أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / التنظيمات الدولية في عالم متغير

التنظيمات الدولية في عالم متغير

علوان نعيم أمين الدين*

سعت دول لتكوين العديد من المنظمات الاقليمية والدولية والانخراط فيها، بهدف خلق مجتمع يسوده السلم والامن.

  1. الامم المتحدة:

كان مقدرا لها ان تكون “الحكومة الدولية” التي تدير العالم خاصة بعد سقوط عصبة الامم والنتائج الكارثية التي افرزها الحرب العالمية الثانية بشرياً واقتصادياً. وكانت اولى التحديات التي واجهتها نشوب الحرب الكورية في حزيران 1950، لتأتي بعدها الحرب الباردة التي سقطت مع جدار برلين عام 1989، وظهور القطبية الآحادية الاميركية.

لذلك، برزت العديد من المساعي لتجديها وتطويرها عبر تقارير للامين العام السبق لها كوفي انان، اهمها:

أ‌.       تقرير بعنوان “تجديد الأمم المتحدة: برنامج للإصلاح” في 23 أيلول/سبتمبر1997 حيث اعتبر أن “الغرض من إصلاح الأمم المتحدة هو تعزيز مؤسسة لا غنى عنها وإعدادها لمواجهة تحديات المستقبل. وليس الإصلاح في جوهره مجرد عملية خفض تكاليف أو تقليل عدد الموظفين. لكنها عملية تستهدف تأكيد أهمية المنظمة في عالم متغير. وضمان تنفيذ المهام التي كلفتها بها الدول الأعضاء … بفعالية وكفاءة في حدود الموارد التي تم تخصيصها لهذه الغايات”؛

ب‌.  تقرير بعنوان “في جو من الحرية أفسح: صوب تحقيق التنمية، والأمن، وحقوق الإنسان للجميع” تاريخ 21 أذار/مارس 2005 بيَّن فيه المشاكل والصعوبات التي تواجه البشرية من الحروب والإرهاب إلى الفقر مروراً بالأمراض الخطيرة والأوبئة، مؤكداً فيه عدم قدرة “أي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تحمي نفسها بنفسها”؛

ت‌.  تقرير بعنوان “إصدارات الولايات وتنفيذها: تحليل وتوصيات لتسيير إستعراض الولايات” في 26 آذار/مارس 2006 راى فيه عدم تمكن مؤسسي هذه المنظمة التنبؤ “بصورة كاملة بنطاق التحديات التي نشأت وتطورت، ومدى تعقيدها. إن المهمة التي تقع على عاتق الأمم المتحدة هي مهمة هائلة. واليوم، تتراوح الولايات (المهام) المنبثقة عن الأجهزة الرئيسية المختصة ما بين المساعي الحميدة لمنع نشوب العمليات، وحفظ السلام، وبناء السلام، والإنقاذ.”

وبدأ الحديث عن توسيع مقاعد مجلس الامن (ضم الهند والبرازيل مثلاً) وايجاد آلية تسهل الجمعية العمومية وتسرع عملها، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل في ظل تولي المحافظين الجدد مقاليد الحكم في الولايات المتحدة. فلقد كان صقور هذه الادارة من اشد الناس عداوة للأمم المتحدة، ومن أشهرهم سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة جون بولتون إذ قال ذات مرة أنه “لو إختفى عشرة طوابق من طوابقها الثمانية والثلاثين فإن ذلك لن يؤثر في العالم بشيء.” وقال أحد المعلقين آنذاك “إن هذا الرجل (بولتون) ذاهب إلى الأمم المتحدة لتدمير ما تبقى منها.”

اما “مهندس” الحرب على العراق ريتشارد بيرل فيقول “لقد أوشك عهد الإرهاب الدولي الذي يتولاه صدام حسين على نهايته. سيتلاشى بسرعة لكن ليس بمفرده: سيأخذ الأمـم المتحدة معه في سقوطه. حسناً، ليس الأمـم المتحدة بأكملها. فسينجو جزء الأعمال الحسنة، ستبقى بيروقراطيات حفظ السلام القليلة الخطر، وسيستمر التفوه بالحماقات في المبنى الذي يلوح من الهدسون. ما يسموت في العراق هو فانتازيا الأمم المتحدة كأساس لنظام عالمي جديد.”

  1. الاتحاد الاوروبي:

لم يكن الاتحاد الاوروبي وليد تسعنيات القرن الماضي، بل مر بتطور تاريخي على ثلاثة مراحل. المرحلة الاولى عبر انشاء منظمات اقليمية تعاونية كالمنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي في 16/4/1948 المكونة من 16 دولة. والمرحلة الثانية ظهور نزاعات اتحادية لدول قوية اقتصادياً ادت الى انشاء المجموعة الاوروبية للفحم والصلب في 18/4/1951. اما المرحلة الثالثة فقد عرفت كثيرا من التنظيمات التي ادت في نهاياتها الى توقيع اتفاقية ماستريخت في 7/2/1992 التي حلت مكانها اتفاقية امستردام لتشمل دول اوروبا الشرقية (سابقاً) ودخلت حيز التنفيذ عام 1999.

  1. منظمة شنغهاي للتعاون:

وتضم ستة دول: الصين، روسيا، طاجيكستان، اوزباكستان، كازاخستان، وقرقيزيا. وتقع ابرز اهدافها في:

أ‌.       تعزيز سياسات الثقة المتبادلة وحسن الجوار ما بين الدول الأعضاء؛

ب‌.  تطوير التعاون الفاعل بينها في السياسة والتجارة والإقتصاد، والعلوم والتكنولوجيا والثقافة،وفي شؤون التربية والطاقة والنقل والسياحة وحماية البيئة؛

ت‌.  العمل على توفير السلام والأمن والإستقرار في المنطقة؛

ث‌.  العمل على تطوير وتقدّم الأفكار للوصول الى نظام سياسي واقتصادي عالمي ديمقراطي، عادل وعقلاني متوازن.

  1. مجموعة البريكس:

تضم مجموعة البريكس خمس دول من ذوي الاقتصادات الناشئة هي: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. وتضم دول البريكس حوالي 45 في المئة من سكان العالم، ومساحات جغرافية شاسعة، وثروات طبيعية هائلة، وطاقة إنتاجية قوية. وحسب إحصائيات العام 2010، بلغ إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول: الصين 5 تريليونات دولار ونصف، والبرازيل 2 تريليونات دولار، وكل من الهند وروسيا تريليون و600 مليار دولار، وجنوب أفريقيا 285 مليار دولار.

وخلال العام 2012، بلغ الناتج الإجمالي المحلي لدول البريكس مجتمعة نحو 13.6 تريليون دولار بينما بلغ مجموع احتياطي النقد الأجنبي لتلك الدول أربعة تريليونات دولار. أما متوسط نمو الناتج الإجمالي المحلي في المجموعة فقد بلغت نسبته 4%، فيما بلغ المؤشر ذاته في مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى 0.7%.

وتستحوذ الدول الخمس على نحو 18% من الاقتصاد العالمي بناتج محلي يقارب عشرة تريليونات دولار سنويا، كما تستحوذ على أكثر من 15% من إجمالي التجارة العالمية وأكثر من ثلث السوق العالمي. ومن المنتظر أن تتجاوز نسبة مساهماتها الإجمالية 50% من إجمالي النمو الاقتصادي العالمي بحلول العام 2020.

واحتل مشروع إنشاء المصرف الإنمائي الحيّز الأكبر من نقاشات دول البريكس، وهو مشروع يفترض أن يشكل منعطفاً حقيقياً في مسار سحب بساط السيطرة الاقتصادية حيث يساعد المصرف في التخلص من التبعية للبنك الدولي واحتياطي صندوق النقد وارتباط التجارة الدولية بالدولار الاميركي، ويفترض أن يبدأ المصرف الجديد عمله برأسمال قدره 50 مليار دولار بحسب الدراسات، أي 10 مليارات لكل دولة.

لقد استطاعت مجموعة البريكس خلال السنوات القليلة الماضية أن تصنع لنفسها مكانة شديدة الأهمية داخل المجتمع الدولي، فهي أسرع دول العالم نمواً حالياً وأقلها تأثراً بالأزمة المالية، يحكمها رابط مهم ترتكز عليه قيامه رفض الهيمنة الغربية على الاقتصاد والسياسة العالمية، وينعكس ذلك من خلال تبنيها لمواقف مشابهة طرحتها في القمة الأخيرة حول سوريا والملف النووي الإيراني وأفغانستان وقضايا الشرق الأوسط.

  1. خلاصة:

في الختام، يمكن تسجيل بعض الملاحظات:

أ‌.       خضوع المنظمات في عملها لارادات للدول القوية، كتشريع الامم المتحدة الحرب الاميركية على العراق عام 2003، اذ يعتبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546 الصادر في 7/6/2004 من أهم الأمثلة الحية على ذلك، فهو يقر بضرورة تشكيل حكومة عراقية إنتقالية موافقاً ضمنياً على الطريقة التي أُبعد بها النظام السابق اي استعمال القوة دون الرجوع اليها؛

ب‌.  قيام بعض الدول بتجفيف المصادر المالية للمنظمات من خلال عدم دفع متوجباتها المالية ودفعها الى فرض سياساتها عليها، مما يضعف عملها ودورها التي قامت من اجله. فعلى سبيل المثال، ذكر الأخضر الإبراهيمي –وزير خارجية الجزائر السابق- في تقرير للجنة الدولية التي شكلها الأمين العام عام 2000 وتقع مهمتها في إعداد تقرير شامل حول عمل الأمم المتحدة في حفظ السلام، أنه يجب “توفير الإعتمادات المالية المناسبة التي تمكّن عمليات حفظ السلام من الإضطلاع بمهامها، حيث تعاني إدارة عمليات حفظ السلام من نقص حاد في الموارد المالية، نتيجة تأخر دفع الدول أنصبتها للأمم المتحدة”؛

ت‌.  إنخراط بعض الدول في الاحلاف السياسية والعسكرية يضعف من قدرة هذه التنظيمات وتفضيلها (حلف شمال الاطلسي)؛

ث‌.  عدم اقتناع بعض الدول بجدوى بقائها في هذه التنظيمات والتفكير بالانسحاب منها خاصة وان اقتصادها يتحمل العبء الاكبر من النفقات في ظل ازمات مالية تعصف بعض الدول الضعيفة اقتصادياً. فاذا ما اخذنا الاتحاد الاوروبي مثلا، فان الاقتصاد الالماني يعتبر من اقوى اقتصادات

ج‌.    بروز الازمات بين الدول الاعضاء، وخصوصاً ما طرحته اليونان مؤخراً من تحضير ملف قانوني يطالب المانيا بتعويضات مالية نتيجة الحرب العالمية الثانية، آخذة بالمقولة “التاجر المفلس يفتش في دفاتره القديمة”، علماً ان الاقتصاد الالماني يعتبر أحد اقوى رافعات اقتصاد الاتحاد الاوروبي.

إن بعض الدول التي تتمتع بصفة مراقب في منظمة شنغهاي (الباكستان مثلا) أقرب إلى التحالف مع الولايات المتحدة منها إلى موسكو وبكين، وهو ما سوف يؤثر على عمل المنظمة في حال انضمام مثل هذه الدول اليها؛

أ‌.       ان المنظمة تضم دولا غير متكافئة مما يبقيها بعيدة عن تشكيل نواة مشروع قطب دولي؛

ح‌.    التنافس بين بكين وموسكو على الزعامة داخل المنظمة، ووجود خلافات بين البلدين بشأن قضايا التوسع الإقتصادي والسياسي الصيني في آسيا الوسطى.

أ‌.       أن العديد من الدول الناشئة تخشى من ان تؤدي مؤسسات بريكس الى ترسيخ هيمنة الصينيين المتنامي، الامر الذي حذا بقادة البريكس الى لقاء مع عدد من القادة الأفارقة شمال دوربان؛

ب‌.  فشل دول البريكس في تأسيس أجسام مشتركة ماليا، واعتبار المصرف المزعم انشاؤه سيبقى رمزياً، حيث اشارت مجلة فورين بوليسي عن الاختلاف الحاصل في نمو الدول الخمس، وابرز مثل على ذلك اقتصاد جنوب أفريقيا الذي لا يعد مصدر فائدة كبرى أو إنتاجية بعكس ذاك في الهند أو البرازيل، فاقتصاد روسيا (على سبيل المثال) وهو الأصغر بين الدول الاعضاء، لكنه يتفوق بأربع مرات على اقتصادها؛

ت‌.  هناك فروقات شاسعة في سلم أولوياتها؛

ث‌.  عدم وجود ترابط على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية؛

ج‌.    وجود تباينات متعددة على مواضيع اقتصادية، ابرزها الخلاف الروسي–الصيني حول تسعير النفط الروسي، وفرض الهند ضرائب على بعض السلع الصينية، واغراق الاسواق بالمنتجات الصينية بشكل كبير.

 

*باحث في الشؤون القانونية

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *