الرئيسية / ترجمات / “داعش” وفيتنام

“داعش” وفيتنام

توماس فريدمان – صحيفة نيويورك تايمز – في شهر أيار (مايو) من هذا العام، قمت بزيارة إلى فيتنام واجتمعت مع طلبة جامعتها. وبعد أسبوع من الاستقبال وقصف الحب لي من جانب الفيتناميين، الذين أعربوا عن إعجابهم الكبير بأميركا، وإعرابهم عن الرغبة في العمل أو الدراسة هناك وأن يكون لهم أصدقاء وعائلات يعيشون معها، لم أستطع أن أطرح الأسئلة نفسها: “كيف أسأنا كثيراً جداً لهذا البلد؟ وكيف انتهى بنا المطاف إلى خوض حرب مع هذا البلد، والتي كلفت الكثير جداً من الأرواح، وساقتهم إلى الارتماء في أحضان عدو هو الذي يكرهونه أكثر ما يكون: الصين؟”.
إنني أعرف أنها قصة طويلة ومعقدة، لكن ثمة جزءاً كبيراً منها تمثل في الفشل في فهم أن محور الدراما السياسية في فيتنام كان كفاحاً أهلياً وطنياً ضد الحكم الاستعماري -وليس تبني الشيوعية العالمية، التأويل الذي فرضناه عليها.
كان الفيتناميون الشماليون شيوعيين ووطنيين على حد سواء –وهم ما يزالون كذلك. لكن السبب الرئيسي وراء فشلنا في فيتنام تمثل في أن الشيوعيين استطاعوا أن يسخروا رواية الوطنيين الفيتناميين على نحو أكثر فعالية، مقارنة بحلفائنا الفيتناميين الجنوبيين الذين كانوا في كثير من الأحيان فاسدين أو غير شرعيين. وقد استطاع الفيتناميون الشماليون الفوز بقصب السبق (بمساعدة الإجبار الوحشي) من الدعم الفيتنامي، ليس لأن معظم الفيتناميين تبنوا ماركس ولينين، ولكن لأنه تم الشعور بأن هوشي منه ورفاقه الشيوعيين هم أناس وطنيون أكثر موثوقية.
أعتقد بأن ثمة شيئاً شبيهاً بهذا بشكل فضفاض يجري على قدم وساق في العراق. فقد كانت “الدولة الإسلامية” أو “داعش”، بنواتها الصغيرة من الجهاديين، قادرة على الاستيلاء على العديد جداً من الأراضي السنية غير الجهادية في سورية والعراق بين عشية وضحاها تقريباً -ليس لأن معظم السنة العراقيين والسوريين تبنوا فجأة الرواية الإسلاموية لخليفة “داعش” المعين ذاتياً. لا يريد معظم السنة العراقيين والسوريين بيع بناتهم لمتشدد شيشاني ملتحٍ، وهناك عدد غير قليل منهم ممن يصلون خمس مرات في اليوم، ثم يحبون أن يغسلوا ذلك بشيء من الويسكي الجيد. لقد تبنى هؤلاء، أو سلموا أنفسهم لداعش لأنها أسيئت معاملتهم على نحو منهجي من جانب نظامي الرئيس السوري بشار الأسد في سورية ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، المؤيدين للشيعة والمؤيدين لإيران -ولأنهم يرون في “داعش” عربة لإعادة إحياء القومية السنية ووضع حد للقمع الشيعي.
يتمثل التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة في العراق في محاولة إلحاق الهزيمة بتنظيم “داعش” من خلال تحالف ضمني مع سورية وإيران، اللتين يضطلع حلفاؤهما الشيعة المحليون بجزء كبير من القتال في العراق وسورية. ويرى الكثير من السوريين والعراقيين السنة في إيران “القوة الكولونيالية” التي تهيمن على العراق من إجل الإبقاء عليه ضعيفاً.
لأنها كانت مهووسة بالشيوعية، تدخلت أميركا في الحرب الأهلية في فيتنام وأخذت مكان المستعمرين الفرنسيين. ولأننا أصبحنا مهووسين بفكرة النزعة الجهادية و11/9، فإننا نقوم راهناً بعمل إيران وسورية في العراق؟ هل تشكل النزعة الجهادية بالنسبة للقومية السنية ما كانت الشيوعية تمثله بالنسبة للقومية الفيتنامية: حركة إيديولوجية مهيبة الجانب تقدح زناد ردود الأفعال العاطفية في الغرب -معززة عن قصد بقطع رؤوس مصورة بأشرطة فيديو- وإنما التي تخبئ تحتها حركة قومية كامنة أعمق، والتي تظل إلى حد ما مشروعة وشعبية في سياقها؟
أتساءل عن ما الذي كان سيحدث لو أن “داعش” لم تنخرط في الأعمال البربرية، ولو أنها أعلنت: “نحن الدولة الإسلامية. ونحن نمثل مصالح السنة السوريين والعراقيين الذين تعرضوا للمعاملة الوحشية من جانب النظامين في بغداد ودمشق الموجهين من الفرس. وإذا كنتم تعتقدون بأننا مجرمون، فما عليكم إلا أن تبحثوا في غوغل عن “بشار الأسد والبراميل المتفجرة”، أو “المليشيات العراقية الشيعية واستخدام تمارين القوة لقتل السنة”، وستشاهدون ما واجهناه بعد مغادرتكم أيها الأميركيون. إن هدفنا هو تأمين مصالح السنة في العراق وسورية. إننا نريد إقامة –سنيستان- متمتعة بالحكم الذاتي في العراق مثلما هناك كردستان للأكراد -سوية مع حصتنا من ثروة النفط في العراق”.
ربما كان ذلك سيفضي إلى حشد دعم ضخم للمجموعة من جانب السنة في كل مكان. وكانت مجلة “داعش”، دابق، قد نشرت مؤخراً مقالاً تحت عنوان “تأملات في الحملة الصليبية الأخيرة” (منقول عبر معهد الشرق الأوسط لأبحاث الإعلام)، والذي قال بأن حرب أميركا على “داعش” إنما تخدم مصالح أعداء أميركا: إيران وروسيا. وتنقل المادة عن إستراتيجيين أميركيين تحذيرهم من إن إيران قد خلقت “حزاماً شيعياً يمتد من طهران مروراً ببغداد وإلى بيروت”، وهو ما يشكل تهديداً أكبر بكثير من تهديد “داعش”.
لماذا إذن قطعت “داعش” رأسي صحافيين أميركيين؟ لأنها “داعش” هي ائتلاف يضم جهاديين أجانب وقبائل سنية محلية وضباطاً عسكريين سابقين في حزب البعث العراقي. وأعتقد أن الجهاديين المسؤولين يريدون جر الولايات المتحدة نحو حملة “صليبية” أخرى ضد المسلمين -تماماً مثلما فعل أسامة بن لادن- من أجل تحفيز المسلمين وجذبهم من أطراف العالم للتغلب على ضعفهم الرئيسي، وتحديداً أن معظم السنة العراقيين والسوريين ينجذبون نحو “داعش” كوسيلة لانبعاثهم الطائفي مجدداً، وليس لأنهم يريدون اعتناق الإسلام التطهري الجهادي. وليست هناك طريقة أفضل لجعل السنة العراقيين والسوريين العلمانيين يندمجون مع “داعش” من جعل أميركا تقصفهم كلهم جميعاً.
إن الحاجة تمس إلى احتواء “داعش” قبل أن تتمكن من نزع الاستقرار من جزر اللياقة والحشمة المتبقية، مثل الأردن وكردستان ولبنان. أما قصة تدميرها؟ سوف يكون ذلك صعباً، لأنها لا تركب موجة حلم خلافة جهادي ما فحسب، وأنما تستغل المعاناة القومية السنية العميقة أيضاً. وسوف يكون الفصل بين الاثنين هو أفضل طريقة لإلحاق الهزيمة بداعش، لكن الطريقة الوحيدة للفصل بين سنة الاتجاه السائد وبين الجهاديين تكمن في أن يتقاسم سنة وشيعة الاتجاه السائد السلطة، وأن يقوموا ببناء اعتمادية متبادلة صحية على أنقاض العلاقة غير الصحية القائمة راهناً. لكن، ما هي الفرص لتحقيق ذلك؟ ضئيلة جداً. وآمل أن يكون الرئيس أوباما قد درس هذا بشكل مستفيض.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

ترامب منفتح على “اتفاق جديد” لاحتواء إيران

تناولت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في تقرير لها اليوم محادثات الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والفرنسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *