أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / القطب الشمالي: سباق مستقبلي على النفوذ

القطب الشمالي: سباق مستقبلي على النفوذ

علوان نعيم امين الدين*

من الواضح ان معركة “التوسع والانحسار المؤجلة” بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الاميركية قد انطلقت. فالصدام في اوكرانيا، بعد سوريه، فتح الباب على الصراعات الدولية، ومناطق النفوذ الاسياسية ستكون محوراً للتنافس الدولي اذ لم نقل التصادم.

ومن هذه المناطق الحيوية، القطب الشمالي (للتذكير: يوجد عدد من الدول التي تشرف على هذا القطب لكن ليس لها اثر بارز في هذا الصراع الثنائي). لماذا القطب الشمالي؟ لما لا يكون التوسع والسباق على القطب الجنوبي مثلاً؟

لهذا التساؤل عدد من الاجوبة. يقع الجواب الاول في وجود اتفاقية دولية معقودة حول القطب الجنوبي تمنع استخراج الثروات الطبيعية الموجودة فيه حتى نهاية عام 2048. ولكن الصراع قد في المستقبل بين الدول الكبرى على هذه المنطقة في حال لم يتم توقيع اتفاقية اخرى مماثلة في سياق “حروب الموارد المفتوحة”. اما الجواب الثاني فهو جيوبوليتيكي. ليس للولايات المتحدة وروسيا ايه تقارب جغرافي في القطب الجنوبي. ان التقارب الجغرافي ضمن القطب الشمالي يقع في الاسكا. وللتذكير فقط ان الاسكا كانت ارضاً روسية تم بيعها، بقيمة 7.2 مليون دولار اميركي في وقتها، وضمت الى الولايات المتحدة كمقاطعة عام 1884. ان التقارب الجغرافي سيكون له اثر كبير ومؤثر، في المدى المنظور، على النطاق السياسي ايضاً خصوصاً مع بداية الحراك السكاني في هذه المنطقة ومطالبتهم باجراء استفتاء شعبي للانفصال عن الولايات المتحدة، وتوقيع عريضة انضمام الاسكا إلى روسيا مجدداً والتي نشرت على الموقع الالكتروني للبيت الأبيض وحصلت على 11500 توقيع خلال يومين، اذ لا بد من الحصول على 92500 توقيع حتى 20 نيسان/ابريل القادم لتقدم السلطات الأمريكية جواباً رسمياً على العريضة. وجاء في العريضة “صوتوا لانفصال ألاسكا عن الولايات المتحدة وضمها إلى روسيا.”

وتبرز اهمية القطب الشمالي في العديد من النقاط، ابرزها:

  1. الموارد الطبيعية:

يقدر الخبراء حجم هذه الثروات في القطب بـ 13 % من حجم الاحتياطي النفطي العالمي و30 % من الغاز الطبيعي.ونظراً للاهمية المستقبلية لهذه المنطقة، تم ادخالها ضمن اتفاقية الامن القومي الروسي حتى العام 2020. ففي 17 ايلول/سبتمبر 2008، أقر مجلس الأمن لروسيا الإتحادية “مبادئ سياسة الدولة في منطقة القطب الشمالي حتى عام 2020 وفي السنوات التالية، وكذلك صادق المجلس على خطة الإجراءات الرامية إلى تنفيذ المبادئ المذكورة. جاء ذلك خلال إجتماع مجلس الأمن لروسيا الإتحادية الذي أجراه الرئيس الروسي (السابق) دميتري مدفيديف وكرس لمنطقة القطب الشمالي. وأعلن مدفيديف خلال الإجتماع أن إستخدام موارد منطقة القطب الشمالي يعتبر ضمانة لأمن روسيا في مجال الطاقة.”

وما يجدر ذكره هنا ان منطقة القطب الشمالي الروسية تحديداً “تؤمن حالياً نسبة 11 % من الدخل القومي الروسي. وتنشأ هنا نسبة 22% من الصادرات الروسية كلها. وتستخرج في هذه المنطقة نسبة 90 % من النيكل والكوبالت و60 % من النحاس و96 % من البلاتين”، ولا يقتصر الموضوع على النفط والغاز فقط، بل يتعداه الى مواد اخرى كثيرة حيث “اكتشفت في الجرف القاري مطمورات صناعية من الذهب والقصدير والماس.”

لذلك تسعى الولايات المتحدة الى بسط نفوذها على المنطقة لاستثمار المقدرات الطبيعية فيها خصوصاً بعد الحديث عن مبدأ “ثلاثي” للتعاطي مع منطقة الشرق الاوسط وهو: “الخروج الآمن، الاتجاه شرقاً، حفظ امن اسرائيل”، يقابله تمدد روسي “استباقي” مستغلا التراجع الاميركي العالمي المرتكز على “تطويق” التمدد الصيني الذي تعتبره واشنطن الاهم استراتيجياً.

وبالفعل، بدأت روسيا في تنفيذ مشروع جديد لاستغلال مكامن الخامات في القطب الشمالي باستخدام مجمعات تقنية متكاملة تحت الماء، تديرها روبوتات. وقال نائب رئيس الحكومة الروسية دميتري روغوزين في تصريحات لوسائل الاعلام “إن المدن القطبية تحت الماء ستزود بأحدث منظومات المراقبة وبوسائط نقل واتصالات وطاقة خاصة. وسيحصل مركز الادارة، على المعلومات التي تخص الوسط المحيط الحرارة والضغط في الآبار وكذلك النشاط الزلزالي والوضع الايكولوجي في منطقة الاستخراج.”

وعبر روغوزين عن ثقته بان استغلال الموارد الطبيعية في القطب الشمالي سيكون “من بين الاولويات المهمة لروسيا.” وأضاف أن العمل بهذا المشروع بدأ في صيف السنة الماضية بمشاركة العديد من الشركات والمؤسسات الصناعية والتقنية والبحثية الروسية. وأشار الى ان منطقة القطب الشمالي بالنسبة لروسيا هي “قاعدة اساسية للثروة الطبيعية في المستقبل، حيث تضم، حسب الدراسات الجيولوجية، ثلث الاحتياطي العالمي البحري من النفط والغاز.”

  1. طرق المواصلات:

في السنوات الاخيرة، يولى الاهتمام الكبير بمسألة الملاحة في المحيط المتجمد الشمالي، إذ ان الخبراء يرون انه سيصلح للملاحة تماما في موسم الصيف بحلول عام 2030 لذوبان الجليد فيه. وشهد سبتمبر/ايلول عام 2009 مرور سفينتي شحن المانيتين عبر هذا الطريق. ويسمى هذا الممر “بالدرب البحري الشمالي” وهو طريق يمتد من كوريا الجنوبية مروراً بساحل روسيا الشمالي وصولا إلى أوروبا، حيث “تسير السفن التجارية عادة من آسيا إلى أوروبا عبر المضائق الجنوبية وقناة السويس. ويبلغ طول هذا الطريق 11 الف ميل بحري. اما الطريق الشرقي الذي يمر بالمنطقة القطبية فيبلغ طوله 3 آلاف ميل بحري. وشهد عام 2007 التحرر من الجليد للدرب الشمالي الغربي الذي يمر بالتخوم الشمالية لارض بافين ثم بمضائق لانكستر وبارو وفاينكاوت ملفيل ثم ببحر بوفورت ومضيق بيرنغ والمحيط الهادي. وسمح استخدام هذا الدرب بتقليص الطريق البحري إلى بلدان آسيا بمقدار 5 آلاف كيلومتر.”

  1. سياستي “التطويق والافلات”:

تتسارع كل من روسيا والولايات المتحدة الى القطب الشمالي، لكن الواضح بأن “الدب الروسي” اسرع من “النسر الاميركي” في هذا المضمار، فهناك سياسة اميركية لاستكمال “تطويق” روسيا وضمناً الصين، تواجهها سياسة “الافلات” التي تعتمدها روسيا خصوصاً عند تبلُّغ الاخيرة من قيادة حلف شمال الاطلسي باستكمال بناء الدرع الصاروخي بعد توقيع الاتفاق النووي الايراني “6+1” في اواخر 2013، الامر الذي قطع الشك باليقين لدى موسكو بان هذا الدرع موجه ضدها وليس ضد اوروبا لحمايتها من الصواريخ الايرانية.

امريكياً، يمكن تسجيل العديد من النقاط:

–       قررت الولايات المتحدة الاميركية انشاء قاعدة خاصة بالقطب الشمالي على ان تصبح جاهزة على عتبة العام 2020؛

–       الاسراع في الوصول الى القطب الشمالي لاستثمار موارده الطبيعية، خصوصاً بعدما اشرنا اليه سابقاً عن المبدأ الثلاثي. يضاف الى ذلك، ان الدراسات الاقتصادية تشير الى ان الولايات المتحدة ستصبح من اهم الدول التي ستمسك بالقرار “النفطي” في العالم ابتداء من العام 2035 تقريباً نظراً لاكتشاف كميات ضخمة من النفط الصخري فيها؛

–       استكمال الطوق الصاروخي لجهة الشمال بعدما سعى حلف الاطلسي الى محاصرتها من اوروبا عبر قواعده المتواجدة في بلغاريا وبولندا وتركيا (سواء قواعد اطلاق صواريخ او اعتراض صواريخ او محطات رصد رادارية)؛

–       تأمين خط مواصلاتها بقواعدها في المحيط الهادئ (جزيرة غوام، قاعدة اوكيناوا في اليابان، الخ) عبر الدرب البحري الشمالي، نظراً لقصر المسافة التي سبق وذكرناها اعلاه؛

–       منع او اعاقة روسيا من امكانية تصدير مواد الطاقة المستخرجة من القطب الشمالي حال بدء استخراجها قبل وصول واشنطن اليها؛

اما روسياً، فيمكن تسجيل النقاط التالية:

–       التمركز في القطب قبل وصول الولايات المتحدة اليه. ومن هنا صرح مصدر في هيئة الأركان العامة الروسية يوم 17 فبراير/شباط 2014، أن روسيا ستستحدث العام الجاري قيادة استراتيجية موحدة تعتمد على أسطول البحر الشمالي الروسي، وتنحصر مهمتها الرئيسية “في الدفاع عن مصالح روسيا في منطقة القطب الشمالي.” وأضاف المصدر أن القيادة العسكرية الجديدة ستحظى بصلاحيات منطقة عسكرية. يذكر أن وزارة الدفاع الروسية أعادت في نهاية العام الماضي، بناء قاعدة في جزيرة كوتيلني في المحيط المتجمد الشمالي، علماً ان هذه المنطقة لم تشهد هذه المنطقة أي نشاط عسكري على مدى الـ 30 عاما الأخيرة. ويقول خبير وكالة أنباء “انترفاكس” إن العلماء في مجال الدفاع “منذ فترة طويلة ينظرون في ضرورة استعادة ومواصلة تطوير أنظمة تغطي المجال الجوي للاتحاد الروسي من الشمال”؛

–       الافلات من الدرع الصاروخي الاطلسي الذي يحاصرها اوروبياً والذي يسعى الاطلسي الى مده نحو الشرق الاوسط، والمحاولات المتكررة لكسر الطوق في اسيا الوسطى، كانشائها مع الصين وبعض الدول منظمة شنغهاي للتعاون والامن، والتأثير على افغانستان لجهة عدم توقيع الاتفاقية الامنية مع الحلف الاطلسي، وطلب قرقيزيا من الولايات المتحدة اخلاء قاعدتها العسكرية فيها خلال نيسان 2014 كحد اقصى؛

–       تأمين طرق المواصلات البحرية من خلال قرار اتخذ في 17 مارس/آذار 2014 بانشاء مخافر بحرية لتأمين سلامة النقل ترافق ذلك مع تصريح لقائد سلاح البحرية الروسي الأميرال فيكتور تشيركوف في كلمة ألقاها يوم 21 مارس/آذار، ضمن مؤتمر أمن منطقة القطب الشمالي الذي عقد في بطرسبورغ اذ قال: “هدفنا هو زيادة قدرة قوات الردع النووي وغير النووي في الأسطول الشمالي وأسطول المحيط الهادئ عن طريق بناء سفن جديدة، بما فيها كاسحات الجليد واستحداث وحدات وتشكيلات الحرس الساحلي المخصصة للعمل في ظروف القطب الشمالي.” كما تنوي روسيا الاهتمام بتطوير شبكة المطارات والموانئ في هذه المناطق من أجل حماية مصالها الاستراتيجية هناك، منها إصلاح المطار العسكري بجزر سيبيريا الجديدة الذي استأنف عمله عام 2013، وكذلك العمل على تحديث المطارات في تيكسي وروغاتشوفو وغيرها من البلدات بمناطق القطب الشمالي وكذلك المرفأ في جزر نوفايا زيمليا؛

–       تأمين امدادات انابيب الغاز المتوقع استخراجها من القطب الشمالي وحمايتها، ومنع الاضرار بمصالح روسيا من خلالها على غرار ما يخطط له في الازمة الاوكرانية الحالية التي تهدف الى فصل اوكرانيا عن روسيا اقتصادياً استعداداً لاقفال السوق الاوروبية امامها وضرب عمق الامن الاقتصادي الروسي في عصبه الاساسي وهو تجارة الغاز؛

–       تم مؤخراً اكتشاف جزيرة جديدة في المحيط المتجمد الشمالي من قبل القوات الجوية الروسية، وتنوي روسيا التقدم بطلب الى الامم المتحدة لضم هذه الجزيرة الى اقليمها على غرار قرار الامم المتحدة الاخير الذي تبلغته موسكو في 15 مارس/آذار الحالي حول اعتبار بحر اخوتسك بحراً داخلياً روسياً. هذا الامر في غاية الاهمية والخطورة. ان ضم مثل هذه الاقاليم يوسع من الجرف القاري للدول حيث تتغير نقاط الاساس التي تحسب منها بداية المياه الاقليمية والمناطق الاقتصادية للدول. اضافة الى ذلك كله، وتقدر المعلومات بان بحر اخوتسك يحتوي على 1 مليار طن من الهيدروكاربونيات على مساحة 52 الف كيلومتر مربع.

في ظل هذا التنافس الدولي، قد لا يستطيع مجلس القطب الشمالي الدولي، (الذي يضم الدانمرك مع جزر فارو وجزيرة غرينلاند وآيسلندا وكندا والنرويج وروسيا والولايات المتحدة وفنلندا والسويد كاعضاء دائمة فيه) والذي تم تأسيسه عام 1996، من حل المشكلات التي ستنشأ عن هذا التنافس والتوسع في القطب، اذ قد ينشأ عن ذلك بروز حرب باردة جديدة ولكن من نوع آخر.

 

*باحث في العلاقات الدولية

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *