الرئيسية / مقالات / ملامح الشخصية العراقية 1- 2- قراءة في كتاب د. علي الوردي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي

ملامح الشخصية العراقية 1- 2- قراءة في كتاب د. علي الوردي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي


د. صلاح عبد الرزاق

منهج الدكتور علي الوردي
يعتبر الدكتور علي الوردي من أشهر علماء الإجتماع العرب في العصر الحديث . وقد صرف معظم أبحاثه للغوص في الشخصية العراقية ، فكتب (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) الذي حاول فيه أن يضع نظريته في تفسير طبيعة تكوين هذه الشخصية المعقدة . كما كانت دراسته الموسوعية (لمحات إجتماعية من تأريخ العراق الحديث) تعكس نظرته لخلفية الشخصية العراقية ومكوناتها وموروثاتها التأريخية التي تراكمت على مدى القرون . فكان الوردي يقوّم الأحداث من خلال قراءة تحليلية للواقع الإجتماعي قبل وأثناء وبعد الحدث التاريخي .وكانت له أبحاث أخرى مثل (شخصية الفرد العراقي) و(الإزدواجية في شخصية الفرد العراقي) .

يتميز أسلوب الوردي بسلاسة العبارة وبساطتها ، فهو يبتعد عن التكلف أو استخدام عبارات غامضة أو مصطلحات مبهمة على أذن القارئ العادي . ويجعل الوردي من التاريخ مجموعة من القصص الممتعة التي تستهوي القارئ ، دون أن يخل ذلك بمادته العلمية أو سياقه التاريخي .هذا إضافة إلى توثيق ما يقوله بالوثائق وكتب الرحلات والدبلوماسيين ومذكرات السياسيين ومصادر تاريخية أخرى . كما لا يفوته تدوين ملاحظة رجل عجوز أو زبون في مقهى أو غيرهم من الطبقات الشعبية .

وكثيراً ما ينتقد الوردي الآراء النظرية التي تهدف إلى تثبيت منحى ايديولوجي معين حيث يجري التركيز على الدعاية السياسية أكثر مما تميل إلى كونها دراسة موضوعية واقعية . فينتقد مثلاً المنهج الوعظي في مخاطبة الشباب العربي بهدف خلق جيل من الشباب القومي الواعي أثناء المد القومي في بداية الستينات (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ ص 9).

من المشاكل التي واجهها الوردي أثناء دراسته للمجتمع العراقي هي كيفية جمع المعلومات من أفراد الشعب . فيرى أن الأسلوب الغربي في الإستبيان أو طرق أبواب الناس لأخذ أرائهم في قضية ما غير ممكن لأن هناك “فجوة واسعة بين الشعب والحكومة . فالشعب يعتبر الحكومة عدوة له لا تأتي له بأية منفعة ، وكثيراً ما يأتي الضرر منها” . ويصف موقفه أمام الناس بقوله “وإذا جاءهم باحث إجتماعي حسبوه من جلاوزة الحكومة . فهو (أفندي) في ملابسه ، وبيده قلم ودفتر . أما إذا لبس الباحث ملابس اعتيادية (دشداشة) مثلهم ، ظنوا أنه جاسوس أرسلته الحكومة للتجسس عليهم . ولهذا كنت إذا أردت الدراسة أحاول نيل ثقتهم قبل أن أبدأ بالسؤال. وكنت أوجه إليهم الأسئلة تلقائياً ، وأحرضهم على الإجابة عن طريق إثارتهم وبعث الحماس والفخر فيهم”.

ولذلك يرى الوردي أن أفضل طريقة لدراسة المجتمع العراقي هي تلك التي وضعها العالم الألماني ماكس فيبر . وهي التي تعتمد على “التفهم” وتكوين “المثال النموذجي”. فهي ملائمة لمجتمعنا وظروفه الخاصة.
وينتقد الوردي ظاهرة التقليد التي كثيراً ما يقع فيها الباحثون والأكاديميون في تفكيرهم وأسلوب تنفيذهم لبرامجهم أو أرائهم . فيقول ” فنجد أحدهم مثلاً يدرس علم الإجتماع في جامعة أجنبية فيرجع إلى مجتمعه يريد أن يدرسه في ضوء ما درس هناك حرفياً ، ناسياً الفرق بين مجتمعه والمجتمع الذي درس فيه . إنه قد يظن أن الظواهر التي درسها هناك “قوانين عامة” تصدق على جميع الشعوب في العالم من غير تفريق” (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ ص 20 )

تأثير البداوة في المجتمع العربي
حاول الوردي تطوير نظرية قادرة على تحليل شخصية الفرد العراقي بشكل علمي مقبول . فقد تأثر ببعض الفلاسفة والمفكرين ، فكان يناقش أرائهم ويرى مدى إمكانية انطباقها على النموذج الذي يعنيه ، أي المجتمع العراقي . وبلور آرائه في ثلاث فرضيات هي : 1- ازدواج الشخصية 2- التناشز الإجتماعي 3- صراع البداوة والحضارة .
ويعترف الوردي بموضوعية أن هذه الفرضيات ليست من بنات أفكاره ، بل اقتبس كل واحدة منها من عالم اجتماعي معروف . فالأولى اقتبسها من (روبرت مريسون مكايفر1882-1970) والثانية من (وليم اوكبرن) والثالثة من (ابن خلدون) ، ثم وصف دوره هو بقوله ( غير أني حورت وبدلت في كل واحدة منها ، قليلاً أو كثيراً ، لكي أجعلها أكثر انطباقاً وانسجاماً مع ظروف المجتمع العراقي وطبيعة تكوينه). ( صائب عبد الحميد / علي الوردي: عالم الإجتماع المثير للجدل ) / قضايا إسلامية معاصرة /العدد الثالث / ص 156)

ظل عنصر البداوة يحتل موقعاً هاماً في صياغة الوردي لنظريته . فهو يرفض النظرية التي تعتبر (البداوة مرحلة إجتماعية مرت بها جميع الأمم قبل دخولها في مرحلة الحضارة) ، حيث يعتبرها مستمدة من نظرية التطور المشهورة التي صارت (موضة) علمية منذ ظهور داروين في منتصف القرن الماضي . فقد ظن العلماء يومذاك أن كل مجتمع بشري هو كالكائنات الحية لابد أن يمر في تطوره عبر التاريخ بسلسلة متتابعة من المراحل المحتومة . وهذه المراحل ، كما تخيلوها ، تبدأ بالمرحلة البدائية التي يعيش فيها الإنسان على الصيد و الإلتقاط ، ثم تأتي من بعدها مرحلة البداوة التي يعيش فيها الإنسان على الرعي ، وتليها مرحلة الزراعة ثم مرحلة الصناعة).
ويستنتج الوردي “بأن البداوة ليست مرحلة ضرورية من مراحل التطور الإجتماعي ، وليس من المحتوم على كل أمة أن تمر بها خلال تطورها عبر التاريخ . إن البداوة في الواقع نظام إجتماعي لا ينشأ إلا في الصحراء … وفي أكثر الأحيان لا تتخذ أمة ما نظام البداوة كنظام اجتماعي إذا كانت أرضها غير صحراوية.” ويعقب الوردي على أخطاء يتداولها بعض الباحثين مثل قولهم “أن العرب كانوا في جاهليتهم يعيشون في طور البداوة ، وهو طور اجتماعي طبيعي تمر به الأمم أثناء سيرها إلى الحضارة” . هذا ولم يشر الوردي إلى نشوء حضارات في المنطقة العربية قبل وأثناء عصر الجاهلية كاليمن والحضر وتدمر والمدائن . كما رد الوردي من يقول بأن أهم خصائص البداوة هو التنقل وقلة الإستقرار في الأرض ، فيعتبر ذلك خطئاً علمياً ينبغي تجنبه ، لأن ذلك يعني تشبيه البدو بالغجر وسكان الأسكيمو .

يصنف الوردي الوطن العربي إلى ثلاثة أصناف حسب تأثرها بالبداوة :
1- وجود الحضارة والبداوة جنباً إلى جنب ، فتسيطر الحضارة تارة والبداوة تارة أخرى ، كما في العراق والأردن والشام وتونس والجزائر والمغرب واليمن . والصراع في هذه البلدان كبير وفي العراق أشد .
2- تكون البداوة أشد وأكثر تأثيراً من الحضارة . ولهذا فالصراع فيها ضعيف لا يظهر إلا في نطاق ضيق جداً . ويشمل هذا الصنف نجد والأحساء والعسير وليبيا ، والجزء الصحراوي من الجزائر وعمان والقسم الجنوبي من مصر (الصعيد) . ولم يذكر الوردي الكويت ودولة الإمارات والبحرين مع أن الخصائص التي ذكرها تنطبق عليها مثل قلة السكان وكثرة البدو . ولعل ذلك يعود إلى أن تلك الدول لم تتشكل بعد أو تظهر كدول أثناء تأليفه الكتاب في بداية الستينات .
3- والصنف الثالث هو الذي تكون فيه الحضارة أقوى أثراً من البداوة ، وأكثر تغلغلاً في الحياة الإجتماعية . ولا ينطبق ، برأي الوردي ، إلا على الوجه البحري أو القسم الشمالي من مصر . ونسي الوردي لبنان الذي يمكن تصنيفه ضمن هذه المجموعة الحضارية .

وقد مضى على هذا التصنيف حوالي ستين عاماً ، تغيرت فيه العديد من ملامح هذه الدول من ناحية أنظمتها الإجتماعية وأنماط حياتها الفكرية والسياسية والإقتصادية . وقد تبدو الحاجة إلى تقييم جديد .

يستمر الوردي في بحثه عن مكونات الحضارة في العراق وأسباب ضمورها وانتعاشها . فيؤكد أولاً على أن الحضارة تتميز بوجود الدولة فيها ، بينما تتميز البداوة بوجود العصبية القبلية . وأن العراق شهد في فترات كثيرة من تاريخه ظهور دول قوية تعمل على إنماء الحضارة فيه ، ولكن تلك الفترات لم تدم طويلاً ، إذ سرعان ما تحل الفوضى والنزاع كما في العهد العثماني . وبقي العراق متأثراً بالصحراء حيث لا يفصل بينها وبينه فاصل من بحر أو جبل . وبقيت الصحراء العربية من أعظم منابع البداوة في العالم .

الثقافة الإجتماعية
حاول الوردي أن يحدد مفهوم البداوة ومفهوم الحضارة ، فهما متضادتان في الكثير من خصائصهما . لا يميل الوردي إلى استخدام لفظة الحضارة على الـ Culture أو Civilization، بل يفضل استخدام مصطلح “الثقافة الإجتماعية” لتدل على ذلك المصطلح الغربي .
يصف الوردي الثقافة الإجتماعية للأمة كالشخصية للفرد . فكما أن كل فرد له شخصيته الخاصة به ، إذ هو يتميز بها عن أي فرد آخر . كذلك تكون كل أمة من الأمم ، إذ أن لها ثقافة اجتماعية معينة ، لا تماثلها أية ثقافة أخرى في أية أمة .

تعرّف الثقافة الإجتماعية بأنها مجموعة التقاليد والقواعد والأفكار الموجودة في أية أمة من الأمم . وهي تشمل مختلف شؤون الحياة فيها كالدين والأخلاق والقانون والفن والصناعة واللغة والخرافات وغيرها .
والثقافة الإجتماعية ليست مجموعة بسيطة مؤلفة من أجزاء متفرقة ، بل هي كلّ متماسك ومترابط ، بحيث تكون الأجزاء فيه متفاعلة فيما بينها تفاعلاً قوياً يجعلها ذات طبيعة جديدة لم تكن فيها عندما كانت منفردة . ويضرب مثلاً بظاهرة الكرم ، فطبيعة الكرم في المجتمع البدوي تختلف عن طبيعة الكرم في الحضارة ، فهي مطبوعة بطابع الثقافة البدوية . فقد نجد لها ما يشابهها في الثقافات الأخرى ، إنما هو تشابه بالإسم أو الشكل الظاهري فقط . ولذلك يقع الغربيون من مستشرقين أو رحالة في خطأ عند دراستهم للخصال البدوية ، إذ أنهم ينظرون فيها بمنظار ثقافتهم الأجنبية فيفهمونها على غير ما هي في الواقع .

وقد أشار بعضهم إلى أجزاء الثقافة البدوية دون أن يتعمقوا فيها . يقول المستشرق براون Eduard Browne : أن الفضائل الرئيسة في البداوة هي الشجاعة والكرم والضيافة والولاء للقبيلة والثأر . وحصرها مور في فضيلتين هما : الشرف والثأر . أما المستشرق الهنغاريا الأصل غولدزيهر Ignaz Goldziher فقد حصرها في واحدة ، هي المروءة ، ولكنه جعلها تشمل مظاهر شتى هي : الشجاعة الشخصية ، والشهامة التي لا حد لها ، والكرم إلى حد الإسراف ، والإخلاص التام للقبيلة ، والقسوة في الإنتقام ، والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب له أو على قبيلته بقولٍ أو فعل .

نظرية الوردي في البداوة
يذكر الوردي أنه كان يقلب النظريات والفرضيات المعروضة أمامه ، فيناقش هذه ويرد تلك ، من أجل العثور على فرضية وافية تفسر هذه الظاهرة الإجتماعية . وبعد بحث وتردد يتوصل إلى فرضية (التغالب) .
ويرى الوردي أن مركبات الثقافة البدوية هي ثلاث :
1- العصبية : وهي الرابطة التي تربط الفرد بقبيلته ، ويحصل منها على ما يقوّم حياته . فهي التي توفر
له الأمن والحماية في مجتمع الصحراء الذي يحتد فيه الصراع على البقاء .
2- الغزو : حيث تكون المنافسة على المكانة العالية في القبيلة تتحدد بالشجاعة والقوة والبأس في القتال . فالحياة في الصحراء لا تحتمل الضعيف الجبان الذي يبقى ذليلاً محتقراً في قومه .
3- المروءة : وهي الصفة التي تضفي على شخصية البدوي صفات الشهامة ونجدة الضعيف أو حماية من
يلجأ إليه في حالات السلم . كما أنه يقري الضيف ويساعد الجار أو المسافر بأقصى ما يستطيع .

ويختصر الوردي صفات الرجل البدوي بأنه يجب أن يكون (نهّاباً وهّاباً) أي تقاس شجاعته بغنائمه التي يحصل عليها من الغزو والنهب ، وبمقدار كرمه وبذله للآخرين . لذلك يصبح البخل دليلاً على الجبن والضعف ، لأن الشجاع لا يبخل . إنه واثق بأنه سينال بشجاعته غنائم أخرى ينفقها في خدمة ضيوفه واللاجئين إليه .
وفي نهاية بحثه يبدي الوردي تواضعه العلمي حين يقول ( لست أدعي أن هذا البحث الذي قمت به حول البداوة كان بحثاً علمياً . والجدير بي أن أسميه (محاولة علمية) . والرجاء من زملائي الباحثين أن يعينوني فيه ويكشفوا عن أوجه الخطأ والصواب منه . (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ ص 115)

صفات الشخصية البدوية
ويحاول الوردي إثبات نظريته هذه (التغالب) من خلال استشهاده بأبيات من الشعر الجاهلي مثل قصيدة عمرو بن كلثوم التي يتفاخر فيها بالشجاعة وطعن الخصوم ثم يعرّج على التفاخر ببذل الطعام للآخرين .
ويبدأ في تحليل شخصية البدوي حيث يقول : البدوي يحب أن يكون غالباً لا مغلوباً في كل شأن من شؤون حياته . إنه يريد أن يغلب بقوته وقوة قبيلته ، ويغلب بمروءته . ولهذا كان من الصعب على البدوي أن يكون موضع عطف أو رعاية أو تفضل من قبل أحد . فذلك يعني في نظره دليلاً على الهوان والضعف . وعلى النقيض من ذلك ، نراه يشعر بالفخار حين يأتيه أحد يطلب منه فضلاً أو حماية . فهو يعد ذلك من علامات القدرة والمكانة في المجتمع .
إن نزعة التغالب تسيطر على شخصية البدوي وتجعله ينظر في كل الأمور حسبما توحي إليه . إنه يود أن يكون ناهباً لا منهوباً ، معتدياً لا معتدى عليه ، معطياً لا قابضاً ، مقصوداً لا قاصداً ، مغيثاً لا مستغيثاً ، مجيراً لا مستجيراً ، قادراً لا مقدوراً عليه ، حامياً لا محمياً ، مسؤولاً لا سائلاً ، مرجواً لا راجياً ، مشكوراً لا شاكراً …
وقد تفسر هذه المحدّدات العديد من السلوك التي تتميز بها الشخصية العراقية التي ورثت الكثير من هذه الصفات ، وتمارسها في شؤونها اليومية وحياتها الإجتماعية .
ويأخذ الوردي في مناقشة صفات الشخصية البدوية وردود أفعالها ومواقفها تجاه الفضائل والرذائل ، فيذكر نزعة الحرب ، وعدم الإنضباط للدولة ، وأهمية النسب ، وصيانة المرأة وشرفها ، واحتقار المهن كالحدادة والنجارة والدباغة والحلاقة والحياكة ، والحساسية المفرطة للكرامة ، وحب الرئاسة والأمرة ، والنفرة من الطاعة والإنصياع ، والحسد والنفاق والإنتهازية والوفاء بالوعد .

وحول قضية النزعة الدينية في البداوة ، يرد الوردي الآراء التي تقول بأن البدو لا يميلون كثيراً إلى دين . ويرى الوردي أن هؤلاء يقيمون التدين البدوي من خلال معاييرهم الحضرية . ويعزو التدين في معناه الإجتماعي العام إلى وجود ثلاثة أركان هي : 1- العقيدة 2- الشعائر 3- الأخلاق . ويرى أن الركنين الأولين من التدين واضحين فيهم. أما من حيث الركن الثالث أي الأخلاق فهم قد يختلفون فيه عن الحضر . فمن جانب نجدهم ذوي صدق وعفة وأمانة ، ومن جانب آخر نجدهم ذوي عصبية وثأر وغزو واعتداء ، وهي أبعد عن الأخلاق الدينية .

قضية تأريخية
يطرح الوردي قضية خروج مجموعتين بدويتين ، هما خروج بدو العرب إلى العالم إثر الدعوة الإسلامية ، وخروج بدو المغول إليه ، بعد ذلك بستة قرون ، فنشأت من جراء هذين الخروجين إمبراطوريتان كبيرتان . ويعترض الوردي على آراء بعض المستشرقين الذين عقدوا مقارنة بين هذين الخروجين ، وانتهوا إلى القول بأنهما من طبيعة متشابهة ، وأن محمداً (ص) لا يختلف عن جنكيزخان كثيراً . فيقول : هذا خطأ فادح لا نقرهم عليه ، وأن هناك فرقاً شاسعاً بين الخروجين ، والرجلين . ولا مجال للقياس بينهما .
ويذكر الوردي آراء كبار المؤرخين وعلماء الإجتماع أمثال غوستاف لوبون والمستشرق أدوارد براون الذي يقول عن العرب بأنهم كانوا على حد تعبير أعدائهم الإسبان ( فرساناً وأبطالاً ، يمتازون بكثير من الرقة والدماثة ) على عكس المغول الذين كانوا متعطشين لسفك الدماء والقتل والتدمير والتخريب.
وفي الوقت الذي يرد فيه الوردي على آراء الذين يعللون تميز العرب عن المغول لأسباب قومية أو بما يسميه التعليل القائم على أساس من (الغرور القومي) ، يميل إلى (التعليل الديني) الذي يرى بأن الدين الإسلامي الذي حمله العرب عند فتوحهم جعلهم أقل قسوة وأكثر مروءة من المغول . وأن محمداً (ص) قد بعث في أصحابه وأهل بيته روحاً فياضة بمبادئ العدل والمساواة . وقد سار هؤلاء مع الجيوش البدوية الفاتحة ، فكانوا بمثابة (صمام أمان) فيها يردعونها عن السفك والظلم والتخريب جهد إمكانهم .

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

انفجار بيروت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *