الرئيسية / دراسات / أوباما وسياستهُ الذكية في المنطقة العربية ..العراق أنموذجاً

أوباما وسياستهُ الذكية في المنطقة العربية ..العراق أنموذجاً

د. سيف الهرمزي * – خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط –

قبل البت في حديثنا عن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما الذكية تجاه المنطقة العربية بشكل خاص ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وتقييم الأداء الاستراتيجي وما هي اهم الملامح التي ترتكز عليها لتحقيق التغيير المنشود في المنطقة، وصولاً للحديث عن التدخل الأميركي المباشر في العراق كأنموذج مهم لإعادة تشكيل السياسات ومراجعة للأفكار والافعال وفق رؤية تختلف عما كانت عليه منذ انطلاق ما يسمى بـ(الربيع العربي)، فانه يجب التأكيد والتنبيه ان مقالتنا تعتمد الواقعية وتتجرد من اي اتجاه ، لان العاطفة توقع الباحث في محيط ذاته وبيئته التي ترعرع فيها .. وبعد هذه الاستهلال المتواضع . كثر الحديث والخطل والمماحكة فيما يتعلق بالأداء الاستراتيجي الاميركي وبالتحديد “ادارة الديمقراطيين المتمثلة بإدارة “باراك اوباما” ، فهناك من اتهمه بالضعف وهناك من واكد انه افقد اميركا هيبتها وبريق سياستها الخارجية ، لا سيما في التعامل مع قضايا مختلفة كالتغيير في سوريا و ليبيا والعراق او اوكرانيا ، وما يهم تناول مشروع القوة الذكية في المنطقة العربية بشيء من التبسيط والتركيز على العراق كمتغير مهم في المنطقة العربية لا بل منطقة الشرق الاوسط .
لا يخفى على احد ان ما مرت به المنطقة العربية بما يسمى (بالربيع العربي)، وارتدادات رياح التغيير على المنطقة ككل . اشرت تغييراً دولياً كان له صدى ضخماً على كافة المستويات ، اربكت القوى الكبرى المتنافسة من جهة والانظمة في المنطقة العربية بمختلف اشكالها، وبالفعل فان زمام المبادرة والاستجابة للأحداث المهمة في المناطق والبؤر الاستراتيجية تتقدمها القوى الكبرى كالولايات المتحدة الاميركية وغيرها من الفواعل الدولية في النسق الدولي. وكان للولايات المتحدة الاميركية ردود فعل متباينة في كل تغيير في بلدان( الربيع العربي)، ولكن ما يميز الاداء الاستراتيجي الأميركي الاعتماد على تكنيك وتكتيك جديد يختلفعما عهد على الولايات المتحدة الأميركية،وعلى وجه الخصوص فيما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وتفردها بالنظام الدولي ، كقطب اوحد يتربع قمة الهرمية الدولية .
هذا التكتيك والتكنيك الاستراتيجي الاميركي الجديد ولد من رحم مفكريها “جوزيف سي ناي” وارميتاج ” تحت مشروع عرف”بنظرية القوة الذكية”، الذي يعد من اهم التحولات في مسار الاستراتيجية الاميركية، ولكنه لا يخلو ان يكون حلقة متواصلة مع الحلقات السابقة للاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة للحفاظ على الهيمنة، ولكن بما يتوافق مع ظروف المرحلة التي افرزتها مخرجات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرينبعد اخفاق القوة العسكرية-القوة الخشنة- في ادارة “بوش الابن ” من تحقيق النتائج المرجوة في حربي العراق وافغانستان، بالإضافة الى الازمة الاقتصادية التي افرزت متغيرات جديدة ادت الى تراجعها . كل هذه العوامل ساعدت باتجاه بلورة افكار وافعال تتناسب مع طبيعة النسق الدولي او العالمي بفواعله الدوليين وغير الدوليين .
وكانت اولى المحطات او حقل التجارب لمشروع القوة الذكية Smart power، المنطقة العربية . وان كانت انطلاقة الثورة التونسية او (ثورة الياسمين)* عفوية الا ان حقن الطبقات الثائرة بمادة التغيير كان سابقاً عبر القوة الخفية التي يطلق عليها القوة الناعمة Soft powerالتي تمتلك الولايات المتحدة الاميركية ادواتها ومفاتيحها، اهمها شبكة المعلومات الدولية الانترنيت (الفاعل الرقمي) وكل وسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بها ، ووسائل الاعلام والاتصال المختلفة .
اما اولى المحطات في المنطقة العربية التي نفذت فيها القوة الذكية فكانت الجماهيرية الليبية، وقبل الخوض في سبر التغيير في ليبيا فانه من المهم تفسير ماهية القوة الذكية؟، واذا ما اردنا تبسيط تعريفها (فهي تعبيرعن منسجم كلي للقوة الشاملة يعتمد على مرتكزات ثلاث متمثلة بالقوة الناعمة الثقافية والقوة الصلبة الاقتصادية والقوة الخشنة العسكرية) .ويمكن قراءة التغيير في ليبيا من خلال أدوات القوة الذكية من زاويتين الأولى:مقتربات القوة الذكية ودورها في تحديد مسار التغيير وفرض شروطه ،فقد استخدمت كل أدوات القوة الناعمة الانترنيت ووسائل الاعلام العربية والاجنبية لدعم القوات والكتائب المناهضة للرئيس “معمر القذافي”، اما الوسائل الاقتصادية يمكن ادراجها على عجالة، وقف الدول الاوربية واميركا وحلفائهم عن استيراد النفط الليبي، وتجميد ارصدة العائلة الحاكمة والمسؤولين المقربين من الرئيس الليبي ، وبالقابل الدعم المالي للجماعات المسلحة المعارضة لنظام “معمر القذافي”، اما الجانب العسكري فهو الركن الرئيس الذي أدى الى تحقيق التغيير المنشود ، فكان لقرار مجلس الامن من فرض حظر جوي تحت عملية سميت (فجر أوديسا) في ليبيا بحجة حماية المدنيين من انتهاكات الكتائب الموالية للقذافي، وقد اقامت الولايات المتحدة الاميركية هذا الحلف الدولي تحت قيادة الناتو ، وكان التدخل الاميركي غير مباشر وانما عبر حلفائه الغربيين ، وما يهم ان محصلة التغيير عن بعد قد اتى وفق ما ترنو اليه الولايات المتحدة الاميركية ، وقد افرز هذا المخاض الكبير لمركبات القوة الذكية الى نهاية حكم دام اكثر من (44) عاماً، وبدء مرحلة انتقالية لسنا بصدد الخوض فيها لتعدد الاتجاهات والمالات .اما الزاوية الاخرى التي يمكن اعتبارها “الجهة المستجيبة للتغيير” فإنها المتضرر الاكبر وهي الشعوب، لان القوى الكبرى كالولايات المتحدة الاميركية هي صانعة التغيير والمستفيد في كل الاحوال . وبعيداً عن هذا الجدل. فقد جرت عجلة التغيير بسرعة كبيرة في المنطقة العربية وكان لكل دولة نمط معين فاليمن اتسم(التغيير بالاحلالي)وذلك من خلال إحلال رئيس اخر محل “علي عبد الله صالح، وكان التغيير في مصر (احلالي بتكنيك التأخير) الذي عبرعنه بتغييرين الاول اسلامي والثاني عسكري اعاد الواجهة المصرية كما كانت ان لم يكن الى الوراء . اما سوريا فخرجت مسارات التغيير فيها الى اتجاهات اخرى تحت حسابات مختلفة دولية واقليمية. وكان للتغيير في سوريا الذي لم ينتهي ارتدادات كبرى على المنطقة. اذ كانت الماكنة التي عززت من قوة الجماعات الاسلامية التي توصف بالراديكالية او الاصولية (كتنظيم الدولة الاسلامية –داعش- ،والنصرة ) وفي الجهة الاخرى (حزب الله اللبناني وجماعات اخرى). وبالتالي انتقل الربيع الى خريف وصيف حار على الشعب السوري بشكل خاصة والشعوب العربية التي طالتها رياح التغيير .
ان اهم ما افرزته الثورة او الازمة السورية خلق ثنائيات للعنف في المنطقة تحت اسس مختلفة تتقدمها الخلافات الطائفية والمذهبية ما بين (السنة والشيعة ).. تدير تلك الخلافات قوى مختلفة اقليمية كالسعودية وقطر وتركيا من جهة وايران من جهة اخرى . ليبقى العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط في داومة مستمرة من العنف (كما أتت امة لعنة التي قبلها) لاعتمادها على مسالة (الثار) والغار مفهوم العف والصفح عما سلف، واذا ما تساءلنا قبل الولوج في خلجات مخرجات السياسية الاميركية تجاه الازمة في سوريا ، لماذا لم يحصل التغيير وتكتمل اطره المرسومة التي طالت اكثر من ثلاث اعوام ؟؟
للإجابة على هذا التساؤل. فإننا في استهلال حديثنا عن ما يعرف بـ ( ثورات الربيع العربي) قلنا ان اميركا قوة براغماتية كغيرها من القوى الكبرى والدول الواقعية لا تهتم للدماء التي تسيل ولا للشعوب التي تقتل، وان شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان تبريرية نفعية ، تصب بالمحصلة الى تحقيق الاهداف القومية العليا للولايات المتحدة الاميركية والقوى المتصارعة او المتنافسة من جهة اخرى .. فعلى سبيل المثال لا الحصر فان اميركا وروسيا يتقاسمان الادوار في تحريك الاحجار على رقعة الشطرنج في سوريا ان صح التعبير ، كل يريد ان يحسم النصر لصالحه. اما ماهي الجائزة فان كلاهما يقامر بمقدرات الغير دون ان يخسروا جندي واحد … هذا المعطى يؤشر الى مدى وعي تلك القوى في تحصيل مكاسبها ، وفي المقابل مدى الجهل والسذاجة ان صح التعبير الذي تتمتع به الانظمة الحاكمة في المنطقة العربية .
بينما زجت خصومها التقليدين في المنطقة في معركة استنزاف طويلة، فقد تدخلت ايران بشكل مباشر في الازمة السورية وكان لها اثار سلبية على اقتصادها حيث انها خسرت اكثر من عشرة مليارات دولار منذ اندلاع ال(لثورة السورية)، كما انها فقدت ما يقارب (75%) من قيمة عملتها ، الى جانب أسباب أخرى تتعلق بالحصار الاقتصادي الدولي. كذلك قد استنزفت حزب الله اللبناني في معارك لا تنتهي مع مسلحي المعارضة وجماعات راديكالية أخرى، مما جعلها تخسر بشرياً اكثر مما خسرته في حربها مع (إسرائيل) منذ 17 عاماً، الى جانب الخسائر المادية والمعنوية ، كما ان المكسب الكبير ان -العدو الأول للمنطقة -لم يعد (إسرائيل) مما حقق الامن النسبي لها من هذه الجبهة.

president2009

ولا غرو نجد ان الحرب في سوريا التي يصعب تحديد معالمها قد كان لها انعكاس على العراق في احد جوانبه، فقد كان (لتنظيم الدولية الاسلامية-داعش-) ارض يمسكون بها(الرقة-سوريا) اعطتهم القوة للتمدد الى الارض الهشة والخصبة ، ونقصد بهاتين العبارتين الهشة من الناحية الامنية والمعالجات، والارضية الخصبة لاستقطاب واقناع المناطق التي دخلوها او سيدخلونها، من خلال اعلامهم الموجه، جاءوا لنصرتهم وتخليصهم من الظلم تحت شعارات طائفية)، والتي قابلها اعلام طائفي من الطرف الاخر، سواء اكان في العراق او سوريا، وكانت المشهد في العراق ، لاسيما المناطق السنية مهيأة بشكل كبير لهذا الخطاب، بسبب رفض ممارسات الحكومة المركزية في بغداد المتمثلة بشخص رئيس مجلس الوزراء “نوري المالكي”، وذلك لأسباب كثيرة يمكن اجمالها بالتالي :
1- ان من بين اهم المشاكل التي ادت الى تفاقم الوضع الامني في العراق والتي ادت الى هذه الفوضى ، حل الجيش العراقي والاجهزة الأمنية بعد احتلال العراق عام 2003. اذ تسرب معظمهم بدون عمل مما خلق فجوة كبيرة وعزز من انتقالهم الى الجماعات المسلحة بمختلف فصائلها . وعززمن الفجوة ما بين شريحة كبيرة من الشعب والحكومة .
2- تسيس قانون اجتثاث البعث، هذا القانون جاء كسلاح دستوري استخدمه “المالكي” في اقصاء الخصوم والتهديد والتلويح به ضد من يعارضه ، والحقيقية انه هناك الكثير من القيادات البعثية موجودة في مراكز متقدمة وامنية في الحكومة العراقية، على سبيل المثال : القيادات العسكرية :رشيد فليح السامرائي ،علي غيدان ، عبودقنبر، قاسم عطا،صباح الفتلاوي، ناصر الغنام ، ونواب في البرلمان منهم: علي الشلاه، حنان الفتلاوي، ورئيس مجلس القضاء الاعلى مدحت المحمود، والقائمة تطول .
3- الاعتقالات العشوائية من قبل الأجهزة الأمنية وفق المادة (4) إرهاب ، كانت من اهم الأسباب لتوسع فكر(تنظيم الدولة الإسلامية )، لأسباب كثيرة منها ان معظم المعتقلين اعتقلوا بوشاية المخبر السري، وكثير ما تحدث الاعتقالات بجريرة الغير، وان الأشخاص الذين يعتقلون لسنوات طويلة يكونوا على استعداد لتقبل الفكر الذي ينصرهم ويدافع عنهم مهما كان نوعه وفعله بمرور الزمن، مما جعل من السجون والمعتقلات الرحم الذي تولد منه أفكار (القاعدة او ما يعرف اليوم تنظيم الدولة الإسلامية ) ، كما لا يفوتني ان اذكر ان هناك الكثير من الممارسات غير الإنسانية والالفاظ الطائفية والتعذيب من قبل بعض منتسبي في هذه السجون والمعتقلات أدت الى تعضيد هذا الفكر وتوسعه .
4- هيكلة الصحوات بصورة مختلفة منها وفق إجراءات حكومية وأخرى عن طريق اتهامهم بالإرهاب ، لان معظم هؤلاء كانوا ينتمون لجماعات مسلحة قارعة الاحتلال الأميركي آنذاك. هذا الاستبعاد أدى الى خلل وضعف في مواجهة (تنظيم الدولة الإسلامية) لانهم من نفس البيئة التي يعيشون فيها .
5-بعد خروج اخر جندي اميركي من العراق بعد 31\12\2011 بدا رئيس مجلس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة “نوري المالكي” بمحاربة خصومه وتصفيتهم وبالتحديد ما يعرف بـ(سياسيو السنة) والمناوئين له من (الشيعة) تارة اتهامهم بالإرهاب او الفساد وتارة اخرى بالاستبعاد .. منهم (طارق الهاشمي نائب رئس الجمهورية ، ورافع العيساوي وزير المالية واخرهم النائب في البرلمان العراق احمد العلواني “. مما اثار حفيظة (المناطق السنية) وكانت الشرارة الاولى لانطلاق التظاهرات .
6- لم يتعامل “نوري المالكي ” مع التظاهرات بالأساليب السياسية والحلول الدبلوماسية ، ولم يستجيب للمطالب ، بل بالعكس واجهها بالاتهام بالإرهاب والعمالة للخارج والاجندات الاقليمية ، بل وتمادى الامر الى استخدام القوة العسكرية كما في الفلوجة والحويجة والموصل.
7- متاجرة بعض (سياسيو السنة) وبعض زعماء العشائر السنية وبالتحديد (زعماء عشائر الانبار) بقضايا للسنة لمكاسب شخصية او لأجندات إقليمية لا يتسع المجال لحصرها في هذه المقال، مما اطال من مدة الجدل بين الحكومة وهذه المناطق .
8-ازدادت الازمة في العراق واستمر “المالكي”بإقصاء كل من يعارضه ومن لا يتقبل اوامره او الانصياع له ، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم اتهام “سنان الشبيبي” محافظ البنك المركزي بالفساد واستبعاده ، وسجن نوابه الدكتور “مظهر محمد صالح” الذي خدم في البنك المركزي لأكثر من (40) عاماً ولنفس السبب ..
8- من بين المسائل التي شكلت اخفاقاً وضعف في الأجهزة الأمنية العراقية في مواجهة التحديات الأمنية التي لم تهدا منذ 2003 ، ان وزارة الداخلية والدفاع والامن الوطني والمخابرات تدار بالوكالة، وان الملف الأمني وكثير من الأجهزة الأمنية الاخرة مثل –سوات– وقوات مكافحة الإرهاب مرتبطة بشكل مباشر بشخص رئيس الوزراء السابق “المالكي” والتي تعد القوة الضاربة له . فضلاً عن ضعف هذه القيادات التي اتهمت معظمها بالفساد المالي والإداري.
9- خسر المالكي محيطه العربي بشكل كبير ففي كل يوم يتهم دولة بدعم الارهاب ، تارة سوريا قبل ان يتغير موقفه ابان (الثورة السورية)، وتارة اخرى قطر والسعودية وحتى تركيا . مما جعله يبقى في زاوية واحدة وهي ايران رغم التحذيرات الاميركية .
10-دخول “المالكي” بحرب مع الفلوجة التي يمكن ان اسميها-اي الحرب- الشعرة التي قصمت ظهر البعير، والتي تعد نوع من الانتحار السياسي والعسكري ، لأننا في عالم اليوم لا يمكن ان نحل جميع المشكلات بالقوة والعنف، لاسيما ان انطلاقتها كانت لمحاربة الارهاب في صحراء الانبار، وكما هو معرف فان العنف يولد العنف. بيد ان الحقيقية ان المعركة اتجهت لضرب معقل التظاهرات (السنية)، والتي كانت السبب الرئيس لاستقطاب (تنظيم الدولة الاسلامية) وجماعات اخرى .
11- في يوم 7 حزيران 2014 حذرت الاستخبارات الأميركية الحكومة المركزية في بغداد وحكومة اقليم كردستان ، من تحرك كبير لأكثر من مائتي عجلة متجه من سوريا الى العرق -الموصل- ، بيد ان الحكومة المركزي لم تستجيب لنشر القوات او التقدم تجاه المناطق الحدودية كما اشارت اليه وكالة الاستخبارات المركزية .
12- في 10 حزيران 2014 تغيرت المعادلةوتأكدت الفرضية ان الوضع السوري وسياسات المالكي الخاطئة في مختلف اتجاهاتها كان له الأثر في هذا الانهيار الدراماتيكي، وذلك بسقوط مدينة الموصل بكاملها وتمدد ذلك الى اجزاء من صلاح الدين وكركوك وديالى والانبار ومناطق من بابل وحزام بغداد بيد (تنظيم الدولة الإسلامية) .
13- بعد سيطرت (تنظيم الدولة الإسلامية) على اجزاء واسعة من العراق -رغم ان بعض وسائل الاعلام تقول انهم (ثوار عشائر) – الا ان الحقيقية التي لمسناها على ارض الحدث، انهم اذا وجدوا على الأرض فانهم لا يشكلون سوى 10الى 15% في احسن الحالات، وليس هذا ما يعنيننا، وانما المهم الحلول العراقية في ظل ولاية المالكي التي قامت بنشر المليشيات والحشد الشعبي تحت ذريعة الجيش الرديف .. هذا الامر خلق عنف متزايد … مما صعب من الحصول على النتائج .. فان العنف الذي تستخدمه (الدولة الإسلامية) ضد الطائفة (الشيعية) ، يقابله عنف مضاد للطائفة (السنية)، فالقوات من الجيش المتبقي عندما تتقدم الى اي منطقة يسيطر عليها التنظيم مدعوم بالمليشياتوالحشد الشعبي يقوم بحرق البيوت وقتل الرجال تحت دواعي طائفية كما تقتل (الدولة الاسلامية) على اسس طائفية، وهذه دوامة لا تنتهي العنف والعنف المضاد ، كما ان الفعل يترك اثراً اكثر من الفعل نفسه ..
المحصلة من كل هذه النقاط ان (العرب السنة) هم الحلقة الاضعف في هذا الميدان، فهم بين اكثر من مطرقة والسندان، فمطرقة (تنظيم الدولة الإسلامية)، ومطرقة المليشيات، ومطرقة الاجهزة الامنية الحكومية، وسندان (سياسيو السنة) المتواجدين في الحكومة الذين لا يستطيعون حماية انفسهم، بل ان الكثير منهم يتاجر بقضاياهم لمصالحه الشخصية.. فكيف لهم ان يقدموا الحماية لمن صوت لهم … بل ازداد حال (سُنة العراق) سوءاً ، عندما تقدمت (الدولة الإسلامية-داعش) الى سهل نينوى والاستحواذ على الى اغلب مناطق سهل نينوى التي يقطنها خليط كبير من الاقليات الى جانب الكرد ، من المسيح والأزديين ، والشبك ،…الخ ، حتى وصولهم الى تخوم اربيل عاصمة كردستان من خلال السيطرة على قضاء مخمور وباتوا على مسافة (10) كم من اربيل… هذا الحدث كان له اثر سلبي على (العرب السنة)، لا سيما وان التنظيم قد تم حسابه على (السنة العرب) على وجه الخصوص – فإقليم كردستان كان الملاذ الامن لهم من بطش كل القوى المتصارعة، بالرغم من ذلك فقد تعرضوا الى مضايقات محدودة، تم معالجتها من قيادات الاقليم التي لها ابعاد اكبر من الحفاظ على الإقليم نفسه ، تتمثل بالبعد الإنساني الذي يحقق الكسب والدعم الدولي، وكانت ثماره واضحة من خلال التحرك العسكري الاميركي الذي اخذ سبات طويل، وذلك عبر ضربات جوية عسكرية ضد تقدم عناصر (تنظيم الدولة الإسلامية) الى اربيل.

Mideast Iraq Anbar Advisers

ومن هذا الحدث جاءت الاحداث متسارعة فالحكومة المركزية غارقة بالأزمات الامنية وبالحلول الفاشلة واصرار “المالكي”على عدم دستورية ترشيح “حيدر العبادي” الى رئاسة مجلس الوزراء، وانكسار قوات البيشمركة امام تقدم (الدولة الاسلامية) التي استولت على معدات عسكرية وعتاد حديث لثلاث فرق عسكرية ، مما جعلها تمثل خطراً كبيراً وتهدد الامن الاقليمي والدولي، هذا التمدد يمكن ان نرجعه الى تأخر الاستخدام العسكري ضد “نظام بشار الأسد” بالوقت المناسب، كما ان قوة (الدولة الاسلامية لم تتعرض لأي ضربات قوية تشتتها)، كل هذه المتغيرات التي عصفت بالمنطقة واخرها العراق..جعلت من الولايات المتحدة الاميركية تخرج عن صمتها وعن صفة الحرب عن بعد الى التدخل المباشر حتى في الحياة السياسيةالعراقية .ويمكن اجمال التحرك الاميركي بعد احداث العراق بلاتي :
1- صرح الرئيس “اوباما” ان التدخل في كردستان سيكون محدود عبر الضربات الجوية لحماية رعايانا. توسعت العمليات الأميركية الى خارج الإقليم بعد الاطمئنان من سياسة العبادي المعتدلة التي حصلت على تأييد محلي واقليمي ودولي.
2- اكد الرئيس “أوباما” ان الطلعات الجوية لن تتجاوز حدود اقليم كردستان.الا اذا تم تشكيل حكومة يكون (للمكون السني) تمثيل حقيقي . وقد حصل ذلك بالفعل بعد تشكيل الحكومة برئاسة العبادي.
3- اعطى الرئيس “اوباما” رسالة الى “حيدر العبادي” عبر اتصال مباشر، تؤكد على انه من الممكن التدخل في دعم الجيش العراقي، في حال استنساخه للتجربة الكردية في التعامل مع الأقليات والطوائف.
4- هدد الرئيس الاميركي “اوباما” بان على العراقيين-يقصد السياسيين- تشكيل حكومة تستطيع ان تخرجهم من هذا المستنقع والا (فالذئب على الباب) موضوع حديثنا . وهو ما دفع الجميع من مختلف المتنفذين في تحريك مجريات الساسة العراقية الى القبول بالحكومة وشروطها .
ومن هذه النقطة سأنطلق في تفسير وتحليل ما تحمله من معاني ،(فالذئب)هي العصا التي استخدمها الرئيس الاميركي لتهديد من يتسلم الحكومة الجديدة في العراق ،بان يلتزم بما يتوافق وتطلعات الولايات المتحدة الاميركية لتحقيق الاستقرار وارضاء جميع المكونات. اما الجزرة التي هي الشق الثاني من القوة الذكية الأميركية تمثلتبالدعم العسكري عبر الضربات الجوية التي يمكن ان تقدمها لتوقف زحف –(تنظيم الدولة الإسلامية) وتضييق الخناق عليهم ، بل انه اكد انه مستعد لوضع خطة طويلة المدى لمكافحة الارهاب تبدأ من سوريا والعراق ، ولا يخفى على احد ان المقصود بالذئب (تنظيم الدول الاسلامية)، وهو يعطي صورتين:الأولى: لا اتفق معها لأنها لا تخرج عن دائرة نظرية المؤامرة ، التي تفسر بان هذا التنظيم هو صناعة أميركية تستخدمه متى ما تشاء ، وما يؤكد وجهة نظري برفض هذا التصور، ان هذا التنظيم يستهدف الجميع ولا يستثني احد تحت طائلة (من ليس معي فهو ضدي)، وحتى الجماعات السنية الأخرى، لاسيما بعد اعلانهم الخلافة واجبار الجماعات الأخرى على مبايعتهم او الحرب، كما ان الولايات المتحدة تتعرض مصالحها ورعاياها بين الفينة والأخرى للخطر، وكان اخرها قتل الصحفي الاميركي في نهاية شهر اب من عام 2014، والتهديد بقتل اخر اذا لم تتوقف من دعم الكرد عسكرياً ، اما الصورة الثانية: وهي التي اميل اليها ان إدارة “أوباما” وفق رؤيتها منذ اول يوم من تسلم إدارة الحكم اكدت على سحب الجنود الأمريكان من العراق وأفغانستان ، بسبب الإخفاق العسكري في تحقيق مكاسبه لا بل انعكاساته السلبية في مختلف الصعد والذي اثر على الهيمنة الأميركية على النظام الدولي ، ومن هذه المنطلقات اكدت الإدارة الأميركية بعدم التدخل عسكرياً ضد أي توتر وان إدارة التغيير ستكون عبر القوة الناعمة وعن بعد ومن خلال الحلفاء الدوليين والإقليميين وهذا ما كان واضحاً في أدائه الاستراتيجي في الدورتين، هذا الأداء الاستراتيجي بشكله الكلي ، أتاح وأعطى الفرصة للخصوم الدوليين والاقليمين وبالوقت نفسه عزز من قوة الفواعل من غير الدول منهم –تنظم الدولة الإسلامية – وغيرها الى التوسع والتمدد والتدخل، وهذا الفراغ ملئته تلك القوى التي تريد تقويض النفوذ الأميركي وتحقيق مكاسبها. انعكس في جوانب على هيبة الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما في التأخر في استخدام القوة العسكرية او القيام بحظر جوي على المناطق التي يسيطر عليها القوى المعتدلة من المعارضة السورية منذ ان تحولت الثورة الى اشبه بالحرب الاهلية .

Obama_Maliki

وتأسيساً على ذلك ومن خلال استقراء الاداء الاستراتيجي الأميركي فقد اوضحنا انها اهم ثمار (الفوضى الخلاقة)المسيطر عليها التي تحدثت عنها سلفاً في محط حديثنا عن التغيير في المنطقة العربية، لإعادة تشكيل المنطقة على أساس طائفي وعرقي وقومي ..الخ ، وفق مبدا تفتيت المفتت وتقسيم المقسم ، والانتقال من (بلقنة المنطقة) الى (لبننة المنطقة )، وهي مكسب كبير يجعل هذه الدول ضعيفة وفاشلة تعيش حالة الاستجداء من القوى الكبرى وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية لتخليصها من الإرهاب وكان اخر تلك السلسة في العراق ، وما تم ملاحظته في قدرة الولايات المتحدة الأميركية من كسب الدعم الدولي والإقليمي للتدخل لوقف عجلة الإرهاب بحسب وصفهم، الا ان ذلك لا يخلو من انعكاسات بعيدة المدى يمكن اجمالها بعودة( الجهاديين الأمريكان والاوربيين) الى بلدانهم وتحولهم الى خلايا نائمة تهدد امنهم في عقر دارهم كما حصل في احداث 11 أيلول 2001، وبعيداً عن هذا المشهد السلبي على الأداء الاستراتيجي لإدارة “أوباما”.
خلاصة القول ان استراتيجية القوة الذكية الأميركية في مكافحة الإرهاب وإدارة التغيير في المنطقة وتحديداً في العراق وسوريا ، تقترح مجموعة من الحلول مستقبلاً على النحو الاتي :
1- اول حلول الازمة من المرجح ان تبدأ من سوريا ، وذلك من خلال دعم المعارضة المعتدلة المتمثلة بالجيش الحر، وذلك من خلال دعمه عسكرياً ومادياً ولوجستياً بشكل مباشر، وإقامة منطقة حظر للطيران تمنع النظام السوري من قصف المدن التي تقع بيد المعارضة .
2- الاتجاهالثانياعطاء ضمانات (للسنة) يكون فيها طرف دولي ثالث يجعلهم يثقون بالحكومة الجديدة. فضلاً عن اعطائهم مواقع مهمة في الحكومة بتمثل حقيقي ، وايصالهم لقناعة انهم جزء من الحكومة، لأنه لا يمكن القضاء على تحدي (تنظيم الدولة الإسلامية-داعش-) ، الا من خلالهم وقد كان لتجربة الصحوات اثر كبير في تقلص نفوذهم .
3- اصدار عفو عن كافة الجماعات المسلحة باستثناء (تنظيم الدولة الإسلامية)، وعفو اخر للمعتقلين ممن لم تثبت ادانتهم بعمليات قتل على أساس طائفي او قومي.فضلاً عن القيادات من النظام السابق الذين قبعوا في السجون لمدة تعد كافية لعشر سنوات خلت.
4- ان تكون العملية السياسية في العراق متناغمة مع التطلعات الأميركية ، على مستوى السياسة الداخلية والخارجية ، ومن يخرج عن يد الطاعة سيكون المآل على ماهو عليه الحال او اسوء .
5- إعادة تشكل الجيش والأجهزة الأمنية بمتابعة أميركية من خلال انشاء هيئة دفاع وطني يشترك بها جميع العراقيين ومن مختلف الاطياف، وإلغاء المليشيات وسحب السلاح تحت أي مسمى وحصره بيد الدولة ليكون الضامن في الثقة بالدولة والحكومة المركزية العراقية.
6- تشكيل حرس وطني مناطقي من كل محافظة اشبه بقوات البيشمركة في المناطق الساخنة التي ستأخذ زمام المبادرة تحت غطاء جوي أميركي ودعم لوجستي وعسكري.
7- تزويد العراق بطائرات F16 وطائرات أباتشي واعتدة حديثة في حال تأكد الولايات المتحدة الأميركية من حسن سير العملية السياسية وفق منهج يتوافق ورؤيتهم .
8- اعادت تأهيل وتدريب الجيش العراقي في الخارج ، كما تعهد بذلك واشنطن في معرض حديثها عن دعمها للحكومة الجديدة المتمثلة برئاسة “الدكتور حيدر العبادي” .
9- اصلاح كل الخلافات مع الاكراد، وبالعكس الضغط على الاكراد للمشاركة في محاربة (تنظيم الدولة الإسلامية) حتى خارج حدودها، وترك سياسة النأي عن النفس، فضلاً عن حل كافة المشاكل المتعلق بكركوك وتصدير النفط .
10- اصدار قانون تجريم الطائفية بكل اشكالها في كافة مؤسسات الدولة تبدأ من رفع الألقاب وصولاً الى الخطاب الديني على المنابر في المناسبات .

US raids

وبعد استعراض اهم التطلعات الأميركية لمحاربة الإرهاب في العراق وسوريا ، فانه يجب التنبيه انه اذا ما ستجيب للرؤية الأميركية من قبل الحكومة العراقية الجديدة ،فان معالجة (تنظيم الدولة الإسلامية) ليس بالأمر بالهين او السهل ، لانهم فضلاً عن عقيدتهم التي تقوم (الشهادة او النصر)، فانهم يمتلكون قدرات بشرية ومالية وعسكرية كبيرة ، فقد كان لسيطرتهم على المناطق الـ(السنية) فتح السجون التي تغص بأعضائها ومناصريها والتي يقدر عددهم بأكثر 3000 معتقل وسجين، مما عزز من قوتهم فضلاً عن انسحاب القوات العراقية من المعابر الحدودية المحاذية لسوريا والأردن والسعودية ، الامر الذي سهل دخول المقاتلين الأجانب، اما القدرات العسكرية فتتمثل كما اسلفنا بسيطرتهم على أسلحة ثلاث فرق عسكرية عراقية مجهزة بأحدث الأسلحة الأميركية المتطورة والتي تقدر بأكثر من مليار دولار، اما قدراتهم المالية تتمثل سطوتهم على كافة البنوك والمصارف في المناطق التي وقعت بأيديهم ،الى جانب تصيرهم للنفط الأسود ومشتقاته والتي قدرت مبيعاته بـ 3 ملاييندولاريومياً. كل هذه المعطيات التي تدركها الولايات المتحدة الأميركية تؤشر على صعوبة المشهد ، لكن لا تخفي قدرتها عبر الشركاء والحلفاء الدوليين والإقليمين من وضع خطة طويلة المدى قد يستغرق عقد من الزمن اذا ما تم السير على نفس الخطة والنهج المرسوم من قبل ادارتهم .

*- باحث في الشأن الأميركي

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *