الرئيسية / ترجمات / “من إستونيا إلى آذربيجان”.. استراتيجيا أميركية بعد أوكرانيا

“من إستونيا إلى آذربيجان”.. استراتيجيا أميركية بعد أوكرانيا

 

بقلم: جورج فريدمان – مدير موقع ستراتفور الاستراتيجي الأميركي

ترجمة: هادي نعمة

على نحو ما ناقشتُ به الأسبوع الفائت، فإنَّ المشكلة الأساسية التي تشكّلها أوكرانيا لروسيا، بما يتخطّى حالةَ تهديدٍ جغرافيٍّ طويل الأمد؛ هي التي تتجلّى على نحو أزمة في الشرعية الداخلية. لقد أمضى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مدّة رئاسته في إعادة بناء سلطة الدولة الروسيّة ضمن الحدود الروسيّة المعروفة اليوم، وكذلك سلطة “روسيا” على ما كان يشتمل عليه الاتحاد السوفياتي البائد. وإنَّ الأحداث الأخيرة في أوكرانيا تُضعف وتقوِّض الاستراتيجية الروسية الثانية كما الاستراتيجية الأولى. فإذا لم يستطع بوتين ضمان حياديّة أوكرانيّة، بالحدّ الأدنى، فإنَّ نظرة العالَم إليه، بِوَصفِهِ رجلَ استراتيجيا محنَّك، سـتختفي، كما ستتزعزعُ الشرعيّة والسلطةُ التي بناها للدولة الروسيّة.

 

ukraine_horo-31
ومهما كانت أسباب التصعيد الأخير في روسيا، فالواقع أنَّ الولايات المتّحدة قد دخلت في مواجهة مع روسيا. ويعتقد الرُّوس بأنَّ الولايات المتحدة كانت العامل الأساس لتغيير النظام الحاكم في أوكرانيا. وبالترجيح الأدنى، ينوي الرُّوس أن يعكسوا مسارَ الأحداث في أوكرانيا (فيُعيدوا الأمورَ إلى ما كانت عليه). وبالترجيح الأقصى، أنَّ الروس قد استنتجوا أنَّ الولايات المتّحدة تنوي إضعاف سلطة روسيا. الروس، إذن، سيقاومون هذا الأمرَ. وأمام الولايات المتّحدة خيار تفادي المواجهة (بالمعنى العسكريّ)، بالتالي اعتماد فرض عقوبات لا جدوى منها بحقّ أفراد، وانتظار ما ستؤول إليه الأمور. أما الخيار الآخر؛ فأن تدخل الولايات المتحدة في مواجهة (عسكرية) مع روسيا.
وإنَّ إخفاق الولايات المتحدة في الدخول في مواجهة مع الروس، في هذه المرحلة؛ سيجعل البلدان المحيطة بروسيا، من إستونيا إلى آذربيجان، تستنتج أنَّه ينبغي عليها إبرام تسوية للخلافات مع روسيا، إذ إنها ترى الولاياتِ المتحدةَ منكفئة وأوروبا منقسمة. هذا الأمر سيزيد من توسّع سلطة روسيا، ويفتح البابَ واسعًا أمام انتشار التأثير الروسيّ في شبهِ الجزيرة الأوروبية نفسها. لقد خاضت الولايات المتحدة ثلاث حروب (الحرب العالمية الأولى، والثانية، والحربَ الباردة) لمنعِ الهيمَنَة المُتَسَيطِرَة على المنطقة. إذن فالإخفاق في الدخول في مواجهة عسكرية – مع الروس – سيكون مخالِفًا لاستراتيجيا طالما اعتمدتها الولايات المتحدة.
المسألة المحيِّرة هنا، أمام الولايات المتحدة، هي كيفيّة مقاربة السياق الاستراتيجي، ضمن إطار دوليّ باتت فيه أقلَّ ولوجًا في شؤون الشرق الأوسط، في حين هي في صدد “التحوير نحو آسيا” (في اتجاه مُهَادِنٍ للمنطقة الآسيوية). ولا تستطيع الولايات المتحدة، كذلك، ببساطةٍ تركَ الأحداث تأخذ مجراها. تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجيا تكون اقتصاديّةً، وواضحة المَعَالِمِ عسكريًّا وسياسيًّا وماليًّا. وثمّة أمران يصبّان في مصلحة الولايات المتحدة، في هذا المجال؛ الأول هو أنَّ بعض الدول المجاورة لروسيا لا تريد الهيمنة الروسيّةَ عليها؛ والثاني أنَّ روسيا – بمعزل عن بعض مواضِع القوة لديها – هي بطبيعتها ضعيفة فلا تقدر على “خطوة” أميركية على نحو الحربَين العالميّـتَين أو الحرب الباردة، أو حتى بعض التدخلات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط على مدى العقد الماضي من الزمن.

التموقعات الروسية والأميركية

لقد ناقشتُ بالخيارات الروسية المتاحة حيال أوكرانيا الأسبوع الفائت. بوتين الآن في موقع ينبغي عليه فيه أن يتصرّف بحزمٍ لتغيير مآلات الأحداث الأخيرة في أوكرانيا؛ حتّى يستعيد صلابةَ سـلطتِهِ المحليّة بثقة. المشكلة هي أنه ليس ثمة من تحرّك حازمٍ واحد يمكّن من تغيير مسار الأحداث. تدريجيًّا؛ يمكن للانقسامات المتأصّلة في المجتمع الأوكراني أن تغيّر مسار الأحداث. وعلى كل حال؛ فإنَّ أي اجتياح مباشر لشرقيّ أوكرانيا سيزيد المعارَضة لروسيا صلابةً في كييف، كما سـيستثير ردودَ فعل، عالميًّا، لا يَقدِر بوتين على تقدير مفاعيلها. في النهاية؛ المستجدّات الأوكرانيّة تعني أنَّه، مع أنَّ الروس كانوا ذات مرة في موقع هيمنة على كل أوكرانيا، فإنهم اليوم بالكاد يهيمنون على نصف أوكرانيا. وعلى المدى البعيد؛ فإنَّ هذا الخيار – كما خيارات أخرى قصيرة الأمد – لن يحلّ اللغز لروسيا.

Ukraine
مهما يفعل بوتين، فإنَّ أمامه خيارَين؛ الأول هو – ببساطة — أن يتقـبّـل التغيّرات (وأنا لا أراه يقبل بذلك)، والثاني هو أن “يتحرّك” في أماكنَ يمكنه فيها تحقيق انتصارات ديبلوماسية وسياسية سريعة ضدّ الغرب (كالبلطيق أو مولدوفا أو القوقاز)، فيما يستدرج حكومة أوكرانيا إلى حال من الجمود، ويبني علاقات ثنائية على خط إستونيا-آذربيجان. هذا سيجنّب بوتين سياسة (استراتيجيا) الاحتواء الأميركية – التي فعلت فعلها خلال الحرب الباردة، والتي لا يقدر الأوروبيون على تنفيذها منفردِينَ (فهذا يعود إلى الأميركيين للبتّ به).
الولايات المتحدة تطوِّر، منذ مدّة، على نحو ثابت، استراتيجيا ليست انفصالية بقدر ما هي ارتباطية “مموَّهة”(غير مباشرة). فبين 1989 و2008؛ اعتمدت الولايات المتحدة استخدام جنودها – على نحو ثابت دائم – في تعاملها مع القضايا الخارجية. من قضاياها مع باناما إلى قضاياها مع الصومال وكوسوفو وأفغانستان والعراق؛ اتّبعت الولايات المتحدة سياسةً من التدخّل العسكريّ المباشر والمُبكِر. إلا أنَّ هذه الاستراتيجيا الأميركية لم تكن إياها من 1914 إلى 1989؛ ففي ذلك الوقت، كانت استراتيجيا الولايات المتحدة توفير الدعم السياسي للحلفاء، متبوعًا بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية، ثمّ بالمستشارين والعديد المحدود من الجنود– وفي بعض الأحيان توفير جنود حاضرين مسبقًا في ميدان الأزمة. ولقد أبقَت الولايات المتحدة قواتها العسكرية الأساسية احتياطًا للحلات التي لم يستطع فيها الحلفاء تحمّل الاعتداء المحتمَل (كما في 1917 و1942، وحتى – بدرجة أقلّ – في كوريا وفييتنام). لقد كانت القوّات الأميركية الأساسية الخيار الأخير في التعاطي مع الأزمات الخارجية.
كان هذا، بالدرجة الأولى، لحفظ توازن القوى. فاشتمل احتواء الاتحاد السوفياتي على خلق نظام تحالفات يضمّ دولًا مهدّدة بهجوم سوفياتي. كان الاحتواء استراتيجيا توازن قوى، لم يَرنُ إلى إخضاع الاتحاد السوفياتي للاستسلام بقدر ما رنا إلى زيادة مَخاطر “التحرّك العدائيّ” عبر دول حليفة كرادع أوّل. ولقد قـيّد التهديدُ بتدخّل أميركي – عسكريّ – كامل، مع احتمال اعتماد أسلحة نووية (إلى جانب جسم مؤازِر من الحلفاء)؛ حركةَ السوفيات في اتخاذ أيّة مُخاطَرة.
لأن الاتحاد الروسي الحاليّ أضعف بكثير ممّا كان عليه الاتحاد السوفياتي في أوج صعوده، ولأن المبدأ الجغرافيّ العامّ في المنطقة لا يزال كما كان؛ يرجّح أن تنبثق استراتيجيا توازن قوى مماثِلة، بعد الأحداث في أوكرانيا. وعلى نحو سياسة الاحتواء العامَ 1945-1989 (وبالمبدإ إن لم يكن بالتفاصيل)، ستجمع هذه الاستراتيجيا التوازنية الحديثة اقتصادَ قوّة ومالٍ، وتحدّ من تطوّر روسيا كقوّة مهيمِنة، وفي الوقت عينه تحدّ من المخاطر التي قد تتعرض لها الولايات المتحدة وتسيطر عليها.
تكوُّن هذه الاستراتيجيا هو تطوّرٌ أصف توقّعاتي حوله في كتابَين، “العقد التالي” و”المئة سنة المقبلة”، على نحوِ مفهومٍ أسمّيه “إنتِرماريوم”. الـ “إنتِرماريوم” كان خطةً سعى القائد البولنديّ جوزيف بيلسودسكي لتطبيقها بعد الحرب العالمية الأولى، لإقامة اتحاد تحت وصاية بولندا، يضمّ بلدانَ أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية. وإنَّ ما يلوح في الأفق اليوم ليس الـ “إنتِرماريوم”، لكن شيءٌ شبيه به. واليوم باتت تتحوّل من شيء توقّع فَرَضيٍّ إلى واقع ملموس.

عواملُ مؤدّية إلى انبثاق التحالف

مستحيل أن تتدخّل الولايات المتحدة عسكريًّا في أوكرانيا؛ السبب الأول هو أنَّ أوكرانيا دولة كبيرة، فالمستلزمات التي تترتّب على الولايات المتحدة لتحميها ستُنهِك الولايات المتحدة. السبب الثاني هو أنَّ تأمين هذه المستلزمات يتطلّب نظام لوجستيّات غير متوافر الآن، وقد يستغرق وقتًا طويلًا لإنشائه. أخيرًا؛ هكذا تدخّل لا يمكن تصوّرُه بدون نظام تحالف متين يمتدّ إلى الغَرْب وحول البحر الأسوَد. يمكن الولايات المتحدة تأمين دعم اقتصاديّ وسياسيّ؛ لكن يبقى أنَّ أوكرانيا لن تستطيع لوحدها خلق توازن قوى أمام روسيا، والولايات المتحدة لا تستطيع التصعيد إلى درجة استخدام قوّاتها الخاصة. أوكرانيا هي ساحةُ حربٍ الأفضليةُ فيها للقوات الروسيّة، وهزيمةُ الولايات المتحدة فيها ممكنة.
إذا اختارت الولايات المتحدة مواجهة روسيا من خلال عنصر عسكريّ، ينبغي أن يكون ذلك في محيطٍ مستقرّ، وفي أوسع نطاق ممكن، بُغيةَ استنفاد الموارد الروسيّة وتقليص احتمالات هجوم روسيّ في أي مَوضَعٍ تريدهُ روسيا، خوفًا من الردّ الروسيّ في مكان خارج نطاق المواجهة.
الآلية المثالية لهكذا استراتيجيا قد تكون “حلف شمال الأطلسي” الذي يضمّ تقريبًا جميع الدول المُولَجَة بالمُواجَهة (بمعزل عن آذربيجان وجورجيا). المشكلة في هذه الحالة تكمن في أنَّ “حلف شمال الأطلسي” ليس تحالفًا فعّالًا؛ إذ إنه بُنِيَ لخَوض الحرب الباردة على خَطٍّ بَعِيدٍ إلى الغَرْبِ من خطّ المواجهة الحاليّ. الأكثر أهميّة، في هذا المجال، أنَّ تحالف “الأطلسي” استندَ وقتها إلى مبدإ أنَّ روسيا تشكّل تهديدًا وجوديًّا لأوروبّا الغربية (وهذا الأمر لم يعد قائمًا اليوم).
ذلك الـ”مبدأ” ما عاد موجودًا ليجمعَ دوَل الحلف في مساندة الولايات المتحدة في الأزمة الراهنة. باتت بلدان الحلف “الأطلسي” اليوم متباينة في نظرتها إلى روسيا، وبات لديها همومٌ متباينة كذلك. وبالنسبة إلى كثيرين؛ فإنَّ إعادة نموذج الحرب الباردة، ولو في مواجهة تحرّكات روسيا في أوكرانيا، أسوأ من متاعب مهادنتها والتكيّف معها. إلى ذلك؛ فقد أدّت الحرب الباردة، في نهايتها، إلى تراجع كبير للقوّات المسلّحة في أوروبا. حلف شمال الأطلسي، ببساطة، يفتقر إلى القوّات المسلّحة المطلوبة، إلّا إذا حدث بناء مفاجئ ومكثّف للقوى العسكرية (وهذا لن يحدث، بسبب الأزمة المالية الجاثمة، وغيرها من الأسباب). يحتاج حلف “الأطلسي” إلى وحدة في القرار والموقف ليتحرّك، وهذه الوحدة غير موجودة اليوم.
البلدان التي كانت في خطر بين 1945 و1989 ليست هي ذاتها التي في خطرٍ اليوم. كثير من هذه الدول كانت جزءًا من الاتحاد السوفياتي آنذاك، والدوَل الباقية كانت تابعة للاتحاد السوفياتي. نظام التحالف القديم لم يُبنَ لهذه المواجهة. إنَّ المصلحة الأوّليّة لخطّ “إستونيا-آذربيجان”، هي استعادة السيادة أمام القوّة الروسية. أمّا باقي دول أوروبا فليست في خطر، وليست مستعدّة لتقديم جهودٍ ماليّة وعسكريّة في صدد مشكلة يَعتبرون أنه يمكن حلُّها بما لا يهدّد مصالحها واستقرارها كدوَل. لذَ؛ يجب على أيّة استراتيجيا أميركية أن تتجاوزَ حلف شمال الأطلسي، أو — على الأقلّ – خلق بُنًى جديدة لتنظيم المنطقة.

خصائص التحالف

كل دولة معنيّة بالأزمة تتميّز عن الأخرى، ويجب مقاربتها على هذا الأساس. لكنّ هذه الدول تتشارك خَطَرَ أن تطالَ الأحداثُ في أوكرانيا أمنَها القوميَّ كدوَل وتأثّر فيه مباشرةً؛ بما في ذلك الاستقرار الداخليّ. وكما لاحظتُ، فإنَّ البلطيق ومولدوفا والقوقاز هي مناطق قد تعوِّضُ فيها روسيا عن هزيمتها. إذن؛ لهذا، وكذلك بسبب الأهميّة الجوهريّة لبولندا ورومانيا وآذربيجان؛ ينبغي أن تكون هذه الدول المذكورة للتوّ المحوَرَ الذي يدور التحالف الجديد في فلكه.
نتوء البلطيق، الذي يبعد 145 كلم عن سان بطرسبرغ، في إستونيا؛ قد يكون هدفًا روسيًّا لخلق الاضطرابات. بولندا تحدّ البلطيق، وهي الرمز المتصدّر في منظّمة “فيزغراد” (التابعة للاتحاد الأوروبي). بولندا متحمّسة لعلاقات عسكريّة أكثر متانة مع الولايات المتحدة، فإنَّ استراتيجيّتها الوطنية طالما ارتكزت على ضمانات “مِن طَرَفٍ ثالث” في مواجهة المعتدي. لا يستطيع البولنديون الدفاع عن أنفسهم وعن البلطيق، لأنها لا تقدر على موافاة مستلزمات الصراع المطلوبة لهذه المهمّة.
نهر “دنايستِر” يبعد 80 كلم عن أوديسا المرفأ الرئيس لأوكرانيا على البحر الأسوَد، وهو مهمّ لروسيا. نهر “بْـرُتْ” يبعد حوالى 200 كلم من بوخارِست عاصمة رومانيا. تقع مولدوفا بين هذين النهرَين، وهي ساحة حرب، على الأقلّ بين أحزاب سياسية متنافسة. يجب أن تكون رومانيا مسلَّحة ومدعومة في حمايتها لمولدوفا وتنظيمِ جنوب شرق أوروبا. إذا سيطر الغرب على مولدوفا، فستصبح مولدوفا تهديدًا لأوديسا المرفأ الرئيس لأوكرانيا الذي تستخدمه روسيا كذلك على البحر الأسوَد. وإذا سيطرت روسيا على مولدوفا، فستصبح مولدوفا تهديدًا لبوخاريست.
وتكون آذربيجان في أقصى أطراف جسم التحالف الذي أراه؛ على بحر قزوين، تحدُّ روسيا وإيران. وفي حال عمّت الاضطرابات داغستان والشيشان، فإنَّ آذربيجان – وهي إسلامية ذات أغلبية شيعية لكن علمانيّين – ستكون أساسيّةً في الحدّ من انتشار الجهاديين في المنطقة. كذلك؛ في إمكان آذربيجان دعم وجود التحالف في البحر الأسوَد عبر دعم جورجيا، وفي إمكانها أن تكون جسرًا للعلاقات (ولمصالح الطاقة) في حال استمرّت علاقة الغَرْب بإيران في التحسّن. وإلى الجنوب الغربي؛ في إمكان أرمينيا الموالية جدًّا لروسيا – وفيها وجود عسكريّ روسيّ، وليدها معاهدة طويلة الأمد مع موسكو – أن تزيد التوتّر مع آذربيجان في ناغورنو-كاراباخ. سابقًا؛ لم تكن هذه قضيّة ملحّة بالنسبة إلى الولايات المتّحدة؛ لكن الآن باتت كذلك. إنَّ أمنَ جورجيا ومرافئها على البحر الأسوَد يستلزِم ضمّ آذربيجان إلى التحالف.
وتخدم آذربيجان هدفًا أكثر استراتيجيّةً. معظم دول التحالف تعتمد بقوّة على استيراد الطاقة الروسية؛ فمثلًا، 91% من واردات بولندا من الطاقة، و86% من واردات المَجَر من الطاقة، تأتي من روسيا. ليس ثمّة حلّ قصير الأمد لهذه المشكلة، إلا أننا نجد روسيا محتاجةً إلى عائدات (أرباح) صادراتها للطاقة بقدر ما تحتاج هذه الدول إلى استيراد الطاقة منها. إنَّ تطوير الصخر الطينيّ الأوروبيّ السهل الانفلاق، واستيرادَ الطاقة من الولايات المتحدة، يشكّلانِ حلًّا طويل الأمد. وإنَّ نقل الغاز الطبيعيّ من آذربيجان إلى أوروبا سيكون حلًّا متوسّط الأمد، اعتمادًا على عمليّات تطوير الأنابيب التي نَوَت روسيا سدّها في الماضي. حتى الآن؛ هذه القضية اتخذت طابعًا تجاريًّا، لكنها تحوّلت – بسبب المستجدّات — إلى قضيّة مهمّة استراتيجيًّا. إنَّ منطقة حوض بحر قزوين، التي تشكّل آذربيجان عمودَها الفقريّ، هي البديل الرئيس لروسيا في مجال الطاقة. لذَ؛ فإنَّ المدّ السريع للأنابيب نحوَ قلب أوروبا هو بأهميّة تأمين الإمكانات العسكرية لآذربيجان للدفاع عن نفسها (هذه إمكانية هي مستعدّة لدفع المال مقابلها، وبخلاف دوَل التحالف الأخرى، لا حاجةَ لتوقيع اتفاقية حولها).
الأساس في مدّ الأنابيب هو سماح تركيا بالترانزيت. وأنا لم أشمل تركيا بهذا الحلف؛ إذ إنَّ شؤونَ سياستِها الداخلية وعلاقاتِها المعقّدةَ واعتمادَها الكبير على روسيا في مجال الطاقة، تجعل ضمَّها للتحالف صعبًا. أرى تركيا في هذا التحالف على نحو فرنسا في الحرب الباردة؛ فقد كانت منحازة لكن مستقلّة، ومكتفية عسكريًّا لكن معتمدة على الأداء الفعّال للآخَرين. ستؤدّي تركيا هذا الدورَ الحسّاس، سواء كانت داخل أو خارج جسم التحالف الذي أقترحه، لأنّ مستقبَل البحر الأسوَد والقوقاز وجنوب شرق أوروبا أساسيّ لأنقرة.
هذه الدوَل، على قدر تنوّعها، تتشارك رغبة ألّا تكون تحت هيمنة روسيا. هذه الرغبة الجامعة لهذه الدوَل، هي الأساس لِسَوقِهَا إلى تحالف عسكري فعّال. هذه ليست قوّة عسكرية هجوميّة، بل هي رادعة للتوسّع الروسيّ. جميع هذه الدول تحتاج إلى معدّات عسكرية حديثة، خصوصًا تلك الجويّة الدفاعية، والأخرى المضادَّة للمدرَّعات، كما المشاة الجوّالة. في كل حالة؛ سـيُقـوّي إمدادُ الولاياتِ المتحدةِ هذه الدولَ بالأسلحة المطلوبة — مقابلَ مبالغ نقدية أو عبر الائتمان (حسبما يقتضي الظرف) — القِوَى السياسيةَ الداخليةَ الداعمة والموالية للولايات المتحدة، وسيخلق مجالًا آمنًا للاستثمارات الغربية. هذا التحالف هو منظّمة تسمح لآخَرِينَ بالانضمام والمشاركة؛ وبخلاف حلف شمال الأطلسي، لا تسمح لأيّ عضو فيها بحقّ النقض.

عملانيّة الاستراتيجيا الأميركية

ثمة من قد ينتقدون هذا التحالف لضمّه أعضاء لا يشاركون الولايات المتحدة جميع قِيَمِ الديمقراطية. وقد يكون هذا صحيحًا. وكذلك هو صحيحٌ أنَّه خلال الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة متحالفة مع إيران (الذي يحكمها الشاه) وتركيا واليونان (اللتَينِ كانتا ترزحانِ تحت نير الدكتاتورية) والصين – بعد 1971 (التي كان “ماو” حاكمَها). الولايات المتحدة، بكونها شجّعت على استقلال أوكرانيا، تخلق جسم تحالف سيضمّ دولًا نالَها الانتقادُ، مثل آذربيجان، لتصون بذلك استقلال أوكرانيا واستقلال دوَل أخرى في المنطقة. مهما يكن؛ فإن لم تأتِ الطاقة من آذربيجان، فستأتي من روسيا؛ عندئذٍ سيتلاشى زخم الأحداث الأوكرانيّة في مهزلة تراجيديّة. على وزارة الخارجية أن تصارع القوى القاسية التي أنتجتها سياساتها هي. هذا يفرض أن الذهنية الراقية المعطوفة على النوايا السليمة التي لم تكن في محلّها، يجب أن تتنحّى لتحلّ محلَّها حسابات السياسات الواقعية.
تسمح استراتيجيا توازن القوى، للولايات المتحدة، بأن تبني على الانحراف البسيط للحفاء، لتدعمَ تَمَوقُعَهَا وتتّخذ خطوات متنوّعة يكون منها التدخّل العسكريّ خيارًا أخيرًا لا أوّلًا. هذه الاستراتيجيا الأميركية تعي أنَّ الولايات المتحدة، التي تشكّل 25 بالمئة من اقتصاد العالَم كما هي المهيمنة على الملاحة العالميّة؛ لا تستطيع تجنُّبَ أن تتدخّل. فإنَّ حجم الولايات المتحدة ووجودها يجعلها واجبة التدخّل. ولا يكمن للولايات المتحدة تحجيمُ نفسِها لتصلَ إلى مجرّد فرض عقوبات على عشرين شخصًا! فهذه الإشارات ليست دليلًا على سعيٍ لحلّ، بل على ضعف! يجب على الولايات المتحدة أن تتدخّل في قضايا مثل أزمة أوكرانيا، وعليها أن تتخذ قراراتٍ استراتيجيّة؛ فثمّة بدائلُ للتدخّل العسكريّ—منها إيجاد تحالفات. في هذه الحالة؛ يفرض جسمُ تحالفٍ طبيعيٌّ نفسَه— يكون وليد حلف شمال الأطلسي، لكن يكون مجهَّـزًا لهذه الأزمة الراهنة، شبيهًا — إلى حدّ بعيد — بالتحالف الذي وصفتُ توقّعي له آنفًا.
بنظري؛ القوّة الروسية محدودة، وقد ازدهرت عندما غرقت الولايات المتّحدة في مستنقع حروبها في الشرق الأوسط، وعندما عانت أوروبا من أزمتها الاقتصادية. لكن هذا لا يعني أنَّ روسيا ليست خطِرة، فلديها أفضليّات قصيرة الأمد، وبكونها غير مستقرّة سـتقوم بمخاطرات. الدول الضعيفة وغير المستقرة، المصحوبةُ بأفضليّات مؤقّتة هي دول خطِرة. من مصلحة الولايات المتحدة التحرّك باكرًا حتّى لا تدفعَ أثمانًا باهظة في حال تأخّرت. هذه حالة تستدعي صواريخَ مضادة للطائرات وهليكوبترات هجوميّة وأنظمة اتصالات وتدريب، من ضمن أمور أخرى. هذه كلها أمور تزخر بها الولايات المتحدة. هذه ليست حالة نشر كتائب حربية (التي هي أصلًا قليلة لدى الولايات المتحدة). بمقدور البولنديّين والرومانيّين والآذاريّين، وبالتأكيد الأتراك كذلك، الدفاعُ عن أنفسهم. هم في حاجة إلى السلاح والتدريب، وهذا سيبقي روسيا مُحتواة ضمن بُوتَقَتِهَا، فيما تلفظ آخرَ أنفاسها كقوّة عظمى.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

بومبيو للسعودية: توقفوا عن حصار قطر واليمن.. لقد طفح الكيل

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن صبر واشنطن قد نفد في ما يخص النزاع بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *