الرئيسية / دراسات / الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة أميركا في العراق

الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة أميركا في العراق

د. هيثم مزاحم

يحظى العراق باعتباره أكبر البلدان الخليجية العربية بأهمية كبرى في الاستراتيجية الإيرانية، بسبب المقوّمات الجيوسياسية والاقتصادية والبشرية المهمة التي يمتلكها، فالموقع الجغرافي والموارد الاقتصادية والبشرية مكّنته سابقاً من أن يصبح إحدى القوى الفاعلة في الإقليم وعنصراً اساسياً في تقرير التوازنات الإقليمية القائمة في المنطقة .من هنا يقوم هدف إيران الرئيس على تنفيذ اسراتيجيات متعددة من أجل تعزيز قدراتها كدولة إقليمية مسيطرة في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً في منطقة الخليج العربي.

الأهمية الاستراتيجية للعراق

يقع العراق في الطرف الجنوبي الغربي من قارة آسيا من منطقة تؤلف جزيرة العرب التي تعد نقطة الوسط للقارات الثلاث أوروبا وآسيا وإفريقيا. وعلى الرغم من أن العراق دولة شبه حبيسة إلا أن اطلالته على الخليج العربي من خلال شط العرب، أكسبته أهمية استراتيجية نابعة من أهمية الخليج العربي في الاستراتيجيات الدولية، بسبب طبيعة الدول المطلة والقريبة منه. إضافة إلى أن العراق يتمتع بمميّزات جيواستراتيجية مثل وجود أكبر احتياطي للنفظ فيه، وأنه حلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر المتوسط. كما تكمن أهمية العراق الاستراتيجية بسبب موانئه على الخليج كمرتكز اقتصادي وتجاري وخصوصاً في تصدير النفط والمواد الأولية العراقية.

كذلك فإن العراق يعد ثاني أعلى بلد في العالم العربي من حيث الموارد المائية التي يبلغ حجمها 44,1 مليار م3 في السنة بحسب احصائيات العام 2002. ويقع العراق من حيث النقل الجوي على أقصر الطرق التي تربط بين بلدان غرب أوروبا وبلدان جنوب شرق آسيا، مما يؤهله كي يكون مركزاً لمرور وهبوط الطائرات مما يدعم الاقتصاد العراقي.

ولا تقل الأهمية الاستراتيجية الاقتصادية للعراق عن أهميته الجغرافية، وخصوصاً الاحتياطي النفطي الضخم الذي يمتلكه العراق، والذي يعد الثاني في العالم بعد السعودية في مساحاته المكتشفة، وطبقاً لتقديرات حديثة فإن حجم الاحتياطي العراقي من النفط الخام يصل إلى 112,5 مليار برميل، أي ما يعادل 11 في المئة من إجمالي الاحتياطي العالمي.

كما يتمتع العراق بطاقات نفطية هائلة، فمن أصل حقوله النفطية الأربعة والسبعين المكتشفة والمقيمة، لم يستغل منها سوى 15 حقلاً.

والى جانب النفط يمتلك العراق احتياطات كبيرة من الموارد الطبيعية الأخرى كما هو الحال مع الغاز الطبيعي، الذي تشير آخر الإحصائيات الى أن كمية احتياطية وصلت في عام 2003 الى ما يقارب 109,5 مليار متر مكعب، إضافة إلى وجود معادن أخرى، كالزئبق والنحاس وغيرهما.

ويمتلك العراق إمكانات زراعية هائلة بسبب توافر مساحات شاسعة من الأرض الزراعية، فمجموع الأراضي القابلة للاستغلال يزيد عن 48 مليون دونم، لم يستغل منها سوى 12,3 مليون دونم.

إذاً العراق بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي واحتياطاته النفطية الهائلة ومساحاته الزراعية الشاسعة وموارده المائية، أصبح موضع اهتمام العديد من الدول الإقليمية والعالمية، مما أدى الى تعرضه لصراعات متعددة ولفترات طويلة بين هذه القوى المتنافسة.

أما الأهمية السياسية والأمنية للعراق فمردها إلى كونه يشكل ركناً أساسياً في الأمن القومي العربي والأمن الخليجي.

 

الرؤية الاستراتيجية الإيرانية تجاه العراق

تقوم الرؤية الإيرانية الاستراتيجية تجاه العراق على أسس وخلفيات عدة استراتيجية وسياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية ودينية وتاريخية وثقافية، لكن الأبرز هما الأساسان الاستراتيجي والديني.

فالعلاقات بين إيران والعراق شهدت خلال مراحل تاريخية مختلفة حروباً دامية، آخرها حرب الثماني سنوات(1980-1988) في القرن الماضي، إذ أنتجت الغزوات والفتوحات المتبادلة بين البلدين تاريخاً من العداء القومي والثقافي من جهة، واندماجاً وتفاعلاً ثقافيين وحضاريين من جهة أخرى. كما أسفر هذا الصراع التاريخي بين الدولتين أو بالأحرى بين الشعوب المختلفة التي استوطنت في كل من البلدين وحكمت أحياناً كلاهما، عن خلق مشكلات حدودية نتيجة حكم الفرس للعراق في فترات مختلفة وضم بعض مناطق عراقية إلى إيران، وكذلك نتيجة الفتح الإسلامي لبلاد فارس وانعدام الحدود القومية داخل الخلافة الإسلامية، وصولاً إلى الصراع العثماني ــ الصفوي، والذي شكل العراق إحدى أبرز ساحاته، ومعاهدتي أرضروم” التي ثبتت الحدود بين العراق وإيران، فحصلت الأخيرة على حق الملاحة في شط العرب، وضمت أراضٍ كانت تتبع تاريخياً للعراق إلى إيران.

وهكذا شكلت الخلافات الحدودية على هذه الأراضي وعلى شط العرب نواة الصراع العراقي ــ الإيراني في العصر الحديث، وعلى الرغم من توقيع نظام الشاه ونظام صدام حسين “اتفاقية الجزائر” التي أقرت بأن منتصف النهر في شط العرب هو خط الحدود بين إيران والعراق، إلا أنها شكلت ذريعة للحرب التي شنّها النظام العراقي البائد في العام 1980على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد قيامها. ولم يعد سراً أن خلفيات هذه الحرب دولية ــ إقليمية هدفت لاحتواء تأثيرات الثورة الإسلامية على محيطها وإشغال النظام الإسلامي وإنهاك قواه العسكرية وطاقته البشرية واستنزاف قدراته الاقتصادية والمالية، فضلاً عن احتواء العراق نفسه كدولة وشعب وطاقات بشرية وعلمية وإمكانات اقتصادية ومالية، بغض النظر عن تواطؤ نظام صدام حسين في هذه المؤامرة.

 

التهديد الاستراتيجي

ولا شك أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران في العام1979 قد شكل تغيراً جيواستراتيجياً في منطقة الشرق الأوسط، وقد شكّل العراق منذ حرب “الثماني سنوات (1980 ــ 1988)تهديداً استراتيجياً لإيران يوازي إن لم يفق التهديد الاستراتيجي للقوات الأميركية الموجودة في منطقة الخليج.

وكانت استراتيجية إيران خلال الفترة بين أعوام الحربتقوم على مواجهة العدوان العراقي المباشر عسكرياً، ومن ثم احتوء هذا التهديد بعد انتهاء الحرب وحتى عام 2003، في موازاة احتوائها للتهديدات الأميركية بالمواجهة المباشرة حيناً أو بالواسطة حيناً آخر.

وقد شكل سقوط نظام صدام حسين نتيجة الحرب الأميركية في العام2003 تغيّراً استراتيجياً آخر، أحدث انقلاباً في المعادلات الإقليمية من جهة، وغيّر التوازنات المحلية الطائفية والعرقية في العراق من جهة أخرى.

وعلى الرغم من أن سقوط نظام صدام حسين ــ كما سقوط نظام حركة “طالبان” في أفغانستان عام2001 ـــ قد أراح إيران من تهديد استراتيجي كبير، إلا أن الهاجس الاستراتيجي لإيران أضحى كيف تضمن عدم بروز نظام عراقي في المستقبل ــ وكذلك أفغاني ــ يشكّل تهديداً أمنياً لها من جهة، وعدم بقاء القوات العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان إلى أمد طويل وفي قواعد عسكرية دائمة، على غرار القواعد الأميركية في دول الخليج وفي دول أخرى في آسيا.

إذاً تكمن المصلحة الإيرانية في منع العراق من التحوّل مجدداً الى دولة قوية تناطح إيران وتحد من قدرتها على مدّ نفوذها وتحقيق أهدافها فى الإقليم، وذلك هو أبرز ما تعلمه الاستراتيجيون الإيرانيون من الحرب العراقية ــ الإيرانية .ويؤخذ على الاستراتيجية الإيرانية أنها اتسمت بالغموض بشأن بطبيعة الموقف من الاحتلال الأميركي في العراق ومن القوى العراقية التي تعاونت مع الوجود الأميركي في العراق، والتي كانت ولا تزال تتعاون مع إيران.

ويرى الكثير من الباحثين الغربيين والعرب أن إيران قد اعتمدت استراتيجية مزدوجة في العراق ما بعد سقوط نظام صدام حسين، فرحبت بقيام نظام عراقي جديد قائم على أسس الديموقراطية والانتخابات، تكون للأغلبية الشيعية حصة الأسد فيه، بما يضمن عدم انبثاق حكومة عراقية معادية لها تهدد تهديداً استراتيجياً من جهة، كما أن إيران تبني برنامجاً طموحاً وواقعياً قائماً على أسس قوية لممارسة النفوذ على نطاق واسع في العراق من أجل تحجيم قدرة المشروع السلطوي الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، فهي عملت منذ العام 2003، بسبب مخاوفها الأمنية الاستراتيجية من وجود 150 ألف جندي أميركي في جوارها في العراق وعشرات آلاف الجنود في أفغانستان ودول الخليج العربية ومياه الخليج وآسيا الوسطى، على إرباك الوجود العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان، خصوصاً مع بروز الخطاب الأميركي التصعيدي لإدارة جورج بوش ضد إيران وسوريا بعد احتلال العراق، وتهديد واشنطن بتغيير كلا النظامين.

يقول الباحثان الأميركيان جوزيف فلتر وبريان فيشمان في دراسة* لهما نشرت في تشرين الأول/أكتوبر 2008: “إن لإيران نمطين أساسيين لممارسة النفوذ، يتركز النمط الأول وهو الأكثر أهمية، في برمجة النفوذ السياسي من خلال تفعيل العلاقات التاريخية الوثيقة مع العديد من المنظمات الشيعية في العراق: (المجلس الأعلى، منظمة بدر، وحزب الدعوة)، أما النمط الثاني، فهو أن إيران تستعمل الحرس الثوري الإيراني وقوة القدس في تقديم المساعدات بشكل تدريب القوى شبه العسكرية والأسلحة والتجهيزات إلى مختلف المجموعات المسلحة العراقية، ومنها جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر والمجموعات الخاصة”. كما تبرمج إيران نفوذها في العراق من خلال العلاقات الدينية والاقتصادية مع الشعب العراقي.

ويتهم الأميركيون وكثير من الأنظمة العربية وبعض الجهات العراقية إيران بأن سياستها في العراق “مزدوجة”، فهي تدعو علناً إلى الاستقرار، في حين تعمل على عرقلة عمل الحكومة العراقية، من خلال رعاية الميليشيات المضادة لها، مشيرين بذلك إلى دعم “جيش المهدي” وبعض الحركات المسلحة للعرب السنة، وهي اتهامات تنفيها طهران وتقول إن لا دليلاً عليها.

ويقول جوزيف فلتر وبريان فيشمان إنه على الرغم من أن إيران احتجت علناً على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في سنة 2003، فإنها حثت حلفاءها العراقيين على مساعدة القوات الأميركية وتحضير أنفسهم للاستيلاء على السلطة من خلال العملية الانتخابية. ويتابع قائلاً: “مع أن حلفاءها السياسيين استولوا على السلطة في بغداد بمساندة الولايات المتحدة، فقد بدأت ايران بدعم تيارات الميليشيات المعادية للحكومة والمضادة للائتلاف الحكومي المتمثلة بجيش المهدي، وبعدها المجموعات الخاصة، وكلاهما اقتفيا أثر الاستراتيجية المعروضة من إيران لكي تثبت أنها وحدها قادرة على زيادة العنف في العراق وبعدها لكي تحصد النتائج الإيجابية وتستفيد منها حينما ينكمش العنف”.

 

الإنجازات الإيرانية في العراق

ويرى الباحثان الأميركيان فلتر وفيشمان أن إيران قد حققت ثلاثة انجازات كبرى في العراق هي:الإنجاز الأول هو الوضع الأمني غير المستقر ووجود المعارضة السياسية، مما يعني أن الولايات المتحدة ليست في موقف لتستعمل العراق كقاعدة لمهاجمة إيران. والواقع أن هذا إنجاز استراتيجي عملت لتحقيقه كل من إيران وسوريا، كل على طريقته ومن خلال تحالفاته، بهدف زعزعة استقرار قوات الاحتلال الأميركية والغربية في العراق، حتى لا تشعر الولايات المتحدة وحلفاؤها بالأمن والاستقرار وأنها حققت انتصاراً يدفعها إلى تكرار سيناريو غزو العراق باتجاه سوريا أو إيران.

أما الإنجاز الثاني فهو أن حلفاء ايران السياسيين ضمنوا المواقع العليا في الحكومة العراقية. ولعل هذا التوصيف الثاني غير دقيق تماماً، فلإيران حلفاء في النظام العراقي الجديد، كما لها خصوم فيه، ولخصوم إيران (الولايات المتحدة والسعودية وغيرهما)أيضاً حلفاء وخصوم داخل هذا النظام.وقد أثبتت الانتخابات التشريعية الأخيرة وما أفرزته من كتل نيابية، عدم دقة الاتهامات السابقة لإيران لجهة نفوذها داخل النظام العراقي من جهة، أو لجهة ولاء بعض الأحزاب السياسية المطلق لإيران، كما كانت تتهم.ففوز كتلة “العراقية” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي بكتلة من 90مقعداً وحصولها على دعم مطلق من السعودية ودول عربية أخرى، يشير إلى تنامي نفوذ هذه الدول وخصوصاً السعودية في العراق، بشكل يوازي نسبياً النفوذ الإيراني.كما أن خلاف “المجلس الأعلى الإسلامي العراقي” مع طهران وأطراف عراقية حليفة محسوبة على إيران بسبب رفض المجلس ترؤس المالكي للحكومة المقبلة، يبدد الاتهامات السابقة التي كانت تساق ضد “المجلس الأعلى” “وأطراف شيعية أخرى حول الولاء المطلق لإيران. فالتطوّرات الأخيرة وتجربة الحكومة العراقية خلال سبع سنوات، وخصوصاً الأحزاب الإسلامية الشيعية، أثبتت استقلال معظم هذه الأحزاب عن إيران، وعن الولايات المتحدةـ نفسها، على رغم من وجود قوات الأخيرة في العراق، ونفوذ إيران الذي لا ينكره أحد في بلاد الرافدين.

ولا شك أن تركيز الإعلام الدولي والعربي على النفوذ الإيراني في العراق، والاتهامات ذات الخلفيات المذهبية والقومية الشوفينية لها، قد عزّزت المبالغات بتأثير هذا النفوذ، بحيث تصوّر إيران وكأنها تدير المرجعية الدينية في النجف من جانب، والأحزاب السياسية والميليشيات الشيعية من جانب آخر، وتوجّه سياسات الحكومة العراقية من جانب ثالث إلى آخر المعزوفة. وقد بتا زاضحاً أن الشيعة العراقيين بمعظم مرجعياتهم الدينية وأحزابهم وتياراتهم السياسية لا يؤمنون بولاية الفقيه من جهة ومتمسكون بمرجعية النجف، وعلى رأسها المرجع الشيعي الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني، وبأنهم شديدو الفخر بشخصيتهم الوطنية وقوميتهم العربية ويرفضون التبعية لأية دولة سواء أكانت شيعية أو إسلامية أو عربية أو غربية.

أما الإنجاز الإيراني الثالث في العراق ــ في نظر الباحثين الأميركيين ــ هو أن الدستور العراقي ينص على إقامة دولة اتحادية بشكل موسّع، لأن قيام عراق غير مركزي سيكون أقل قدرة ليتحوّل الى قوة تهدد إيران.وهذا الأمر يحتاج إلى تدقيق فمن الطبيعي أن تطمح إيران في عدم قيام عراق قوي عسكرياً واستراتيجياً يهدد أمنها وينافسها في النفوذ الاستراتيجي في المنطقة، لكن قيام النظام السياسي الجديد في العراق على أساس النظام الاتحادي، كان مطلباً كردياً دعمته الولايات المتحدة الأميركية، التي لا ترغب بدورها في عودة العراق كقوة عسكرية تهدد مصالحها وحلفاءها في المنطقة.

وقد أدرك الباحثان الأميركيان فلتر وفيشمان هذا الأمر إذ يقولان في دراستهما الآنفة الذكر: “وعلى الرغم من كل نجاحاتها في العراق، فإن ايران تواجه حاجزاً صعباً ضد نفوذها في العراق”، مشيراً إلى أن المجلس الإسلامي الأعلى العراقي، الذي كان يعد سابقاً حليف إيران الأساسي، قد “أعلن علانية بأن آية الله العظمى علي السيتاني هو أهم مرجع ديني بالنسبة إليه، وبذلك باعد نفسه كمنظمة عن مرشد الثورة الايرانية آية الله علي خامنئي، الذي كان يعد في السابق المرجع الأعلى له.وفي الوقت نفسه فإن الميليشيات الموالية لإيران في العراق تتجه الى معارضة النفوذ السياسي الإيراني في العراق. ومقتدى الصدر وآخرون يرغبون بقبول التدريب والأسلحة الإيرانية، لمتابعة أهدافهم السياسية والدينية، ولكنهم يبقون معادين للنفوذ السياسي الإيراني ولذلك فهم حلفاء لا يمكن الاعتماد عليهم من قبل إيران”.

 

الأهداف الاستراتيجية الإيرانية

وهكذا فإن المفاتيح الأساسية التي تتحكم بالسياسة الإيرانية في العراق تتلخص بالأهداف الاستراتيجية التالية:

 

1ــ تتمثل الاستراتيجية الإيرانية الأساس في التأثير على الأحداث في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، في دعم حلفائها في النظام السياسي العراقي. ولذلك، دعمت طهران العملية السياسية والمسار الانتخابي في العراق منذ انطلاقهما، وكانت أول دولة تعترف بمجلس الحكم الانتقالي. وتُتهم إيران بأنها تسعىلاحتواء شيعة العراق من خلال الأحزاب الموالية لها واستخدامهم كورقة مقايضة في أي استحقاق إقليمي ودولي لتهدئة الوضع أو إثارته في العراق. كما يروّج في الإعلام الغربي والإسرائيلي والعربي المعادي لإيران بأن لدى طهران مشروعاً نووياً عسكرياً طموحاً وحلماً بإعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية والدولة الصفوية، لذلك فهي تسعى إلى أن تتخذ من العراق ورقة ضغط سياسية تساوم بها في الساحة الدولية. والواقع أن طهران تؤكد على الدوام أن مشروعها النووي سلمي ويخضع لإشراف ورقابة الوكالة الدولية للطاقة النووية، التي لم تتمكن حتى اليوم من

 

2ــ تحرص إيران على ألا تشكل الاتفاقية الأمنية الحالية بين العراق والولايات المتحدة الأميركية حول وضع القوات الأميركية في العراق وآية اتفاقية مستقبلية بين الدولتين وبين العراق وأية دولة أخرى، تهديداً لأمنها واستقرارها وبالتالي لنظامها، سواء من خلال بقاء قواعد أميركية في العراق تشكل تهديداً استراتيجياً دائماً، أو من خلال استخدام أراضي العراق وأجوائه ومياهه لشن حرب ضد إيران أو ضرب المنشآت النووية الإيرانية. وفي هذا السياق ثمة خشية إيرانية من استغلال إسرائيل لضعف الجيش العراقي في حماية أجوائه وحدوده، وخصوصاً ما يسرّب عن وجود إسرائيلي في إقليم كردستان، للإعداد لضرب المنشآت النووية الإيرانية أو للتجسس على إيران.

 

3ــ بسبب الانتماء المشترك لمذهب أهل البيت(ع) بين الإيرانيين وغالبية العراقيين، يحرص النظام الإسلامي في إيران على حماية الشيعة في العراق من القمع والاضطهاد والغبن مجدداً، على غرار ما عانوه خلال حكم صدام حسين وقبله، وصون حقوقهم السياسية وحرياتهم الدينية ومصالحكم الاقتصادية، وكذلك حماية المقامات الدينية في النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية، ودعم المرجعية الدينية والحوزة العلمية في النجف والمدن الأخرى. وهذا أمر طبيعي نتيجة العلاقات الدينية والثقافية بين العراقيين والإيرانيين والارتباط الروحي بين الإيرانيين والمقامات الدينية الشيعية في العراق، خصوصاً أن النظام الإسلامي في إيران يقوم على أساس مذهب أهل البيت(ع).وتتهم طهران من قبل خصومها بأنها تدعم المرجعية الشيعية والحوزة في النجف تمهيداً للسيطرة على قراراتها ومحاولة تحجيم دورها كي تبقى مرجعية قم هي المرجعية الأولى لشيعة العالم.

 

4 ــ تتهم إيران من قبل الأميركيين والبريطانيين بأنها تدعم بعض الجموعات المسلحة العراقية الشيعية والسنية من خلال قوة القدس التابعة للحرس الثوري الايراني التي ترعى تدريب وتسليح هذه المجموعات، ويزعم هؤلاء أن الأسلحة التي قدمتها إيران لها استعملت ضد القوات الأميركية والبريطانية والعراقية، ولا سيّما تلك القنابل الشديدة الانفجار المعروفة بالاختراقية. وقد أقدمت الحكومة العراقية على اتخاذ إجراءات صارمة ضد هذه الميليشيات خلال السنوات الأخيرة، وقد احتوت قدرة الإيرانيين على مقارعة القوات الأميركية والبريطانية داخل العراق، ولكنها لم تمنعها من ممارسة وتوسيع نفوذها على السياسيين العراقيين الذين تدعمهم، أو إرباك القوات الأميركية حينما ترغب في ذلك.

 

5 ــ تمتلك إيران استراتيجية متماسكة في العراق تتناسق فيها الجهود الديبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. ويرى الأميركيون أن النفوذ الإيراني في العراق قد يكون مفيداً حينما يكون قوة للاستقرار والنمو الاقتصادي، مشيرين إلى أن افواج الزوار الإيرانيين للعتبات المقدسة في العراق تدر عوائد جيدة، والتجارة عبر الحدود بين البلدين طبيعية وخلاقة، حيث يصل حجم الصادرات الإيرانية إلى العراق نحو عشرة ملياراتدولار هذا العام، فضلاً عن الاستثمارات الإيرانية في إنشاء محطات الكهرباء والمدارس والمستشفيات والفنادق وفروع لبنوك إيرانية في المدن العراقية.

كما تعتبر الدراسة الاستراتيجية الأميركية المذكورة أن وجود السياسيين العراقيين من الذين لهم صلات قوية مع ايران لا يعني بالضرورة انتقاصاً من السيادة والأمن العراقيين، لأن هؤلاء السياسيين سوف تكون مواقفهم معتدلة ومتوازنة ووطنية عراقية حينما تظهر النزاعات بين إيران والعراق. وقد توقعت الدراسة أن “يحتفظ بعض قادة “منظمة بدر” و”المجلس الأعلى” بعلاقات وثيقة مع النظام الإيراني الى مستقبل منظور، على الرغم من ان عناصر بدر والمجلس الأعلى، مثل بقية السياسيين العراقيين سوف يصبحون بشكل متزايد مستقلين عن إيران حينما سيرغمون على تنمية علاقات سياسية فعالة وسط العراقيين المشككين بالدور الإيراني في العراق، والعديد من القادة السياسيين ومنهم رئيس الوزراء نوري المالكي قد أظهروا إشارات واعدة بالإحباط من التدخل الإيراني في العراق، وحتى الإظهار القوي للاستقلال عن إيران هو تطّور إيجابي يعكس نضج العملية السياسية العراقية”.

 

6 ــ يتوقع الباحثان فلتر وفيشمان في دراستهما أن تحاول ايران الاحتفاظ بمجموعات مسلحة فعالة في العراق لأجل المستقبل المنظور، بغض النظر عن الوجه السياسي للحكومة العراقية أو الحضور العسكري الأميركي، وأن هذه المجموعات سوف تستخدم في الوقت نفسه، كحاجز ضد أي نشاط عدواني محتمل ضد الحكومة العراقية ولمتابعة أية قوات أميركية تبقى في العراق. ويشير المحللان إلى أن السيد مقتدى الصدر هو “شخص عنيد ومعارض مصمم للوجود العسكري الأميركي في العراق ولكن تاريخه كوطني عراقي متحمس وداعم قوي لحكومة مركزية عراقية، يعني أنه من المحتمل أن يكون سنداً قوياً ضد النفوذ السياسي الإيراني في العراق”.

 

7ــ يعتقد الأميركيون أن الاستراتيجية الايرانية تهدف الى طرد جميع القوات الأميركية من العراق، وأنه من أجل تحقيق ذلك الهدف، فإن إيران ستستهدف هذه القوات لتقويض البرنامج الأميركي في بلاد الرافدين.وبالنتيجة فإن أحد الأهداف الاستراتيجية الإيرانية حالياً هو وضع عقبات شديدة أمام أي هجوم أميركي على المنشآت النووية الإيرانية، تحت تهديد استهداف القوات الأميركية في العراق.

 

8ــ لا شك أن المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة في العراق أو في أماكن أخرى، ستقوي من مكانة القادة الإيرانيين المحافظين مع قواعدهم الشعبية، وحكومة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لا تخشى هذه المواجهة وربما تستعجلها بناء على قراءات غيبية لمسألة التمهيد لظهور الإمام المهدي من جهة، وحسابات داخلية شعبوية من جهة أخرى.

 

الاستراتيجية الأميركية لمواجهة إيران في العراق

 

أما الاستراتيجية الأميركية لمواجهة النفوذ الإيراني المتنامي في العراق فترتكز على:

1 ــ سعت الولايات المتحدة لمواجهة استراتيجية إيران المربكة لسياساتها وقواتها في العراق، بسبب دعم طهران لـ”جيش المهدي” والمجموعات الخاصة “المقاومة” الأخرى وجهودها السياسية لإضعاف الحكومة المركزية العراقية،من خلال إضعاف “جيش المهدي” وتفكيكه وضرب والمجموعات الخاصة المسلحة، ورافقتها استراتيجية احتواء النفوذ الإيراني في النظام السياسي العراقي. ولعل الدعم السعودي والعربي والأميركي لقائمة “العراقية” ذات الأغلبية السنية في الانتخابات الأخيرة يأتي في سياق هذه الاستراتيجية الأميركية لتقويض النفوذ الإيراني أو على الأقل إضعافه. ويحذر الاستراتيجيون الأميركيون الإدارة الأميركيةمن أن استراتيجيتها يجب أن تحدد بشكل واضح أي شكل من النفوذ والتأثير الإيرانيين يكون مقبولاً أو غير مقبول، وأنهإذا أغفلت الولايات المتحدة الجهود الإيرانية بتشكيل السياسة والمجتمع العراقيين، فإنها قد تعاني من قصور استراتيجي قاسٍ حتى إذا تقلص العنف في العراق.

 

2ــ تستخدم الاستراتيجية الأميركية جميع أشكال القوة الدبلوماسية والأمنية والعسكرية لمواجهة النفوذ الإيراني، “السلبي” من وجهة نظر واشنطن، في العراق. وتتضمن هذه الاستراتيجية جهوداً دبلوماسية فعالة لتنسيق الرد العربي ضد التدخل الإيراني في العراق، ومن ضمن هذه الجهود، المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع طهران (على غرار المفاوضات الأميركية ــ الإيرانية بشأن الملف الأمني في العراق).

3ــ تعمل واشنطن على تشجيع الوطنية العراقية المتزادية لدى الحكومة العراقية والأحزاب والجهات السياسية العراقية ودعم هذه الأطراف في عملية استقلالها وعدم خضوعها وتأثرها للنفوذ الإيراني، وذلك من خلال الدعوة إلى زيادة المحاسبة في الحكومة العراقية، والرد بشكل فعال على التسلّل الإيراني داخل هذه الحكومة من خلال الأحزاب الشيعية الحليفة لإيران. وإحدى الطرق لزيادة المحاسبة ــ التي يقترحا الباحثان الأميركيان فيشمان وفلترــ هي إرغام جميع السياسيين العراقيين بالتعرض المباشر للحساب أمام دوائرهم الانتخابية، سواء من خلال استعمال أعضاء محددين أو السماح للمصوّتين العراقيين بالتصويت للأفراد بدلاً من الاحزاب السياسية، والتشريع لزيادة الشفافية المتعلقة بالحكومة والأحزاب السياسية، الأمر الذي سوف يمكن السياسيين من حلفاء إيران من يكونوا أكثر استقلالية عنهم.

 

4ــ نصح الباحثان الأميركيانالإدارة الأميركية والحكومة العراقية بتقديم حوافز للتيار الصدري لكي يشارك في العملية السياسية العراقية. فهما يريان في السيد فمقتدى الصدر “شخصاً غامضاً ولا يمكن التنبؤ بخطواته التالية، ولكنه يعد رمزاً وطنياً عراقياً للملايين، ويجب أن لا تتسامح الولايات المتحدة مع عنف جيش المهدي، ولكنها يجب أن تحفز مشاركة الصدر في الحكومة العراقية، فمشاركته تخدم كوزن فعال ضد المجموعات التي تساندها إيران”.

 

5ــ استهدفت القوات الأميركية “قوة القدس” والحرس الثوري الإيراني ولوجستياته في العراق، وتحديد واستهداف المسؤولين والوسطاء الإيرانيين الذين يزوّدون الميليشيات العراقية مثل “جيش المهدي” والمجموعات الخاصة بالتدريب والأسلحة، وهو ما ظهر من خلال اعتقال القوات الأميركية لعدد من الديبلوماسين والمسؤولين الإيرانيين في العراق خلال السنوات القليلة الماضية.

 

6ــ تقترح الدراسة الأميركية الآنفة الذكر أن تدعم الولايات المتحدة برامج “الصحوات” من الشيعة لتشغيل المستويات الدنيا من “جيش المهدي” والمجموعات المسلحة الخاصة، وأن تسمح الحكومة العراقية والولايات المتحدة، في حالات محدودة، رسمياً للأعضاء السابقين من “جيش المهدي” والمجموعات الخاصة بالانتساب الى قوات الأمن العراقية ضمن برنامج مشابه للصحوات،وسيتطلب ذلك أشكالاً من معايير العفو المتكافئة.

 

7ــ كما توصي الدراسة الاستراتجية الأميركية الولايات المتحدة بزيادة مسؤولية إيران الدولية ومحاسبتها على النشاطات غير القانونية لها في العراق، والضغط على الحكومة العراقية كي تواجه طهران بالأدلة على نشاطاتها غير القانونية وتكشفها بشكل واسع أمام المجتمع الدولي.

8ــ تقترح الدراسة الأميركية أن تحدد مهام أية قوات تحتفظ بها الولايات المتحدة في العراق لتقليص القدرة الإيرانية على توجيه أي تهديد حقيقي لتلك القوات.

 

مستقبل الاستراتيجية الإيرانية في العراق

يرى بعض الباحثين أن مستقبل الاستراتيجية الإيرانية في العراق، مرتبط بمتغيرات داخلية ومؤثرات خارجية، وأن هذه الاستراتيجية تعيش حالة من التفاعل الشديد مع مشروعالعالمية الأميركي، خصوصاً وأن العراق اليوم يمثل نقطة ارتكاز لكل من المشروع الإقليمي لإيران ولهدفها في سيادة المنطقة الإقليمية المحيط بها، ومشروع الولايات المتحدة الذي يتمثل في القيادة العالمية لها والذي يعتبر تأمين مصالحها في ما يعرف “بقوس المصالح الأميركية” الممتد من منطقة الخليج إلى حوض بحر قزوين أمر حيوياً وأساسياً لتحقيق هيمنتها العالمية أو ما يسمّى القيادة الأميركية للعالم. وعليه فإن الاحتمالات المستقبلية للاستراتيجية الإيرانية تنحصر ضمن بوتقة هذا التفاعل ومن ثم ضمن تداعياته وانعكاساته، وذلك لأنا اليوم نعيش في مرحلة مفصلية من مفاصل التفاعل الأميركي ــ الإيراني في المنطقة، وأن صانعي القرار في كلا البلدين يمارسون لعبة غاية في الخطورة والأهمية، خصوصاً وأن النتائج التي من الممكن أن تترتب ستكون إما نصراً استراتيجياً لأي منهما قد يغيّر من طبيعة المنطقة وخصوصاً العراق، وأما هزيمة قاسية لأحدهما سيكون انعكاسها على المنطقة التغيير أيضاً.

ويتطلب نجاح الإستراتيجية الإيرانية في تحقيق هدفها الاستراتيجي في زعامة منطقة الخليج، إنجاز الأهداف التالية:

 

1ــ وصول جهات سياسية ذات علاقة طيبة مع إيران إلى سدة الحكم في العراق، وقدرة هذه الجهات على فرض حالة استقرار وثبات للأمن القومي العراقي، واستيعاب المعارضين بشكل يوفر أرضية صالحة للمصالحة الوطنية، مما يعيد العراق كياناً قوياً وموحّداً ذا علاقة استراتيجية مع إيران، يتمكن من خلاله من فرض أجندات معينة على التواجد الأميركي فيه.

2ــ تفعيل إيران لعلاقات التعاون بينها وبين الدول الإقليمية المؤثرة في العراق والمنطقة، مثل تركيا والسعودية وسوريا.

3ــ صياغة إيران لبيئة استراتيجية إقليمية تفرض على الولايات المتحدة أن تقدم خيار التفاهم مع إيران على خيار الهجوم العسكري ضدها، وذلك من خلال تأسيس حالة ردع، تجعل الإدراك الاستراتيجي الأميركي يرى أنه في حالة الهجوم على إيران ستكون الخسائر التي قد تتعرض لها الولايات المتحدة ومصالحها أكبر من المنافع التي قد تكسبها. ويشار في هذا السياق إلى أن إيران تمكنت من بناء حالة من الردع على المستوى التقليدي من خلال قدرتها على تهديد المصالح الأميركية في المنطقة، بدءاً من قدرات حزب الله العسكرية والصاروخية والأمنية في لبنان وتهديده للأمن الاستراتيجي الإسرائيلي، وصولاً إلى إمساكها بجزء كبير من الملف الأمني في العراق بواسطة حلفائها وأجهزتها السرية، وانتهاء بتهديد المصالح والقواعد الأميركية في دول الخليج العربية، إلى الدور إيراني في الأمن والاستقرار في أفغانستان. حيث يتوقع أن تلعب إيران هذه الأوراق الضاغطة في حال وجهت الولايات المتحدة ضربة لإيران.

4ــ وصول إيران إلى اتفاق مع القوى الكبرى(مجموعة الستة) حول برنامجها النووي السلمي ومسألة تخصيب اليورانيوم، وهي نقطة جوهرية جداً لوصول إيران إلى نجاح استراتيجيتها بصورة سلمية وإيجابية.

 

3- مواصلة إيران دعم القضية الفلسطينية ومساندة قوى المقاومة الفلسطينية، ما يترك أثراً إيجابياً في نفوس الشعوب العربية والإسلامية التي تعادي إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث يصبح الموقف الشعبي العربي والإسلامي متعاطفاً مع تطلعات إيران الإقليمية بوصفها سنداً يمكن الاعتماد عليه في تحجيم المخططات الإسرائيلية) والأميركية في المنطقة.

 

4ــ إن معظم الأنظمة العربية مرتبطة بتحالفات مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، وبعضها متحالف مع إسرائيل، وتتخذ مواقف معادية لإيران سواء بشأن دورها الإقليمي في العراق ولبنان وفلسطين والمنطقة، وكذلك بشأن مشروعها النووي، وقد انتقل هذا الموقف المعادي لإيران إلى الشعوب العربية، نتيجة الفتنة المذهبية في العراق ولبنان، وما يثار في بعض وسائل الإعلام العربية من تحريض على إيران واتهامها بتذكية هذه الفتننة ومحاربة أهل السنة في كلا البلدين. وعلى إيران أن تعمل على تغيير هذه الصورة السلبية من خلال سياسات معتدلة وذكية تجاه الدول والشعوب العربية، وإعلام قوي ومنفتح على العالم العربي وأهل السنة، في سبيل إعادة لحمة المسلمين في مواجهة المخططات الغربية والصهيونية.

 

أما في حال فشل الاستراتيجية الإيرانية في تحقيق أهدافها، وفقدانها لعناصر القوة التي تمتلكها أو فقدان هذه العناصر لخاصية التأثير في أوضاع المنطقة، وذلك عبر:

 

1ــ توجيه الولايات المتحدة ضربة لإيران يفقدها ميزة المبادرة والتأثير في المنطقة أو شنّها حرباً تسقط فيه النظام الإسلامي في إيران. وهذا الخيار وارد في حال فشلت المفاوضات الإيرانية ــ الأميركية بشأن العراق وأفغانستان والمشروع النووي الإيراني وقضايا المنطقة الأخرى في التوصل إلى صفقة كبرى.

 

2ــ قد تلجأ الولايات المتحدة والدول العربية المعادية للمشروع الإيراني إلى إفراغ عناصر التأثير الإيراني من محتواه من خلال سياسات وإجراءات تبدأ بمنع إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية وخصوصاً القدرة على تخصيب اليورانيوم، وبالتالي على إنتاج السلاح النووي، سواء من خلال العقوبات الاقتصادية الدولية والغربية، وصولاً إلى العزل السياسي الدولي والإقليمي لإيران وحلفائها.

 

3ــ إذكاء الاضطرابات الداخلية الإيرانية والتحريض الإعلامي ضد النظام الإسلامي واستغلال تردّي الوضع الاقتصادي وارتفاع نسب التضخم والبطالة والصراع الداخلي بين الإصلاحيين والمحافظين لإضعاف النظام وإفقاده شرعيته.

4. استغلال التنوّع العرقي داخل الجمهورية الإسلامية وإثارته من قبل الولايات المتحدة وتأجيج المطالب القومية للمكوّنات العرقية في المجتمع الإيراني كالآذريين والأكراد والبلوش والعرب ومدهم بالدعم المادي والعسكري للمطالبة بدور في تركيبة النظام السياسي أو لتحقيق نوع من الحكم الذاتي أو الانفصال.

لا شك أن هذه السيناريوهات والخطط ستقابلها إيران بخطط مضادة تتمثل في التصدّي العسكري والأمني لعمليات العنف المسلح والإرهاب والشغب الداخلي، والتشديد على المعارضة بجميع أطيافها، وزيادة التعبئة الإسلامية للجماهير الإيرانية، بهدف الحفاظ على النظام لإسلامي ومرتكزاته الدينية وخصوصاً ولاية الفقيه.

 

* دراسة أعدها الباحثان اجوزيف فلتر وبريان فيشمان” الاستراتيجية الإيرانية في العراق” لـ”مركز محاربة الإرهاب” في “ويست بوينت” في الولايات المتحدة الأميركية.

 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *