الرئيسية / مقالات / الزميل قاسم قصير يناقش كتاب الدكتورة هلا رشيد امون في طرابلس

الزميل قاسم قصير يناقش كتاب الدكتورة هلا رشيد امون في طرابلس

بسم الله الرحمن الرحيم

سيداتي سادتي

الحضور الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحييكم يا اهل طرابلس والشمال الاعزاء وانا قادم اليكم من الضاحية الجنوبية، ولا بد من ان اعبر عن سعادتي الكبيرة لوجودي بينكم وانا اكن لهذه المدينة كل المحبة والاحترام، لان لهذه المدينة والعديد من ابنائها فضل كبير علي وعلى ثقافتي وتربيتي وايماني فأول كتاب قرأته وادخلني الى عالم الايمان الحقيقي وترك اثرا كبيرا فيّ كان كتاب قصة الايمان لسماحة العلامة الكبير الشيخ نديم الجسر، كما ان كتب سعادة السفير الدكتور خالد زيادة (يوم الجمعة، يوم الاحد، فيصل، … وغيرها من الكتب) ولكتابات الزميل الراحل طلال منجد ولكتب الداعية فتحي يكن والشيخ فيصل المولوي والدكتور عبد الغني عماد وغيرهم من ابناء طرابلس والشمال كلها دور في البناء الثقافي والمعرفي لي وعرّفتني على هذه المدينة العريقة.

ولا استطيع في هذه العجالة ان اذكر اسماء الاصدقاء والصديقات من ابناء هذه المدينة الذين تربطني معهم اواصر المحبة والصداقة والاخوة وان كانت الاوضاع الامنية والسياسية قد باعدت قليلا بيني وبين هذه المدينة. لكن الحمد لله ها انا اعود اليها اليوم من خلال هذه الندوة ومن خلال دعوة الصديقة الدكتورة هلا رشيد امون وغرفة التجارة والصناعة في طرابلس وكل ذلك يؤكد انه مهما تغيرت الظروف والاوضاع فلا بد من العودة الى السياق الصحيح.

فشكرا لكم جميعا وشكرا لطرابلس وشكرا للدكتورة هلا رشيد امون وغرفة التجارة والصناعة واما بالعودة الى عنوان ندوتنا اليوم وهو كتاب الدكتورة هلا رشيد امون “متاهات العنف الديني والسياسي” الصادر عن دار النهضة العربية، فرغم ان هذا الكتاب هو مجموعة مقالات ودراسات اعدتها الكاتبة ونشرتها طيلة السنوات السبع الماضية في صحف طرابلسية ولبنانية فانها تجتمع كلها في سياق واحد من خلال قراءة التجربة السياسية الاسلامية والسعي لتشريحها ونقدها وتفكيكها من اجل الكشف “عما تخفيه وراءها من مطامع سلطوية وما ادت اليه على مستوى الممارسة من مخاطر فكرية وانسانية واجتماعية” كما تقول الكاتبة بغض النظر اذا كنا نوافقها على هذا التقييم ام لا.

“لكن بما ان لكل سلطة ادواتها ومفرداتها واسواقها وبما ان السلطة الرمزية هي الملعب الوحيد للكاتب والباحث عن الحقيقة ولا وظيفة للكاتب سوى التفكيك والتعرية والمعارضة والنقد الذاتي”، كما تقول المؤلفة ايضا، فانني ساحاول استعمال هذه السلطة اليوم بشكل سريع وجزئي لتفكيك هذا الكتاب واعادة قراءته مجددا، من اجل تصويب قراءة الواقع الفكري والسياسي عامة والتجربة الاسلامية خاصة.

والكتاب يشتمل على مقدمة واربعة فصول، الاول تحت عنوان “متاهة العنف الديني” ويركز على السلفيةبشكل عام والسلفية الجهادية بشكل خاص وعلى منطق التكفير ومصادر العنف المقدس في الثقافة الاسلامية ويختتم بمقال حول الحجاب ودوره السياسي والاخلاقي.

والفصل الثاني تحت عنوان “متاهة العنف السياسي” ويتحدث عن الثورات العربية والربيع العربي ودور الاخوان المسلمين في هذه الثورات ويركز على موقف حزب الله من هذه الثورات والحديث عن المأزق الاخلاقي والديني الذي يواجهه الحزب بسبب موقفه من الثورة السورية كما تعبر الكاتبة، كما يتحدث عن الازمة السورية وتداعياتها وهناك مقال مهم تحت عنوان “هل يستجلب الجهاد المقدس اللعنة الافغانية على سوريا” وهو مقال استشرافي مهم حول الوضع السوري.

الفصل الثالث تحت عنوان “متاهة النظام الطائفي في لبنان” ويتضمن عدة دراسات ومقالات منها مقالة- دراسة حول العنف في لبنان ومقالات حول الطائفية السياسية وقانون الانتخابات ومقال مثيربعنوان “ولاية الفقيه الارثوذكسية” (في اشارة الى مشروع القانون الارثوذكسي). اضافة لمقالين حول حزب الله، الاول تحت عنوان “حزب الله وضرورة تغيير قواعد الصراع منعا لاندلاعه” والثاني تحت عنوان “حزب الله في مواجهة نار الاسئلة وجديد التحديات “.

اما الفصل الرابع والاخير فهو تحت عنوان “متاهة او جرح طرابلس” وفيه عدة مقالات ودراسات حول الازمة في طرابلس واسباب العنف فيها وقراءة نقدية حول المجتمع المدني ودور القوى السياسية والحزبية فيها وخصوصا حول الانتخابات البلدية ودور المجلس البلدي القائم اليوم وما يعانيه من مشاكل وغير ذلك من هموم طرابلسية.

اذن نحن امام كتاب نقدي يأتي في سياق موحد رغم انه كتب على مدار سبع سنوات تقريبا ولانه لا يمكن ان يتم تفكيك ونقد كل نصوص الكتاب فسأقدم ملاحظات اساسيةعامة ثم اتناول بعض نصوصه بشكل مفصل وبداية هذه الملاحظات العامة:

1. نصوص الكتاب تجمع بين كونها مقالات صحافية وكونها دراسات معمقة وتتضمن معلومات وقراءة في التحليلات والابعاد لبعض الاحداث والظواهر وخصوصا الظواهر الاسلامية وبالاخص التجربة السلفية.

2. لا تكتفي الكاتبة بتقديم المعطيات بل تحاول تفكيك الظواهر وتقديم رؤى مستقبلية من اجل معالجة المشكلات القائمة اليوم فكريا وسياسيا واجتماعيا.

3. هناك سمات مشتركة للنصوص وهي تتصف بالنقد والقلق والسعي لتقديم اقتراحات عملية لمواجهة المشكلات القائمة.

4. رغم حدثية النصوص اي ارتباطها باحداث معينة او بتطورات سياسية او امنية احيانا، فان الكاتبة نجحت بتحويلها الى نصوص ودراسات استشرافية عميقة يمكن الاستفادة منها في كل وقت.

لكن تبتعد النصوص احيانا عن الصفة العلمية وتتحول الى ما يشبه حوار ذاتي (مونولوغ)اي حوار ذاتي بين الكاتبة ونفسها وقد تكون هذه صفة ايجابية او سلبية لانه من حق الكاتب احيانا ان يقدم رؤيته الخاصة للاحداث.

5. ان الكثير من الاراء النقدية التي تعرضها الكاتبة وخصوصا على صعيد الحركات الاسلامية قد جرى تداولها والبحث والتفكير حولها في الاوساط الاسلامية وخصوصا بعد نتائج الثورات العربية وخصوصا ما جرى خلالها من تطورات واحداث وقد شهدنا سابقا العديد من المراجعات الفكرية والسياسية على الصعيد الاسلامي واليوم هناك نقاشات فكرية وسياسية عميقة حول حذه الحركات الاسلامية والظواهر الاسلامية المختلفة ونشهد يوميا اراء جديدة ومحاولات جدية لتجاوز الازمات المختلفة فكريا وواقعيا ولعل ما نشرته الكاتبة من نصوص ساهم في اثارة هذه النقاشات.

6. ان كل نص او دراسة يتضمنها الكاتبة تتطلب مناقشة مفصلة لما تحمله من اراء نقدية سواء وافقنا الكاتبة او خالفناها في ارائها ولكن المجال هنا لا يتسع لمناقشة كل الاراء في الكتاب.

واتوقع ان يكون للكاتبة في السنوات المقبلة الكثير من الكتب المتخصصة والعميقة حول الموضوعات التي اثارتها في الكتاب والتي سيكون لها شأن كبير في الحوار الفكري والسياسي والديني.

ولكي لا اطيل عليكم لن اقدم كل ما لدي من ملاحظات تفصيلية حول الافكار والاراء التي قدمتها الكاتبة وسأركز على موضوعين اساسيين نظرا لاهتمامي الشخصي بهما من خلال دراساتي ونشاطاتي (مع انني اشارك الكاتبة اهتمامها بكل ما يتعلق بالحركات الاسلامية والقضايا الفكرية).

الموضوع الاول يتعلق بحزب الله وما نشرته الكاتبة من مقالات وثانيا النص المتعلق بالدراسة حول الطائفة العلوية وهي دراسة مهمة يستحق التوقف عندها.

اولا فيما يتعلق بحزب الله، فالكاتبة تتحدث عنه في عدة مقالات اساسية مع بعض الاشارات في المقالات والدراسات الاخرى، الاول تحت عنوان “مأزق حزب الله الاخلاقي والديني” وهو يركز على موقف الحزب من الازمة السورية وان دعمه للنظام السوري يتعارض مع نهجه وفكره العام واخلاقياته والمقال الثاني تحت عنوان “حزب الله: ضرورة تغيير قواعد الصراع منعا لاندلاعه” وهو يتحدث على الصعيد الداخلي ودور الحزب بعد الازمة السورية وعن استخدامه لفائض قوته في اطار التأثير على اللعبة الديمقراطية الداخلية ويقدم النصح للحزب فتقول الكاتبة “على حزب الله ان يعتمد القاعدة الذهبية القائمة على ما يلي : التفاهم اولى من الخصام والتعاون اولى من التناقض، واجتماع القوى اولى من تشتتها، ومواجهة الاحتلال اولى من الاختلاف الداخلي وما على الرسول الا البلاغ (صـ 199)

المقال الثالث تحت عنوان “حزب الله في مواجهة نار الاسئلة وجدية التحديات” حيث تقدم مجموعة ملاحظات اساسية على اداء الحزب السياسي والعقائدي ويدعو المقال الحزب للتخلي عن الايدولوجيات المختلفة القائمة على عقيدة دينية وسياسية لنظام دولة صارمة يجمعه بها الانتماء المذهبي (تقصد ايران) وتدعو الحزب ان يقوم باعادة استنبات مفاهيم ومصطلحات جديدة في الجهاز المفاهيمي لعقيدته السياسية والجهادية وان يطلق شرارة النقد التي تفتح نار الاسئلة على محاولات التأصيل الاولى والبدايات والمباديء المؤسسة لفكره المقاوم لمعرفة مأزقه واشكالاته ومفارقاته واستحالاته وتناقضاته ولمعرفة اذا كانت قابلة او صالحة للتسويق والتطبيق رحمة بهذا البلد”.

طبعا الكاتبة تعترف بانجازات الحزب ودوره المقاوم ،وتعليقا على هذه النصوص، وباستثناء دور الحزب في سوريا والذي يحتاج لنقاش طويل والحزب قدّم مقاربات عديدة لاسباب التدخل فما اود قوله مع احترامي لاراء الكاتبة ان من يتابع مسيرة الحزب منذ نشوئه حتى اليوم (و انا اعددت عدة دراسات متخصصة في هذا المجال)، يكتشف ان الحزب يخضع دائما للتطور والتكيف مع المتغيرات وهو رغم ايمانه بولاية الفقيه (كالتزام ديني وفقهي) فهو طور افكاره السياسية واساليب عمله ورؤاه منذ نشوئه عام 1982 وحتى اليوم، وهو يخضع دوما للمراجعة والنقد الداخلي و العام ويستفيد من ملاحظات الاعداء والاصدقاء. ومع اعترافي بوجود العديد من الاخطاء في ادوار الحزب السياسية او الامنية، فان ما يمكن قوله ان الحزب رغم فائض قوته فانه كان حريصا دوما على المشاركة السياسية مع بقية القوى ولم يسع لفرض رؤيته وايديولوجيته على الجميع، مع سعيه لتحقيق مشاريعه السياسية التي يؤمن بها من خلال التحالفات العابرة للطوائف وهناك نماذج عديدة على ذلك ، اذن الحزب اليوم، لم يعد الحزب الذي تأسس عام 1982 واطلق وثيقته الاولى عام 1985 ووثيقته الثانية عام 2009 وهو اليوم حسب معلوماتي في صدد اعادة النظر بمشروعه السياسي الداخلي وقد اعد اكثر من 15 دراسة معمقة لاصلاح النظام اللبناني وهو مستعد للتعاون مع بقية الشركاء في الوطن للبحث بعمق حول ازمة النظام اليوم وكيفية الخروج منها. ومع ان هناك اشكاليتان اساسيتان يواجههما الحزب اليوم الاولى تتعلق بسلاح المقاومة وكيفية الموازنة بين دور هذا السلاح وسلطة الدولة من اجل الاستفادة من المقاومة في الدفاع عن لبنان دون ان يتم استغلال ذلك في الصراع الداخلي، والثانية تتعلق بدور الحزب الاقليمي والخارجي سواء على صعيد القضية الفلسطينية او الصراع السوري او بشأن العلاقة مع ايران، اذن برأيي ان هاتين المسألتين لا يمكن ان تعالجا من خلال الصراع بل تحتاجان لنقاش عميق داخلي من خلال اعادة دراسة كل الواقع اللبناني ولعل الظروف الداخلية والخارجية اليوم يمكن ان تساعد في معالجة هذه الازمة في ظل السعي لاعادة ترتيب الاوضاع الاقليمية والدولية. ومن هنا اهمية الحوار والنقاش المباشر مع الحزب وعدم الاكتفاء بتوجيه النقد والنصائح له من بعيد، وان اثارة هذا الحوار المباشر من مسؤولية الجميع، ولعل ما قامت به وما تقوم به الكاتبة وغيرها من الكتاب والباحثين يعتبر مساهمة مهمة في هذا الاطار بشرط ان تأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر الحزب وما يقدمه من اراء وافكار حتى يكتمل نصها ويتحول الى مناقشة متكاملة بدل ان يكون في اتجاه واحد.

واما الدراسة عن الطائفة العلوية، فان اود ان اؤكد على اهمية هذه الدراسة وما تضمنته من معلومات مهمة، وان كانت المشكلة فيها، ان مقدمتها في التعريف عن العلويين من المصادر الاخرى تتحدث بلغة تشكيكية وسلبية وتقدم العلويين وكأنهم كفار او غير مسلمين ومن يقرأ هذه المقدمة يصل الى هذه النتيجة، ثم تقدم وجهة نظر علماء العلويين في التعريف عن انفسهم ورد الاشكالات عنهم وبذلك تحاول الكاتبة انصافهم وان كانت تميل اكثر الى منطق تكفيرهم بدل تبني رؤيتهم عن انفسهم.

ثم عند الحديث عن علاقة الطائفة بالواقع السياسي فهي تقدم قراءة موضوعية لازمة علاقة العلويين بالواقع السياسي والاجتماعي في طرابلس وتتضمن الدراسة افكارا مهمة واقتراحات عملية.

وتعليقي على هذه الدراسة انه طالما ان العلويين موجودون بيننا اليوم وهم يقولون انهم مسلمون فلماذا نظل نردد اقوال المؤرخين والعلماء الذين يشككون بهم وبايمانهم وبأنه يجب اخراجهم من الطائفة الاسلامية والمطلوب اخراج المشكلة مع العلويين من البعد الديني والمذهبي والنظر اليها في الاطار السياسي والامني ولعل ما جرى في طرابلس مؤخرا من وقف للصراع بين جبل محسن وباب التبانة بهذه السرعة يؤكد هذا الاتجاه والمطلوب وضع استراتيجية مستقبلية لحل هذه الازمة كما اقترحت الكاتبة.

هذه بعض الملاحظات على هذا الكتاب الذي اعتبر انه يشكل مصدرا مهما لمن يريد ان يعرف الاشكالات التي تواجه التيارات الاسلامية اليوم ومن يقرأه اليوم وهو قد كتب على مدار سبع سنوات يستطيع ان يكتشف عقل الكاتبة الاستشرافي وامكانية تقييم ما كتبته ومدى صحة مواقفها وافكارها والمهم ان تتابع الكاتبة هذه المسيرة وان تأخذ بعين الاعتبار كل المتغيرات والتطورات على صعيد الواقع الاسلامي عامة واللبناني خاصة لانها من خلال ذلك يمكن ان تساهم اكثر في توضيح واقع التيارات الاسلامية وطبيعة تطورهاوالمتغيرات التي تتسم بها.

فشكرا لكم جميعا على حسن استماعكم وشكرا لابناء طرابلس والشمال وشكرا لغرفة التجارة والصناعة في طرابلس وشكرا للدكتورة هلارشيد آمون لهذه الفرصة الطيبة للمشاركة في هذا اللقاء ولانها قدمت لنا وليمة فكرية وسياسية هامة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

لمشروع عربي إسلامي نهضوي- د.مصطفى يوسف اللداوي

د. مصطفى يوسف اللداوي هل تتيح لنا السياسية الأمريكية العنصرية المتسلطة، الفوضوية المتقلبة، الظالمة المستبدة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *