الرئيسية / مقالات / نصادق من يعادينا ونعادي من يصادقنا”: شعار الطبقة السياسية في لبنان/ د. زياد حافظ*

نصادق من يعادينا ونعادي من يصادقنا”: شعار الطبقة السياسية في لبنان/ د. زياد حافظ*


د. زياد حافظ
*كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي*


تردّدنا كثيرا في مقاربة الطبقة السياسية في لبنان لأن اهتمامنا كان وما زال أولا وأخير في مواجهة الكيان الصهيوني والعمل على تحقيق المشروع النهضوي العربي بأبعاده الستة. وإن تمسّكنا بالعروبة هو الذي يجعلنا نتجاوز الحواجز الناتجة عن تفسيرات ملتوية للهويات الفرعية المتعدّدة في لبنان والتي توقع لبنان في متاهات لا نهاية لها. وكنّا ننظر إلى التجاذبات الداخلية في لبنان كمعارك جانبية لا تغني من جوع ولا تسمن إلاّ أن لبنان أصبح على وشك السقوط في هاوية لا قاع لها وبالتالي لا بد من إبداء الرأي واتخاذ الموقف المناسب من المسؤولين عما وصلت إليه الأمور.
المفارقة هنا هي أن لبنان رغم ما يمرّ به من أزمات مالية واقتصادية مفتعلة يقف على أبواب نهضة لم يشهدها في تاريخه المعاصر لولا الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان. فهي التي تحول دون اتخاذ الإجراءات الضرورية رغم وضوحها وجدواها وقلّة كلفتها والتي عرضناها سابقا. وهذه الطبقة لا تشمل حزب الله بينما تشمل خصومه وبعض حلفائه الذين لديهم أولويات مختلفة ولهم سلوك لا ينسجم مع متطلّبات المرحلة. أما مسؤولية حزب الله فتقع في إهمال ضرورة دعم سياج سياسي مكوّن من قوى شعبية حقيقية يحميها ويخوض معارك التغيير لتحصين المقاومة لكنه مستقلا عنها كما كانت الحركة الوطنية اللبنانية سياجا للثورة الفلسطينية في لبنان. فتكتّل 8 آذار ليس بديلا عن جسم سياسي كالحركة الوطنية لأنه لا يضم كل القوى الشعبية التي يمكن أن تناصر المقاومة وتقوم بعملية التغيير لكن هذا حديث آخر نقاربه في وقت لاحق. فهذه الطبقة شعارها واحد فيما يتعلّق بمصلحة لبنان وما تعتبره مفهومها للحياد الايجابي: نعادي من يصادقنا ونصادق من يعادينا! ولهذا الشعار مرادفات تصبّ في خانة نحر لبنان كالحياد والنأي بالنفس والفدرالية والتقسيم.
تاريخيا، لم تكن الطبقة السياسية محصورة ببيوت سياسية كانت تشبه الاقطاع السياسي بل كانت هناك قوى سياسية شعبية تحاول تصحيح التشوّهات التي فرضتها الطبقة السياسية الحاكمة ما بعد الاستقلال. والصراعات السياسية بين تلك البيوت كانت مضبوطة بحركة موازين القوى الإقليمية والدولية في آن واحد كما حصل في مختلف الحقبات ما بعد الاستقلال والتي لن نكرّرها في هذه المقاربة. نربد أن نركّز على أن البيوت السياسية التي كانت تشكل معظم الطبقة السياسية لم تكن وحيدة في الساحة خاصة منذ متصف الخمسينات حتى اندلاع الحرب الأهلية. القوى السياسية التي حاولت أن تصحّح الأوضاع كانت الحركة الوطنية اللبنانية بصيغتها العريضة وليس بصيغتها المختزلة بقوّتين والتي انتهى دورهما ومعهما دور الحركة الوطنية بعد احتلال الكيان الصهيوني لأجزاء كبيرة من لبنان، وبعد التدخّلات الإقليمية والدولية مرّة أخرى في رسم الخارطة السياسية في لبنان وخاصة مع انطلاق حقبة الطائف.
الطبقة السياسية في لبنان منذ الطائف وحتى الساعة ما زالت مختلفة ومتحاربة في العديد من الملفّات السياسية ولكنها متفّقة فيما بينها على تقاسم “الكعكة” الناتجة عن الاقتصاد الريعي الذي أوجدته حقبة الطائف. فالخلافات كانت تدور تحت سقف المعادلة الإقليمية والدولية التي أوجدت الطائف. لبنان دخل مرحلة اللاتوازن بعد انهيار التفاهم الإقليمي والدولي الذي نتج عن أو كان سببا لاغتيال الرئيس رفيق الحريري وفي ذروة المعارك بين المقاومة العراقية وقوّات الاحتلال الأميركية. هذه الطبقة السياسية كانت مرتاحة جدّا لوجود مرجعية إقليمية تفصل في خلافاتها الداخلية لأنها كانت عاجزة عن التوصّل فيما بينها على تفاهمات. ما حصل بعد انحسار الدور الإقليمي كمرجعية انكشف تخلّف تلك الطبقة في إدارة شؤونها ما يطرح على بساط البحث جدارتها على إدارة أمور البلاد. من الواضح أن الطبقة السياسية في لبنان، في التاريخ القديم والتاريخ المعاصر، لم تكن قادرة على إدارة البلاد لولا التدخّل الخارجي الذي ضبط إيقاعاها. كان ذلك صحيحا بعد فشل تجربة القائمقاميتين، فكان عهد المتصرّفية، ثم الانتداب، ثم الموازين الإقليمية والدولية التي كانت تضبط أيقاع الحياة السياسية.
الجديد في المعادلة اللبنانية ظهور المقاومة كعامل مستقل عن كل الاعتبارات التي تتحكّم بقرارات الطبقة السياسية. والعديد في تلك الطبقة يسارع إلى اعتبار المقاومة “مشروعا إيرانيا” فقط لا غير. فتحرير لبنان “مشروع إيراني” والتصدّي للعدوان الصهيوني “مشروع إيراني” وأن حماية سورية التي حمت ودافعت عن المقاومة في لبنان “مشروع إيراني” أيضا! ولا يجب أن ننسى أن الحكومة برئاسة رفيق الحريري أطلقت النار على المقاومة سنة 1993 إلى أن اغتال متطرف صهيوني في تشرين الثاني 1995 إسحاق رابين قاضيا بشكل نهائي على مشاريع السلام المطروحة في المنطقة. فكان تفاهم 1996 الذي أكّد شرعية المقاومة بعدما كانت عائقا على مشاريع السلام! فيما بعد أصبح التصدّي للاحتلال الصهيوني “مغامرة غير محسوبة” ولا يحق ان يكون “قرار الحرب خارج الشرعية”! والأزمة الاقتصادية والمالية لما كانت لولا المقاومة ووجود حزب الله في الحكومة منذ 2005! فمحاولات شيطنة المقاومة لم تتوقف منذ التحرير وبعد حرب تموز ولن تتوقف الآن بعد مساهمة المقاومة في ردع العدوان الكوني على سورية. لا ندري ضمن ذلك المنطق لتحميل كل المسؤولية لحزب الله لماذا لم تكن جائحة الكورونا سببها المقاومة؟! أما الأزمة الاقتصادية القائمة فهي تقع على عاتق الحزب وليس الفساد، وإذا كان لا بد من الإقرار بفساد الطبقة فإن حزب الله هو مسؤول رئيسي عنه بسبب “التستّر” عن الفساد!
ولكن بغض النظر عن كل تلك الاعتبارات السخيفة التي تشكّل متن خطاب خصوم المقاومة فإن حزب الله أصبح الرقم الصعب في المعادلة اللبنانية حيث لا تستطيع القوى التقليدية ومن يدعمها عربيا ودوليا ضبط أيقاع حركنه. والانقسام بين معسكرين، معسكر 8 آذار ومعسكر 14 آذار، ما زال قائما مع نقاط تقاطع بين أطراف من المعسكرين قرّرت التساكن منذ 2005 والتقاسم لغنائم الدولة دون أن يكون حزب الله شريكا لها. بالمقابل كان ثمن ذلك التساكن تغطية لسلاح المقاومة مع العرض الموسمي لإرضاء الموكّلين في طرح قضية السلاح ولكن دون أي مفعول عملي يذكر. استطاعت الطبقة الحاكمة أن تحيّد مفعول طرح سلاح المقاومة عبر اعتباره مرتبطا بقضايا الإقليم وفوق طاقة لبنان. لكن ما غيّر في تلك المعادلة موقف الإدارة الأميركية الحالية التي تسعى بكل ما لديها من قوّة لتحقيق الأمن للكيان الصهيوني بعد العجز في الحرب الكونية على سورية وإضعاف محور المقاومة على الصعيد الإقليمي وطالما أن أي تسوية سياسية لصالح الكيان في ظل الموازين الجديدة غير ممكنة. فسياسة الضغوط القصوى على لبنان هي فقط لذلك الغرض.
التدخّل الأميركي الأخير في الشأن الداخلي اللبناني بشكله السافر والفظ أحرج حلفاء الولايات المتحدة أكثر مما أحرج حزب الله. فتجويع لبنان وتحميل مسؤولية ذلك لحزب الله لم يُصرف سياسيا حيث الرد هو في التحوّل الاستراتيجي (لو حصل) نحو الشرق. فهناك خيارات واضحة وممكنة وقليلة الكلفة للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية دون الغوص في معركة الفساد والفاسدين. لقد أوضح أمين عام حزب الله في إحدى إطلالتها الأخيرة أن معركة الفساد معركته ولكنها معركة طويلة المدى وأن الجهود يجب أن تنصب أوّلا على الخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية.
العروض التي وصلت إلى لبنان من قبل الجمهورية الإسلامية في إيران والصين تكفي للخروج من الأزمة وتبطل مفعول الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية. وهنا تكمن المفارقة الغريبة العجيبة لتلك الطبقة السياسية التي لا تستطيع أن تقبل المساعدة من دول تحرص على بقاء لبنان بل تنصاع إلى إجراءات دولة لا يهمّها لبنان مطلقا بل الكيان الصهيوني فقط. فعلا، فهي طبقة تصادق من يعادي لبنان وتعادي من يصادقه! فهذه الطبقة رهينة الابتزاز الأميركي الذي يهدّدها ليس بفضح فسادها فقط بل بمصادرة أموالها في الخارج وهذا ما يجعلها تعرقّل جهود الحكومة للخروج من الأزمة أو التفكير الجدّي بقبول العروض الصينية والإيرانية. نعم، قد تكون هناك كلفة سياسية لقبول تلك العروض لكن كلفة القبول أقلّ بكثير من كلفة الرضوخ للإملاءات الأميركية.
معركة الخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية ومعركة كبح ومحو الفساد معركة الجميع وليست مسؤولية الطبقة السياسية فقط. بل العكس، هذه الطبقة برهنت أنها غير معنية لا بالخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية ولا من مكافحة الفساد. لذلك تقع المسؤولية على القوى الشعبية الوطنية التي تعتبر نفسها مسؤولة. فكما بادرت القوة الشعبية في مقاومة الاحتلال الصهيوني في الثمانينات فعلى القوى الشعبية أن تبادر في الضغط على الحكومة للقبول بالعروض الصينية والإيرانية وغيرها التي قد تُعرض على لبنان وباتخاذ إجراءات في مكافحة الفساد. ندعو إلى قيام جبهة عريضة من القوى الشعبية والشخصيات الوطنية ومن المجموعات الصادقة التي أوجدتها انتفاضة 17 تشرين العابرة للمناطق والطوائف وغير مرتبطة بأجندات سياسية غير الإصلاح الاقتصادي والمالي ومكافحة الفساد عبر مساءلة ومحاسبة الفاسدين الحاليين والسابقين. هنا حزب الله مدعو لدعم تلك الجبهة التي لن تكون بديلا عن لقاء الأحزاب ولا عن المقاومة. فهذه الجبهة مهمتها الأولى الحفاظ على الأمن السلمي الأهلي عبر الضغط المستمر والدائم على الحكومة بعيدة عن الطروحات الفئوية والمذهبية.
لا يمكن أن تكون المقاومة مسؤولة عن النهوض الاقتصادي والمالي ولا عن مكافحة الفساد فمهمتها الأولى والأخيرة هي المواجهة مع الكيان الصهيوني وهذا ما تقوم به بشكل أذهل الجميع. لكن رصيدها المعنوي الهائل يمكن أن توظّفها في دعم الجبهة الوطنية الشعبية العريضة التي ستكون سياجا للمقاومة دون أن تكون تابعة لها. وهنا سترى المقاومة أن الثقة في الشعب وقوّته في مكانها ولن تشكّل خطرا عليها بل يخفّف من الضغط عليها ومن عبء سلوك بعض الحلفاء و”الأصدقاء” في بعض الملفّات

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

انفجار بيروت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *