الرئيسية / دراسات / وعاء الوسطية والتيارات الماضوية

وعاء الوسطية والتيارات الماضوية

بقلم: بكر أبوبكر*

لن ألقي عليكم محاضرة أو وعظ ديني يثبت بالآيات الكريمة أوالأحاديث الشريفة وسطية واعتدال الدين الاسلامي الحنيف، لأنه إذا كان المقصود من العنوان إثبات ما هو مستقر أو تأكيد المؤكّد بتوصيف الدين الاسلامي وإطلاق الصفات عليه، أو نزع تُهم موجهة اليه فلا أرى سببا لدينا، إلا أن انتشار الفكر الماضوي السلفي المتسق مع الفكر الإخواني الحركي ومع “السلفي المقاتل” هو السبب الذي يستدعي من بعض المسلمين الحاجة للذبّ عن سماحة ووسطية الاسلام الواضحة في الوثائق الثلاثة الكبرى وهي القرآن الكريم وسيرة الرسول والتاريخ.

الرسالة واحدة

لن أدافع عن الدين الاسلامي أو أي من الأديان التي سبقته[2] بمنطوق الرسالة الحقيقي الذي أوحاه الله لأنبيائه لأن الرسالة واحدة منذ آدم وهي رسالة التوحيد،[3] وفي العبودية المرتبطة بالتوحيد تحرّر من أسر المستبدين الذين يصورون أنفسهم في روع الناس مقدسين أوآلهة دون الله . فلم يعد الإله صنما من حجر يُعبد ، وإنما هو في كل زمان وثن بشري، ومن هنا كانت الرسالة الواحدة ذات الهُدى الأكبر الواضح الذي يتفرع عنه مفاهيم (التكريم) للإنسان و(الاستخلاف) و (الأمانة)[4] مقابل ما هو مطلوب منه من عبودية خالصة لرب العالمين.

بناء على ما سبق لست معنيا إطلاقا بإثبات وسطية واعتدال وسماحة الدين الاسلامي الواحد منذ آدم حتى اليوم.

إن العنوان الصحيح الذي من الممكن أن أتعرض له هو وسطية واعتدال وسماحة المسلمين، هل نحن كمسلمين اليوم كذلك أم لا ؟ هل نأخذ (الوسطية) بالكلية الاسلامية؟ أم نتفرع بالفهم لتقسيمات المسلمين ما هو قابل للنقاش؟

نعم يستقيم النقاش عندما نتحدث عن نظرة المسلمين وأفهام المسلمين وآراء المسلمين، فإذا ابتعدنا عن التقسيم الطائفي والمذهبي للمسلمين، وإذا ابتعدنا عن التقسيمات المرتبطة بالحركات أو الجمعيات أو الأحزاب الاسلاموية الحالية يبقى لنا أن نناقش مستوى النظرة العامة والفهم المرتبط بطبيعة البيئة والأفكار الكبرى المنتشرة في الوطن العربي والعالم الاسلامي.

الفكر الماضوي مقابل الفكر التجديدي

تنتشر في العالم الاسلامي اليوم، وبين المسلمين أشكال من الارتباط بالإسلام، ما يمكن أن نراه عبر البناء الفكري الإنساني والتعبئة الانسانية والبيئة الحاضنة، من خلال نظرتين أوعقليتين أساسيتين كالتالي:

النظرة أو الفكر الماضوي السلفي.

النظرة أو التفكير التجديدي التنويري.

وكلاهما على تناقض تام، ويسير باتجاه متعاكس، لأن كل منهما ينهل من نبع مختلف مرتبط اسلاميا تاريخيا بمنطق ترسخ عقلية “النقل” أو المدرسة النصية،[5] وتطليق النقد وهي ما أصبحت الآن العقلية النقلية الماضوية مقابل مدرسة العقل التي استقرت في التاريخ الاسلامي لدي عدد من مجتهدي المسلمين القدماء،[6] وبعض الأفكار المنسوبة لآخرين من المجتهدين الذين امتدوا بشكل تنويري في هذا الزمان ليرتبطوا بكل من الشيخ جمال الدين الافغاني والشيخ محمد عبده وعلى شريعتي، ورشيد رضا في بداياته، وخير الدين التونسي، والطاهر عاشور ومحمد عابد الجابري ومالك بن نبي والشيخ محمد الغزالي والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد أبوزهرة ود.حسن الترابي وغيرهم الكثير.[7]

إذن هناك مدرستين حديثتين-قديمتين وإن اختلفت المنابع في المنهج الفكري، حيث دخلت روافد جديدة على كلاهما اليوم هما كما قلنا مدرستا النقل والنص مقابل العقل أو ما اصبحت مدرسة النقل الماضوي السلفي النصي مقابل العقل التنويري التجديدي، وما يتم الخوض في أجزاء منها أحيانا في الأدبيات العربية والعالمية تحت عنوان الأصالة والمعاصرة.

بلا شك أن إطلالة القرن العشرين كانت مرتبطة بفكر اسلامي مستنير نظر بتمعن الى الغرب، وبحث في التاريخ فاستطاع الربط بين المفهومين أي الفكر العلمي التجديدي في الغرب والفكر الايماني اليقيني المتفتح في التاريخ الاسلامي فنشأت المدارس التجديدية الاسلامية وهي مدرسة العقل الاسلامي المستنير الوسطي والمبدع.

نشوء التنظيمات والأحزاب

كان الفصل الكبير والمتغير الرئيس في الفكر العربي الاسلامي هو نشوء التنظيمات أوالجماعات السياسية التي ترفع لواء الدعوة في ثوب السياسة أو العكس، ما كان مخالفا كليا لكل مذاهب المسلمين أو المنظّرين أوالمفكرين الذين كانوا يتعاملون مع عموم الأمة، وليس برسالة موجهة خصيصا لجماعة “مؤمنة” أو جماعة محصنة أو جماعة مخصصة دونا عن سواها ما أثمر عقلية جديدة مهدت البيئة لاحقا لتعبئة وتحريض وتفكير حصري اقصائي.[8]

وكان المتغير الكبير الآخر في نفس سياق نشوء الجماعات مع الأفكار الكبرى هو انتشار مفهوم (ولي الأمر/الأمير) وطاعته وجوبا بغض النظر عن حجم صلاحه من عدم صلاحه، ما شرّع للاستبداد وشرّع للظلم وشرع للطغيان الذي أشار له عبد الرحمان الكواكبي في كتابه الشهير طبائع الاستبداد قبل 100 عام.

إذ استطاع الفكر[9] المتجدد أن يستوعب الكثير من الأفكار الوافدة ويدمجها في مناهج التفكير الاسلامية ، فإن صدمة التفوق الغربي التي فاجأت العقل السلفي الماضوي لم يتم استيعابها فاضطر هذا العقل للنهل مما يؤكد هويته من ذاك المخزون المرتبط بالموروث والتاريخ الاسلامي بغثّه وسمينه.

بروز نواة التطرف المعاصر

حصل التلاقي بين الفكر الماضوي السلفي والفكر الإخواني الحركي والفكر المنشق على الاخوان والتكفيري منذ العام 1979 [10]ليتم تأسيس ما أصبح لاحقا يسمى (السلفية الجهادية).

إن هذه الإطلاله اللازمة هي بضرورة نقض العنوان من جهة وإلقاء عبء الاثبات بمنطق الوسطية أو الاعتدال أو التسامح على ذات فكر المسلمين الإنساني بتياراتهم وفعلهم الذي يقول بالكثير المتناقض.

ما هي الوسطية؟

إن الوسطية والاعتدال والتسامح نسيج عقلاني يعبّر عن نفسه بكثير من التعريفات التي منها أن (الوسطية تعني الاعتدال و الاستقامة والعدل والتوازن ويقال أنها تتغير بحسب الاجتهادات ولا تصلح أن تكون مصدرا للتوافق السياسي أو الفكري أو الاجتماعي وذكر البعض أن الوسطية مصطلح غامض وأنكر أن يكون لها تعريف مطلق لأنها اصطلاح نسبي)[11]

والوسطية مأخوذة من الوسَط الذي هو بمعنى: العدل أو الخيار، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة:143].

وعند فقهاء المسلمين (الوسط هو الخيار والأعلى من الشيء، والوسط من كل شيء أعدله، وأصل هذا أن خير الأشياء أوساطها، وأن الغلو والتقصير مذمومان)

ويقول د.محمد راتب النابلسي أن “كلمة وسط كلمة دقيقة جدا، الوسط أي بين المادية المقيتة وبين الروحية الحالمة،بين الحاجات الملحة والمُثُل البعيدة، بين الفردية الطاغية وبين الجماعية الساحقة، بين العقلانية الباردة وبين العاطفية المتأججة”.[12]

إن الوسطية مطلوبة ، وهي الاعتدال في كل الأمور الدينية والدنيوية كما يذكر الشيخ أبوسعيد الجزائري، فقد قالت عائشة رضي الله عنها:‘‘ ما خُيّرَ رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما،فإن كان إثما ،كان أبعد الناس منه ‘‘ و إن الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمد صلى الله عليه و سلم قد رفع فيه الحرج في التكاليف الشرعية،فلم يكلف الله أحدًا فوق طاقته ،و لم يأمره بما يزيد على وُسعه، قال تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )(الطلاق8)

الوسطية أو الاعتدال كما هي كل المفاهيم والتعريفات والمصطلحات قابلة للتأويل[13] ، ونسبية القياس فكل تنظيم أو فكر اليوم يستطيع أن يدعى أنه ممثل “الوسطية” على اعتبار فهمه الخاص للمصطلح، أو علي اعتبار أنه ممثل الاسلام حصريا-وهنا المشكلة الحقيقية- وكل الفكر الانساني الناشيء عنه.

في جميع الأحوال فإننا نستطيع القول التالي:

1. إن الاديان ذات المنبع الواحد منذ النبي آدم تدعو حُكما للوحدانية وما ينبثق عنها من قيم سامية منها التسامح والاعتدال والوسطية .

2. إن اختلاف أفهام الناس ، ودخول السياسة والمصالح في تفكير الناس أدى لمجموعة مختلفة من مناهج التفكير (3 مناهج هي : عقلي متجدد أو نقلي غير نقدي ماضوي، وحديثا المتطرف الماضوي).

3. سببت صدمة تخلف الأمة مقابل صحوة الغرب بعد أكثر من 400 عام من سُبات فكري وفقهي تحت الحكم العثماني سببت نشوء عدة تيارات فكرية منها ما نهل من النبع الإسلامي ومنها ما دمج، ومنها ما ارتبط بالغرب كليا دون مرجعية حضارية إسلامية.

نعيش اليوم بين مجموعة من التيارات الفكرية الاسلاموية الكبرى أشهرها الاخوانية والسلفية والتقليدية ، ومن (ذات البيئة) وتأسيسا على ما مضى من تاريخ حصل التلاقي بين (الحركة) و(الفكرة الماضوية) و (البيئة الراعية) لينشأ فكر التطرف والتكفير على قاعدة فاسدة في تفسيرها بعقلهم هي ما يدعونه من إقامة شرع الله وإعلاء شأن الاسلام وإعلان الإمارة (الخلافة) الاسلامية التي أصبحت ركنا أساسيا (دينيا) في خطاب الحركات الاسلاموية الحديثة.

تقسيم التيارات

وفي عُجالة يمكننا النظر للأفكار الثلاثة الحديثة المذكورة لنوضح أن الفكر الاخواني باعتباره في دائرة النظر رغم أنه احتكاري إقصائي للآخر وتنزيهي تقديسي للذات، إلا أنه لا يمكن اعتباره متطرفا كليا أو وسطيا أو متهاونا بل يمتلك تيارات عديدة أشهرها ثلاثة برأينا هي: التيار الرسمي والوسطي، والتيار المتطرف المرتبط بسيد قطب، والتيار التجديدي وفي غالبه من المنشقين أو المستنكفين.

وكذلك الأمر يمكننا النظر للفكر السلفي الماضوي الذي ينقسم أيضا بشكل محدد الى 3 اتجاهات : التيار السلفي التقليدي (مع ولي الأمر وضد الفتنة وضد الحزبية)، والتيار السلفي الحركي (يسمح بتشكيل أحزاب وتنظيمات)، والتيار السلفي المتطرف (ما دعي لاحقا السلفية الجهادية وأشهرها اليوم القاعدة وداعش)، ومن هنا بإمكاننا أخذ شعاع من كل من التيار السلفي الماضوي و الاخواني المتطرف والمرتبط بالبيئة الخصبة لنقول أن المسلمين ارهابيين أو متطرفين بالحكم الغربي الجغرافي.

كما يمكننا النظر من زاوية التيار التقليدي في الاخوان والسلفي التقليدي، والبيئة المتسامحة لنطلق على المسلمين (وعلى الاسلام) صفة التسامح والاعتدال والوسطية ، وفي كل التوصيفين لنا من التاريخ والأحاديث والآيات كثير من السند.

ما نريد التأكيد عليه هو أن الدين الاسلامي كدين برئ من أي تهمة لا نكلف أنفسنا عناء الدفاع عنه، فمن ضلّ فعليه ضلاله، ومَن اهتدى فلنفسه لا يمن على الله بشيء، وإنما اختلاف الأفهام والمناهج والمدارس هي التي تعكس نظرات الآخرين لأحوالنا .

ومن هنا نعيد أننا ننزه الدين الاسلامي عن أي توصيف محدود لم يوصف نفسه به على لسان القرآن الكريم أوالرسول عليه السلام.

والثابت الآخر هو: نعم يوجد في الأمة الاسلامية والمجتمعات الاسلامية والحركات الاسلاموية جماعات نهضوية تجديدية، مقابل جماعات ماضوية تقديسية فيهما المتطرف غربا أو شرقا .

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (الأحزاب:71) يقول الشيخ راتب النابلسي في شرحه الآية الكريمة: ) سماه الله فوزاً عظيماً، أي يكفي أن تكون في طاعة الله، يكفي أنك لا تقترف الزنا، و لا تشرب الخمر، ولم تكن سبباً في إزهاق روح إنسان، يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، يكفي أن تجتنب الكبائر، و أن تجتنب الصغائر، و أن تكون مطيعاً لله، مطبقاً لمنهجه، متصلاً به، متوجهاً إليه، راجياً رحمته، خائفاً من عذابه، هذه نعمة سماها القرآن فوزاً عظيما.ً)

الفوز العظيم

يقول د.يوسف الهميلي[14] موضحا طريق الفوز العظيم ب5 خصال، هي ما نراه في مسار الفهم “الوسطي” الانساني -كما أشار له النابلسي وعمارة والجزائري- هي:

1 – الإيمان: وقد ذُكِر بأنَّه من صفات الفائزين في ستَّة (6) مواضِعَ من القرآن الكريم.

2 – الجهاد: بالمال وبالنَّفس، وقد ذُكر في ثلاثة (3) مواضع.[15] 3 – التَّقوى: وقد ذُكِرتْ في موضعين.

4 – طاعة الله ورسولِه.

5 – العمل الصالح: ومنه الصِّدق على وَجْه الخصوص.

أرى الآن ان الوسطية والفكر الاسلامي الوسطي هو فكري وفكر من يرغب بالطريقة التي أعرّف بها الوسطية التعددية الشوروية أن يكون في ربقة المؤمنين معي، فأطن اننا من الفائزين الذين قال بهم الله تعالي : (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ، عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود-11)

إفادة: الامام محمد أبو زهرة يورد في خطبة له قائلا: قال علي بن أبي طالب عندما وجه ابن عباس الى الخوارج (لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه ، تقول ويقولون) وقال في مكان آخر (القرآن كتاب مسطور ينطق به الرجال) ما هو في حقيقته اعتراف بتداخل العوامل الذاتية في فهم النص القرآني.

كانت مشكلة الخوارج خطأ في تشخيص الواقع ، وقصورا في التفكير ، وتسطيحا في الوعي ولذلك أطلق علي بن أبي طالب (رض) عبارته المشهورة (لا تقتلوا الخوارج من بعدي ، فليس من أراد الحق فأخطأه كمن أراد الباطل فأصابه) وكيف لا وهو من اعتبر ان الخوارج (من الشرك فروا).

يقول د. قاسم شعيب في (تحرير العقل الاسلامي) (عبادة الاشخاص وتقديسهم هي الأشياء التي انتجت العقلية الطائفية المذهبية وهي المسئولة عن تكريسها).

(ان العقلية المغلقة ترفض أن يكون للآخر ولو بعض الحق مما يعني أنها ترفض أن تكون الحقيقة مشروطة بشروط الانسان الثقافية والتاريخية…).

(إن الدين التوحيدي وليس الدين السلطوي هو ما يمنح الانسان محبة الآخرين والتضحية من أجلهم وخدمة مصالحهم وقد استطاع الإسلام ذلك من خلال توسيعه لمفهوم المصلحة فبين ان مصلحة الانسان لا تنحصر في المصلحة المادية الدنيوية بل هناك أيضا المصلحة المعنوية حيث تقدير الآخرين واحترامهم) اضافة لرضا الذات والجائزة الأخروية.

نموذج للاختلاف بين فكرتين وبيئتين (الوسطية مقابل التشدد الاسلامي)

كيف يجب أن نتعامل مع المسيحيين؟

تعقيب الشيخ بن باز على مقالة الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر بعنوان: علاقة الإسلام بالأديان الأخرى: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز[16] إلى حضرة الأخ سماحة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر وفقه الله للخير، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فقد اطلعت على مقالة لسماحتكم نشرتها صحيفة الجزيرة السعودية في عددها الصادر في يوم الجمعة 16/5/1415هـ بعنوان: “علاقة الإسلام بالأديان الأخرى” ورد في أولها من كلامكم ما نصه:

(الإسلام يحرص على أن يكون أساس علاقاته مع الأديان والشعوب الأخرى هو السلام العام والود والتعاون؛ لأن الإنسان عموماً في نظر الإسلام هو مخلوق عزيز كرمه الله تعالى وفضله على كثير من خلقه، يدل لهذا قول الله تعالى في سورة الإسراء: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا[1]، والتكريم الإلهي للإنسان بخلقه وتفضيله على غيره يعد رباطاً سامياً يشد المسلمين إلى غيرهم من بني الإنسان، فإذا سمعوا بعد ذلك قول الله تعالى في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[2]، أصبح واجباً عليهم أن يقيموا علاقات المودة والمحبة مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى، والشعوب غير المسلمة، نزولاً عند هذه الأخوة الإنسانية، وهذا هو معنى التعارف الوارد في الآية..) الخ.

ولقد كدرني كثيراً ما تضمنته هذه الجمل من المعاني المخالفة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ورأيت من النصح لسماحتكم التنبيه على ذلك: فإنه لا يخفى على سماحتكم أن الله سبحانه قد أوجب على المؤمنين بغض الكفار، ومعاداتهم، وعدم مودتهم وموالاتهم، كما في قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[3]، وقال سبحانه في سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ[4]، وقال سبحانه في سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ[5] الآية، وقال سبحانه في سورة المجادلة: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ[6] الآية.

فهذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها من الآيات الأخرى كلها تدل على وجوب بغض الكفار، ومعاداتهم، وقطع المودة بينهم وبين المؤمنين حتى يؤمنوا بالله وحده، أما التعارف الذي دلت عليه آية الحجرات فلا يلزم منه المودة ولا المحبة للكفار، وإنما تدل الآية أن الله جعل بني آدم شعوباً وقبائل؛ ليتعارفوا، فيتمكنوا من المعاملات الجائزة بينهم شرعاً كالبيع والشراء، وتبادل السفراء، وأخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس، وغير ذلك من العلاقات التي لا يترتب عليها مودة ولا محبة.

وهكذا تكريم الله سبحانه لبني آدم لا يدل على جواز إقامة علاقة المودة والمحبة بين المسلم والكافر، وإنما يدل ذلك على أن جنس بني آدم قد فضله الله على كثير من خلقه.

فلا يجوز أن يستنبط من الآيتين ما يخالف الآيات المحكمات المتقدمة وغيرها الدالة على وجوب بغض الكفار في الله ومعاداتهم، وتحريم مودتهم وموالاتهم؛ لما بينهم وبين المسلمين من البون العظيم في الدين.

والواجب على أهل العلم تفسير القرآن بما يصدق بعضه بعضاً، وتفسير المشتبه بالمحكم، كما قال الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ[7] الآية، مع أن الحكم بحمد الله في الآيات المحكمات المذكورة وغيرها واضح لا شبهة فيه، والآيتان اللتان في التعارف والتكريم، ليس فيهما ما يخالف ذلك.

وقد ورد في المقال أيضاً ما نصه: (فنظرة المسلمين إذن إلى غيرهم من أتباع اليهودية والنصرانية هي نظرة الشريك إلى شركائه في الإيمان بالله والعمل بالرسالة الإلهية التي لا تختلف في أصولها العامة).

وهذا – كما لا يخفى على سماحتكم – حكم مخالف للنصوص الصريحة في دعوة أهل الكتاب وغيرهم إلى الإيمان بالله ورسوله، وتسمية من لم يستجب منهم لهذه الدعوة كفاراً.

ومن المعلوم أن جميع الشرائع التي جاءت بها الأنبياء قد نسخت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لأحد من الناس أن يعمل بغير الشريعة التي جاء بها القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ[8]، وقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[9]، وقال سبحانه: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[10]، وقال سبحانه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ[11]، وقال سبحانه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ[12] الآية، وقال عن اليهود والنصارى في سورة التوبة: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[13] والآيتين بعدها.

والآيات في هذا المعنى كثيرة، كلها تدل على كفر اليهود والنصارى باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وقول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، وتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وعدم إيمانهم به إلا من هداه الله منهم للإسلام.

وقد روى مسلم في صحيحه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار))، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، والأحاديث الدالة على كفر اليهود والنصارى، وأنهم أعداء لنا كثيرة.

وإباحة الله سبحانه للمسلمين طعام أهل الكتاب ونساءهم المحصنات منهن لا تدل على جواز مودتهم ومحبتهم، كما لا يخفى على كل من تدبر الآيات وأعطى المقام حقه من النظر والعناية.

وبذلك كله يتبين لسماحتكم خطأ ما ورد في المقال من:

1- القول بأن الود والمحبة من أساسيات العلاقة في الإسلام بين الأديان والشعوب.

2- الحكم لأتباع اليهودية والنصرانية بالإيمان بالله والعمل بالرسالة الإلهية التي لا تختلف في أصولها العامة.

وتواصياً بالحق كتبت لسماحتكم هذه الرسالة، راجياً من سماحتكم إعادة النظر في كلامكم في هذين الأمرين، وأن ترجعوا إلى ما دلت عليه النصوص، وتقوموا بتصحيح ما صدر منكم في الكلمة المذكورة براءة للذمة، ونصحاً للأمة، وذلك مما يحمد لكم إن شاء الله، وهو يدل على قوة الإيمان، وإيثار الحق على غيره متى ظهرت أدلته.

والله المسئول بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم وسائر علماء المسلمين لمعرفة الحق واتباعه، وأن يمن علينا جميعاً بالنصح له ولعباده، وأن يجعلنا جميعاً من الهداة المهتدين، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. (انتهى نص بن باز : في موقعه الرسمي على الشابكة)

خاتمة

ونختم بالقول أن الاعتدال والوسطية والتسامح هي قيم حض الله عليها الإنسان ليتبعها مع أخيه الانسان وفي المجتمع، مع مجموعة (منظومة) من الأخلاق والتأملات والتفكرات الواردة في الكتاب والمطلوب اتباعها، وهي كذلك موجهة للإنسان لأن الدين هو “الحق” وهو “الهدى” ، والحق واجب الإتباع.

ولكن الوعاء والوسيلة والأداة المنفذة لتعاليم الدين (أي الإنسان العاقل) ما كان على هذا الانسان بعد الإيمان، أن يتبع القوة والجبر والقسر والعدوان على الآخرين، وإنما كان عليه فريضة التفكر والتخيّر (اختيار الوسيلة الأكرم والأمثل والاوقع تأثيرا) وتأدية فريضة الدعوة للخير بالوسائل الثلاثة التي حددها بوضوح رسولنا الكريم في حديثه الموصوف بتغيير المنكر (يده،لسانه،قلبه).

ومن هنا فإن الاعتماد هو: على مدى قدرة الإنسان على 1-تمثل وتشرب وتفهّم تعاليم القرآن الكريم والدين-والأديان عامة مبتغاها التوحيد لتحقيق التحرر- و2-حُسن نقلها للآخرين (وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) (الكهف19( (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) (طه 44 )[17] (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(النحل 125)

وصدق القائل (هو الذي أرسل رسوله بالهدى[18] ودين الحق ليظهره على الدين كله،وكفى بالله شهيدا) (الفتح-28)

*بكر أبوبكر،كاتب وأديب فلسطيني،عضو المجلس الثوري لحركة فتح

[1] الدين وسطية واعتدال وتسامح.، هو العنوان الرسمي الذي قدمت به الورقة للمؤتمر.

[2] من المعلوم أن الديانة اليهودية كمثال طالها التحريف والتخريف فاحتوت كتناخ (التوراة وملحقاتها) على أكاذيب وقصص وخيالات وأحلام وآمال وخزعبلات رُكّبت على التاريخ والدين (أنظر في ذلك كل من زئيف هرتزوغ وإسرائيل فلكنستاين، وشلومو ساند، وكيث وايتلام)، ودحض علم الآثار والعلم البحثي الحديث مرويات التوراة، إذ لم تقع الأحداث المذكورة فيها في بلادنا فلسطين أو القدس-قدسنا مطلقا، وإنما في فضاء جغرافي آخر، وللاطلاع أكثر على كتابات فاضل الربيعي وأحمد الدبش وفرج الله صالح ديب

[3] يقول الله تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (الشورى 13) ويقول د.محمد عمارة أن التوحيد ثورة تحريرية تعتق الانسان بكل طاقاته من العبودية لكل الأغيار.

[4] يقول الله تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ( الاحزاب 72 )، ومن تفاسير معنى الأمانة أو (الميزان) لدى المسلمين أنها العقل.

[5] العقل جهاز إدراكي موجود في الإنسان، الفائدة منه التمييز بين ما ينفعه وما يضره من خلال النظر في الأشياء والوقائع والأشخاص والنصوص،أي هو أداة التفكير والوعي والتمييز،أما النقل فهو بالدرجة الأولى الوحي بشقّيه القرآن والسنة ثم ما تعلّق به من أقوال العلماء وأقوال الصحابة والتابعين تحديدًا، وللنقل – عند علماء الدين – عدة اصطلاحات كالوحي والخبر والأثر والسمع.

[6] لا يجد أتباع المدرسة النقلية السلفية الجامدة اليوم إلا (المعتزلة) في التاريخ الاسلامي ليشوهوا منطق العقل عندهم، ويضيفون الفلاسفة والصوفية وغيرهم، رغم النتاج العلمي الهام لكل هذه التيارات.

[7] لقد قرّر ابن تيمية من قديم أن” العقل الصريح لا يُعارض النقل الصحيح، بل يشهد له ويؤيده لأن المصدر واحد فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل، ومن المحال أن يُرسل إليه ما يُفسده”.

ورغم وضوح هذه العبارة وحصافتها فإنّ أتباع ابن تيمية في هذا العصر أشدّ الناس اتهامًا للعقل وتبرمًا من المدرسة العقلية القديمة والحديثة، وأكبر تشنيع لهم على خصومهم الفكريّين اتهامُهم بالعقلانية والاعتزال ولو كانوا من العلماء الراسخين والدعاة المجاهدين.(الكاتب عبدالعزيز كحيل في يقظة فكر)

[8] منذ الخلاف الكبير بين الصحابة علي ومعاوية انشقت الأمة الاسلامية بين الأفكار السياسية السلطوية، وتكاثرت “الفِرَق” التي كانت تعتقد أنها تسعى لتثبيت الدين الصحيح عبر كسب السلطة بالدعاية لعائلة محددة أو فرقة معينة دونا عن غيرها، فظهر أدعياء الحصانة من أنبياء مزيفين ومن أئمة معصومين أو مقدسين، وإن كانت معظم الفرق المغالية “المتطرفة” قد انقرضت الا أن ما يحصل في عالمنا اليوم ونحن في العام 2014 يمثل ردة ونكوصا لمرحلة “الخوارج” بحيث تحول الفكر النصي النقلي الى بيئة خصبة مفرخة للنوع الثالث وهو الفكر الماضوي المتطرف.

[9] يعمل العقل المسلم لتحصيل العقل والمعرفة ادوات “النظر” و”التدبر” و”التعقل” و”البينة” و”البرهان” و”الجدل” مما وردت نصا كمصطلحات في القرآن الكريم بعشرات الأيات لتعني التفكير والحصول على اليقين والايمان. وقال الإمام المتكلم أبوعلي الجبائي (إن الواجب الاول على الانسان هو النظر=التفكر) بينما قال أبوهاشم (إن الواجب الاول على الانسان هو الشك)-د.محمد عمارة في كتاب معالم المنهج الاسلامي، دار الشروق، طبعة 2009، ص58 لذا فالتفكر فريضة شرعية

[10] في هذا العام 1979م حصلت 3 متغيرات كبرى منها توقيع الصلح بين مصر والاسرائيليين في كامب ديفد، وفي العام هذا احتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان، كما انتصرت الثورة الايرانية على الشاه ما أسهم في ارتفاع مد التيار الديني كثيرا.

[11] فيحاء القواسمي، الوسطية في الاسلام والقرآن، بحث صدر عام 2009

موقع الشيخ د.محمد راتب النابلسي على الشابكة[12] [13]يقول د.محمد عمارة (الوسطية الجامعة أهم سمات وخصائص الإسلام بشرط أن يفهمها المسلمون فهما صحيحا، وأن ينقلوها للآخر كما أرادها الله عز وجل) موضحا أن (الإسلام تميز بأنه حدد حدود لدور الفرد في الكون في إطار واسع وشامل هو الاستخلاف،والتي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكون موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين ولكن المغايرة ليست تامة ، فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل والإيمان الإسلامي يجمع بين الايمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية)

وتتحدد ملامح الوسطية الجامعة (بأنها تعتمد على كتابين هما كتاب الكون “الطبيعة” وكتاب الوحي وهي بذلك تجعل المسلم يبني حضارة لا تنفصل عن الله وعن السماء بل تجمع بين عناصر العدل والحق من كتاب الله المسطور والمتطور.)

مضيفا (أن مكانة الإنسان في المفهوم الإسلامي والرؤيا الإسلامية للوسطية لا تقوم على تمجيد الإنسان أوتحقيره بل تقوم في الأساس على أنه سيد في الكون وليس سيد الكون. أما الملمح الثالث من ملامح الوسطية الجامعة فهو أن مصدر المعرفة الإسلامية هو الكتاب الكون والوحي، وأدواتها هي الحواس والعقل وعالم الغيب، كما أن الوسطية الجامعة تجمع بين العقل والنقل، وأن العقلانية في الإسلام ما هي إلا عقلانية مؤمنة )

[14] رابط الموضوع على شبكة الألوكة الاسلامية: http://www.alukah.net/sharia/0/38180/#ixzz3Gwy4PY8v

[15] قسّم الراغب الأصفهاني (502هـ/ 1108م) «الجهاد إلى ثلاثة أضرب:

1- مجاهدة العدو الظاهر. 2- مجاهدة الشيطان. 3-مجاهدة النفس.

وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) (الحج:78)، (وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) (التوبة:41)، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (الأنفال:72) ، وقال الأصفهاني [: «جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم، وجاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم»(3).

ويقول د.محمد عمارة «إن الجهاد الإسلامي ليس هو ما نطلق عليه – ببساطة – مصطلح الحرب المقدسة، فالجهاد «هو كل سعي مبذول وكل اجتهاد مقبول، وكل تثبيت للإسلام في أنفسنا، حتى يتمكن في هذه الحياة الدنيا من خوض الصراع اليومي المتجدد أبداً ضد القوى الأمارة بالسوء في أنفسنا وفي البيئة المحيطة بنا عالمياً، فالجهاد هو المنبع الذي لا ينقص، والذي ينهل منه المسلم ويستمد الطاقة التي تؤهله لتحمل مسؤوليته، خاضعاً لإرادة الله عن وعي ويقين.. إن الجهاد بمثابة التأهب اليقظ الدائم للأمة الإسلامية، للدفاع بردع كافة القوى المعادية التي تقف في وجه تحقيق ما شرعه الإسلام من نظام اجتماعي إسلامي في ديار الإسلام» .

[16] هذا موقع الشيخ بن باز الرسميhttp://www.binbaz.org.sa/mat/8591

[17] و”ليتلطف” جاءت في أهل الكهف، أما “فقولا له” فكان الأمر الرباني للنبي موسى وهارون في كيفية مواجهة فرعون

[18] أنظر جمال التفسير لابن كثير للآية، ولكلمتي الهدى والحق إذ يقول في الهدى أنه العلم والحق هو العمل، ويقول د.محمد راتب النابلسي عن الحق هو الثابت والباطل هو الزائل.

عن مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط مركز بحث وتفكير عربي

شاهد أيضاً

السياسة التركية حيال الأزمة السورية “2011 ـ 2017”

بقلم: جلال سلمي – ملخص: مع انطلاق اللهيب الأول للثورة السورية، بزغت، وبكل وضوح، هيمنة …

2 تعليقان

  1. تبارك اللذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا وهو العزيز الغفور .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *