الرئيسية / مقالات / وضع الشيعة تحت الحكم العثماني / بقلم د. صلاح عبد الرزاق

وضع الشيعة تحت الحكم العثماني / بقلم د. صلاح عبد الرزاق

موزائيك المجتمع العراقي

ليس للعراق تركيب اجتماعي متجانس، فعدا العرب والمسلمين، هناك أقليات دينيةوإثنية مختلفة كالكرد والتركمان والآشوريين والكلدان واليهود والإيزيديين والصابئة والشبك والكرد الفيلية. إن غالبية سكان العراق من العرب حيث يشكلون قرابة 80% من مجموع السكان. في بداية القرن العشرين كان المسلمون الشيعة يشكلون 90% من السكان. إن جميع سكان المدن جنوبي بغداد هم من الشيعة. من منظور الجغرافيا الطبيعية تعتبر هذه المنطقة أراض منبسطة مسقية، وقريبة من ضفاف دجلة والفرات والأهوار. أما التركيب الإثني فهم من العرب عدا أقلية من الأكراد الفيلية تسكن في الكوت وبغداد. وهناك الشيعة التركمان الذين يسكنون في كركوك وما جاورها. إن التشيع هو السائد ترصعه جزر سنية، والتحضر من أهم صفاته ، عدا البصرة والناصرية حيث توجد أقليات سنية قوية، ومن مدينة الزبير وإلى الجنوب الغربي من البصرة فكله سني.

لم يعر الأتراك أي اهتمام بالعراقيين الشيعة لأن “العنصر السني كان يحظى بدعم من الحكومة التركية، ويتمتع بمنزلة اجتماعية لا تتناسب مع نسبته السكانية. وكان غالبية السنة من ملاكي الأراضي والأثرياء والتجار يتحكمون بالأسواق وحتى أسواق الشيعة”. إن المذهب الرسمي السائد في الدولة العثمانية هو المذهب الحنفي، بينما كان مذهب الدولة العدوة والمجاورة لها هو المذهب الشيعي. وقد انعكس ذلك الصراع المذهبي على العلاقات بينهما. وكان ذلك الصراع من ميزات الحروب التي نشبت بين الدولتين. في عام 1534 قام السلطان العثماني سليمان بضم العراق إلى امبراطوريته بعد فتح بغداد. ومنذ ذلك التاريخ وحتى غزو البصرة من قبل القوات البريطانية عام 1914 ، بقي العراق يعيش عصوراً من الظلام والانحطاط. 

التمييز الطائفي

لقد أصدر مشايخ الدولة العثمانية فتاوى متكررة تبيح قتل الشيعة باعتبارهم كفاراً. ففي عام 1725 أصدر مفتي اسطنبول فتوى تدعو للجهاد لمحاربة الشيعة، معتبراً أرضهم “دار حرب”.  وفي عام 1743 أصدر علماء اسطنبول فتوى تجيز قتل الشيعة وأخذهم عبيداً.

وكانت من الممارسات العادية للسلاطين العثمانيين هي قتل الشيعة لأسباب طائفية بحتة. ففي عام 1512 تربع السلطان سليم على عرش الخلافة، وبدأ الأشهر الثلاثة الأولى من حكمه بإصدار أوامر بذبح الشيعة أينما وجدوا. فأرسلت وزارة الداخلية مخبرين لإحصاء الشيعة في الأناضول، فوجدوا أن عددهم زهاء سبعين ألف نسمة من رجال ونساء وأطفال. وبعد أن تأكد السلطان المسلم من أماكن وجودهم، أرسل لهم قوات من الجيش العثماني لاعتقالهم ، ثم ذبح أربعين ألفاً منهم، والباقي أودعهم في السجون.

وعندما كان سلاطين آل عثمان ينتصرون على أعدائهم الصفويين يقومون بارتكاب مذابح واسعة ضد الشيعة في العراق. إذ قام السلطان مراد الرابع عام 1635 بارتكاب مجزرة فظيعة بعدما فتح مدينة بغداد، نالت عشرين ألفاً ، ثم أمر بقطع رؤوس ألف آخرين من الشيعة. 

كانت العلاقة بين العثمانيين وشيعة العراق يسودها التوتر، إن لم تكن العداوة. وكان الشيعة يتحينون الفرص للثورة على تلك السياسة الطائفية حتى بات متداولاً أنه على الشيعي واجبان هما الانخراط في التجنيد الإجباري لسد النقص البشري في الحروب التي تخوضها الدولة العثمانية في أوربا، والثاني دفع الضرائب لتمويل خزانة الدولة العثمانية. وكانت السلطات العثمانية تعامل الشيعة أسوء معاملة مما أدى إلى نشوب عدة ثورات عشائرية ضد الإدارة العثمانية. فقد شهدت مناطق الفرات الأوسط والجنوب سلسلة من الثورات المسلحة في القرن التاسع عشر مثل: حرب المنتفك، حرب الفتلة، حرب الغراف، حرب الخزاعل، وخفاجة، حرب البوصالح، حرب زبيد، حرب عفج، حرب نجيب باشا في كربلاء، حرب سليم باشا في النجف الأشرف، حرب مدحت باشا في الدغارة، حرب شبلي باشا في الشامية وأبو صخير، حرب يوسف باشا في الغراف، وثورة النجف ضد الأتراك عام 1915، فضلاً عن معارك أخرى حدثت بين العثمانيين وقبيلة كعب وقبيلة بني لام.  وكانت ثورة  الحلة عام 1916 آخر مواجهة عسكرية بين الشيعة والأتراك. إذ نشبت الثورة احتجاجاً على السلوك العدواني والإرهابي الذي مارسه الجنود الأتراك تجاه أبناء العشائر، في الوقت الذي كان أبناء العشائر يتطوعون لمقاتلة القوات البريطانية دفاعاً عن الدولة العثمانية. وقام القائد التركي عاكف بك بقصف المحلات الشعبية بالمدينة بالمدافع، وتحولت الطائرات التركية من قصف القوات البريطانية إلى قصف أهالي الحلة. ودعا زعماء الحلة من أجل التفاوض، لكنه دبر لهم فخاً، فاحتجزهم في المعسكر ثم نصب المشانق لسبعة عشر شخصاً منهم. وفي مصدر تاريخي آخر ذكر أنه شنق مائة وستة وعشرين رجلاً. وبلغ عدد القتلى ألف وخمسمائة.  وجمع عدداً من النساء وساقهن سبايا إلى الأناضول، فأثار استياء عشائر الفرات الأوسط، وتوالى انسحاب المجاهدين من دعم المشاركة في الحرب.

كان لهذه العملية الوحشية التي قامت بها القوات التركية تأثير كبير على المجاهدين من رجال العشائر وسكان المدن حيث كتبوا للسيد كاظم اليزدي:

(السلام عليك مولانا وملاذنا حجة الإسلام وأبو الأيتام ومرجع الخاص والعام جناب السيد كاظم دام بقاه..

بعد تقبيل أياديكم الشريفة نخبر جنابكم الشريف خرجنا من النجف الأشرف بأمركم قاصدين نصرة الدين والإسلام حتى إذا وصلنا لواء المنتفك، شوّقنا وهيّجنا عشايرنا وبذلنا نفسنا ونفيسنا وبقينا مواظبين على هذا العمل حتى وردتنا أخبار واقعة الحلة وحركة النجف [التي] شوشتنا وكدرتنا بل أوجبت الشك في الدوام على عملنا وصرنا في ريب ووقفنا عن العمل بانتظار أمركم، وعشايرنا على الدوام تستفتينا فنقف عن الجواب تارة، ونجمل عليهم أخرى. ونحن وقوف عن العمل، والتبس علينا الأمر، بانتظار أمركم وفتواكم. 

والسلام عليكم وعلى الأخ مولانا الشيخ أحمد وعموم السادة أبنائكم الكرام ورحمة الله وبركاته. 15 صفر 1335 (11/12/1916 ) من خادمكم عبد الحسين مطر)

عقد زعماء العشائر اجتماعاً في النجف الأشرف للتصدي عسكرياً ضد الحكومة العثمانية في الحلة قبل أن ترسل قواتها إلى النجف. وكانت الأوضاع على الجبهات سيئة ، إذ كان البريطانيون يستعدون لشن هجوم على العثمانيين في الكوت. لقد أدى السلوك الخاطئ للجنود العثمانيين إلى تعقيد الموقف العسكري والنفسي، حيث أن التفرغ لمواجهة القوات التركية في ذلك الوقت لن يخدم الجهد العسكري على الجبهات ضد الإنكليز. ولذلك لم يكن أمام المرجعية الدينية سوى تأجيل هذه القضية وتجاوز إساءات العثمانيين من خلال الوساطة مع القيادة التركية. وتوضح الوثيقة التالية هذه الجهود في رسالة بعثها الشيخ محمد تقي الشيرازي إلى السيد كاظم اليزدي جاء فيها: 

( بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليك يا أمير المؤمنين وعلى ضجيعيك وجاريك ورحمة الله وبركاته

حضرة ملاذ الأنام وحجة الإسلام السيد الأجل دام ظله

أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أدام الله ظلكم على المسلمين وتوفيقهم لرشدهم في طاعتكم وهداهم في امتثال أوامركم ونواهيكم، ونفعهم ببركات موعظتكم وزجركم وحباهم ببركة ذلك خير الدارين وسلامة الدين والدنيا. فغير خفي عليكم سوء أثر التشاويش في النجف من بعض الجهال وقبح نتيجتها ووخامة عاقبتها ومنافاتها لمراعاة حرمة المشهد المعظم واقتضائها لسوء الجوار لأمير المؤمنين عليه السلام وأنتم أبصر بذلك وأعرف له. وإني مطمئن بدوام اهتمامكم بهذا الأمر من كل وجه ومواضبتكم على النصح والوعظ والزجر، ولكني أحببت مذاكرتكم بذلك لأشارككم في الأجر والفوز في إصلاح أمور المسلمين. وقد كاتبنا حضرة القائد العام ومعاون الولاية بطلب العفو والمراعاة سائلين من الله صلاح أمر الإسلام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وفي عام 1915 كانت النجف الأشرف قد ثارت ضد الإدارة العثمانية فيها وذلك عندما أصرت السلطات العثمانية على ملاحقة الفارين من الخدمة العسكرية إلى النجف، بعد معركة الشعيبة. فأخذ الجنود الأتراك يفتشون البيوت ، وتعرضوا للنساء، وفرضوا بدلات باهظة للإعفاء من الخدمة. كما انتشر خبر بأنهم كانوا يعتزمون مصادرة خزائن الروضة الحيدرية بحجة تمويل الجهاد. فقاوم أهالي المدينة، ولم تتوان القوات الأمريكية بضرب المدينة والمرقد الشريف بالمدافع مما أصاب بعض المنائر. وحاول السيد اليزدي التدخل لوقف التدهور في الأمن والنظام العام، فأرسل برقية احتجاج إلى اسطنبول، لكن الحكومة التركية  طلبت منه عدم التدخل بشؤون الحكومة والانصراف إلى شؤونه. لم يتخل الأتراك عن عزمهم رغم أن العراقيين قد تطوعوا للقتال ضد القوات البريطانية وشاركوا في معارك الشعيبة والقرنة، وكانت العشائر وأبناء المدن يتبرعون بالمال والسلاح. وحدث قتال لمدة ثلاثة أيام استسلم اثره الجنود الأتراك، فدخل الأهالي إلى الحامية وأبنية الحكومة فنهبوها ثم أحرقوها، وطردوا قائمقام المدينة التركي.

لم تتوان الجيوش التركية في الإغارة على القرى والأرياف فتقوم بإحراق المزارع ومخازن الحبوب ومساكن الفلاحين والعشائر في الفرات ألأوسط وجنوب العرق. ولم تتوان في تدمير ما تجده أمامها ، فتنهب وتسلب كل ما يمكن سلبه من الشيعة من دواب ومواشي ومتاع وأثاث وخيام . كما لم تتوان في ارتكاب مجازر وحشية تذبح فيها الرجال، وتبقر فيها بطون النساء، ويعتدى على شرفهن، ويقتل الأطفال والشيوخ والعجائز بلا رحمة. 

لم يكن العثمانيون يعطون أية قيمة للرجل الشيعي، فهو في نظرهم مجرد أداة ووقود للحروب المستمرة التي كانت تدخلها الدولة العثمانية. ففي عام 1877 قام والي بغداد عاكف باشا بإصدار أمر بتجنيد عشرة آلاف جندي من العراق، ثم أرسلهم إلى ساحة الحرب بين روسيا والدولة العثمانية التي وقعت في القوقاز ، وهي منطقة جبلية قارصة البرد والثلج. لم يعد أحد من تلك الحرب إلى أهله. هذه المعاملة القاسية كانت السبب وراء اشتعال ثورات وانتفاضات ضد العثمانيين. فقد شهدت بغداد ثورات في الأعوام 1849 و 1858 و 1869، إضافة إلى ثورة في الفرات الأوسط في نفس العام.

لقد رفضت الدولة العثمانية الاعتراف رسمياً بالمذهب الشيعي أسوة ببقية المذاهب الإسلامية .  كما رفضت معاملة الشيعة بنفس الطريقة التي تتعامل فيها مع بقية المذاهب الأخرى كالنصيرية والدروز وغير المسلمين كالمسيحيين واليهود، والذين تمتعوا بامتيازات عديدة ضمنها لهم نظام الملل. هذا الموقف السلبي تجاه الشيعة أدى إلى احتقار العثمانيين للشيعة. 

لقد كان العثمانيون يمنعون الشيعة من التعيين في وظائف الدولة وبقية المؤسسات الحكومية، ويقمعون حرياتهم الدينية، و يحرمونهم من الحياة السياسية، ويرفضون قبول زعماء الشيعة كممثلين شرعيين للشيعة. لقد مارس الأتراك سياسة الإقصاء والتهميش والتمييز الطائفي ضد الشيعة في العراق. 

لقد أدت سياسة التهميش ضد الشيعة إلى إبقائهم في وضع اجتماعي واقتصادي ضعيف جداً. إذ صارت الأموال والأملاك والأراضي بأيدي العائلات السنية. وبقي أبناء الشيعة يمارسون مهناً بسيطة أو عمالاً غير مهرة أو فلاحين عند السيد السني. وهذا الأمر لا يقتصر على المناطق السنية، وهو أمر طبيعي، ولكن حتى في المناطق المختلطة  أو التي تضم غالبية شيعية. يقول الباحث الاجتماعي حنا بطاطو : كان الملاكون الكبار في البصرة من السنة باستثناء واحد هو شيخ المحمرة، في حين كان مزارعو بساتينهم من الشيعة. وكان زعماء المجتمع العربي في مدينة البصرة نفسها من السنة أيضاً، بينما كانت أكثرية سكان المدينة من الشيعة. وفي مدن أخرى عديدة في الجنوب –عدا المدن المقدسة- كان العنصر السني، الذي يشكل أقلية دوماً، متفوقاً اجتماعياً،  وكان يتألف إلى حد كبير من التجار وملاكي الأراضي الأغنياء. وكانت الأسواق تقع أيضاً تحت سيطرة التجار السنة. وفي لواء المنتفك (الناصرية) كان كل الفلاحين بلا استثناء من الشيعة في حين أن الكثير من أسيادهم ملاك الأراضي كان من عائلة عشائرية سنية واحدة هي عائلة السعدون. وكذلك الأمر في الحلة حيث كان هزاع بن محيمد المعامري سنياً ، في حين أن مزارعيه من الشيعة. وفي بغداد حيث تمتعت الطائفتان بالمساواة العددية تقريباً، كانت العائلات المسيطرة اجتماعياً سنية، مع بعض الاستثناءات.

يقول السياسي السني كامل الجادرجي: “كانت الطائفة الشيعية تعد في زمن السلطان عبد الحميد، بالحقيقة في زمن الدولة العثمانية أقلية تنظر إليها الدولة بعين العداء. فلم تفسح لها مجالات التقدم في أية ناحية من نواحي الحياة العامة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك أنها كانت لا يُقبل لها تلميذ في المدرسة الحربية، ولا يقبل منها فرد في وظائف الدولة، إلا ما ندر وعند الضرورة القصوى، وحتى في مدارس الدولة الإعدادية القليلة، كانت توضع العراقيل في طريق دخول أبناء الطائفة فيها”.

فيما يلي سأعرض بعض أبعاد التمييز الاجتماعي الذي مورس ضد الشيعة. 

1- التمييز في المدارس 

لم تكن الحكومة التركية ترغب في قبول الطلاب الشيعة في المدارس الرسمية لأنها كانت تخشى من أن يطمح الشيعة في يوم ما إلى احتلال الوظائف الحكومية. كما كانت المدارس العسكرية لا تقبل أي طالب شيعي خشية أن يصبح ذا نفوذ في الجيش العثماني، وربما يكون مصدر خطر. تصف المسز بيل الوضع الاجتماعي والنفسي في المجتمع والموقف الحكومي السلبي تجاه الشيعة حيث تقول : لم يكن يُعترف بلياقة غير السني للتعليم فيها. وكان وجود هذه القاعدة بين سكان أغلبيتهم من الشيعة لا يشجع الإقبال عليها. كما أن اعتماد المدارس في مناهجها على المذهب السني جعل الشيعة يحجمون من تعليم أبنائهم فيها. وكانت الحكومة التركية تعمد إلى نشر النفوذ التركي بين الطلاب، وكل ما يُدرّس من شؤون الدين كان سنياً. وقد أدى ذلك إلى قيام الشيعة والمسيحيين واليهود بفتح مدارس خاصة بهم وعلى نفقتهم. وكانت الحكومة العثمانية تدفع لها منحة مالية، نظرياً على الأقل، بشرط أن تصرف على تعليم اللغة التركية.

حصل تغيير كبير في المناهج الدراسية بعد الاحتلال البريطاني 1917. إذ استجابت الإدارة البريطانية إلى طلب بعض الأوساط الشيعية ، وقررت السماح بتدريس منهج ديني مبني على تعاليم المذهب الشيعي في المدارس التي يكون جميع طلابها من الشيعة كما في كربلاء والنجف. أما في المناطق الأخرى فقد بقي المنهج الأصلي المعتمد على تعاليم المذهب السني .

في ولاية بغداد، كانت هناك 71 مدرسة ابتدائية ، ومدرسة ثانوية، ودار معلمين، ومدرسة للحقوق،  وأخرى للصناعة. وبقيت تلك المدارس ممنوعة على الشيعة حتى مجيء الإحتلال البريطاني. تتحدث المسز بيل عن إعادة افتتاح دار المعلمين التي ضمت 81 طالباً كان من بينهم “بضعة من الشبان الشيعة، وهذه ظاهرة لم يكن لها وجود في أيام الترك”.

ففي عام 1919 ، أي بعد عام على انسحاب الدولة العثمانية من العراق، كانت هناك خمس وسبعون مدرسة ابتدائية ومتوسطة. وكانت الدراسة باللغة العربية في ست وخمسين مدرسة (75% من المدارس)، وباللغة التركية في إحدى عشرة مدرسة، وباللغة الكردية في ست مدارس، وبلغة الشبك مدرسة واحدة، وبالفارسية مدرسة واحدة و باللغة السريانية في المدارس المسيحية . 

وتنطبق الحالة على المدارس العسكرية أيضاً، ففي عام 1914 كان عدد طلاب المدارس العسكرية يبلغ 1338 طالباً يدرسون في خمس مدارس عسكرية. وكان غالبيتهم، إن لم يكن جميعهم على الأقل في بعض المدارس، من السنة. ففي العام الدراسي 1909-1910 لم يكن هناك طالب شيعي واحد. 

ويذكر المؤرخ الإنكليزي فيليب إيرلاند بأن “الشيعة لم يكونوا يرسلون أبناءهم إلى المدارس الحكومية السنية، ولم تكن الحكومة العثمانية السنية تشجعهم على ذلك”. يمكننا تفهم دوافع الشيعة في الامتناع عن إرسال أبنائهم إلى المدارس الحكومية من خلال التعرف على المناهج الدراسية لهذه المدارس في تلك الفترة. إذ تضمنت مسائل خلافية وتمييزاً ضد الشيعة وخاصة في دروس التاريخ والدين. وبقيت هذه الحالة خلال العهد الملكي ثم الجمهوري فيما بعد. 

2- المؤسسات القضائية

تلعب المؤسسات القضائية والمحاكم دوراً هاماً في الحياة العامة، لأن الناس يراجعونها في مختلف شؤونهم ومشاكلهم ونزاعاتهم، وحقوقهم وأملاكهم، وميراثهم وقضايا الأسرة، والشكاوى ضد الاعتداءات والجرائم. ومن الطبيعي أن كل مذهب يطبق قانون الأحوال الشخصية الخاص به، طالما أن هناك اختلافات كبيرة في التفاصيل. أما الوضع تحت الحكم العثماني فكان مختلفاً. فقد أجبرت الحكومة العثمانية الشيعة على تقديم شكاواهم أمام القضاة السنة الذين كانوا يرأسون المحاكم الشرعية ، والتي كانت تحكم وفق المذهب السني. لقد كان القضاة من السنة، ولم يكن القضاة الشيعة يحظون باعتراف من قبل الحكومة العثمانية.وقد وصل الأمر إلى حد أن الحكومة العثمانية عينت قاضياً سنياً في مدينة النجف التي تحتضن الحوزة العلمية وتضم مئات من المجتهدين والعلماء المتضلعين في الفقه والعلوم الإسلامية ومنها القضاء، لأن الدولة العثمانية لا تعترف بهم لأنهم شيعة. وأما المناصب الدينية فقد كانت مكرسة للسنة مثل رئيس علماء بغداد ومفتي الجزيرة وممثلي المشيخة التركية في بغداد والموصل والبصرة.

وإزاء هذا الإهمال الحكومي المتعمد لشؤون الشيعة، اضطر الشيعة إلى رفع شكاواهم وقضاياهم إلى المجتهدين ووكلاء المراجع ، مع أن أحكامهم لا تحظى باعتراف رسمي.

كانت في كل لواء محكمة تتألف من ستة قضاة، واثنين من المعاونين القضائيين. وكان قاضي الشرع أحد أعضاء المحكمة. وكان عدد المحاكم في العراق يبلغ اثنتي عشرة محكمة قضاء، وأربع محاكم لواء، ومحكمة الاستئناف في بغداد. ويبلغ عدد القضاة حوالي ثمانين قاضياً. وكانت قرارات محكمة الاستئناف في بغداد تستأنف في دعاوى القضايا التجارية في المحكمة التجارية في اسطنبول.  وكانت جميع معاملات المحاكم تجري باللغة التركية، وهي اللغة الرسمية والتي يجهلها غالبية السكان العرب. 

3- الأوقاف

كانت الأوقاف الشيعية تدار غالباً من قبل السنة ولمصلحتهم. إذ كانت السلطات التركية لا تعترف بأهلية المؤسسات الشيعية في الإشراف على الأوقاف. ولم تكن تعترف سوى بدائرة الأوقاف التي تدين بالمذهب السني وتابعة للحكومة العثمانية. وحتى “الأراضي الموقوفة على العتبات المقدسة كانت توضع تحت نوع من الوصاية الخاصة، التي  لا ترعى شؤونها الحكومة ولا المحاكم”.

وكانت الدولة العثمانية تصادر أوقاف الشيعة بمناسبة أو بدون مناسبة. فعندما دخل السلطان مراد الرابع بغداد عام 1635 أراد تعمير ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني، فقام بتخصيص أوقاف كثيرة معظمها من أملاك الشيعة.

وكانت لدى دائرة الأوقاف أملاك كثيرة ، لكن الدائرة لم تكن تحترم وقفية وشروط الواقف، بل تجمع واردات الأراضي الزراعية وإيجارات الأملاك ، ثم توزع قسم منها كرواتب للعاملين في المساجد السنية كالأئمة والمؤذنين والخدم والحراس، وفي صيانة المساجد السنية القديمة، وبناء مساجد سنية جديدة. وما تبقى من الإيرادات ترسله إلى وزارة الأوقاف في اسطنبول. إذ كان هدف موظفي الأوقاف هو تحويل أكبر ما يمكن من المال إلى اسطنبول، فيجوع أحفاد الواقفين، ويهمل إعمار الأراضي الزراعية وترميم البيوت والخانات والدكاكين والمدارس الموقوفة. 

وقامت دائرة الأوقاف بتشكيل لجنة من وجهاء السنة تشرف على تعيين وعزل أئمة المساجد والخطباء. وقد تم تشكيل مثل هذه اللجنة في ولاية البصرة ذات الأكثرية الشيعية التي حرمت من التعيين أو بناء مساجد للشيعة أو الإنفاق على المساجد والحسينيات الشيعية التي بناها الشيعة بأموالهم الخاصة. وقد أدت تلك السياسة إلى إحجام الشيعة عن وقف الأملاك بصيغة الوقف المضبوط أو الخيري لأنها ستؤول إلى الحكومة العثمانية ، وستنفق عائداتها لمصلحة الطائفة السنية فقط. لذلك انحصرت الأوقاف الشيعية في الوقف الذري أي يعود ريع الوقف لمنفعة ذرية الواقف حصراً، وبالشروط التي يضعها. 

ومن المفارقات أن دائرة أوقاف بغداد فرضت رسوماً على دفن الموتى في المدن الشيعية المقدسة كالنجف وكربلاء والكاظمية. وكانت تجمع مبالغ طائلة لكنها لا تنفق منها إلاّ النزر اليسير لإنارة العتبات المقدسة أو تنظيف ساحاتها وأروقتها أو الشوارع المحيطة بها. وبعد الاحتلال البريطاني قامت الإدارة الإنكليزية بتفريق حسابات الأوقاف الشيعية عن الأوقاف السنية بهدف تأسيس دائرة وقف شيعية مستقلة، لكن ذلك لم يتحقق إلا بعد ثمانين عاماً.

4– الوظائف الحكومية 

تميزت سياسة الحكومة العثمانية بإقصاء وتهميش الشيعة ومنعهم عن الخدمة المدنية. فلم يُعيّن من الشيعة في الأعمال والمناصب الحكومية . إذ لم يضع الأتراك في حسبانهم وجود أكثرية شيعية من سكان العراق. لقد كانت جميع الوظائف الحكومية تمنح للسنة، سواء الأعمال الإدارية البسيطة أو المناصب العليا. فقد كان السيد عبد الرحمن الكيلاني رئيساً لبلدية بغداد حتى دخول القوات البريطانية إليها في آذار 1917. كما كانت الدوائر الحكومية كالتعليم (المعارف) والقضاء والصحة والتسجيل العقاري (الطابو) والأوقاف والشرطة (الشبانة) والكمارك والضرائب و(مصلحة انحصار التبغ) و(مطبعة الحكومة) وبقية الشؤون المدنية.

وينطبق الأمر على المؤسسات العسكرية، حيث كان الطلاب السنة يرسلون للدراسة في الكليات العسكرية في اسطنبول، ليتخرجوا ضباطاً يخدمون في الجيش العثماني. وقد تسلم كثير منهم مناصب حكومية ولعبوا دوراً في الحياة السياسية بعد الاحتلال البريطاني أمثال نوري السعيد وجعفر العسكري وعبد المحسن السعدون وطه الهاشمي وياسين الهاشمي ومولود مخلص وناجي شوكت وعلي جودت وجميل الراوي وجميل المدفعي وغيرهم.

5- الحرمان من الحياة السياسية

افتتح أول برلمان عثماني في 13/12/1877 ويسمى (مجلس المبعوثان). ولم يكن للعراق آنذاك أي تمثيل فيه على العكس من المندوبين العرب من سوريا ولبنان. وبقي العراق بعيداً عن المشاركة في الانتخابات حتى عام 1912 حيث أجريت أول انتخابات عثمانية في العراق لاختيار مندوبي العراق في مجلس المبعوثان. وشهدت الانتخابات عمليات تزوير وإرهاب مارسها أعضاء وأنصار جمعية الإتحاد والترقي لإيصال مرشحيهم إلى المجلس.

وأما التزوير الأخطر فهو تزوير إرادة الشيعة رغماً عنهم، وحرموا من حق التمثيل في المدن الشيعية، حيث تم ترشيح وإنجاح مرشحين سنة. فعن البصرة فاز طالب النقيب وعبدالله الزهير وعبد الوهاب القرطاس وأحمد نديم، وعن كربلاء فاز فؤاد الدفتري ونوري البغدادي، وعن الديوانية فاز اسماعيل حقي بابان ، وعن المنتفك فاز جميل صدقي الزهاوي وعبد المجيد الشاوي، وعن العمارة فاز عبد الرزاق المير ومعروف الرصافي.  وهؤلاء ليسوا من سكان المدن الشيعية بل غرباء عنها، وهم من أهل السنة ويمثلون أهلها الشيعة رغماً عنهم.

من جانب آخر حرم الشيعة من المناصب الإدارية كرؤساء الوحدات الإدارية في المدن والأقضية والنواحي، إضافة إلى قيادات الشرطة ووحدات الجيش وغيرها. أما ولاة العراق فكانوا قاطبة من الأتراك يأتون من اسطنبول ليقضوا بضع سنوات لحكم العراق، والانهماك في جمع أكبر ما يمكن من الضرائب وإرسالها إلى اسطنبول ليرضى عنهم الباب العالي (السلطان) والصدر الأعظم (رئيس الوزراء).

لقد كانت الإدارة التركية في العراق إدارة فاشلة، متخمة بالرشوة والفساد الإداري والمالي والأخلاقي. في عام 1910، يصف المقيم البريطاني في بغداد المستر ج. لوريمر الحالة بأن “جهاز الإدارة التركي العام لا يلائم العراق من جميع الوجوه تقريباً. وعلى الترك أنفسهم أن يعترفوا بأنه جهاز فاشل هنا. وبرغم أن فشله هذا واضح بما فيه الكفاية لكن القليل منهم يدرك أسباب هذا الفشل”.
هذا فصل من كتابنا

( كتاب المرجعية والاحتلال الاجنبي) الصادر عام ٢٠١٠.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

هل يجب نزع سلاح حزب الله. / بقلم ناجي امهز

الثورات هي روح الوطن المتجدد المنتفض على الخمول المقيت الذي يصبح الطبق الرئيسي لاي فئة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *