلني التفكير فيها أخيرًا، مستشرفًا ما قد ينشأ بعد الحلف الأطلسي، ومفاهيمَ طموحةً لفديراليةٍ أوروبية. يبدو مشروع “إنترماريوم” الذي سعى له بيلسودسكي منطقيًّا، وإن لم يكن قد لاقى طريقَه للواقع فعلًا. لم يتحقّق هذا المشروعُ لأنَّ هذه الأراضي الحدودية طالما كانت مساحة صراع للآخرين؛ ولم تتّحد قطّ لتحدّد مصيرها.

العلاقة الروسية-الألمانية

بِطُرُقٍ كثيرة، ليست هذه المسألة خاضعة لهاتين الدولتين؛ فهي، بجزء منها، تعتمد على ما تريده روسيا وتخطّط له، كما تعتمد على ما تريده أوروبا وتخطّط له. وكما دائمًا؛ الـ “إنترماريوم” معلّق بين روسيا وأوروبا. ليس ثمة قوّة أوروبية جنوبية اليوم (إذ إنَّ الإمبراطورية النمساوية-الهنغاريّة طيّ الذاكرة)، لكن في الشمال ثمّة ألمانيا دولةً تكافح لإيجاد مكان لها في أوروبا وفي التاريخ.
بِطُرُقٍ كثيرة؛ ألمانيا هي اللغز. وقد صدمَت أزمتا العامِ 2008 والاقتصاد اليوناني الألمان؛ فقد كان الألمان يرونَ في الاتحاد الأوروبي الحلَّ للقومية الأوروبية وأداةً للازدهار. وعندما حلّت الأزمة، وجد الألمانُ أنَّ عنصر القوميّة قد تراجع في ألمانيا بالوتيرة عينها التي تراجعت بها في بلدان أخرى. لم يُرِدِ الألمانُ إنقاذَ اليونانيينَ، وأصبح السؤال في سعر وقيمة الاتحاد الأوروبي بأكمله قضيّةً مركزية في ألمانيا. لم تعتبِر ألمانيا نفسها قوّة مستقلّة، منذ العامِ 1945؛ لكنها بدأت تعتبِر نفسها كذلك من جديد، وهذا الأمر قد يغيّر كل شيء، على حسب ما يؤول إليه مآل هذا الأمر.
ومن الأمور التي قد تتغيّر بفعل هذا، هو العلاقات الألمانية-الروسية. وفي أحيانٍ متنوِّعة منذ 1871 والوحدة الألمانية الحديثة؛ كانت ألمانيا وروسيا حليفتَينِ كما كانتا عدوَّتَينِ حتى الموت. الآن؛ ثمة مَيل منطقيّ إلى علاقات ألمانية-روسية وطيدة. فاقتصاديًّا؛ كلتا الدولتَينِ تتكاملان، وفي حاجة متبادَلة لبعضهما البعض. فروسيا تصدِّر الموادّ الخامّ، وألمانيا تصدِّرُ التكنولوجيا، وكلتا الدولتَينِ لا تأبهانِ لتكونا مستهدفتَينِ بضغوط الولايات المتحدة الأميركية، وسـويًّا تَقدِران على مقاومة هذه الضغوط. وثمّة تقارب مسـتـتـر جارٍ بينهما.
هذا يثير انتباهي للبلدان التي أزورها. فبالنسبة إلى بولندا، فإنَّ شبح اتفاق ألماني-روسيّ هو بمثابة كابوس تاريخيّ. ففي آخر حدث كهذا، وكان في العامِ 1939، انشطرَت بولندا وفقـدَت سيادتها 50 عامًا. ومن كلِّ عائلة في بولندا ضحيةٌ من تلك المرحلة. طبعًا، يقال إنَّ هذه المرة ستكون مختلفة، إذ لم يعد الألمان والروس كما كانوا في تلك المرحلة السالفة؛ إلّا أنَّ ملاحظات علوم الجغرافيا السياسية تشير إلى أنَّ الميول الذاتية لا تلغي الأنماط التاريخية. فمهما ظنّ وقال البولنديّون، لا بدّ لهم من أن يكونوا متوتّرينَ، حتى لو لم يُبدوا هذا التوتّر. وإنَّ الاعتراف بالخوف من ألمانيا وروسيا سيكون بمثابة الاعتراف بعدم الثقة، وليس مسموحًا بعدم الثقة في أوروبا الحديثة. ويبقى أنَّ البولنديّينَ ملمّينَ بالتاريخن وسيكون جميلًا أن نرى ما لديهم ليقولوا في هذا الشأن – أو على الأقلّ كيف سيقولونه. وإنه من الأمور الأكثر أهمية أن نسمع ماذا يقولون، وما لا يقولون، حيال الولايات المتحدة الأميركية في ظلّ هذه الظروف.

دور رومانيا

للرومان موقع مختلف؛ فهُم مفصولون عن الروس من خلال أوكرانيا ومولدوفا، فيجب أن تكون مخاوفهم أقلّ حدّة. وبخلاف البولنديين والسهل الشمالي الأوروبي؛ للرومان ميزة أن أهالي كارباثيا يعبرون بلدهم. لكن؛ كيف عسانا نفهم أوكرانيا؟ فحكومة أوكرانيا مناصرة لروسيا، ومقيَّدة بارتباط وطيد بالروس بحُكم ظروف اقتصادية. وحتمًا؛ لن يعمدَ الاتحاد الأوروبي، المتزايد الخضوع للقيادة الألمانية، إلى إنقاذ الأوكرانيين. إنَّ السؤال الدائر في أوكرانيا يتأرجح بين افتراض أنَّ محاولة الأوكرانيين تحقيق الاستقلال التامّ قد انتهت، فيحلَّ محلَّها رابط بروسيا غيرُ رسميّ لكن وطيد؛ وبين افتراض أنَّ الأوكرانيين لا يزالون يتمتّعون بهامش مناورة. وبالمعاينة عن بُعد، يبدو أنَّ الأوكرانيين بالكاد يستطيعون التحرّك، قبل أن نخوض في افتراض قدرتهم على المناورة. لكن يبقى هذا السؤال برسم الأوكرانيين. طبعًا، سيأكّدون استقلالهم، وبشدّة؛ لكن سيكون مهمًّا أن نسمع ما لا يُقال، وما يجاوَب به من هزّات كتف بسيطة واستقالات. ليس ثمّة سؤال في أوروبا اليوم أهمّ من السؤال عن مستقبل أوكرانيا.
بالنسبة إلى رومانيا؛ هذا الأمر غاية في الأهمية، لأنَّ الفاصل لها (أوكرانيا) عن روسيا قد يتحوّل إلى حدودها مع روسيا، في حال استطاعت روسيا فعلًا الاستيلاء على هذه المساحة (أوكرانيا) من جديد. ولهذا مولدوفا باتت ذاتَ أهمية كذلك. كانت مولدوفا تسمّى “بيسارابيا”. وعندما تعاهد ستالين مع هتلر في العامِ 1939، كانت من ضمن الاتفاق أن يستحوِذ السوفيات على بيسارابيا التي كانت آنذاك جزءًا من رومانيا الحليفة لألمانيا. هذا جعل رومانيا تبتعد عن مرفإ أوديسا البالغ الأهمية على البحر الأسوَد وعبر نهر دنايستر. ظلّت بيسارابيا جزءًا من الاتحاد السوفياتي بعد الحرب. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، نالت مولدوفا استقلالها، ممتدَّةً من رومانيا إلى الضفة الشرقية لنهر دنايستر. وتمّ فورًا فصلُ مساحة “ترانسدنايستريا”، شرقَ نهر دنايستر، عن مولدوفا، بمساعدة روسيّة. وأصبحت مولدوفا مساحةً عازلة، مأهولة بمتكلّمي اللغة الرومانيّة، على نهر دنايستر.
مولدوفا هي أفقر دولة في أوروبا؛ تعتمد بالدرجة الأولى، في صادراتها، على تصدير النبيذ، غالبًا نحو روسيا. ولقد عمد الروس إلى صدّ تصدير النبيذ “لأسباب صحية”. أعتقد بأنَّ قضيّة الأسباب الصحية ذات طابع جيوسياسي لا بيولوجي. فإن كانت مولدوفا دولة مستقلّة مناصرةً لأوروبا، فستكون أوكرانيا أقلَّ عزلةً ممّا يريد لها الروس من العزلة. وقد تصبح مولدوفا، في المستقبل البعيد، قاعدةً لشنَّ عمليات ضدّ مَصَالِحَ روسيّة. وستكونُ كلّ بوصة يبتعد بها أعداءٌ محتمَلونَ عن أوديسا، عاملًا مفيدًا للولايات المتحدة. وكان ثمة سببٌ وراء رَوم ستالين أخذَ بيسارابيا من هتلر، وذلك الاعتبار لم يضمحلَّ بعدُ، ويعملُ الروسُ على عزل مولدوفا ورومانيا والضغط عليهما الآن.
وأهدف من زيارتي لرومانيا ومولدوفا إلى فهمِ نظرةِ الدولتَينِ إلى الأوضاع في أوكرانيا، وموقـفِهما من النوايا الروسيّة، وماذا تخططان للقيام بهِ (إن كان ثمة شيء من هذا القبيل). لطالما كانت رومانيا بلـدًا صعبَ الفهم والتحليل؛ فعلى الصعيد الجيوسياسيّ، سيرى المراقبُ أنَّ العاصمة الرومانية تقع في الناحية الخطإ من منطقة أهالي كارباثيا، في ما لو كان الروس مصدرَ الخطر؛ وسيرى أنَّها تقع في الناحية السليمة، في ما لو كانت النمسا وألمانيا مصدرَ الخطر. رومانيا ذاتُ وجهةِ الانتماء إلى الاتحاد الأوروبيّ، لكنها من البلدان الكثيرة، ضمن الاتحاد، التي قد لا تكون ذات أهليّة فعلًا للانتماء إليه. وبخلاف البولنديين، الذين اعتادوا الثباتَ والمقاومة في تاريخهم؛ يميل الرومانيون مع كلّ مستجدٍّ سائد. وسيكون أفضلَ للرومانيين معرفةُ مَن الجهةُ التي تستحكم قبضتها في اللعبة الجيوسياسيّة الآن. وأشكّ في أنَّ الرومانيين سيقومون بأيّ شيء قد يُنقذ مولدوفا ويُغضب موسكو، لكن ليس واضحًا ما إذا كانت مولدوفا في خطر. مهما يكن؛ يبقى أنَّ الواضح هو أنَّ الروس بدأوا يستعيدونَ أوكرانيا، فستكونُ مولدوفا لهم جزءًا مهمًّا من المنطقة، لا لحماية أوكرانيا فحـسبُ، بل كذلك لخلق خيارات تُـقَارَبُ مِن خلالها رومانيا وَدُوَلُ جنوبِ غرب أوروبا. أحيانًا تكونُ قطع صغيرة من اليابسة التي لا يجد لها أحدٌ قيمةً، المفصلَ الرئيسَ في اللعبة كلِّها.
تركيا هي مكانٌ قصدتُه مرّات عدّة في السنوات القليلة الماضية، وأتوقّع أن أزورها بعدُ مرارًا. في كتابي “المئة سنة المقبلة” طرحتُ أن تركيا ستكونُ قوّةً عظمى في الخمسينَ سنةً المقبلة تقريبًا. أنا واثـقٌ من توقّعي البعيد الأمد هذا، لكن العقـدَ المقبل سيكونُ فترةً انتقالية لتركيا، مِن كَونِها أحد البلدان المواجِهة للسوفيات ضمن منظومة التحالف الأميركيّة، إلى صيرورتِها قوّةً صاعدةً متماسكةً بذاتها. لن تكونَ تركيا مرهونةً لأحد، وستفرض مصالحها ما وراءَ حدودِها. وبالفعل؛ مع ازدياد قوّتها في البلقان، ستكونُ تركيا إحدى القوى التي على بلدانٍ مثل رومانيا مواجهتُها.
سأكون مهتمًّا بسماع وجهات نظر الرومانيين والمولدوفيين حيال تركيا في هذه الرحلة. وستكون عملية انبعاثِها بطيئة، لا تخلو من الزلّات والخيبات؛ لكن حتى من الآن يمكن ملاحظة تأثيرِها التجاريّ في حوض البحر الأسوَد. وسأكون مهتمًّا بسماع وجهة نظر الأتراك حيال الروس (وطبعًا حيال إيران والدول العربية ودول آسيا الوسطى، كذلك). هدف هذه الرحلة هو روسيا كما يراها جوارُها، وهو ما سأخوض نقاشات فيه. فالبولنديون والأوكرانيون والرومانيون والمولدوفيون سيريدون الحديثَ عن روسيا. وسيريد الأتراك النقاش في قضايا عـدّة، ولعلّ روسيا أقلّ تلك المواضيع التي سيريد الأتراك النقاش فيه؛ وسيتوجّب عليَّ العملُ جاهدًا لاستدراجهم للكلام في موضوع روسيا.

نظرية جيوسياسية

في النهاية؛ سأذهب إلى المنطقة بإطار تحليليّ، بنظريّة أريد اختبار مدى صوابيّتها، جوهرها أنَّ عالَم ما بعدَ الحرب الباردة آخذٌ في الزوال. روسيا تنبثق من جديد بشكل ملحوظٍ باللحاظ التاريخيّ. ألمانيا لتوّها بدأت بإعادة تحديد شأنها في أوروبا، وبدأت أوجه ضعف الاتحاد الأوروبي بالتجلّي. تركيا قد بدأت خطواتها الأولى إلى قُـدُمًا لتصير قوّةً إقليمية. نحن بتنا في بدايات فترة يستغلّ كلٌّ من هذه القوى فيها الآخرَ.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، انبعاث تركيا الحديث أمر مفيد يخدم مصالحها. فالولايات المتحدة تنهي حروبها في المنطقة، وتركيا مندفعة لملء الفراغ المتبقّي ومحاربة الإسلام الأصولي. وإنَّ الذين يطرحونَ أنَّ الحكومة التركية إسلاميّة على النحو الأصوليّ هم مخطئون ببساطة؛ لسـببَينِ؛ الأوّل هو أنَّ تركيا منقسمة جذريًّا، فَوَرَثَةُ نمط كمال أتاتورك العلمانيّ الأقوياء يشكّلون أحد أطراف الانقسام، ولديهم من القوّة الكفايةُ لمنع الإسلام الأصوليّ من أن يُفرض عليهم. والثاني هو أنَّ الحالة الإسلامية التي تمثّلها الحكومة التركية لا يمكنأن تقارَن بتلك التي تمثّلها الحكومة السعودية. فالإسلام يتجلّى بألوان شتى، شأنه شأن المسيحية؛ وإنَّ اللونَ التركيّ للإسلام ينحدر من سِـمات الإمبراطورية العثمانية. فهو خفيّ وَمَرِنٌ وبراغماتيّ. و”الإسلام التركي” ينحدر من حقبة تاريخية كان الإسلام العثمانيّ فيها حليفًا للبندقيّة (Venice) ذاتِ الديانة الكاثوليكية، من أجل السيطرة على حوض البحر المتوسّط. إذن؛ ليس الإسلام التركيّ قويًّا كفايةَ أن يفرضَ نفسه على العلمانيين، وفي الوقت عينه، هو حضاريٌّ كفايةَ ألّا يخضعَ للأصولية التبسيطية. وسيقوم الإسلام التركي بما يتوجّب عليه القيام به، لكن مساعدة القاعدة لن تكون على أجندته. ومهما يكن؛ يبقى من الفائدة التحاور مع العلمانيين الذين ينظرون إلى الحكومة الحالية بعين الخوف وعدم الثقة. وفيما تقدر الولايات المتحدة على التعايش مع تركيا قويّة، لا يمكن تصديق احتمال الأمر عينه بالنسبة إلى تعاطيها مع روسيا قوية ومتحالفة مع ألمانيا. ولا ينبغي أن يكون الخوف الأميركي الأكبر تجاه الصين أو القاعدة، بل ينبغي أن يكون تجاه الدمج الفاعل بين تكنولوجيا القارّة الأوروبية والموارد الطبيعية الروسية. فهذا ما قد يخلق قوّة تقدر على تحدّي القوامة الأميركية، وذلك كان جوهر القرن العشرين. وإنَّ العلاقة الألمانية-الروسية، مهما كانت لا تزال في بداياتها وخافتة، لا بدّ من أن تؤثّر على الولايات المتحدة.
لا يبدو لي أنَّ القيادة الأميركية تفهم هذا. فعقل واشنطن هو خليط من أوصاف نمطيّة عن روسيا وأوروبا (ممّا بعد الحرب الباردة) وَهَوَسٌ بموضوع الإرهاب. ليست واشنطن في هذه المرحلة تمارس التفكير الاستراتيجي. أجد من المزعج الذهابُ إلى وشنطن، فهُم يرون آرائي تنبيهية بدون داعٍ ومتطرّفة، فيما أرى أنا آراءَهم بالية وتبسيطية مغفّـلة. ولهذا أحبّ أوستين (في ولاية تكساس). وأعرف أن البولنديين، مثلًا، كثيرو الهواجس حيال عدم فهْم واشنطن للقضايا الدولية هذه. ففي الولايات المتحدة، وتصدر واشنطن مطبوعات مواقف وآراء، وقليلًا ما تُصدر مطبوعات تاريخيّة. الولايات المتحدة دولة كبيرة، وواشنطن تظنُّ أنها مركز هذه الدولة، فيما هي فعلًا ليست كذلك؛ فالولايات المتحدة لا مركز لها، وما يرسم أُطُرَ أفعالها هو ضغوط المجتمع العالميّ والرأي العام الداخليّ، وإن كان ذلك على نحو غير تصديقيّ من قبل واشنطن.
لا قوة لي لرسم معالم أي شيء. لكن ينبغي أن يقدَّم مسارٌ لواشنطن لتدعمَ بولندا. في هذا الحال؛ أنا سأستكشف نظرية الـ “إنترماريوم” التي طرحها بيلسودسكي. أنا أرى الحلف الأطلسي حالةً بيروقراطية تشرف على تحالف قد أنجِزت مهمّته منذ 20 عامًا. ومن وجهة نظر أميركية، فإنَّ تحريك فرنسا أو ألمانيا أمرٌ محال ولا جدوى منه. فكلا البلدَين له مصالحه الخاصّة به، والجغرافيا التي لا تخدمه. إنه الـ “إنترماريوم” – بولندا وسلوفاكيا وهنغاريا (المجر) ورومانيا، وربّما بلغاريا كذلك – الذي يمثّل تحالف هذا الجيل. فهذا التحالف يصدّ الروسَ، ويفصلهم عن الألمان، ويقلّص بهدوءٍ انتهاكَ تركيا للمجال الجنوبيّ الشرقيّ الأوروبيّ.
تبقى بلدان الـ”إنترماريوم” مفتونة بالاتحاد الأوروبيّ والحلف الأطلسيّ، لكن الافتتان هذا آخذ بالتقلّص. ولم يكن العام 2008 ولامبالاة هذه البلدان بألمانيا مُرضِيَينِ؛ وقد بدأوا فهمَ أنَّ الحلف الأطلسي هو شيءٌ من التاريخ. وعلى البولنديين أن يقودوا هذه الحلف الجديد، وأن يكون الرومانيون المرساةَ الجنوبيّة. أعتقد بأنَّ البولنديين يفكرون بهذه الأمور، لكن الرومانيين بعيدين عن هذه الفكرة. لست متأكّـدًا؛ عليَّ التبيُّن من الأمر. وبالنسبة إليَّ؛ فإنَّ بولندا مدعومةً أميركيًّا حارسةً السهلَ الشماليّ الأوروبيّ، وسلوفاكيا وهنغاريا (المجر) ورومانيا حاميةً المقاربات الكارباثـيّة، سـتَدرآنِ مَخاوف الولايات المتحدة الأكثر إيراقًا؛ المتمثّلة بالتحالف بين روسيا وألمانيا ومعهما أوروبا الغربية. المفتاح لهذا هو النظرة المتغيِّرة لبلدان الـ”إنترماريوم” إلى الاتحاد الأوروبيّ. أريد معرفة إلى أيِّ مدًى تبلورَت هذه النظرة المتغيّرة.
لا تزال واشنطن تنظر إلى روسيا على أنها الدولة الفاشلة أيام تسعينيات القرن العشرين؛ فلا تلتفت إليها بجدّيّة. ولا تزال كذلك ترى أنَّ الاتحادَ الأوروبيّ مرّ بمطبٍّ سرعانَ ما سيتداركَ نفسَه من بعده. لكن على الأغلب؛ تفكّر واشنطن بأفغانستان، لأسباب مفهومة تمامًا؛ فأفغانستان تمتصّ الهيبة الأميركية، سامحةً بذلك للعالم بأن يتحرّك بسهولة كيفما شاء.
كما قلت سالفًا؛ لا قوّة لديّ لتغيير أيّ شيء.لكن من ألق مبدائ الولايات المتحدة أنّ الضَّعفَ والمغموريّة لَيسا عائـقًا من النظر إلى العالَم والتمعّن في ما قد يحدث في المستقبل. أنا لست أرسم استراتيجية، لكني أعايِـن قـوًى جيوسياسيّة. ولستُ أخطّط لما ينبغي أن يكون، لكنّي أفكّر في ما قد يحدث. وفي قيامي بهذا، أحتاج إلى فحص للواقع. لذا، سأبدأ بفحص رومانيا.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

بومبيو للسعودية: توقفوا عن حصار قطر واليمن.. لقد طفح الكيل

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن صبر واشنطن قد نفد في ما يخص النزاع بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *