الرئيسية / تحقيقات / مسؤولة كردية: لا نريد دولةً بل المساواة في ظلّ نظام فيديرالي

مسؤولة كردية: لا نريد دولةً بل المساواة في ظلّ نظام فيديرالي

بقلم: سوسن أبوظهر – صحيفة النهار –

كما يظن متشددو تنظيم “الدولة الإٍسلامية”، “داعش” سابقاً، أنهم يحاربون ما يصنفونه كفراً وإلحاداً، يؤمن الأكراد أن كوباني، عين العرب بالعربية و”عين الإسلام” في تسمية أنصار الخلافة المزعومة، تحضن إحدى أهم المعارك في تاريخهم الحافل بالأحلام والخيبات. إنها حلبجة الجديدة، ورمزٌ لعصب كردي عابر لحدود العراق وسوريا وتركيا وإيران. وبعد تجربة كردستان العراق، تنمو في المناطق الكردية السورية محاولة لحكم ذاتي يساوي الرجال بالنساء، ويحمي حقوق العرب والسريان، ويطمح، على رغم انتقادات الأكراد قبل سواهم، الى ان يكون نموذجاً لسوريا مدنية وتعددية.

في عفرين والجزيرة وكوباني يقيم عشرة في المئة من سكان سوريا. هناك غرب كردستان الكبرى أو “روج آفا” بالكردية، بينما المناطق الكردية في تركيا تشكل شمال كردستان، وشرقها في إيران، وجنوبها بالعراق.
في المقاطعات السورية الثلاث على الحدود التركية، قامت “وزارات” لشؤون مثل الاقتصاد والزراعة والموارد الطبيعية، إلى الدفاع والخارجية، تحت مسمى “الإدارة الذاتية الديموقراطية” التي أعلنتها حركة المجتمع الديموقراطي، “تيفديم” بالكردية، وهي مروحة سياسية يدعمها حزب الاتحاد الديموقراطي (بي واي دي)، الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني. وتتمثل الإدارات الثلاث في مجلس إقليمي عام، ويدير شؤون كل مقاطعة أو كانتون رجل وامرأة.
ومعلوم أن الجيش السوري انسحب عام 2012 من المناطق الكردية، فخلت الساحة للاتحاد الذي لَمَسَ الحاجة إلى إدارة ذاتية للمناطق لتسيير شؤونها، فهي غير مترابطة جغرافياً وتفوق ضعفي مساحة لبنان. ولم تحظ الإدارة بإجماع، إذ رافقَ قيامها دخول أحزاب كردية “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”.

مبادرة للفيديرالية
على هامش المنتدى الإقليمي الثالث لشبكة “آيكان” الدولية لمنظمات المجتمع المدني في شيلة بتركيا، التقت “النهار” الأسبوع الماضي سينم محمد، ممثلة الإدارة الذاتية للمقاطعات الثلاث في أوروبا.
قالت إن الإدارة قامت في كانون الثاني 2014 لمواجهة الإرهاب، حتى قبل زحف “داعش”. وإذ توالت الأحداث، حاربت وحداتُ حماية المرأة ببسالة مع وحدات حماية الشعب، وحملت غير حزبيات السلاح، فالنساء “أكثر عرضة لبطش الإرهابيين، وهؤلاء يخشون قتل المقاتلات لهم فيُحرمون، استنادا الى مفهومهم، الجنة والحوريات”. لذلك صدر أخيراً في مقاطعة الجزيرة المرسوم الرقم 22، وقضى بالمساواة بين الجنسين في الأجر وتولي المناصب والميراث والقيمة القانونية للشهادة. وحظر تزويج الفتيات بغير رضاهن وتعدد الزوجات و”نكاح الدية”.
وأوضحت سينم محمد، ان المكتسبات لم تقتصر على النساء، فالإدارة الذاتية مدت يدها إلى العرب والسريان. المناصب للجميع، “إنها مناصفة تعتمد الكفاية، وليست توزيعاً طائفياً كما في النموذج اللبناني”. فحاكم الجزيرة مثلاً عربي من قبائل شُمر ومعه امرأة كردية.
أما في كوباني، فكل الإمكانات مُسخرة للدفاع باعتبارها واجهة للإدارة الذاتية أمام زحف “داعش” الذي يسعى عبرها الى الإمساك بكل المعابر مع تركيا وبمنطقة حدودية واسعة ومتصلة. وتصف المسؤولة الكردية التنظيم بأنه “أداة مشبوهة معادية للأقليات لإعادة رسم خرائط المنطقة. نحن نقاتله منذ عامين، واعتبر المجتمع الدولي ذلك شأناً كردياً بحتاً وأقر بخطره حين تهاوت الحدود”.
وتضيف: “إنها معركة مصيرية، للأكراد وسوريا، وحقوق النساء والأنظمة الديموقراطية. وأيُ حل للأزمة السورية يجب مروره بالمقاومة في كوباني وبالقضية الكردية، ويتحقق بقيام نظام ديموقراطي تعددي وبالفيديرالية التي تُكرس الحقوق المتساوية للأكراد”. وتكشف عن مبادرة لدمقرطة سوريا تعترف بالمساواة بين المواطنين، بمن فيهم العلويون والدروز والمسيحيون، وتنبذ الخطاب الطائفي لأن “التعدد نوع من الغنى لا حجة للتقسيم”. أضف أن “نشوء اتحاد طوعي وحر يتحقق من طريق نظام تعددي لا مركزي، وضمانات دستورية للأقليات”.
والمبادرة برسم “الائتلاف” و”كل من لم تتلوث يداه بالدماء”، مع التركيز على معارضة الداخل، ونبذ أي صلة بالنظام. وماذا لو رُفضت، تجيب سينم محمد:”لن نتخلى عن الكانتونات، التجربة أثبتت نجاحها، وخصوصاً في مقاطعة الجزيرة، وهي نواة لسوريا المستقبل. وإذا عرض الآخرون حلاً ديموقراطياً أفضل، فليكن، وليدرك الجميع أننا لا ننادي بدولة كردية بل بحقوق متساوية”.

الإدارة الذاتية
والتقت “النهار” ايضا أليف سعيد العاملة في “وزارة” الدفاع في عفرين. قالت إن النساء هناك يذهبن إلى كوباني على رغم بُعدها للتدرب العسكري، فـ”جبهة النصرة” على الأبواب وحزب الاتحاد الديموقراطي أرسل تعزيزات.
معيشياً، يعاني السكان ضائقة، “الأمن موجود، لكن الظروف صعبة”. وثمة نقص في الأدوية وصعوبات في تصريف الإنتاج. و”نظام الإدارة يسعى إلى الاكتفاء الذاتي، لا حاجة لنا إلى سلطة سورية مركزية، فالمناطق الكردية لن تعود إلى حالها قبل الثورة”.
وفي المقابل، قدمت ابنة عفرين، الناشطة شيرين حمدوش، لـ”النهار” مطالعة نقدية لتجربة الإدارة. رأت أن قيامها كان ضامناً للأمن، لكنه أغفل الشؤون الصحية والتعليمية وما يمس بالحياة اليومية، فما الحاجة مثلاً الى وزارة الدفاع مع وجود وحدات الحماية. وتالياً فإن مصطلح “وزارة” مبالغ فيه ويهدف إلى الإبهار الإعلامي لأن حزب الاتحاد الديموقراطي لا يمثل الأكراد جميعا، و”الحياة في ظل الإدارة مشابهة للعيش تحت سلطة النظام السوري قبل الثورة”.
كيف ذلك، شرحت حمدوش أن المزايا وهمية، وثمة محاباة للعرب والسريان على حساب الأكراد المعارضين للإيحاء بالتعددية. وشددت على أنه يصعبُ نجاح التجربة من غير رفع الظلم عن المعارضين ووقف تهميشهم. وانتقدت إبعاد الاتحاد الديموقراطي ناشطين أكراد إلى خارج المقاطعات وفرض أتاوات على مالكي المتاجر ومعاصر الزيتون، متسائلة لم لا تُستخدم الأموال لتحسين الأوضاع المعيشية مع ارتفاع كلفة المياه والكهرباء نتيجة الحصار وتدفق النازحين.
وعن مقاطعة الجزيرة، أورد تقرير لـ”الإيكونوميست” أن فيها فائضاً من القمح والدقيق يمكن بيعه في السوق السوداء. ومصفاة النفط هناك تعمل بخمسة في المئة فقط من طاقتها. ورأت المجلة أن “الأكراد أقاموا اقتصاداً قابلاً للحياة”. لكن ذلك لا يحجب انتهاكات رصدتها منظمة “هيومان رايتس ووتش”، وأبرزها توقيفات عشوائية لمناهضين لحزب الاتحاد الديموقراطي.
وربما كان اتفاق دهوك الذي أبرمه الاتحاد في 23 تشرين الأول مع المجلس الوطني الكردي إقراراً بأخطائه، إذ نص على مشاركة المجلس في الإدارة الذاتية وقيام هيئة عسكرية تشمل الطرفين والأحزاب الأخرى، بعدما أُخِذ على الاتحاد إعاقته وصول مقاتلي المجلس لنجدة كوباني. لكن العِبرة تبقى في التنفيذ لا في النيات.

عبر الحدود
وكما حطمت “الدولة الإسلامية” الحدود، وفرت محنة كوباني وتجربة الإدارة الذاتية مناسبة نادرة لتحريك القضية الكردية وتجاوز المنافسات التقليدية، بدليل رضوخ تركيا لعبور قوات البشمركة إلى سوريا. وقبل ذلك ساهم حزب العمال الكردستاني في رد “داعش” عن كردستان العراق ودخلت وحدات حماية الشعب العراق لحماية الايزيديين. وتحدثت تقارير عن انضمام أكراد إيرانيين إلى البشمركة.
غير أن مسعود بارزاني، نجل الملا مصطفى رمز القومية الكردية، اقترح إقامة “وحدات حماية كردستان” من مقاتلين سوريين وعراقيين، من دون تخليه عن الروابط السياسية والاقتصادية القوية بتركيا. يا لها من شبكة مصالح معقدة!
لأسابيع رفضت أنقرة الموافقة على مبدأ عبور البشمركة، فقامت احتجاجات سقط فيها 40 قتيلاً، وقصف الجيش التركي مواقع لحزب العمال في هكاري للمرة الأولى منذ بدء عملية السلام التاريخية معه. ويعتقد محللون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أخطأ في قراءته لمحنة كوباني. صحيحٌ أن استطلاعاً للرأي أظهر أخيراً أن الأتراك يخشون حزب العمال بقدر “داعش”، لكن ذلك لا يعني إمكان النأي بالنفس عن الخارج. فسواء سقطت كوباني أم انتصرت، لن يعود ممكناً كبح التململ الكردي في تركيا، خصوصاً أن مفاوضات السلام لم تثمر مكتسبات ملموسة.
وليس الأكراد في إيران منفصلين عن أحداث سوريا. وقالت المصورة جوان آزادي لـ”النهار” إن “نظام بلادي يتوجس من مذهبنا وقوميتنا. لكن نجاح الإدارة الذاتية السورية سيدفع الأمور لمصلحتنا، ولو ببطء وصعوبة”.
وتوقعت أليف سعيد ولادة كردستان الكبرى عملياً عبر إدارات ذاتية ديموقراطية حيثما وُجد الأكراد، وإن من دون قيام دولة واحدة. وكل ذلك رهنٌ بمآل الأمور في كوباني، فـ”لواء القضية الكردية حالياً في أيدي أكراد سوريا وليس كردستان العراق”.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

مصادر إسرائيلية: إقالة تيلرسون لحسم سياسات ترامب إزاء كوريا الشمالية وإيران

قالت مصادر سياسية إسرائيلية رفيعة أمس (الثلاثاء) إن قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعيين رئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *