الرئيسية / مقالات / التّطبيع أم صهينة / د. فاضل الكثيري – كاتب وباحث تونسي

التّطبيع أم صهينة / د. فاضل الكثيري – كاتب وباحث تونسي


حدث في الأيّام الأخيرة منعطف خطير قام به نظام كان يراه الكثير أنموذجا اقتصاديا مهمّا في المنطقة؛ وأعني به نظام أبي ظبي ورفعه شعار التّطبيع حلا في المنطقة؛ متجاوزا بذلك حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره خاصة، وحقوق العرب والمسلمين عامة.
وكان علينا أنّ نقول محل كلمة التّطبيع (الصّهينة) أو التّصهين لأنّها الكلمة المناسبة لتوصيف الحال، وبما أنّ أصحاب المطابخ اللّغوية ومروجي المصطلحات اختاروا كلمة التّطبيع، لما فيها من مواربة والتباس وكثير من التّأويل. وهي كلمة تحمل في ذاتها شحنة عاطفية ودلالات متعدّدة ؛ ليس أقلها أن التّطبيع هو أصل الطّبيعة، وإرجاع الشّيء طبيعيا. فالذي يسعى إلى التطبيع يحمل مؤشر الخروج عن حالته اللا طبيعية وإلى الحال الاعتيادية طبيعية.
وفي قراءة المشهد يصبح التطبيع مرادفا للصّهنة، وتكريسا للاستبداد، ومعاديا للأسلمة والتّحرر المدني.
ومع انقلاب الصّورة وقيام النّظام المصري منذ عهد السادات بالتّطبيع، بقي الحس العربي كان أكثر تماسكا بنفس من مقاومة المصطلح؛ وجعل هذا النظام خارج جامعة الدول العربية، ثم جاء دور الأردن فكانت اتفاقية وادي عربة؛ فطبّع سياسيا لكن الشّعب لم يطبّع وخفّت وطأة المطالبين بعدم التّطبيع معه؛ إلاّ أنذ أصوات المتحفظين كان لها وقعها ورهبتها وبخاصة في بغداد والمغرب العربي.
أمّا الآن فقد انقلبت الصورة في مجرى الأحداث الأخيرة بعدما أحدث نظام بن زايد زلزالا هزّ جدران المنظومات العربية، فتداعت أركانها في البحرين وعمان والسودان وموريتانيا وأماكن أخرى. وبما أنّ التطبيع هو رجوع الشّاذ إلى حالته الطبيعية فقد أقرّ أبناء شخبوط وقرقاش( وهذه أسماء تقترب من اليهود أكثر منها للعرب) بالرّجوع إلى طبيعتهم أصدقاء للصهاينة ومن لفّ لفهم، ولا يعدّ هذا شذوذا لأن الجماعة رجعوا إلى طبيعتهم، كما أنّه ليس هناك أيّ مبرر للقيام بهذ الخطوات مع العلم أنّ هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفكيك الإمارات نفسها. إذ ترى أربع إمارات أن التّطبيع مع العرب أَوْلى وأفيد من الصّهينة.
وإذا كان التطبيع جاء لحالة ارتدادية نحو الصهاينة الغاصبين الغارقين في الدماء وهدم المقدسات، فإن هذه حركة التطبيع لن تأتي إلاّ بالإسراع في السقوط نحو الهاوية، ولو كان التطبيع له فؤائد لأفاد مصر الّتي ترزح تحت فقر مدقع وديون ضخمة وارتهان للخارج وسلب لقرارها السيادي، وسجون ضاقت على مواطنيها، ولاستفاد الأردن أيضا في انتشاله من الأزمات المتلاحقة.
والسّؤال المطروح كيف يجوز لدولة غنية مثل الإمارات أن تطبّع مع دولة عنصرية إرهابية مغتصبة لحقنا ومقدسات أمّتنا. وكيف يجوز لدولة مثل الإمارات رائدة في الصّناعات والأموال والموقع الجغرافي المتميز والعيش الرغيد أن توسخ حالها بدنس الصهاينة، وتدخل في لعبة قذرة بتأثير من الولايات المتحدة أو غيرها؟
في الواقع إنّ حركة التّطبيع التي تقوم بها بعض الأنظمة في الخليج وغيره ستأتي بزلزال قريبا جدا، وستؤدي بعروش كثيرة إلى المهلكة، ولن تحلم بالعودة إلى الحكم مرّة أخرى.
إنّ من أجهز على مقدرات الأمّة أيّ كان، واستقوى بالصهاينة وغيرهم على أبناء جلدته لن يجني سوى الرّماد تذروه الرياح في عينيه.

                                        د.  فاضل الكثيري

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

ما بني على باطل فهو باطل / بقلم حسن احمد خليل

شموخ الأرز وأرض الرب ولن يرضى “المسيحيون” باطل.لا انتقاص لاهل “السنة” باطل .ولا يمكن بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *