أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / الشرق الأوسط: من سايكس بيكو إلى خورخي بورخيس

الشرق الأوسط: من سايكس بيكو إلى خورخي بورخيس


100 عام على الحرب العالمية الأولى:
الشرق الأوسط من “سايكس –بيكو” إلى “خورخي بورخيس”؟
بقلم: الدكتور عقيل سعيد محفوض

كتبت الروائي الارجنتيني خ.ل.بورخيس (1899-1986) ان حاكماً أمر برسم خريطة لامبراطوريته، أرادها دقيقة وتفصيلية إلى أبعد حدّ، لدرجة يمكن معها مقارنة النقطة على الخريطة بمثيلتها على الأرض، خريطة مطابقة للأصل في الحجم والتفاصيل، حتى أمكن للناس ان يعيشوا في الخريطة وعليها، وينتقلوا من الواقع إلى الخريطة من دون حواجز!
بعد سنوات، مات الحاكم، وتآكلت سلطة الامبراطورية،فتآكل حجم الخريطة، وبانهيار الأولى، انهارت الثانية، وأصبحت الأخيرة مِزقاً، ولم يتمكن أي خلف للحاكم من إعادة الامبراطورية إلى سابق عهدها، كما لم يتمكن رسامو الخرائط وعلماء الجغرافيا من ترميم الخريطة. فقد كان انهيار “الامبراطورية” كفيلاً بانهيار “خريطتها/صورتها”، بعدما امّحت نهائياً الفوارق بينهما.
تبدو حكاية السيدين سايكس وبيكو شبيهة من بعض الجوانب، بحكاية بورخيس، كما تبدو خريطتهما شبيهة إلى حد ما بخريطته، الخريطتان أمر بهما حاكم رأى نفسه ومصالحه فوق كل شيء، واعتقد أن بيده الواقع، وما فوقه، وأن خرائطه/إرادته هي قضاء وقدر. الإرادتان فرضتا نفسيهما على الواقع، وشكَّلَتاهُ خرائطَ كما يحلو لهما، بشيء من الغرور والانتهازية والعبث.
وقد قيل عن سايكس وبيكو انهما خلال مداولاتهما حول تقسيم مناطق السيطرة والنفوذ في المشرق العربي، … كانا يخلطان الجد بالهزل، فيقول سايكس: أريد هذه المنطقة، فيجيب بيكو: خذها، هي لك (!) والواقع أنهما تجاوزا رسم الحدود وتلوين الكيانات والدول التي أعلنوها للتو، إلى تسميتها، فقد رجعا إلى القاموس الإغريقي وربما الكتب المدرسية، فأطلقا تسميات: سوريا وفلسطين وهي تسميات اعتقدا انها جديدة، ربما لأنها لم تكن شائعة آنذاك، أو لأنهما لم يكونا على دراية كافية بشؤون المنطقة. ولو خطر في بالهما أن يسميا المنطقة بـ “منطقة سايكس – بيكو” بدلاً من “منطقة الشرق الاوسط” لربما تحقق لهما ذلك، … على الأقل كانا اعفيا طلاب العلوم السياسية والجغرافيا والإعلام وغيرهم من الجدل حول التسمية، وأراحوهم من السؤال : شرق أوسط بالنسبة لمن؟
لم تكن خرائط السيدين المذكورين نهائية، فقد قاما مراراً بمراجعتها، كما فعل مؤتمر الصلح في باريس (18-1-1919) الشيء نفسه، وكذلك مؤتمر سان ريمو (25-4-1920) الذي تقرر فيه تقسيم سوريا الكبرى إلى أربعة أقسام: سوريةولبنان (تحت الانتداب الفرنسي)، والأردن، وفلسطين والعراق (تحت الانتداب البريطاني)، وأكد على الإلتزام بوعد بلفور الخاص بتأسيس دولة لليهود في فلسطين.
في (10-8-1920) كانت معاهدة “سيفر” التي نصت على:منح تراقيا والجزر التركية الواقعة في بحر إيجه لليونان، والاعتراف بكل من سورية والعراق كمناطق خاضعة للانتداب، والاعتراف باستقلال شبه الجزيرة العربية (الشريف حسين)، والاعتراف باستقلال أرمينيا، واعتبار مضائق البوسفور والدردنيل مناطق مجردة من السلاح وتحت إدارة عصبة الأمم، وحصول كردستان على الاستقلال، والسماح لولاية الموصل بالانضمام إلى كردستان. ولكن سلطة مصطفى كمال (أتاتورك) في الأناضول رفضت المعاهدة، واستطاعت التوصل إلى معاهدة جديدة باسم “لوازن” (1923) “نسخت” معاهدة سيفر، كأنها لم تكن.
وهكذا مضى قطار الدولة في المنطقة، ولم يمر على الكرد، كما انه وضع العرب في مقطورات/كيانات أو دول عديدة، فيما كانوا يأملون بدولة واحدة تشمل المشرق العربي أو جزءا كبيراً منه، حسب وعد بريطانيا للشريف حسين وابنه فيصل، فيما دفع الأرمن ثمناً لمشروعهم الدولتي تمثل بإبادة وتهجير حوالي (2) مليوناً.
سورية كانت الأكثر تضرراً من سايكس – بيكو، قطع أوصالها، ثم زاد في ذلك الاحتلال الفرنسي، باقتطاعه أجزاء منها، وضمها إلى لبنان، ومنح أجزاء كبيرة منها لتركيا، ومحاولته تقسيمها إثر احتلالها إلى (5) دويلات، على أسس طائفية وجهوية وإثنية، وهي اليوم “لا تزيد في بعض الأشكال عن كونها “دولة راسبة” لما بقي من “سوريا الطبيعية” السابقة”. (نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية).
فقد اتفقت فرنسا (المنتدبة على سورية) وتركيا على ترسيم الحدود بين سورية وتركيا، بكيفية اقتطعت من سورية ما مساحته (184) ألف كيلومتر مربع تقريباً، وهذا قريب من مساحة سورية الحالية (185) ألف كيلومتر مربع. وقد شعر السوريون، على ما يذكر “زكي الأرسوزي” أن العلاقات بين فرنسا وتركيا نهضت “لتدرأ خطر العروبة عن فرنسا وتركيا”، ولذلك اتفق الطرفان على تقليص الجغرافيا السورية (فرنسا بالتجزئة وتركيا باقتطاع الأرض) كلما سنحت الفرصة، خاصة وأن فرنسا أرادت إضعاف سورية لتستمر تحت الاحتلال، مقابل توثيق علاقاتها مع تركيا بهدف كسبها إلى جانب الحلفاء بمواجهة ألمانيا.
ولعل ما دار بين الأمير فيصل (قبل تتويجه) والسير بيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني، والحاكم الفعلي للعراق، يدل على الكيفية التي نشأت فيها الدولة هناك، “شرح كوكس للملك المقبل فكرة التنظيم السياسي الجديد في المنطقة: دولة تركية شمالاً، ودولة كردية جنوباً، ودولة عراقية (لعرب العراق). اعترض فيصل بدبلوماسية قائلاً: أنت تعطيني دولةً محاطة بالأعداء. فثمة الترك (الذين حاربناهم) شمالاً، والسعودية (أو ابن سعود المحارب) جنوباً. واوضح فيصل أنه عربي شافعي (سني)، وأن أغلبية عرب العراق من الشيعة؛ فإذا ذهب الأكراد في دولة، … فإن فيصل سيجلس على عرش مملكة ذات أغلبية شيعية لن تستقيم له. وافق كوكس على ذلك الرأي”. (فالح عبد الجبار، الوطني المذهبي، إضافات).

صمدت حدود سايكس – بيكو مئة عام تقريباً، ولم تؤد التغييرات التي حدثت أو طرأت عليها، إلى خلق تحدٍ كبير، كما لم تنجح محاولات تغييرها من خلال الاحتلال، كما فعلت إسرائيل تجاه عدد من الدول العربية (1948، 1967، 1982)، وتركيا بسلخها لواء اسكندرون (1939)؛ أو تغييرها من خلال الوحدة أو الاندماج، كما بين سورية ومصر (1958-1961)، أو الضم كما حدث بين العراق والكويت (1990)، أو من خلال التقسيم أو الانفصال (محاولات أكراد العراق).
ولم يتم تغيير الحدود من دون اعتراف عالمي، حتى في الحالات التي أزيلت فيها عملياً. ولكن من يريد تغيير الحدود اليوم، الموقف المعلن طبعاً، وهو “المنظمات الجهادية” في سورية والعراق، الحراك الجنوبي في اليمن، قوى جهوية مختلفة في ليبيا، الكرد في العراق وسورية، وربما قوى وتيارات وهويات أو تكوينات داخل عدد من الدول أو النظم القائمة. ولكن لا طرف دولياً أو إقليمياً يوافق علناً على أي تغيير في الحدود القائمة في المنطقة، مع أن فواعل وأطرافاً كثيرة أوصلت الأمور إلى هنا، كثيرون تسببوا بـ “ولادة” العنف والفوضى، وكلهم ينكرون “أبوتهما”!
شهدت المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى وفي أعقابها، انهياراً للامبراطورية العثمانية، فانهارت خرائطها جملةً، ودخلت المنطقة في مرحلة “جنينية”، “جذعية”، ولكن في بيئة إقليمية وعالمية “متحكم بها” إلى حد كبير، فكان انهيار الخريطة، مدخلاً لإعادة ترسيمها من جديد، ولكن وفق إرادات حكامآخرين.
وها هي المنطقة بعد 100 عام تشهد حالة مشابهة، لنقل احتمالية مشابهة بعض الشيء، دول فاشلة، ونظام إقليمي مخترق، وديناميات هيمنة عالمية نشطة، ومتنازعة، ما يعني أن ثمة إمكانية واحتمالية متزايدة لإعادة رسم خرائط جديدة، إذ لكل ميزان قوى سياساته وخرائطه، وثمة قابلية داخلية (وإقليمية ودولية) نشطة لإعادة النظر في الفواعل والأوزان، إن لم يكن في الكيانات والحدود؛ في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة صعوداً مضطرداً في “الحنين إلى الاستعمار” والدعوة إليه!
هناك تقديرات بأن إعادة النظر بالخريطة ربما كان مطلوباً من قبل فواعل دولية وإقليمية عديدة، لو بقيت جزئية أو “موضعية”، ولكن تداخل وتدافع الأمور يجعل مروحة التغيير أوسع، وقد تنفلت الأمور من عقالها، فيتسع نطاق الخرائط/ الجغرافيا المهددة بالتغيير، من دولة أو دولتين إلى الإقليم ككل، وربما إلى الأقاليم المجاورة، مثل آسيا الوسطى والقفقاس وروسيا والصين. وهناك مخاوف متزايدة من انتقال “الحركات الجهادية” إلى أوربا والولايات المتحدة ومناطق أخرى في العالم.

خارطة نيويورك تايمز لتقسيم الشرق الأوسط مجدداً
خارطة نيويورك تايمز لتقسيم الشرق الأوسط مجدداً

لم يؤد الحدثان الأفغاني والصومالي إلى تغيير الحدود، على الرغم من غياب شبه تام للحدود على أرض الواقع بينها وبين جيرانها، وخاصةً بين أفغانستان وباكستان، وبين الصومال واثيوبيا.ومن المحتمل ان تُواصِل الفواعلُ الدولية المحافظة على الحدود، وتمنع تغييرها، سواء أكان التغيير سلمياً أم عنفياً، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وأطراف أخرى تدعم الإدارة الكردية في شمال العراق (هناك دولة غير معلنة) إلا أن أحداً لم يشجع الكرد على إعلان الدولة، مخافة أن يؤدي ذلك إلى اندلاع مواجهات وحروب في العراق وحوله.
ثمة حالات لم تتمكن فيها الدولة من السيطرة على كامل أراضيها المعترف بسيادتها عليها، إلا أن أحداً لم يعترف لأي جماعة بأي كيان داخل الدولة أو على جزء منها. ومثال ذلك ما يحدث في سورية والعراق ولبنان واليمن وليبيا ومصر. هناك نمط من التفاعل أو التدخل الخارجي في حالات من هذا النوع، تتجاوز سيادة الدولة، إلا أن الأمور لا تذهب باتجاه الاعتراف بوضع دبلوماسي يزعزع الاعتراف بها (السيادة). وقد يتم التعامل مع الدولة بوصفها “دولة فاشلة”، ويجب “تغيير النظام” أو “إقامة النظام” فيها، وليس بوصفها “لا دولة”.
لم تبد المنطقة مقاومة جدية لخرائط سايكس – بيكو والتعديلات التي طرأت عليها، وقد وضع النظامُ العالمي حدوداً وقيوداً للسياسات الخاصة بالحدود، ولم يسمح بتغييرها، إلا في حدود ضيقة، ولم يكن سهلاً الاعتراف بتغيير الحدود، غير أن التطورات الراهنة في المنطقة منذ العام (2011) توحي بأن التغيير بات مطلباً أو حلاً من منظور الولايات المتحدة مثلاً، ولو أنها لم تعلن ذلك صراحة، وإنما أفصحت عنه من خلال تحليلات وتقارير بحثية مختلفة. ويتساير هذا التقدير أو الموقف مع اتجاهات ومساعٍ محلية (وإقليمية)، لتغيير الحدود، مثل التنظيمات الجهادية في سورية والعراق (وغيرها)، والكرد الخ
وهكذا فقد يحدث تقسيم فعلي، وإقامة بنى دولتية أو “شبه دولة” (semi state) أو سلطات بديلة على أجزاء من دول المنطقة، ومنها ما هو عابر للحدود، وربما يحدث التفكك الداخلي أو نشوء سلطات أمر واقع، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى الإعلان رسمياً عن دول جديدة، أو الحصول على اعتراف دولي.
إذا لم يتم الاعتراف بالواقع السياسي “شبه الدولتي” القائم في عدد من بلدان المنطقة (سورية، العراق، اليمن، ليبيا)، فمن المحتمل أن تسلك الفواعل الدولية طرقاً شتى للتعامل معه وضبط تطوره المستقبلي، ومن ذلك مثلاً دينامية أو استراتيجية “التقسيم الناعم” (Soft Partition) وتتمثل بالمحافظة على التكوينات القائمة، وإعداها لما يشبه الدولة، ريثما يكون الإعلان ممكناً أو مطلوباً؛ ومن الممكن أن تستمر حالة عدم الاستقرار في المنطقة، بما فيها البنى والتكوينات “شبه الدولة”، حتى تصبح أمراً واقعاً يصعب تغييره. وقد لا تكون ثمة “مؤشرات كافية تشير إلى أن المجتمع الدولي قرر تغيير موقفه من انفراط الدول المتعددة الطائفة والعرق”، ولكن يبدو أنه “أصبح أكثر استعداداً لمناقشة كل حال على حدة”.
مع أهوال وأحوال المنطقة اليوم، وبروز “الدولة الإسلامية” المعروفة بـ “داعش”، و”أخواتها” و”أبواتها”، ربما كان المطلوب هو دفع المتلقي لإعادة النظر في الموقف من سايكس – بيكو، لتعد “فرصة”أكثر مما كانت “تهديداً”، وأن خرائط الرجلين (سايكس وبيكو)، ربما أمست هي المعادل الموضوعي لخريطة الحاكم في حكاية بورخيس.

الباحث السوري الدكتور عقيل سعيد محفوض
الباحث السوري الدكتور عقيل سعيد محفوض

الدكتور عقيل سعيد محفوض
أكاديمي وباحث سوري.
تتركز دراساته واهتماماته العلمية حول الشؤون الإقليمية، المنطقة العربية وتركيا وإيران والأكراد.
مدير التعاون الدولي، وزارة التعليم العالي، 2007 – 2009.
باحث في المركز السوري لبحوث الرأي العام (2010- 2012).
مدير العلاقات الثقافية الدولية، وزارة التعليم العالي (2013-).
عضو الهيئة العلمية لمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط.

صدر له:
كتب:
• جدليات المجتمع والدولة في تركيا: المؤسسة العسكرية والسياسة العامة، (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2008) • سوريا وتركيا: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009) • السياسة الخارجية التركية: الاستمرارية – التغيير، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012). تركيا والغرب: “المفاضلة” بين الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2013).
دراسات وأبحاث:
• العلاقات السورية – التركية: التحولات والرهانات، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2011). • سورية وتركيا: “نقطة تحول” أم “رهان تاريخي”؟ (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012). • الحدث السوري: مقاربة “تفكيكية”، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012). .
أوراق بحثية في مؤتمرات أو كتب جماعية: • “:
العرب في تركيا: محور تواصل أم تأزيم؟ (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، بحث في مؤتمر العرب وتركيا نُشِرَ في كتاب جماعي • صفقات السلاح لدول المشرق العربي – تحت النشر• سياسات إدارة الأزمة السورية: “الإدارة بالأزمة”؟

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *