الرئيسية / تقدير موقف / “الجرف الاوراسي”: محور الصراع الدولي

“الجرف الاوراسي”: محور الصراع الدولي

علوان نعيم امين الدين*

ركز الكثير من الباحثين الجيوبوليتكين على منطقة اوراسيا بشكل كبير، فاعتبروها الاهم على الصعيد الدولي. من هذا المنطلق، قسِّموا العالم كله الى ثلاثة مناطق جيوبوليتيكية:

  1. الارض الام: وهي تشمل القسم الاعلى من أسيا ودولاً عدة من اوروبا خاصة الملاصقة للقارة الآسيوية؛
  2. الهلال الداخلي: وهو نطاق من الشريط البري المحاذي للبحار (البلطيق، المتوسط، الاحمر، الخليج الفارسي) والمحيطات (المحيط المتجمد الشمالي من الاعلى والمحيطين الهادي من ناحيتي روسيا والصين والمحيط الهندي من الاسفل)، اضافة الى القسم الشمالي لافريقيا اذ يعتبر البعض ان هذه المنطقة “مفصولة عن باقي افريقيا بواسطة الصحراء الكبرى”؛
  3. الهلال الخارجي: هو كل ما تبقى من اراضي غير تلك المشار اليها اعلاه. ومن الجدير ذكره هنا، انه لم يتم اعطاء الولايات المتحدة الكثير من الاهمية، فهي لا تشكل سوى جزءاً من الهلال الخارجي ليس الا.

وبالنظر الى تعريف “الاوراسية”، نجدد عدداً منها:

–       المعنى الواسع: “أوراسيا هي كتلة أرضية مساحتها 54,000,000 كم2 وهي مكونة من قارتي اوروبا وآسيا… تقع أوراسيا في شمال الكرة الأرضية. اسم الكتلة مركب من كلمتي “أوروبا” و”آسيا”. يحدها من اقصى الغرب جزر آيرلندا والمحيط الأطلسى الذي يمتد بذراعه الجنوبى وهو متمثل في البحر المتوسط بأحواضه المختلفه ومن الشرق مضيق بيرنج وبعض الجزر مثل كامشتكا وسخالين والمحيط الهندى ومن الشمال يحده جزر فرانس جوزيف والمحيط المتجمد الشمالى ومن الجنوب جزر تيمور والمحيط الهادى بذراعيه المتمثلين في البحر الأحمر والخليج العربى… اعتبرها العديد من الجغرافيين كقارة واحدة مثل الأمريكيتين وأفريقيا، حيث أن القارتين غير منفصلتان بمحيط أو بحر كبير.”

–       المعنى الضيق: تشمتل اوراسيا على المناطق التي تلتقي فيها القارة الأسيوية بالقارة الاوروبية، متمثلة بالجمهوريات السوفياتية السابقة والمناطق المطلة على البحر الاسود، والشرق الاوسط من الجانب الآسيوي، ودول كـ “بلغاريا ورومانيا وكذلك دول شرق أوربا المتوسطية كاليونان ومقدونيا فى الجانب الأوربي.”

–       المعنى الجيوبوليتيكي: اما تقسيم اوراسيا حسب الكثير من المفكرين الجيوبوليتكيين فهو يعتمد على اعتبار “الارض الام” من اوراسيا هي تلك المنطقة التي تضم الاتحاد الروسي، والصين، واليابان، والكوريتين، نزولا الى بعض الاجزاء العليا من الهند وباكستان وافغانسان، وغالبية ايران، والعراق، وتركيا، صعوداً الى دول البحر الاسود، ومروراً ببعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق آخذاً معه بعض الدول الاوروبية او قسماً منها، وصولا الى الدول الاسكندنافية، ليعود ويلف روسيا مجدداً من المحيط المتجمد الشمالي وصولا الى المحيط الهادئ.

 

يعطي هؤلاء الباحثين اهمية كبيرة لـــ “الارض الام” فهي بنظرهم العالم الحضاري والقسم الثابت في الصراع بين “قوى البر” و “قوى البحر”، ويعتبرون ان قوى البر هي الاثبت كونها تستند على واقع جغرافي، بينما قوى البحر تتمدد وتنحسر بحسب المعطيات. وما بين الارض الام والهلال الخارجي، يتمحور لبُّ الحديث حول الهلال الداخلي، والذي يطلق عليه ايضاً “الحيّز الحضاري من التاريخ”، وبنظر هؤلاء المفكرين “ان من يسطير على هذا الجزء يحكم العالم.”

ان ما يحدث اليوم على الساحة الدولية من احداث وتطورات بين محوري الولايات المتحدة من جهة، والاتحاد الروسي والصين الشعبية من جهة أخرى، يقودنا الى احداث نوع من الاسقاط لهذه النظرية على الواقع الحالي، حيث يتكشف من خلال الاحداث صحة التقسيمات الواردة اعلاه، اذ ان ثقل الصراع الدولي يتمركز في هذه المنطقة او الهلال الداخلي.

  1. السعي الاميركي للسيطرة على الجرف:

–       الدرع الصاروخي في اوروبا: وهو مثار جدل كبير في العلاقة بين موسكو وواشنطن ومحل خلاف حقيقي، اذ تعتبره الاولى موجهاً ضدها وتريد توضيحات عليه، ويرى البعض ان “التهديد الروسى بضرب بولندا بالنووي فى حال وافقت على نشر الدرع الصاروخي على أرضها لهو تهديد على محمل الجد لحماية الأمن القومى الروسي”، فيما تعتبره الثانية ضرورة للمحافظة على وجودها والدفاع الاستباقي عنها وعن الدول الحليفة لها في اوروبا من تهديدات “الدول المارقة”؛

–       الغزو الاميركي لافغانستان والعراق: وهدفهما السيطرة على جزء من هذا الجرف الغني بمصادر الطاقة والذي يحتوي على بعض من النقاط الاستراتيجية (خصوصاً المضائق) في هذا الجرف؛

–       الضغط الاميركي على ايران “النووية”: من خلال فرض العقوبات عليها، علاوة على استمرار تجميدها لأموال ايرانية منذ انتهاء حكم الشاه الموالي للغرب واستيلام الخميني السلطة وبدء الحكم الاسلامي فيها. ومن الجدير ذكره هنا، الحرب التي اندلعت بين كل من العراق (ايام صدام حسين المدعوم اميركياً) وايران (النامية) لعدة سنوات والتي خدمت الولايات المتحدة واتخذتها كوسيلة لاضعاف طهران وانهاكها؛

–       التقارب الاميركي-الايراني: وهو ما يحدث اليوم من تقارب بينها، خصوصاً مع ما يصيب الولايات المتحدة من تراجع على صعيد التفرد بالقرار الدولي، ورغبتها في البقاء في جزء من هذا الحيِّز لأخذ دور ما وان كان ذلك عبر السياسة وليس من خلال العسكر؛

–       التواجد العسكري في بعض دول الخليج: واقامة العديد من القواعد العسكرية الاسترايجية، والسيطرة على القرار السياسي لبعض هذه الدول وتماهي قراراتها مع السياسة العليا والمصالح الاميركية، ووجود علاقة جدلية محورية بينهما؛

–       اقامة علاقات مع كل من الهند وباكستان: على مدى سنوات عديدة، وهي منطقة الشمالية للحزام الاوراسي من جهة المحيط الهندي، وذلك بهدف “غلق” هذه المنطقة على التمدد الروسي-الصيني تجاه المياه المحاذية للهلال الداخلي؛

–       اقامة علاقة مع دول الغرب الآسيوي: من كوريا الجنوبية الى الفليبين وصولاً الى اليابان من سياسية (مواقف متوافقة) الى عسكرية (مناورات عسكرية مشتركة)، والتمركز العسكري الاميركي في جزر استراتيجية كجزيرة غوام، وذلك بهدف السيطرة والتحكم بالجرف الاوراسي غرب المحيط الهادئ؛

–       المشاريع والنظريات الاميركية للاطباق على هذه المنطقة كـ نظرية “الاناكوندا” (التي تستهدف هذا الجرف) ومشروع “الشرق الاوسط الجديد” وغيرهما، والتي تهدف الى السيطرة على هذه المنطقة الغنية والاستراتجية من العالم.

  1. السعي الروسي-الصيني للسيطرة على الجرف:

–       قيام كل الاتحاد الروسي الصين (اللتيات تقعان في قلب الارض الام) بانشاء علاقات جيدة مع الدول التي تشكل الحزام او الجرف الاوراسي: وابرز هذه العلاقات منظمة شنغهاي للتنمية والتي تضم عدداً من الدول التي تحتل الحيز ما بين الارض الام والهلال الخارجي، وذلك ليس رغبة او طمعاً في اقتصادياتها او تطورها، بل في ضمها الى هذا المحور بدلا من خسارتها كونها تقع في مناطق استراتيجية حساسة؛

–       تقاسم النفوذ الروسي-الصيني: فالروس تركوا المحيط الهادئ وتوجهوا الى المياه الدافئة والمتوسط، اما الصينيون فتولوا امر المحيط الهادئ والسيطرة عليه؛

–       السعي الى ابعاد الولايات المتحدة: وخصوصاً من المناطق التي لا تزال فيها ضمن هذا الحزام، وابز مثال على ذلك طلب قرقيزيا من الولايات المتحدة تسليمها لقاعدة ماناس في العام 2014، وهذه القاعدة انشاتها واشنطن “لمحاربة الارهاب ومن اجل الامن والاستقرار في افغانستان”. كما تسعى روسيا الى تمتين خاصرتها الغربية من خلال اقامة العلاقات الودية (مع اليونان مثلا) والحزم مع بعض الدول التي لاتزال تدور في الفلك الاميركي (الازمة الجورجية 2008)؛

–       اعادة احياء “طريق الحرير” التجاري التاريخي بين دول اسيا وصولاً الى اوروبا، والذي كشف عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته الى كوريا الجنوبية ورغبته في اعادة وصل الطريق عبر شبكة السكة الحديد والسعي الى حل الازمة في الجزيرة الكورية لما له من تأثير مباشر على سير هذه الخط. وهذا الطرح يلتقي مع “سياسات التعاون في تنفيذ الخطط الروسية لتنمية منطقة شرق سيبيريا، ودعم مشاركة الشركات الكورية الجنوبية في المشروع الثلاثي المشترك بين سيول وموسكو وبيونغ يانغ لإنشاء خط سكك حديدية يربط بين ميناء راجين الكوري الشمالي ومدينة خاسان الروسية الحدودية، ومشروع تطوير القطب الشمالي، وغيرها من المشروعات المشتركة”، ويلتقي هذا المشروع مع المبادة التي اطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ حول “فكرة بناء حزام طريق الحرير الاقتصادي أثناء الجولة التي قام في أوائل شهر أيلول الماضي في دول آسيا الوسطى، وقد لقيت هذه الفكرة إجماعاً واسعاً في قمة مجموعة شانغهاي للتعاون التي عُقدت في العاصمة القرغيزية بيشكك. ويستند حزام طريق الحرير الاقتصادي على مفهوم طريق الحرير القديم، ويشكل منطقة التنمية الاقتصادية الجديدة. ويمتد من المحيط الهادئ إلى بحر البلطيق، وهو جسر يربط بين دائرة اقتصادية في آسيا والمحيط الهادئ شرقياً ودائرة اقتصادية أوروبية متقدمة غربياً، ليكون أطول ممر اقتصادي رئيسي ذي إمكانات أكبر في العالم”؛

–       اقامة علاقات متينة مع دول الجرف: من خلال التعاون العسكري (روسيا-مصر بعد الازمة مع الولايات المتحدة وعرض روسيا تسليم اسلحة للجيش المصري وهو ما قد يكون محور المحادثات بين كل من وزيري الدفاع والخارجية الروسيين ونظيرهما المصريين في 14 و15 تشرين الثاني الجاري، الصين-تركيا وصفقة الاسلحة التي يطالب فيها حلف شمال الاطلسي اسطنبول بالرجوع عنها، صفقة الطائرات الروسية الى العراق) والطاقة (التعاون الروسي الايراني وانشاء المعامل النووية فيها بهدف الحصول على الطاقة، والحديث عن قيام شركات روسية بانشاء معامل للطاقة في الاردن، وتشغيل معمل في مصر) والاقتصاد (التدخل الروسي في قبرص بعد الازمة المالية التي لحقت بها وانتشالها منها، احتكار شركات الغاز الروسية وخصوصاً غاز بروم على كثير من عقود استخراج موارد الطاقة) والسياسة (الازمة السورية ابرز الامثلة على ذلك)؛

–       التدخل الروسي في الازمة السورية: حيث تعتبر سوريه “شاطئ روسيا على المتوسط”. ومع بدء النهوض الروسي بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، تعود روسيا بقوة الى المتوسط لتأمين اسمترار وحرية حركتها من والى المياه الدافئة والبحر الاسود الذي يعتبر ذا اهمية استراتيجية كبرى.

ان هذه الاحداث وغيرها على الصعيد الدولي تعطي لهذه النظرية (اوراسيا بالمتنى الجيوبوليتيكي الوارد اعلاه) اهمية كبرى وتجعلها اقرب النظريات لتفسير الاحداث الدولية المعاصرة، اذ يتبين اهمية الحزام الاوراسي (او الهلال الداخلي) والمدى والبعد الاستراتيجيين لهذه المنطقة.

ان ما تمر بها منطقتنا في المشرق اليوم وما تشهده من نزاعات وحروب ليس سوى جزء من هذا الصراع الدولي للسيطرة على العالم، اذا ان كل الدول الكبرى تسعى للامساك بالقرار الدولي على حساب شعوب اختبرت الحضارة منذ قرون خلت وكانت مصدراً لحضارة العالم ككل، حيث اصبحت بؤرة للصراع بدل ان تكون بقعة من التلاقي الحضاري. يرى الباحث في التاريخ الاستاذ عفيف غصن ان للمشرق “فضل على العالم كله عبر ثلاثة اختراعات غيرت وجه التاريخ: الرقم والحرف والدولاب (العجلة).”

 

*باحث في العلاقات الدولية

المراجع:

–       الكسندر دوغين، اسس الجيوبوليتكا، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت 2004.

–       جريدة الاخبار

–       معمر عطوي، بوتين ينسج “طريق الحرير” على خط اوراسيا، جريدة الاخبار، 14/11/2013.

–       محمد حافظ، اوراسيا قلب العالم، على الموقع التالي: http://www.ahewar.org

–       http://ar.wikipedia.org

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

أراكان – ميانمار.. صراع الجيوبوليتك الصينيّ /الأميركيّ في حروب الجيل الرابع

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط_ بقلم: سومر صالح* الصين ثاني أكبر اقتصادٍ عالميٍّ عادةً ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *