الرئيسية / مقالات / أبحث عن وطنٍ يحميني .. بعيداً في ما وراءِ البحار “../د. طلال حمود

أبحث عن وطنٍ يحميني .. بعيداً في ما وراءِ البحار “../د. طلال حمود

د. طلال حمود

أحد أصدقائي أرسل إليّ يسألني عن خلفيّتي، فأجبته:
لست أدري كيف ترون الخلفيّة الوطنيّة.. أليست عشق الوطن حتّى الذّوبان؟ أليست الغيرة على الوطن حتّى البكاء؟ أليست الخوف على الوطن حتّى الهروب من أيّ موقع يمكن أن يزيد من آلامه؟؟
أستطيع أن أقول لك إنّي من أكثر النّاس ذوبانًا بهذا الكيان المقدّس الّذي اسمه وطني.
إلى درجة أنّي حين رأيت أنّ الوضع لم يعد يحتمل أيّ مواربة أو تلميحات أو تقيّة أو ضحك على الذات، قلت ما وجدت أنّ من واجبي الوطنيّ أن أقوله.
فمنذ حوالي الّسنة، وأنا في “الغربة”.. وما أصعبها من غربة!
عندما تكون مولعًا بحبّ الأهل والدّيار وزواريب بيروت أو القرية التي نشأت فيها.. فأنا مثلكم جميعًا، أبحث عن وطن كريم يحميني.. عن وطن يأويني ويُرضيني، ويؤمّن لي الأمن والأمان والسّلام والعيش الكريم!
منذ سنة وأنا مشرّد من مدينة فرنسية إلى مدينة أخرى، كالذي لا مأوى له، ولقد تعبت من حمل أمتعتي ونقلها على ظهري من بلد إلى بلد!
تعبت من الغربة الموحشة.. تعبت من السفر ومن عذاب البُعد عن الأهل والأحبّة والجيران..
اشتقت إلى رائحة تربة وطني الذي أفسد فيه الساسة كلّ شيء! زرعوا المطامر والمقالع والمرامل والكسارات في كلّ أنحائه! اغتصبوا بحره ونهره وهواءه، واستملكوا أجمل الشواطئ لبناء القصور والفيلات والحصون لهم ولأولادهم ولأزلامهم ومرتزقتهم! سرقوا كل شيء: أموال المودعين والضّمان الاجتماعيّ، ونهبوا وسمسروا في كل المؤسّسات والإدارات الّتي زرعوا فيها أزلامهم وزعرانهم للسّرقة ولكي يتقاسموا معهم الغلّة في آخر كلّ أسبوع أو عند كلّ لقاء، سرّيًّا كان أم علنيًّا.
شجّعوا البلطجة والهمرجة والتّشبيح، واستباحوا كلّ شيء حتى أعراض وأجساد وأرواح كل المواطنين! فهل علمتم الآن لماذا أبحث عن وطن؟

أحمل شنطة السفر وثقل الغربة ووحشتها، لأن رجال الحكم في لبنان تحوّلوا بمعظمهم إلى رجال عصابات!
فهناك عصابات وكارتيلات المرافئ والمطار والمحروقات والقمح والخبز والدواء والماركات، ولكلّ الأصناف المستوردة من كماليّات رجالها وإقطاعيّوها ومافياتها والمتحكّمون بها والمحتكرون!
ابحث عن وطن فيه حدائق وشواطئ وأماكن للترفيه ونظام وقانون وقواعد محترمة للعمل! لا عن وطن زرعوا فيه المطامر والمحارق والمكبّات والمجارير التي تخنقك الرّوائح المنبعثة منها ذهاباً وإياباً إلى بيروت، ومعظم المدن الكبرى، وحتى البلدات الريفية الصغيرة.
أبحث عن وطن يكون حراكه وطنياً واضحاً، غير مرتبط بأية سفارة أو عمارة أو إمارة!
ثوّاره لهم هدف واحد هو اقتلاع السلطة الحاكمة المترّبصة بنا والجاثمة على صدورنا منذ اكثر من خمس وثلاثين سنة! لا يضعون خيمة فوق رأس هذا الزعيم أو ذاك، ولا يضعون الخطوط الحمراء حول هذا أو ذاك! فقط لأنّه ابن طائفتهم أو مذهبهم أو منطقتهم أو عشيرتهم.. ولاؤهم للوطن وللوطن فقط، وهم عليه حريصون مُدافعون مُحامون!
عيونهم شاخصة للدفاع عنه أمام كل عدوّ أو متآمر داخلي أو خارجيّ، وخاصة للدفاع عنه تجاه مطامع واعتداءات بني صهيون الخبثاء الملعونين!
ثوار الوطن الذي أبحث عنه لا يحرقون وزاراته ولا مؤسّساته وإداراته، لأنّها مُلك الشعب وليست للحكّام الفاسدين او لهذا الوزير او ذاك او لهذا الزعيم او ذاك فهذا لا يزيد الوطن إلّل خراباً ودماراً !
أنها العبثية والجنون بعينه!

ثوار بلادي الحقيقيّون لا يهتفون ضد الفاسدين جميعهم دون اي إستثناء اية تفرقة او تمييز ويعلّقون المقاصل والمشانق لكل من خان وافسد ونهب وهدر في هذا البلد وثبتت عليه التهمة او هو من المُتهمين الكبار او المؤكّدين بذلك ! لأن الفساد في بلادي عابر للطوائف والمذاهب والمناطق والزواريب وهم ينسون احياناً كثيرة ذلك او يتناسوه لغاية في نفس يعقوب والله اعلم ! ثوار بلادي الحقيقيّون لا يشتمون اخوتهم في الوطن ويشتمونهم مقدّساتهم
وزعمائهم فقط “لأسباب سياسية او
لها علاقة بصراعات المحاور الطاحنة التي تدور في منطقتنا ولا يستثنون زعيمهم او زعيم حزبهم او طائفتهم او مذهبهم او عشيرتهم من الشتم ويضعون الخيمة فوق رأسه او يستقبلونه بالورود والزغاريد والاهاجيز وكأنه “الحمل الوديع الذي ما حمل يوماً سلاحاً او كان زعيم ميليشيا فاجرة او من سلاطين الحرب الأهلية القذرة ” وذلك عند مروره على حواجزهم وكأن لا دخل له بالفساد وهو الغارق فيه حتى اخمص قدميه ولأنه مُقدّس والحق كله بالنسبة لهم على زعماء هذا المذهب او ذاك وهم يعرفون ان ذلك هراء وكذب!

ثوّار وطني الحقيقيون يعرفون بيوت وقصور وحصون ومحميّات الفاسدين المتسلّطين على رقابنا، وهي أماكن معروفة في لبنان، ولا يبلغ عددهم أكثر من أربعين أو خمسين شخصية أو أكثر أو أقلّ، ومنهم من قال إنهم حوالي عشرين شخصية، وسيحاسَبون عاجلاً أم آجلاً!
نعم ليذهب الثوار إلى هناك ليحرقوا بيوتهم وقصورهم، ويرموهم في البحر!
نعم في البحر!! أو ليعلّقوا لهم المشانق بعد محاكمتهم محاكمات شفافة من قبل قضاة محايدين ونزهاء.
ستقولون لي إنّ لديهم زعران وشبيحة ومسلحين: فلا ثورة من دون تضحيات! ولتنظّف كلّ طائفة أو مذهب أو قبيلة أو عشيرة لبنانية شارعها، هكذا تفجّرت الثورات في التاريخ.. وهكذا تحرّرت الشّعوب!
لكن ان نحرق وزارة الاقتصاد ونقتحم وزارات الخارجيّة والبيئة والطاقة وغيرها وغيرها وغيرها من الإدارات والمؤسسات او ان نعتدي على الأملاك الخاصّة والعامّة ونحطّمها ونكسّرها او ننهبها ، فهذا لا يزيد دمارنا إلاّ دمارًا.
أعرف أنّ المهمة صعبة جداً، وكل واحد من الشخصيات قادر على أن يخرب بلدًا وحده، لكن بما أننا وصلنا إلى الطريق المسدود، فليس أمامنا سوى هذا الخيار الصعب.
ولكل تلك الأسباب وبسبب كلّ الأعمال التي حصلت البارحة والتي لا تخدم مشروع بناء الوطن الّذي كنت أحلم به، وبسبب التخبّط والقلق والحيرة التي نعيشها جميعاً ، فسوف أبقى أبحث عن وطن، وسأبقى أحمل حقيبتي على كتفي، وأبحث عن وطن..
وسأبقى أُناضل وأناضل وأناضل.. ولن أستسلم لهم أبدًا…
د طلال حمود-طبيب قلب-مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

ما بني على باطل فهو باطل / بقلم حسن احمد خليل

شموخ الأرز وأرض الرب ولن يرضى “المسيحيون” باطل.لا انتقاص لاهل “السنة” باطل .ولا يمكن بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *