الرئيسية / دراسات / الدول بين سياستي “الالغاء” و”الاحتواء”

الدول بين سياستي “الالغاء” و”الاحتواء”

علوان نعيم امين الدين*

1. سياسة الالغاء:

أ. النازية في المانيا:

بعد خسارة المانيا للحرب، انشأت اتفاقية لندن في 8/8/1945 محكمة نورمبرغ لمحاكمة كبار القادة الالمان. واللافت ذكره ان نظام هذه المحكمة العسكرية لم يقتصر على محاكمة الافراد، بل امتدت الى المنظمات ايضاً، وظهر ذلك في نص المادة التاسعة من لائحة المحكمة. وجاء في المادة العاشرة انه اذا قررت المحكمة اعتبار احد الهيئات ذات طبيعة اجرامية، فانه يحق للسلطات المختصة في كل دولة موقعة ان تحيل اي شخص امام المحاكم بسبب انتمائه لها. بذلك، يكون قرار المحكمة في هذه الحالة قرارا نهائيا يحتج به امام الجهات القضائية. بالفعل، ادانت المحكمة ثلاث منظمات: جهاز حماية الحزب النازي، والجستابو، وهيئة زعماء الحزب النازي.

إن الخوف من اعادة انبعاث الحركة النازية مازال يسطر على اوروبا، وهذا ما برز في معاقبة الاتحاد اليوناني لكرة القدم لاعب وسط نادي ايك اثينا جيورجوس كاتيديس في 17/3/2013 بالايقاف مدى الحياة عن جميع الانشطة المتعلقة بالمنتخبات الوطنية بعدما بدا انه وجه تحية نازية للجماهير خلال احدى مباريات الدوري المحلي.

ب. الاخوان المسلمين في الجزائر ومصر:

كان إقدام الجيش في الجزائر عام 1992 على إلغاء الانتخابات التشريعية التي فاز في جولتها الأولى الجبهة الإسلامية للإنقاذ بمثابة الشرارة التي فجرت الأوضاع، فانتشرت اعمال الانتقام، وعمت الفوضى، ودخلت البلاد في دوامة العنف المسلح.

ويرى البعض ان قرار الجيش كان متناسقاً مع وجهة النظر الفرنسية حينها والتي تقضي بضرورة اقصاء الجماعات الاسلامية من الوصول الى الحكم ولو بالقوة، بعكس وجهة النظر الاميركية التي تقول بوصولهم الى السلطة مع اغراقهم بمشاكلها للقضاء عليهم سياسياً. وهذا ما ظهر بوضوح في مصر مع وصول الاخوان المسلمين الى السلطة عام 2012، وعدم قدرتهم على ادارة ازمات البلاد وسقوط مشروعهم في اقل من سنة.

ج. البعث في العراق:

بعد سقوط نظام الحكم في العراق عام 2003، وتعيين حاكم مدني اميركي عليه، كان من اولى الخطوات اصدار “قانون اجتثاث البعث” الذي هدق الى ملاحقة اعضاء الحزب، ومحاكمتهم، وابعادهم عن مفاصل القرار. كما تم انشاء الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث وتم التصديق عليها في الدستور العراقي عام 2005، ومن اهم اهدافها أزاحة كبار اعضاء الحزب أو المشتركين في جرائم عن الوظائف العامة، وأزالة أثار البعث من المجتمع، واعادة تأهيل كوادره.

2. سياسة الاحتواء:

أ. الشيوعية والاتحاد السوفيتي:

اتبعت الولايات المتحدة الاميركية هذه السياسة بوجه الاتحاد السوفياتي، وكان الرئيس الاميركي هاري ترومان من مطلقي نظرية “الحرب الباردة” التي دامت حتى اول ثمانينات القرن الماضي، وتتلخص بما يلي:

– تحجيم الدور السوفيتي وحصر تحركاته؛

– ربط السياسة الاوروبية بسياسة واشنطن واحتواء قرارها السياسي؛

– استغلال نتائج الحرب العالمية الثانية في الشق الاقتصادي الذي تمثل في “مشروع مارشال” لإعادة إعمار الدول التي دمرتها الحرب لخلق حليف قوي يناهض السوفيات، والعسكري من خلال انشاء حلف شمال الأطلسي.

واستمرت الولايات المتحدة في هذه السياسة لحين وصول الرئيس الامريكي الراحل رونالد ريغن الى سدة الرئاسة، الذي وصف الاتحاد السوفياتي بـ “امبراطورية الشر” رافضاً احتواءها بل عمل على تفكيكها والقضاء عليها.

ب. النهوض الصيني:

بهدف وقف التمدد الصيني، تسعى الولايات المتحدة للاستيلاء والسيطرة على البترول ومصادر الطاقة خصوصاً بعد اكتشاف كميات هائلة من البترول والغاز في دول غير نفطية، ما يمكنها من الامساك بالاقتصاد العالمي والتفوق العسكري. لذلك، وضعت الكثير من المخططات ابرزها “مشروع الشرق الاوسط الجديد” الذي بدأ تنفيذه -بحسب رأي وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كوندوليزا رايس- في حرب تموز 2006. ومع فشل الحرب على لبنان، بدأ البحث عن نظريات عديدة منها “الانظمة الفاشلة” و”الفوضى الخلاقة”، فتغيرت الاستراتيجية من الحرب الى تغيير الانظمة عن بعد وعدم التورط العسكري المباشر كافغانستان (2001) والعراق (2003).

وتجدر الاشارة هنا الى ما كشف عنه المرشح للانتخابات الرئاسية الاميركية لندون لاروش في 20/10/2004 عن مذكرة للأمن القومي الاميركي ارسلها هنري كسينجر للرئيس ريتشارد نكسون عام 1974 بعنوان “مذكرة الأمن القومي 200″، جاء فيها أن النمو السكاني خاصة في دول العالم الثالث يعتبر تهديداً للامن القومي للولايات المتحدة وحلفائها المقربين، لأن تزايد أعداد السكان في تلك البلاد سيؤدي إلى إستهلاك الثروات المعدنية من قبل الشعوب إما عن طريق التطور التكنولوجي أو بسبب الحاجة إلى إعالة الأعداد المتزايدة من السكان. واشارت تلك المذكرة الى مجموعة من البلدان الأفريقية والآسيوية ومن بينها مصر التي أوصت المذكرة بضرورة تحديد النسل فيها.

3. نتائج تطبيق السياستين:

من خلال ما سبق يتبين لنا التالي:

أ. فشل كلتا السياستين من وقف الحروب؛

ب. سياسة الالغاء استعملت ضد الدول الضعيفة، اما سياسة الاحتواء فاعتمدت لمواجهة الدول القوية؛

جـ. ان المجال الزمني لتطبيق سياسة الاحتواء اطول منه في سياسة الالغاء؛

د. قد يحتاج اعتماد سياسة الاحتواء قدرات في التخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل اكثر منه في سياسة الالغاء؛

هـ. سياسة الالغاء فشلت في مكان ما ونجحت في آخر. ففي ألمانيا مثلاً، ومازال هناك حركات تدعمها بعض الأحزاب السياسية في البرلمان الألماني وتدعو الى طرد المهاجرين وتحرض على معاداتهم، بحجة ان عاداتهم وتقاليدهم لا تتفق مع مجتمعهم. ولقد عبرت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة الراحلة مارجريت تاتشر في 10/9/2009 عن مخاوفها المتزايدة إزاء احتمالات عودة النازية إلى ألمانيا، وتذكر بعض التقارير حينها أنها كانت تنظر إلى انهيار حائط برلين باعتباره علامة سيئة تنذر بالخطر طالما أن توازن القوى بين الألمانيتين قد انتهى وتوحدت ألمانيا، الامر الذي سيؤدي بلا شك إلى صعود النزعة القومية الألمانية، وشاركها الراي الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران الرئيس من خلال تقديمه وثيقة عام 1989 تضمنت التحذيرات حول مخاطر أن يؤدي توحيد ألمانيا إلى ظهور هتلر جديد.

كما فشلت سياسة الالغاء في العراق، حيث تم الانتقال من “قانون اجتثثاث البعث” المتشدد الى “قانون المساءلة والعدالة” الوسطي الذي وضع اولوياته في “تشييد عراق منفتح على كل العراقيين العاقدين العزم على بناء عراق حر ديمقراطي بعيد عن الطائفية والعنصرية والاستبداد والتمييز والاقصاء والتهميش ويتوازى ذلك مع تقديم اولئك الذين اجرموا بحق الشعب العراقي الى قضاء عادل ينالون من خلاله جزاءهم.”

إن عملية “اجتثاث البعث” نسختها قوى المعارضة العراقية من تجارب شعوب اخرى شهدت تغييرا لكنها اختلفت في الشكل والطبيعة لذا كانت تداعياتها مختلفة، إذ لجأت بعض الشعوب الى الانتقام فتدهورت أوضاعها الامنية، وأخرى لجأت الى العفو العام فحافظت على أمنها وسلمها الأهليين. هذا الاختلاف في التجربة حصل داخل العراق نفسه، فإقليم كردستان لجأ الى مبدأ “عفا الله عما سلف” منذ عام 1991 بعد الانتفاضة وانسحاب القوات الحكومية.

في المقابل، نحجت سياسة الالغاء في القضاء على الجيش الاحمر الياباني الذي اسسته فوساكو شيغينوبو في شباط 1971 بعد انشقاقها عن الجيش الأحمر التابع للمنتخب الشيوعي الياباني، حيث تم ملاحقة عناصره ومحاكمتهم وحبسهم الى ان اعلنت مؤسسته في بيان وجهته لأنصارها حل الجيش. واعترفت شيغينوبو في بيانها بأن كفاح الجيش الأحمر “كان خاطئا وغير كاف لفشله في اتخاذ مكانة في تاريخ المجتمع الياباني”، مؤكدةً أن شكلا آخر من الكفاح سينطلق من اليابان “وسيكون حديثاً وشرعياً ومنفتحاً”؛

و. قد تكون سياسة الالغاء مقدمة لجرائم دولية على غرار ما اكدته صحيفة “الأوبزرفر” البريطانية في عددها الصادر في 3/3/2013 من أن قانون اجتثاث البعث تحول إلى تطهير طائفي لسنة العراق، يضاف إليه التعذيب الذي مارسته القوات الأميركية في سجن أبو غريب والفشل في فرض الأمن، ما سمح للعصابات الطائفية بقتل عشرات الآلاف من العراقيين. كما اعتبر البعض ان هذه القانون هو بمثابة “جريمة ضد الانسانية”، فحزب البعث حكم العراق لفترة طويلة اصبح خلالها حزبا واسع العضوية يقدر عدد اعضائه بالملايين، “فهل كان جميع اعضائه ذوي طبيعة واحدة؟ ان الملايين من اعضاء حزب البعث مقسمون الى ثلاثة اصناف على الاقل. الصنف الاول هو القيادة…، الصنف الثاني هو الاعضاء الذين انتموا اليه عن قناعة وعن ايمان بالمبادئ التي قام عليها…، والصنف الثالث هو الاعضاء الذين انتموا الى الحزب مضطرين من اجل ضمان معيشتهم او ضمان مستقبلهم الاقتصادي والثقافي. هل يمكن معاملة كافة هؤلاء الاعضاء بنفس الطريقة؟”؛

زـ ان سياسة الاحتواء تقوم على الاستغناء عن مبدأ استعمال القوة العسكرية واستبداله بمبدأ “القوة الناعمة”، فالاختلاف في الوسائل وليس الاهداف؛

حـــ. قد لا تجدي سياسة الاحتواء الاميركية للصين نفعاً او تدوم طويلا دون اللجوء الى مواجهة عسكرية ولو غير مباشرة (اي مواجهات في دول موالية للنظامين) خصوصاً بعد التغيرات التي يشهدها النسق الدولي بالانتقال من احادية القطب الى الثنائية القطبية، ان كان عبر منظمة شنغهاي او حتى دول البريكس.

إلى جانب سياستي الالغاء والاحتواء، تفرض البراغماتية الواقية للاحداث وجود بعض السياسات الاخرى، مثل:

– سياسة توازن الرعب: التي تقوم على فكرة الردع المتبادل بين القوى المتصارعة، فتكون اشبه بحالة اللا سلم واللا حرب، سواء كان هذا التوازن في القوى قائم على الردع النووي، او حتى على بعض الحسابات الجغرافية او الديغرافية او العسكرية؛

– سياسة التسويات: التي تقوم على التنازلات من اجل الوصول الى قاسم مشترك يتم الاتفاق عليه والعمل بموجبه.

اخيراً، ان ما نحتاج اليه اليوم قيام السياسات الدولية على قاعدة العدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الافراد والدول، والتنمية المتوازنة الدولية من خلال تبادل الثروات بعدالة وانصاف، فالاوضاع الحالية تعتبر بيئة حاضنة وسبباً محفزاً لنشوء حركات متشددة، خاصة بوجود ازمات اقتصادية عالمية بدأت في الولايات المتحدة ولن تنتهي مع دول الاتحاد الاوروبي. وبالعودة الى التاريخ القريب، كانت الازمات الاقتصادية احد اهم مقدمات الحروب الكونية ونذكر منها الازمة المالية عام 1929 التي مهدت بطريقة او بأخرى الى قيام الحرب العالمية الثانية.

*باحث في الشؤون القانونيةوالدولية

 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *