الرئيسية / دراسات / السلفية في لبنان

السلفية في لبنان

د. محمد مصطفى علوش

 

شكّل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، في 14 فبراير/ شباط 2005، نقطة تحول في تاريخ التيارات السلفية في لبنان، لاسيما أن الإغتيال رافقه بثّ شريط لـ”أحمد أبو عدس”، يعلن فيه باسم تنظيم جهادي مسؤوليته عن الإغتيال، جاء ذلك متزامناً مع بروز نشاط تنظيم القاعدة في العراق والخليج [الفارسي] وبعض بلدان المغرب العربي. إلاّ أنّ الحديث عن وجود التنظيمات السلفية الجهادية في لبنان لم يأخذ ذلك الزخم المتوقع، الى أن وقع الإعتداء الاسرائيلي على لبنان في يوليو/ تموز عام 2006، حيث بدأ الإهتمام ينصبّ حول حقيقة وجود خلايا أصولية متشددة قادمة من بلدان عربية الى لبنان، إمّا لإعادة ارسالها الى العراق أو لضرب حزب الله خوفاً من سيطرته على لبنان، معززاً ذلك الشعور باشتداد الصراع السني- الشيعي في العراق.
وهكذا تدحرج الأمر الى أن ظهر تنظيم “فتح الإسلام” في مخيم نهر البارد عام 2007، وأصبح لبنان محط أنظار العالم.

سُوّق لبنان في حينها أنه بلد مضطرب داخلياً إذ بات مسرحاً للحركات الأصولية، تصول وتجول فيه، سواء في المخيمات الفلسطينية(عين الحلوة – نهر البارد) أو في محافظات مثل البقاع وطرابلس وغيرها.
وكان من مقتضيات ذلك اتهام حاملي الفكر السلفي ومتبنيه في لبنان بالتعاطف والإحتضان لعناصر تنظيم “فتح الإسلام” الذي خاض معارك شرسة ضدّ الجيش اللبناني شمال طرابلس طيلة ثلاثة أشهر.
وقد كان خروج الجيش السوري من لبنان المتنفس للكثير من المرجعيات السلفية التي عادت للعمل الدعوي والإجتماعي من أوسع أبوابه ملتقية، ومتقاطعة في كثير من الأحيان مع توجهات “تيار المستقبل”، التيار السياسي الأكثر نفوذا حالياً داخل الطائفة السنية.

البذور الأولى للفكر السلفي

تعود البدايات الأولى لولادة الفكر السلفي في لبنان الى مطلع القرن العشرين مع “الشيخ محمد رشيد رضا”، صاحب “مجلة المنار” الذي لازم شيخ الأزهر الشيخ محمد عبده فترة من حياته، قبل أن يتحوّل إلى تبنّي الفكر السلفي والدعوة اليه، فالشيخ رضا هو من مواليد بلدة القلمون القريبة من مدينة طرابلس شمال لبنان، الأمر الذي دفع بالعلماء المحبين للشيخ، للتعرّف بشكل أوسع وأكبر على الفكر السلفي الذي يحمله، والذي كان يلقيه في روع هؤلاء، خلال زياراته لبلدته ومدينته قادماً من مصر.
يومها كان الأمر يقتصر على بعض النخبة من الإسلاميين، ولم ينفذ إلى عمق الشارع السني لغاية الستينيات من القرن الفائت، وذلك على يد “الشيخ سالم الشهال” الذي لُقب بـ”الأمير” من خلال تأسيسه لأول جماعة سلفية سميّت “جماعة المسلمون”، من مبادئها الدعوة لنهج الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

وكان الشيخ سالم يتنقل بين مدن وقرى الشمال، وخصوصا طرابلس والكورة، ويعتمد في دعوته على الوعظ والارشاد، ويسعى الى إقامة أفضل العلاقات مع البيئة التي تحيط به، وخصوصاً المسيحية.
يقول صهره حسن الشهال: “خلال نصف قرن من معاصرته للمسيحيين في الكورة، لم تحصل أية مشكلة بينه وبينهم، وكان يؤثر الحوار السلمي والبعد عن العنف”.
تحوّل العمل السلفي بعد ذلك، وبفعل المتغيّرات السياسية في لبنان، ليصبح تنظيماً عسكرياً جهادياً سُمّي “نواة الجيش الإسلامي” في السبعينيات من القرن الفائت على يد الشيخ داعي الإسلام، نجل الشيخ سالم.

الإجتياح الإسرائيلي محطة فاصلة

خلال الإجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، شعر السّنة في طرابلس أن الإجتياح سوف يكمل طريقه لمدينة طرابلس بعد سيطرته على بيروت وصيدا حيث الوجود الكثيف للسّنة في لبنان، فما كان من الإسلاميين، وعلى اختلاف توجهاتهم، سوى الإنخراط في العمل المسلح تحت لاءات الدفاع عن اسلامية وعروبة طرابلس بوجه الاحزاب القومية والشيوعية واليمينية المسيحية.
وقد كانوا يمدّون كلّ من بيروت وصيدا بالمال والمقاتلين، بعد ان انضوى الكثير من السلفيين، والذين كانوا قلّة انذاك، تحت راية “حركة التوحيد الإسلامي”.
بعد كسر الجيش السوري لشوكة الإسلاميين في مدينة طرابلس عام 1985، حاول السوريون إدارة ملف الإسلاميين في لبنان، على غرار غيره من الملفات، إلا ان علاقتهم بالسلفيين كانت الأكثر توتراً.
وقد شهدت أكثر من محطة حاسمة وقاضية أبرزها عام 1996 حين قرر السوريون إقفال أكبر جمعية سلفية، هي “جمعية الهدية والإحسان” التي يرأسها نجل الأمير سالم الشيخ داعي الإسلام الشهال، وبالتالي اغلاق كل معاهدها ومراكزها المنتشرة في أكثر من مدينة ومنطقة لبنانية.
بعدها شهدت الحالة السلفية عملية ولادات متكررة لكوادر ومراجع عديدة، تتنافس فيما بينها على كسب الشارع السني، وتنوّعت تسمياتها ما بين سلفية جهادية وسلفية تربوية وسلفية قطبية (سرورية) وغيرها من المسميات.

هكذا برز الوجود السلفي في لبنان عام 1982م، أي مع بداية الإجتياح الإسرائيلي للبنان الذي تشرزم فيه لبنان على كافة الصعد الإجتماعية والسياسية.
وقد كان العام 1982 بداية التراجع لنفوذ أهل السنة في لبنان بعد الغبش الذي لفّ مصير لبنان وهويته مع تعالي الأصوات الداعية لتغريب لبنان وإلحاقه بالمشروع الغربي، وحتى الإسرائيلي.
وإذا استثنينا بعض النشاطات الإجتماعية في مدينة طرابلس، فإن العمل الإسلامي كان شبه معدوماً.
ويُرجع الشيخ داعي الإسلام الشهال الوجود السلفي الى ما قبل عام 1982 وتحديداً لعام 1977م حيث كان أول نشوء سلفي مُنظّم، الاّ انه كان غير معلن، ويقول إن “أول بيان صدر باسم “نواة الجيش الإسلامي” كان سنة 1974.
أمّا ظهوره للعلن فقد كان في عام 1983م أثناء معركة “أبوعمار” التي كان أحد أطرافها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات”.

ويرجع الشيخ الشهال سبب نشأة “الجيش الإسلامي” لرغبة من يعتنقون الفكر السلفي في “تقوية شوكة أهل السنة بشكل عام، ومواجهة هجمة الفساد الخلقي التي ظهرت بوضوح آنذاك بسبب الأحداث، ومواجهة الأحزاب من يسارية وشيوعية وقومية، أي القوى غير الإسلامية المعادية للعمل الإسلامي في طرابلس” التي ظهرت وبقوة عام 1982 في لبنان، لاسيّما في طرابلس التي كانت الخزّان الحقيقي المموّل مادياً وبشرياً للجبهات، التي كانت مفتوحة في وجه العدو الإسرائيلي وعملائها كـ”جيش لحد” في صيدا وسائر مناطق الجنوب، فضلاً عن دعم الحركات التي وقفت في وجه الوجود الإسرئيلي في بيروت.
بعد عام 1985م، تمدد الفكر السلفي المنظم إلى العاصمة بيروت وجوارها وتحديداً منطقة إقليم الخروب، ومدينة صيدا، تحت مسمى “الجماعة والدعوة السلفية” المتولّدة من “نواة الجيش الإسلامي”.
وكان أحد أسباب هذا التوجّه نحو العاصمة وجوارها هو دخول الجيش السوري في سبتمبر/أيلول 1985م إلى مدينة طرابلس، ومقتل أحد مؤسسي الفكر السلفي في طرابلس “الشيخ اسامة القصاص” على يدّ جماعة الأحباش، بحسب ما يتهم السلفيون.

بعد اتفاق الطائف

استمرّ العمل على هذا الحال تناغماً مع الوضع السياسي في لبنان حتى عام 1989م، أي قبيل مؤتمر الوفاق الوطني بعام واحد 1988م، حيث لوحظ أن القيادات اللبنانية المتناحرة تتجه نحو حلّ ما للأزمة اللبنانية، وانسجاماً مع المتغيّرات الجديدة، فقد تمّ تغيير اسم الجمعية إلى إسم جديد هو “جمعية الهداية والإحسان”، ورُخص لها سنة 1989م، حيث حاولت أن يتخطى عملها العمل التنظيمي العسكري، ليطال مجالات اجتماعية وتربوية ودعوية وخدماتية، تمثل بـ”كفالة أيتام، والعمل الدعوي، ومنشورات ومساجد. تبع ذلك بناء معاهد للجمعية، بلغت خمسة معاهد عام 1991، وكذلك إذاعة، طالت معظم الأراضي اللبنانية، وغطّت جزءاً من الساحل السوري والمصري والتركي.
إلا انه تمّ حلّ الجمعية عام 1996م، برغبة مباشرة من الوصاية السورية في لبنان، وذلك على خلفية طبع الجمعية كتيباً في مدينة طرابلس يتناول الفرق والمذاهب في التاريخ الإسلامي، حيث تطرق الكتيب للمذهب العلويّ، واصفاً أصحابه بالفرقة الضالة الكافرة.

يعتبر هذا التاريخ محطة فاصلة في انفلاش العمل السلفي الهرمي وانشطاره، وقد أعقب حلّ الجمعية ظهور جمعيات ووقفيات عديدة، أسّسها تلامذة الشيخ الشهال، حيث انقلب كثير منهم على فكر الشيخ، وانقلب تلامذة التلاميذ على أساتذتهم، وراح الكلّ ينافس الكلّ على كسب الشارع الإسلامي، وما عزّز هذا التحوّل هو كثرة الجمعيات والهيئات، والشخصيات الخليجية الممولة مالياً وعقائدياً لهذه الوقفيات والجمعيات السلفية.
أما في بيروت، فلعل أولّ عمل سلفي فيها كان مع افتتاح اذاعة “صوت الإسلام” عام 1993، وقد اشرف عليها “وقف القدوة للعلم والدعوة” في بيروت، وهو عبارة عن اتحاد جمعيتين، هما “جمعية التقوى” و”جمعية العلم والإيمان” بإشراف الشيخ أحمد الميكاوي الذي تأثر بمدرسة الشيخ سفر الحوالي، والشيخ سلمان العودة، والشيخ سعد الحصين الذي كان وزيراً للأوقاف في السعودية. حصل بعدها خلاف داخل اذاعة “صوت الإسلام” بين تيارين، تيار قطبي قريب من أفكار علماء الصحوة في السعودية وتيار آخر محسوب على الشيخ عبدالهادي وهبة المتأثر بفكر الشيخ المدخلي.

وتعتبر “جمعية الهداية والإحسان” الجامع الأساسي للسلفيين في لبنان، بحسب ما يقول مؤسسها الشيخ داعي خلال حوار معه بقوله: “هي الأم لما نشأ من جمعيات سلفية تُعنى بأهل السنة والجماعة، وكانت الجمعية هي الأكثر انتشاراً جغرافياً ودعوياً في الأراضي اللبنانية.
وفي طرابلس خصوصاً حيث الثقل السني في لبنان لم يوجد غيرها من جمعيات لها أنشطة”.
هذا التحوّل في تركيبة التنظيم السلفي في لبنان من تنظيم هرمي بقيادة واحدة الى تنظيمات وجمعيات لها أفكارها ومناهجها ومصادر تمويلها، أدى في مابعد إلى إنحراف بعض هذا الفكر من فكر أساسُه إعادة المسلمين الى الأصول الأولى للدين بالتربية الى فكر يعتمد العنف في فرض ايديولجيات راديكالية، تمثلت باغتيال الشيخ نزار الحلبي، أحد أبرز تلامذة مؤسس “جمعية المشاريع الخيرية”(الأحباش) الشيخ الأثيوبي عبدالله الهرري عام 1995 في بيروت، ثم “أحداث الضنية” أواخر عام 1999م وبداية عام 2000، حيث كان أول احتكاك عسكري بين عناصر من حملة الفكر السلفي الجهادي والجيش اللبناني.

وبرغم عودة “جمعية الهداية والإحسان” للعمل من جديد بعد أن حكم مجلس شورى الدولة لصالحها باستئناف عملها من جديد عقب الخروج السوري من لبنان عام 2005، فإن العمل السلفي يبدو أنه شطّ عن طريقه وعصي على الإنضباط.
فما أحداث مخيم نهر البارد المتورط فيها عدد من اللبنانيين من حملة الفكر السلفي، وما الإتهامات التي وجهت لبعض مؤسسي “اللقاء الإسلامي المستقل” إلا مؤشر آخر إلى أن الوضع السلفي في لبنان بحاجة الى إعادة تقويم سواء من العلماء السلفيين أو من قبل الحكومة وأجهزتها الأمنية في كيفية التعامل مع هذا الفكر وحملته.
وكان من آخر تجلّيات هذا الفكر بروز الشيخ أحمد الأسير في مدينة صيدا منذ عامين وتمدد نشاطه الى مدن لبنانية أخرى.
ويعود سبب بروز الشيخ الأسير لطروحاته التي تتخطى قواعد اللعبة السياسية التي التزم بها منافسوه من حملة الفكر السلفي ومتصدريه تاريخياً. ولعل اللافت في ظهور الأسير هو قدرته على استقطاب الإعلام بوسائله المتعددة بشكل أكثر ممّا يفعل الآخرون.
وفي اعتقادي ان الأسير استطاع ان يخرج الفكر السلفي من كونه حكراً على شريحة اجتماعية، وقيادات أغلبها موجودة في شمال لبنان الى التمدد على طول الجغرافيا اللبنانية، وهو ما سيخلق استحقاقات جديدة سواء في تطوّر هذا الفكر، وتنافس متصدريه في لبنان أو في طريقة تعاطي الجّهات الرسمية والأمنية معه.
أحمد أبو عدس هو شاب فلسطيني يعيش في لبنان، لمع اسمه فجأة يوم اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005 حيث بثت قناة “الجزيرة” شريطا يعلن فيه أبو عدس مسؤوليته عن تنفيذ التفجير.
وكانت جماعة مجهولة، تطلق على نفسها اسم “النصرة والجهاد في بلاد الشام”، تبنت عملية اغتيال الحريري.
وقالت في شريط مصور بثته “الجزيرة” إنها نفذت القصاص العادل في رئيس الوزراء اللبناني السابق، على حد تعبيرها. وأضافت ان شخصا يدعى أحمد أبوعدس، نفذ الهجوم “ضد الحريري العميل للنظام السعودي وانتقاما لمن قتل في السعودية”. وتوعد المتحدث بأن تكون عملية الاغتيال فاتحة لعمليات اغتيال أخرى في بلاد الشام.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *