بلاغ الثورة/ هشام ابوجودة

بلاغ الثورة/ هشام ابوجودة

بلاغ الثورة

“إنّ الرجال المتسلطين على الشعب اللبناني بطرق الإرهاب والتزوير في الانتخابات والتنكيل بالقوى السياسية الفتية الناهضة بمبادىء الحياة الاجتماعية الجديدة قد داسوا إرادة الشعب الحر، ووقفوا حجر عثرة في سبيل حريته ومحاربين للمبادىء السياسية العامة التي تؤمن خيره وارتقاءه، وعبثوا بسلامة الأفراد والعائلات وعرّضوا حياة الأفراد الآمنين للخطر وعائلاتهم للترويع، وقصدوا إذلال الناس بواسطة الإرهاب والتنكيل، فشكّلوا نوعاً خطراً من قطع الطريق السياسي أو الحكومي فضلاً عما وزعوه من مفاسد ملأوا بها الدواوين.

لذلك، فإنّ الحكومة طاغية خارجة عن إرادة الشعب، معرّضة خيره للمحق وسلامته للخطر، ويثبت هنا ما أعلن من قبل في صدد المجلس النيابي الذي تشكل بتزوير فاضح للانتخابات في جو من مطاردة السياسيين وإرهاب المعاكسين، أي أنّ هذا المجلس ليس مجلساً شرعياً ولا يمكن أن يمثّل حقيقة إرادة الشعب، وعليه، تُعلَن الثورة الشعبية العامة لأجل تحقيق المقاصد التالية:

1 ـ إسقاط الحكومة وحلّ المجلس النيابي واعتبار مقرراته التشريعية في السياسة الداخلية الناتجة عن مساومات خصوصية باطلة.

2 ـ تأليف حكومة تعيد إلى الشعب حقوقه وحريته وإرادته المسلوبة.

3 ـ وضع دستور صحيح ينبثق عن إرادة الشعب يحل محل الدستور الحاضر الفاقد الصفة الدستورية الصحيحة، ويضمن المساواة في الحقوق المدنية والسياسية لأبناء الشعب، ويجعل التمثيل السياسي على أساس المصلحة “الوطنية” بدلاً من أساس المصالح الطائفية والعشائرية الخصوصية.

4 ـ توطيد الاستقلال اللبناني على أساس إرادة الشعب الحرة.

6 ـ فصل الدِّين عن الدولة، ومنع رجال الدِّين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب في الاجتماع والثقافة.

7- تنظيم الاقتصادعلى أساس الإنتاج، وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الدولة.

8- تخطيط سياسة اقتصادية وقيام نهضة صناعية ـ زراعية على أسس متينة.

9 ـ المباشرة بسرعة بإزالة الحيف عن العمال والمزارعين، والقضاء على الاحتكار والطغيان الرأسماليين.

10 ـ إلغاء جميع الأحكام المعطلة للحقوق المدنية والسياسية.

11- تطهير إدارة الدولة من الرشوة والفساد والتحكم.

إنّ الحكومة اللبنانية الخائنة حرية الشعب، العابثة بحقوق أبنائه قد فرضت بجشعها ورعونتها الثورة للدفاع عن الحرية المقدسة وعن حياة أبناء الشعب وإرادته، فإلى الثورة على الطغيان والخيانة أيها الشعب النبيل.

مقر قيادة الثورة العليا – القيادة العليا.”

لو يطلق هكذا بلاغ على غروبات وصفحات مجموعات واطراف انتفاضة “ثورة” 17 تشرين 2019 في لبنان، لانتشر بشكل سريع وفيرال، ولانطلق نقاش حاد ليس حول مضمونه بل حول من وراءه، لان كل مطالبه واهدافه هي نفسها مطالب اغلب المنتفضين و”الثوار”، ولكان اتهم بعضهم اصحاب البلاغ بسرقة افكارهم وكلماتهم. ومن ناحية اخرى، كانت اجهزة الامن استنفرت مخبريها وعملاءها لمعرفة اصحاب البلاغ ومدى جديتهم وما ينوون القيام به، وانتشر الجيش اللبناني، واستنفرت باقي الميليشيات.

لكن هذا ليس بلاغا كتب اليوم، بل هذا جزء من بلاغ لثورة حدثت فعلا في لبنان، ثورة اطلقها انطون سعاده في 4 تموز 1949، ثورة جرت خلالها صدامات عسكرية وانتهت باستشهاد انطون سعاده صباح الثامن من تموز بعد محاكمة صورية وتتويجا لمؤامرة حاكتها اسرائيل واشترك بها قادة ومسوءلون من دول عديدة، وكان هدف المؤامرة ازالة سعاده ومشروعه المواجه لحرب الوجود التي تشنها اسرائيل على شعبنا، ليس عسكريا فقط، بل عبر المنظومات الطائفية الفاسدة ايضا.

مطالب هذه الثورة واسبابها لا زالت موجودة في الواقع اللبناني، بل ان جميع اسبابها قد ازدادة عنفا بحق شعبنا في لبنان الى درجة ان الجوع والفقر والفساد وقلة الادوية وغياب الطبابة اصبحت تهدد اللبنانيين في حياتهم ووجودهم.

بعد 72 عاما على الثورة القومية الاولى، كما اسماها سعاده، لم تتغير الاوضاع في لبنان الا الى الاسواء كما استشرف سعاده. فالرجال المتسلطون على الشعب اللبناني قد تغيرت اسماؤهم فقط، اما افعالهم فلازالت هي هي. فخيانتهم لحرية الشعب واستيلاوءهم على مقدراته وتزوير ارادته واستغلالهم للانقسام الطائفي، وتدخل رجال الدين لصالحهم قد زاد استفحالا، الى درجة ان رجال الدين اصبحوا حماة للصوص وحكام المصارف، وخطوطا حمراء لكل فاسد ومرتش. الا يطالب الجميع اليوم بالدولة المدنية ووبناء نظام سياسي عصري وابعاد رجال الدين والطائفية عن السياسة وتحرير ارادة الشعب، هذه مطالب ثورة انطون سعاده سنة 1949 ولاجل هذا استشهد.

فخلال الزمن المستمر من بلاغ الثورة في 4 تموز 1949 حتى يومنا هذا، والمنظومة الحاكمة ونظامها الطائفي الفاسد استمرا ببناء نظامهما الاقتصادي الريعي وجعلتاه اكثر توحشا من خلال اسناده على الاستدانة الى حد الغرق فيها والاستيلاء على اموال المودعين وسرقة مدخرات اللبنانيين بواسطة المصارف وحاكمية مصرف لبنان. ثورة تموز 1949، طالبت باقتصاد انتاجي تنافسي قاعدته الصناعة والزراعة وجعل الانتاجية المعيار الاول للعمل واداته الانسان الحر المنتج فكرا وغلالا وفنا وصناعة. اليس هذا مطلب اللبنانيين اليوم، بل اليس هذا مطلب اللبنانيين في ذاك الزمان وفي كل وقت.

اما ان الأوان للبنان ان يغير هذه المنظومة وان يسقط نظامها الطائفي القاتل، الم يحن الوقت للبنانيين ان يلتحقوا بثورة تموز 1949 المستمرة وهم الذين تم استغيابهم وقمعهم خلال وبعد هذه ثورة. صحيح ان قائد الثورة قد استشهد، لكن الثورة مستمرة لان اسبابها واهدافها لازالت قائمة، ثورة تموز 1949 كانت ولاتزال ملكا للشعب اللبناني لانها استهدفت اولا واخيرا رفع مستوى حياته وجعله حرا يحيا في دولة حرة سيدة.

ان رصاصات 8 تموز 1949 لم تغتل انطون سعاده فقط بل اعدمت الدولة اللبنانية، ومن يومها قد طغى وتجبر النظام الطائفي الفاسد. ان حكم المحكمة الغاشم لم يسقط انطون سعاده من مكانته بل اقصى ما استطاع فعله هو اعلان فشل النظام القضائي في لبنان ووصمه بجريمة العصر اللاقانونية، ومن يومها والقضاء العوبة بيد السلطة الحاكمة.

ايتها اللبنانيات ايها اللبنانيون، ان ثورة 4 تموز لاتزال قائمة وما عليكم الا باطلاقها سيلا جارفا ينزع هذه المنظومة ونظامها الطائفي الفاسد ويقيم بدلا عنهما الدولة المدنية العادلة على اساس البلاغ المعلن في ذلك التاريخ. فالشعب امام خيار اما ان يزول هو او يزيل هذه المنظومة المهددة لوجوده.

المجد والخلود للشهيد انطون سعاده ولكافة الشهداء على درب الحرية والسيادة والرخاء.

هشام ابوجوده

كاتب وخبير اقتصادي- سياسي

8 تموز 2021

  • مقال اعد للنشر صباح 8 تموز 2021، وقد تأخر نشره في الجريدة لاسباب تقنية

بيروت نيوز عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *