الرئيسية / شؤون عراقية / منشآت عراقية بنيت بأيدي أجنبية/ الهندية… مائة وثلاثون عاماً من الارواء (١-٢)/ د.صلاح عبد الرزاق

منشآت عراقية بنيت بأيدي أجنبية/ الهندية… مائة وثلاثون عاماً من الارواء (١-٢)/ د.صلاح عبد الرزاق

د. صلاح عبد الرزاق

باحث سياسي

مقدمة

هذه سلسلة من المقالات تسلط الضوء على أبرز المنشآت التي بنيت في العراق من قبل مهندسين وشركات أجنبية خلال القرن العشرين.

موقع السدة
تقع سدة الهندية على نهر الفرات جنوب مدينة المسيب في محافظة بابل. والهدف منها تزويد شط الحلة ونهر الهندية بالمياه في فصل الصيف عند موسم الجفاف . وتوجد جداول تأخذ المياه من مقدم السدة هي شط الحلة ونهر الكفل وجدول المسيب الكبير من الجهة اليسرى ونهر الحسينية وبني حسن من الجانب الأيمن.
اسم السدة
يعود اسم الهندية إلى وزير اسمه آصف الدولة بهادر الهندي وكان وزيراً لدى ملك الهند محمد شاه. في عام ١٧٩٣ م قام آصف الدولة بهادر بزيارة إلى النجف الأشرف استقبله أهالي النجف وشكوا إليه سوء وضع مياه بحر النجف والآبار المالحة في وقتها، فجمع رؤساء القبائل العراقية والمهندسين، وقرر شق جدول لايصال المياه إلى مدينة النجف، وبذل أموالا طائلة، فشق جدولا يأخذ من الضفة اليمنى لنهر الفرات، من فوق مدينة بابل بحوالي عشرة كيلومترات، يجري باتجاه نهر الكوفة القديم، وقد عرف هذا الجدول فيما بعد بنهر الهندية نسبة إليه آصف الدولة الهندي.
سدة الهندية الأولى
في عام 1830 أصبح من الضروري توجيه قسم من ماء الفرات إلى فرع الحلة الذي بدأ ماؤه يقل فحاول والي بغداد العثماني علي رضا باشا (حكم ١٨٣١-١٨٤٢م) ومن بعده الوالي نجيب باشا (١٨٤٢-١٨٤٩م) من إنشاء سدة له ، وتمكن عبدي باشا من سد نهر الفرات ، وبناء ناظم قوي له من الأجر وقد تهدم ذلك الناظم سنه 1854. ثم قام الوالي عمر باشا ببناء سد عظيم من التراب والحطب فلم يبق الا قليلاً. وما حلت سنه 1880 حتى أصبح فرع الهندية هو مجرى الفرات الأصلي.

في عام 1885 جف نهر الحلة تماما واهتمت إسطنبول بالأمر فاستدعت مهندس الري المستر بول شوندورفر ومعاونه تيودور ووران اللذين وصلا الى بغداد قادمين من العاصمة الفرنسية ، بموجب اتفاقية كانت قد عقدت بين سفارة الدولة العثمانية في باريس والسلطات الفرنسية ، لإنشاء سدة الهندية وتطوير نهري دجلة والفرات.
قام شوندورفر ومعاونه بإجراء كشف موقعي لرفع وازالة الموانع التي تعرقل سير البواخر العاملة في نهري دجلة والفرات، ولينظروا ايضا فيما يجب تنفيذه بخصوص الاعمال والانشاءات اللازمة لسدة الهندية. وقد كان وصول كل من شوندورفر ووران الى بغداد في يوم الثلاثاء الموافق لليوم الاول من تشرين الاول لسنة 1889. وتوجها بعد وصولهما بعدة ايام الى الهندية والحلة ، وبعد عودتهما قدما تقريرا مفصلاً وارفقاه بخريطة لسدة الهندية الى الولاية، وبدورها ارسلته الى وزارة الاشغال في العاصمة العثمانية.
وبدآ العمل في بناء السدة التي استغرقت قرابة عام .

في 25 تشرين أول 1890 أقيم احتفال بمناسبة افتتاح السدة وحضره الوالي سري باشا (١٨٨٩- ١٨٩٠ م ) ومعه عبد الرحمن الكيلاني (١٨٤١-١٩٢٧) ورفعت أفندي الجادرجي وغيرهما ومن أعيان بغداد وأعيان الحلة وكربلاء .
الغريب أن المهندس الفرنسي القادم من باريس الحضارة قام بسرقة الطابوق الذي بنيت فيه السدة من آثار بابل واستخدم الديناميت من أجل ذلك حيث كان يوضع في جدران قصور نبوخذ نصر لنسفها واستخلاص الطابوق منها. وهو ما فعله قبل والي بغداد مدحت باشا (١٨٦٩-١٨٧٢ م) الذي بنى القشلة بسرقة طابوق سور بغداد العباسي.

منارة سدة الهندية

تخليدا لبناء أول سد من قبل الدولة العثمانية تقرر اقامة صرح أو منارة يذكر فيها اسم السلطان وتاريخ الانتهاء من بناء السدة. وتخليدا لذكرى بناء السدة شيدت منارة مرتفعة قريبا من جناحها الأيسر تطل على النهر. إذ بنيت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (١٨٤٢-١٩١٨) بن السلطان عبد المجيد الأول (١٨٢٣-١٨٦١). تتألف المنارة من قاعدة مربعة الشكل تتدرج نحو الأعلى لتبلغ سبعة طوابق ثم يعلوها عمود مخروطي ينتهي بقبة صغيرة يعلوها عمود نحاسي عليه هلال يشبه كثيراً قمم المنائر التركية والمصرية. وقد استخدم الطابوق المفخور في بنائها وما تزال المنارة قائمة. وهي اليوم محاطة بسياج حديدي لحمايتها من المتطفلين والمخربين.

كُتب على اللوحة الموضوعة على إحدى جوانب المنارة :

(( بســــم الله الرحمن الرحيم
لما تحول نهر الفرات عن مجراه وعدل إلى غير جهة كما تراه أمرنا بإنشاء بذا السد السديد المحكم وشق بد الخليج على الوجه الاتم من كان أمره المطاع جار على وجه الأرض جريان الماء في الفرات عميم الخيرات عظيم الميزات سيد سادات السلاطين مولانا أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين فخر سلاطين آل عثمان السلطان الغازي (عبد الحميد خان) ابن السلطان الغازي (عبد المجيد خان) كان الله تعالى متكفلا بنصره وقرن التوفيق بمطاع أمره لأحياء الأرض بعد موتها وبنى ارض حلة الفيحاء ومايليها من الأنحاء وقد وافق الفراغ من ذلك في السنة الثامنة بعد الثلثمائة وألف وصلوات الله وسلامه على محمد النبي واله وصحبه الطيبين أولى الشرف )) .

سدة الهندية الثانية

إن السدة التي بناها المهندس الفرنسي (( شو ندير فر )) عام 1890 على نهر الفرات أخذت تتهدم بمرور الأيام حتى إذا حل عام 1905 أصبحت الحالة في شط الحلة أشد مما كانت عليه قبل أنشاء السدة وانقطعت المياه في موسم الصيهود عن أراضي الحلة والديوانية والدغارة .
وفي شهر كانون أول 1908 وصل المهندس البريطاني المعروف وليم ويلكوكس (١٨٥٢-١٩٣٢) William Willcocks إلى بغداد حيث عينته الحكومة العثمانية مستشارا للري في العراق . وكان يملك خبرة في الري والسدود. وقد بنى قناطر أسيوط بمصر بين عامي ١٨٩٨-١٩٠٣ . كما قام بحفر قناة الابراهيمية التي تمتد بطول ٣٥٠ كم من أسيوط جنوباً إلى الجيزة شمالاً.

بعد دراسة الوضع أقترح ويلكوكس بناء سدة ذات أبواب حديدية على بعد 800 متر من شمال سدة شو ندير فر . وأخذت الحكومة بهذا الاقتراح وعهدت ببناء السدة إلى شركة جاكسون البريطانية وباشرت الشركة العمل في شباط 1911، حيث بنيت السدة على اليابسة في الجهة الشرقية من مجرى النهر وأستخدم فيها زهاء 3500 عامل عراقي وجرى العمل فيها بدقة ويعود الفضل بذلك للشركة والمهندس في بنائها بتلك الضخامة في وضع إداري متفسخ . بلغت تكاليف السدة ربع مليون ليرة وهذا مبلغ زهيد ويمكن أن نعزو ذلك إلى رخص أجور العمل.

يقوم التصميم الاصلي لويلكوكس من قسمين الاول السدة الرئيسية و القسم الثاني هو السدة نفسها مضاف اليها سد غاطس في مؤخرها، يبلغ طول هذه السدة 240 متراً وعرض ٤ أمتار. وهي مؤلفة من ثلاثة أحواض يشتمل كل حوض منها على 12 فتحة، فيكون مجموعها 36 فتحة أتساع كل منها خمسة أمتار، اعتقد المهندس ويلكوكس بآن أقصى تصريف فيضان للفرات هو (4000م3/ثا) . وبناءً على هذه التفاصيل وضع بموجبها تصميم السدة ليبلغ أعلى تصريف من المياه يمر من السدة من دون أن يسبب خطرا لها هو زهاء (3000م3/ثا). وقد تم بناء السدة من الخرسانة المسلحة ، واستغرق العمل بها سنتين وتسعة أشهر.

في 12 كانون أول 1913 جرى الاحتفال بافتتاح السدة وحضر الافتتاح القناصل وكبار الموظفين والأعيان كما حضره الوالي بالوكالة محمد فاضل باشا الداغستاني. وكان حفلاً مهيباً ألقي فيه المستر هويتلي مندوب الشركة خطابا بالفرنسية فأعقبه الداغستاني بخطاب أخر بالتركية .
ثم سار الجميع إلى سد التراب الذي أقيم لمنع الماء من الجريان فتلي دعاء وذبحت الذبائح ، ثم امسك الداغستاني مسحاة أزال بها شيئا من التراب وأندفع من بعده عشرون عاملا فأزالوا سد التراب كله في خمس دقائق وتدفقت المياه نحو السدة.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • صباح الشرقية في ٨ تموز ٢٠١٧
  • وكالة نون الخبرية في ١٠ آذار ٢٠١٨
  • ملحق المدى في ٢٢ تشرين الأول ٢٠١٧

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

رئيس دائرة آسيا وأستراليا يلتقي القائم بالأعمال الأذري

التقى رئيس دائرة آسيا وأستراليا وكالةً الأستاذ حيدر راضي ناصر الشمرتي مع السيّد نصير ممدوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *