الرئيسية / مقالات / علاقتي بالسيد محمد حسين فضل الله-د. صلاح عبد الرزاق

علاقتي بالسيد محمد حسين فضل الله-د. صلاح عبد الرزاق

د. صلاح عبد الرزاق

باحث في الفكر السياسي

العلامة فضل الله من الفقهاء المجددين والمراجع غير التقليديين، منفتح على الجميع : الرجال ، النساء، الشباب، الطلاب، الصحفيين ، وسائل الإعلام. متابع شديد للأحداث السياسية، لديه قدرة كبيرة في التحليل السياسي والتأشير على الدوافع والأهداف الاستعمارية في المنطقة. مفسر للقرآن بشكل عصري وحركي ، أديب وشاعر له دواوين شعر. اشتهر بفتاواه التي تلامس واقع الناس سواء في البلدان الإسلامية أو في المهجر. يعد الأب الروحي للإسلام السياسي مع أنه غير منتمٍ لأي حزب أو تنظيم، لكن نفوذه وآراءه ومواقفه القوية ضد إسرائيل جعلته قدوة لكل الأحرار والثوار . تعرض لمحاولة اغتيال عام 1985 ، وقصف منزله من قبل الطائرات الإسرائيلية في تموز 2006 . تصدى للمرجعية عام 1997 وطرح رسالته العملية (فقه الشريعة).

مؤلفاته شملت جوانب كثيرة من حياة المجتمع المسلم . إذ كتب في : دنيا المرأة ، دنيا الشباب، دنيا الطفل . كما كتب في التاريخ الإسلامي و الثقافة الإسلامية وفي الأخلاق والدعوة إلى الإسلام، وعشرات الكتب ومئات المحاضرات ، وآلاف الإجابات على الأسئلة الموجهة إليه.

ولد السيد محمد حسين بن السيد عبد الرؤوف فضل الله في 16 تشرين الثاني 1935 بالنجف الأشرف . وهو ابن خالة السيد محمد باقر الحكيم . نشأ السيد في النجف وتلقى دروسه هناك ، وعندما بلغ السادسة عشرة بدأ بحضور دروس الخارج، وهي دروس متقدمة تساوي المستوى الجامعي أو أكثر. إذ حضر دروس السيد الخوئي، السيد محسن الحكيم، السيد محمود الشاهرودي وحسين الحلي. وكان رفيقاً للسيد محمد باقر الصدر لأنه في عمره ويحضران سوية بعض الدروس.
كانت له نشاطات إسلامية وأدبية في العراق حتى غادره إلى لبنان عام 1966 ليبدأ مرحلة جديدة. أسس حوزة المعهد الشرعي الإسلامي التي خرجت عشرات العلماء والخطباء والباحثين ، وأنشأ جمعيات خيرية ومبرات للأيتام ومستشفيات ومستوصفات.

كان السيد أبرز المساهمين في تأسيس (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى) في لبنان إلى جانب السيد موسى الصدر. كما دعم حزب الله وزعيمه آنذاك السيد عباس الموسوي. وكان يدعم مالياً المقاومة في لبنان وفلسطين. كما عرف بتأييده الشديد للثورة الإسلامية وزعيمها الإمام الخميني. كما عرف السيد فضل الله بانفتاحه على الطوائف اللبنانية وخاصة المسيحية والسنة ، ويساهم في الحوار بين الأديان والمذاهب.

تعرض السيد فضل الله لحملة ظالمة من بعض المشايخ الذين رأوا فيه امتداداً واسعاً جاذباً للجماهير وخاصة الشباب. فأشاعوا عليه أنه ينكر حوادث معينة تخص السيدة فاطمة الزهراء (ع) مع أن كتاباته أفضل من يعرض سيرتها بشكل علمي وموضوعي يقنع القراء بسرعة. ومن الذين شنوا عليه حملات شعواء من الإيرانيين الشيخ جواد التبريزي والشيخ وحيد الخراساني ، إضافة إلى بعض العراقيين أمثال الشيخ جلال الصغير واللبنانيين مثل جعفر مرتضى .

تعرفت على السيد فضل في منتصف السبعينيات من القرن العشرين من خلال كتبه (قضايانا على ضوء الإسلام) و (خطوات على طريق الإسلام) ، وهي كتب لا يمكن للشباب المتدين إلا مطالعتها لما فيها من أفكار عصرية وعرض موضوعي ، وفهم متجدد للإسلام. ثم بدأت باقتناء أي كتاب جديد يصدر له . لكن نظام صدام منع كتبه منذ عام 1979 إضافة إلى كتب السيد محمد باقر الصدر.

خلال عقد الثمانينيات التقيت بالسيد فضل الله عدة مرات. ففي نيسان 1980 زرت بيروت ، ونزلت في بيت الشيخ محمد مغنية الذي كان يدرس الفقه والأصول لدى السيد فضل الله. وفي أحد الأيام رافقني لأداء الصلاة في مسجد الإمام الرضا (ع) الواقع في محلة بئر العبد ببيروت. أدينا صلاة المغرب والعشاء خلف السيد فضل الله ، ثم اقتربنا منه وسلمنا عليه . والمرة الثانية التقيته في طهران عام 1986 عندما جاء للمشاركة في أحد المؤتمرات الإسلامية ، فذهبت ضمن وفد من صحيفة (الجهاد) التي كان يصدرها حزب الدعوة الإسلامية. وكان حديثاً ملؤه الصراحة والوضوح، حيث سألناه عن أوضاع لبنان والمنطقة والحرب العراقية-الإيرانية ومستقبل الحركة الإسلامية. وتتابعت لقاءاتي في عام 1989 عندما مكثت ستة أشهر في دمشق قبل الهجرة إلى هولندا. إذ كان يأتي أسبوعياً من لبنان إلى دمشق حيث يلتقي بالناس ليلة الجمعة في مكتبه قرب مرقد السيدة زينب (ع) ، ويلقي محاضرات إسلامية ، ثم يجيب على أسئلتهم. كما يلقي دروسه على طلبة الحوزة العلمية التابعة لسماحته.
في عام 1996 ذهبت مع آخرين لزيارته في محل إقامته في مكة المكرمة حيث تعرف علي بعدما ذكرت له اسمي ومحل قدومي. فكان متجاوباً ومرحباً.
وخلال وجودي في هولندا كنت على اتصال بسماحته وبمكتبه، نرسل له أسئلة ، أو معرفة الأول من رمضان أو شوال (عيد الفطر). كما كنت أتصل به هاتفياً بين حين وآخر لمناقشة بعض الأمور وقضايا الساحة. إذ كنت لا أجد هناك تكلّفاً في التعامل معه، لأنه يتعامل ببساطة مع احترام وجدية. كما كنت أرسل إليه رسائل بالفاكس، حيث لم يكن هناك انترنت أو إيميل أو غيره من وسائل الاتصال. إذ وجهت له أسئلة تتعلق بأطروحتي للماجستير والتي صدرت فيما بعد بعنوان (العالم الإسلامي والغرب) . آنذاك طرحت عليه مجموعة أسئلة تتعلق بشرعية الاتفاقيات مع دول غير مسلمة، وتجميد الجهاد من خلال الاتفاقيات الدولية، شرعية الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، التقاضي إلى محكمة العدل الدولية وغيرها. وكان يجيب بكل دقة. وقد نشرت أجوبته في ملحق بنهاية الكتاب.

وأول لقاء شخصي بسماحته كان عام 1999 عندما زرت سوريا حيث كنت على موعد خاص مع السيد. كنت بصدد إعداد بحث حول فقه المهجر وما يتعلق بالتحديات والمشكلات التي يواجهها المسلمون في الغرب مثل: التعامل مع غير المسلم، سلطة القوانين الغربية، العمل في المؤسسات الغربية، الانتماء للأحزاب الغربية، التقاضي لدى المحاكم الغربية اكتساب الجنسية الغربية وغيرها. وكنت أسجل حديثه بجهاز مسجل صغير. كان يعلق على أسئلتي ويصفها بأنها عميقة وذكية وهامة لأنها تساهم في تأصيل الفقه الإسلامي في الغرب. كما كان يعلق بنفس الطريقة عندما يراني أمام آخرين في مناسبات أخرى. استفدت كثيراً من أجوبته وأغلبها كانت جديدة في بابها ، وتختزن نظرة عصرية ومنفتحة لتيسير حياة المسلم في الغرب دون التفريط بمبادئ الإسلام وتعاليمه وعقائده وشعائره. (1)

آخر مرة التقيت السيد فضل الله في شتاء عام 2002 عندما زرت دمشق للقاء أخي الذي جاء من العراق. وبقيت قرابة أسبوعين ، التقيت بالسيد عدة مرات ، بعضها في منزله بالسيدة زينب.

وعند وفاته في 4 تموز 2010 أقمت له مجلساً تأبينياً في محافظة بغداد حضرته مجموعة من الشخصيات الدينية والسياسية والاعلامية . وألقيت كلمة تأبينية عن سيرة العلامة الراحل.

(1) تم نشر الأسئلة والأجوبة في الفصل الثاني بعنوان (الهجرة : تأسيس فقهي) من كتاب (الهجرة والاغتراب) الذي أعده الأستاذ عادل القاضي ، وصدر عن مؤسسة العارف للمطبوعات عام 1999 .

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

انفجار بيروت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *