الرئيسية / دراسات / العراق ينتقل الى مرحلة الهجوم في مواجهة “داعش”

العراق ينتقل الى مرحلة الهجوم في مواجهة “داعش”

بقلم: جاسم محمد* –

شهدت القوات العراقية ما بعد انهيار مدينة الموصل واستيلاء تنظيم الدولة الإسلامية(داعش) على بعض المدن العراقية، الكثير من إعادة التنظيم من الداخل، والتي تزامنت مع تشكيل حكومة جديدة في سبتمير 2014.
إعادة التنظيم انعكست إيجاباً على قدرة هذه القوات على الأرض وكانت نتائجها بتحرير بلدة جرف الصخر، التي كانت تسمّى مثلث الموت جنوب بغداد، والتي كانت بوابة لتقدم القوات العراقية باتجاه عامرية الفلوجة والصعود باتجاه تحرير مدينة هيت التي تقع تحت سيطرة تنظيم “داعش”. وقالت قيادة عمليات بغداد يوم 17 نوفمبر 2014 بأنها باشرت في قاطع الفرقة 11 التقدم لتطهير مناطق: الكربولية، والنحالات، والبوعساف، ضمن حدود قيادة عمليات الأنبار.
المحور الآخر المهم في تغير معادلة المواجهة مع التنظيم هواستعادة بلدة ومصفى بيجي شمال بغداد وتكمن اهمية بيجي بموقعها الذي يربط خارطة “الدولة الاسلامية” مابين مدينة الموصل ومدينة الانبار ومعبر الى مدينة صلاح الدين وحوض جبال حمرين، ديالى شرق بغداد، وهذا ما اكده خبير الدفاع والاستخبارات الفريق الركن وفيق السامرائي. ان السيطرة على بلدة بيجي يعني ضرب طرق على مدينة صلاح الدين وفرض الخناق على التنظيم بقطع الامدادات عنه، وهذا يعني ان استعادة محافظة صلاح الدين سيكون مجرد وقت.

العمليات في محافظة الانبار

إن إستراتيجية مهاجمة التنظيم التي تتبعها القوات العراقية هذه المرة، تختلف عن سابقاتها، فهي تقوم على اساس التحالفات مع العشائر وسكان المنطقة قبل تنفيذ العمليات العسكرية، هذه السياسة الجديدة، كسرت حاجز الخوف وعدم الثقة مابين القوات العراقية ومابين عشائر الانبار والمنطقة الغربية من العراق. وانعكس ذلك بمشاركة الحشد الشعبي، الذي يضم متطوعين شيعة مستقليين ومن مجموعات مسلحة شيعية، ميليشيات اخرى مشتركة بالعملية السياسية. إن مشاركة الحشد الشعبي الى جانب القوات العراقية النظامية، جائت هذه المرة بمباركة بعض زعماء عشائر الانبار ابرزها عشيرة ال بو نمر ووصفت هذه الجماعات بالثبات والانضباط بدعم ألقوات العراقية. المشهد هذه المرة في العراق يستنسخ تجربة القوات السورية ومشاركتها مع مقاتلي حزب الله في سوريا باستعادة القصير والقلمون ومدن اخرى وتيقى ايران ذلك الرقم الموجود في معادلة سوريا والعراق، من خلال الدعم بالخبرات والتسلح. لقد كشفت التقارير والتحقيقات عن وجود مستشارين كبار من فيلق القدس ابرزها قاسم سليماني الى جانب القوات العراقية في ساحات المواجهة.

العشائر تخترق “الدولة الاسلامية”

أعترف التنظيم بخسارته امام القوات العراقية في اعقاب استعادة بلدة جرف الصخر في شهر اكتوبر 2014، وهذا ما جاء على لسان متحدثه ابو محمد العدناني، فقد تعرض التنظيم الى انشقاقات داخل قياداته الميدانية ونجحت القوات العراقية والتحالف الدولي من تحقيق اختراق داخل صفوف التنظيم. يشار ان هذه الخروقات التي حققتها القوات العراقية، ربما تجير الى صالح العشائر العراقية في الانبار والموصل اكثر من الجهد الاستخباري لمنظومة الامن والدفاع العراقية، في اعقاب جرائم التنظيم ضد العشائر العراقية، هذه الجرائم ربما كانت وراء إعادة حسابات بعض ابناء العشائر الذين يحتلون مرتبة قيادية داخل التنظيم. لكن رغم ذلك فأن جماعة البغدادي مازالت تسيطر على اراضي واسعة في العراق ماعدا سوريا، البعض يقدرها بمساحة دولة هولندا. ممكن اعتبار مجزرة “ال بونمر” في محافظة الانبار رسالة يريدها التنظيم ارسالها الى باقي العشائر ويحذر بان مصيرمن يخالف تنظيمه يكون نفس مصير “ال بونمر”. يشار ان عشيرة “ال بو نمر” عرفت بمواقفها الشجاعة في مواحهة الارهاب عبر سنوات. رغم ذلك هنالك انتقادات موجهة للحكومة العراقية، بتأخر تسليح عشائر الانبار لمواجة تنظيم “الدولة الاسلامية” وربما تعود الى مخاوف الحكومة من ان يمرر السلاح الى المجموعات المسلحة ضمن تجاربها السابقة بتسليح ابناء العشائر، وربما يستخدم بالنزاعات العشائرية هناك، وهذا ما اكده احد مشايخ عشيرة ال بو نمر وشيوخ الانبار الشيخ نعيم الكعود. لكن ممكن يكون التأخير مرتبطا بأتمام الاستعدادات من التدريب والتسلح لابناء العشائر المقرر ان تنظلق من قاعدة عين الاسد في الانبار وفي المصادقة على قانون الحرس الوطني واجرائات ادارية.

القوات العراقية والانتقال الى مرحلة الهجوم

إن انتقال القوات العراقية الى حالة الهجوم ومغادرتها الحالة النمطية التقليدية التي عرفت عنها سابقا، تصاعدت مع اعلان اوباما خلال شهر نوفمبر 2014، بان قوات التحالف الدولي انتقلت الى مرحلة الهجوم في العراق مع تغير أهداف واغراض التحالف الدولي ونوعية الضربات في سوريا. كانت زيارة “ديمبسي” رئيس اركان القوات الاميركية الى العراق منتصف شهر نوفمبر 2014، تعزيز الى إستراتيجية اوباما وتأكيد استمرارية الدعم اللوجستي وتأمين الغطاء الجوي للقوات العراقية، والتي ساهم كثير بايقاف تقدم التنظيم وتراجعه في العراق. زيارة “ديمبسي” هي تقييم الى نتائج العمليات العسكرية على الارض في العراق والانتقال الى مرحلة جديدة تقوم على تسليح ابناء العشائر واعداد قوة عراقية محلية ربما تصل الى (80) الف مقاتلا استعدادا الى تحرير مدينة الموصل. لكن يبقى الحديث عن معركة مدينة الموصل مبكرا بسبب نوعية هذه المعركة ونوعية الهدف التي تعتبر معقل التنظيم في العراق. وتعتبرالموصل المعركة الفاصلة وتحتاج الى الكثير من التحضيرات، تقديرات الادارة الاميركية تقول بانها تحتاج الى ثلاث سنوات وربما اكثر لتطهير العراق من تنظيم “الدولة الاسلامية”. المرحلة الحالية تتمحور حول تحرير بلدات في محافظة الانبار وصلاح الدين وديالى، وفي محافظة الانبار، اصبحت قاعدة عين الاسد القريبة من مدينة هيت، مركز لانطلاق عمليات اركان للقوات العراقية بمشاركة مستشاريين اميركيين، التقارير كشفت وجود خمسون مستشارا في الوقت الحاضر في عين الاسد ووجود مايقارب 1500 مستشارا في العراق، ومن المقرر ان يصل العدد الى اكثر من( 3000) مستشارا. يشار ان ماتم من انجازات على الارض هو بجهد عراقي وطني ودخول ودعم الولايات المتحدة للعراق جوا او عبر المستشاريين جاء متأخرا.

تشكيل قوة المشاة العراقية

نقلت مجلة “جينز دفنس ويكلي” في عددها الصادر في اوغست 2014 أن الجيش العراقي فقد 30% من قدراته القتالية في شهري يونيو 2014، خلال صداماته مع مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية”. وأن اربع فرق من إجمالي الفرق الاربعة عشر التي يتألف منها الجيش العراقي لم يعد لها وجود، أو أصبحت غير فعالة في القتال حيث تم انهيار الفرقة الثانية والثالثة في الموصل ـ تلعفر. أن ألوية الجيش العراقي مصممة بحيث يتألف اللواء الواحد من 2200 جندي يندرجون في ثلاث كتائب ومقر قيادة بدعم من وحدات يتم توجيهها على مستوى الفرقة. أما الفرقة الأولى فقد سبق لها ان تكبدت خسائر كبيرة في القتال في محافظة الأنبار منذ ديسمبر 2013. وكان اللواءان الأول والثاني فيها قد تدنت قدراتهما القتالية في سلسلة من المعارك. يشار ان الجيش العراقي يصل تعداده الى (270) الف مقاتل حسب اخر الاحصائيات. وتتوزع اهم تشكيلات قوات المشاة : الفرقة الاولى والسابعة في الانبار ـ منطقة البغدادي، والرابعة في صلاح الدين والخامسة في ديالى والسادسة والتاسعة والحادية عشر والسابعة عشر في بغداد واطرافها.

الحشد الشعبي

وتلبية لفتوى المرجعية الشيعية العليا، الجهاد الكفائي منتصف شهر يونيو 2014 أعلنت لجان الحشد الشعبي في المحافظات، والتي ترتبط في مديرية الحشد الشعبي في كل محافظة في مديريات الشرطة، يشار بان تعداد الحشد الشعبي في العراق وصل الى مايقارب ثلاث ملايين تقريبا، يتمتعون بأمتيازات الجنود في الدفاع، وتكون مهماتهم ساندة للقوات العراقية بعد توزيعهم على التشكيلات العسكرية وتأتمر بأمرتها، وباتت فاعلة وتتمتع بالثبات وقوة المواجهة، ربما يأتي ذلك يعود بسبب العقيدة الدينية والوطنية التي دفعته للتطوع اكثر من اي مردودات ومصالح مادية. يشار أن مجلس الوزراء أوعز في اوغست 2014 بإعداد مشروع قانون لتأسيس قوات الحرس الوطني وتنظيم المتطوعين من الحشد الشعبي.

استراتيجية اوباما

إن استراتيجية اوباما هذه المرة تقوم على عدم التدخل مباشرة والارتكاز على التحالفات مع المجموعات المسلحة وابناء العشائر الى جانب القوات العراقية لمحاربة التنظيم، ومهما كانت التصريحات والتقديرات، فأن الولايات المتحدة لايصل جهدها الى نشر القوات على الارض في الفترة الحالية في العراق، وكذلك في سوريا التي تقوم على اعادة بناء فصائل جديدة على غرار الجيش السوري الحر. وهذا يعني ان القوات العراقية والقوات الاميركية تتجه الى تشكيل الوية من ابناء العشائر لمقاتلة التنظيم،هذه الخطوة تتزامن مع قرار الحكومة والبرلمان العراقي بتشكيل الحرس الوطني، رغم ان التشكيلات الجديدة في الانبار تقع خارج ذلك.

خطة وزير الدفاع الاميركي

أعلن وزير الدفاع الأميركي، تشاك هيغل يوم 16 نوفمبر 2014، أن وزارة الدفاع ستكثف مهمتها لتدريب القوات العراقية لمحاربة “داعش”، مستخدمة القوات الموجودة بالفعل في العراق لبدء المهمة إلى حين توفير التمويل لمبادرة أوسع نطاقاً. وقال خلال زيارته للمركز الوطني للتدريب في “فورت أروين” بكاليفورنيا، إن قوات العمليات الخاصة تحركت إلى محافظة الأنبار لبدء العمل في برامج التدريب. ذكر “هيغل أن الجنرال “لويد أوستن” قائد القوات الأميركية في المنطقة، أوصى بأن تبدأ القوات الأميركية التدريب مع نحو (1600) فرد موجودين بالفعل في العراق لتقديم المشورة للجيش العراقي. وكان أوباما طلب أيضاً من الكونغرس مبلغ 5.6 مليار دولار للمبادرة، منها 1.6 مليار دولار لتدريب وتسليح القوات العراقية.

فاعلية الضربات الجوية

الضربات الجوية ربما كانت في البداية اكثر فاعلية ضد مقرات التنظيم، لكن في الفترة الاخيرة ضعف تأثيرها ربما بعد ان غير التنظيم الكثير من سياسته على الارض لتجنب الضربات الجوية، التقارير كشفت تجنب جماعة”الدولة الاسلامية” من التحرك بارتال او مجموعات كبيرة والانتقال الى خلايا صغيرة تتحرك على الارض وتندفع داخل المناطق السكانية من اجل التخفي وتأمين الحماية. فلم يعد يعتمد التنظيم على اسلوب زج الارتال والعجلات الثقيلة والتحرك مابين المدن، ماعدا ماتشهده مدينة كوباني في سوريا، والتي تتشابك هي الاخرى مع القوات الكوردية، مما يضعف ايضا تأثير الضربات الجوية هناك. إن استمرار القتال بهذه الطريقة في كوباني، يعني نجاح المقاتلين الكورد في مواجهة التنظيم، وهم مقاتليين متمرسين سبق ان دخلوا في معارك حاسمة وطردو التنظيم من اراضيهم. لقد تحولت كوباني الى فخ ومركز استنزاف الى جماعة ابو بكر البغدادي، اضعفت التنظيم في مواقع قتالية اخرى ومن المرجح ان تكون النتائج العسكرية على الارض لصالح المقاتليين الكورد بالنهاية.

تغيرات سياسية

هذه التطورات الميدانية والسياسية غيرت المعادلة وازالت الكثير من المخاوف والقلق في احتمالات تهديد مدينة بغداد من قبل التنظيم، فلم يعد يسمع تهديد باجتياح بغداد مصل السابق. المعلومات الاستخبارية من داخل بغداد كشفت عن اتخاذ بغداد اجرائات احترازية في حزام بغداد اشدها غرب بغداد في مدينة ابو غريب التي لا تبعد سوى عشرة كيلومترات من المنطقة الخضراء داخل العاصمة العراقية بغداد. كشفت التقارير الاستخبارية ان التنظيم فقد رهانه على خلاياها داخل بغداد، بعد ان تمكنت وزارة الداخلية من كشف عدد من الخلايا، لكن رغم ذلك مازالت العاصمة تشهد عمليات تفجير بسيارات مفخخة او عبوات، لكنها تستهدف اهدافا رخوة اكثرها مناطق سكنية شيعية واسواق عامة. إن اعتماد التنظيم اسلوب استهداف اطراف مدينة بغداد من حزام المدينة ابرزها منطقة الطارمية ـ التاجي بضرب الهاونات او راجمات وتنفيذ عمليات انتحارية عند نقاط السيطرة والحواجز، يعني فشل التنظيم استخباريا بمرور الحواجز وضعف الخلايا من الداخل، وهذا يغير من معادلة المواجهة العسكرية والاستخبارية مابين التنظيم والقوات العراقية على الارض.المرحلة الحالية من النتوقع ان تشهد تغير نوعي بتقلص خارطة “الدولة الاسلامية “.
إن صعود تنظيم “الدولة الاسلامية” على حاجات ومشاكل المنطقة الغربية في العراق، لم يستطع ان يستمر طويلا ، فقد ظهرت بوادر رفض الى هذا التنظيم من جديد من داخل عشائر الانبار، لتتحول الانبار الى بيئة طاردة للأرهاب من جديد للجماعات المسلحة. إن التحالفات مابين التنظيم والزعامات العشائرية والجماعات المسلحة تبقى خاضعة الى الاعراف العشائرية، وربما الخروج منها ليست بالعملية الصعبة، وهي تعيد للأذهان تجربة القاعدة في افغانستان مع طالبان اصحاب الارض، وكيف استطاعت طالبان انتزاع اراضيها من القاعدة ورفضها عولمة الجهاد القاعدية من اجل مصلحة افغانستان، باعتبارها صاحبة الارض، وهذا السيناريو من المرجح ان يتكرر وللمرة الثانية في محافظة الانبار.
*باحث في قضايا الإرهاب والاستخبارات

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *