الرئيسية / شؤون عراقية / لعلاقات الأمريكية العراقية ( 8 )قراءة في البيان الختامي : الملفان الاقتصادي والثقافي والخاتمة-د. صلاح عبد الرزاق

لعلاقات الأمريكية العراقية ( 8 )قراءة في البيان الختامي : الملفان الاقتصادي والثقافي والخاتمة-د. صلاح عبد الرزاق

ا

د. صلاح عبد الرزاق

باحث في الفكر السياسي

ربما حققت حكومة الكاظمي أول إنجاز لها لكن على الصعيد الخارجي بعد جولة المباحثات التي دامت ساعتين بين الوفدين الأمريكي والعراقي عبر دائرة تلفزيونية مغلقة في 10 حزيران 2020.
هذا المقال يتناول العلاقات العراقية الأمريكية في العامين الماضيين وصولاً إلى قراءة في البيان الختامي للمباحثات العراقية الأمريكية حيث يتم تسليط الضوء على مسار العلاقة وأبرز نقاط التوتر والخلاف التي سادتها.

الملف الاقتصادي
جاء في البيان المشترك (حاجة العراق إلى اصلاحات اقتصادية جوهرية) وهذا أمر غير خافي عن أغلب المهتمين بالشأن الاقتصادي والمالي. إذ أن ما تعاني منه الدولة العراقية بالأساس سوء الادارة ، سواء إدارة الأموال ، أو الدوائر الحكومية والرتين الاداري والبيروقراطية الغارقة فيها.
تنوي واشنطن (تزويد العراق بالمستشارين الاقتصاديين للعمل بشكل مباشر مع حكومة العراق) وهي عبارة يسودها الغموض حيث لا توجد معلومات عن عدد المستشارين الاقتصاديين ، ولا عن الجهة التي تدفع أجورهم وتكاليف إقامتهم وتنقلاتهم وحماياتهم، ربما ستترك لمفاوضات قادمة، هذا في حال قدموا إلى العراق وليس العمل من واشنطن. ومع ذلك سيخلق ذلك مادة جديدة للتوتر والاتهامات للوزراء ومجلس الوزراء والهيئات المستقلة المعنية بقطاعي الاقتصاد والاستثمار. وستكرر الحديث عن تدخل هذا المستشار أو ذاك في قرارات وسياسات الوزارات والدوائر الحكومية، بشكل يعيد إلى الذاكرة المستشارين في عهد الحاكم المدني بول بريمر. وهل سيكون لمجلس النواب دور في تحديد عدد المستشارين أو الموافقة على مجيئهم أم الاكتفاء بمذكرة تفاهم بين الحكومتين؟
ويشير البيان إلى قدوم (الشركات الأمريكية العالمية للعمل والانخراط في قطاع الطاقة والمجالات الأخرى) ولكن بشرط (أن تكون ظروف العمل مؤاتية). ولا يتوقع جدية واشنطن في حل المشكلات الاقتصادية خاصة في مجالي الطاقة والاستثمار. لقد فشلت أمريكا في معالجة مشكلة الكهرباء التي بقيت منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003 ولحد الآن. وهناك معلومات وتقارير أن بعض الشركات الأمريكية مثل جنرال ألكتريك أعاقت أي حل لمشكلة الكهرباء، وأنه عرقلت اتفاقات مع شركات ألمانية وصينية ، لتكون وحدها في المشهد الاقتصادي دون أن تقدم أي إنجاز حقيقي.
أما (ظروف العمل المؤاتية ) فهي غير واضحة ، ولعلها تتضمن توفر حماية أمنية عراقية للشركات الأمريكية ، أو ضمانات مالية معينة ، أو اتخاذ اجراءات لوجستية كتلك التي توفر بغداد للشركات الصينية والبريطانية والفرنسية والماليزية والتركية وغيرها العاملة في العراق خاصة في قطاع استخراج النفط والغاز.
تستطيع أمريكا تقديم تسهيلات مالية على شكل قروض أو ضمانات سندات تساهم في عبور العراق من أزمته الحالية، خاصة وأن واشنطن تهيمن على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. كما تستطيع حماية الودائع العراقية بقرار من الرئيس وتمديد ذلك كل ستة أشهر. مما يجعل الأموال العراقية محصنة ضد أي قرار من المحاكم الأمريكية طالب الحكومة العراقية بدفع تعويضات لأمريكان في قضايا سابقة أو غرامات مالية وغيرها.

الملف الثقافي
لم يستغرق هذا الملف سوى سطرين في البيان ، حيث ورد فيه (ناقشت الحكومتان خطط إعادة الأرشيف السياسي المهم إلى حكومة العراق، وجهود تطوير قدرات الجامعات العراقية. كما ناقش الطرفان خطط إعادة القطع الاثرية، وأرشيف حزب البعث إلى العراق).
وتضمن ثلاث فقرات إعادة منهوبات عراقية وهي الأرشيف السياسي ، والقطع الأثرية وأرشيف المخابرات والأجهزة المنية البعثية. ولم يرد الأرشيف اليهودي ضمن المواد المسروقة التي وجدت طريقها إلى أمريكا ، واستقرت في إسرائيل. وهذه مواد تمت سرقتها من قبل القوات الأمريكية ، أو ساعدت على نقلها. فالأرشيف الأمني تم نقله إلى واشنطن من قبل مؤسسة الذاكرة العراقية التي يشرف عليها كنعان مكية ، وبمساعدة أمريكية لأن عدد الوثائق يقدر بعدة ملايين وثيقة ، ووزنها عدة مئات من الأطنان نقلت بطائرات أمريكية من العراق.
أما الحديث عن (تطوير قدرات الجامعات العراقية) فهي واحدة من مواد اتفاقية الاطار الاستراتجي ولم تدعمها واشنطن بشكل كاف مقارنة بقدرتها وتقدمها العلمي والتعليمي. نعم جرى إهداء كتب لبعض الجامعات ، واستضافة أساتذة وطلاب جامعيين في دورات تدريبية في بعض الجامعات الأمريكية، إضافة إلى منحة برنامج فولبرايت التي تقدم لعدد من الطلاب العراقيين لاكمال دراستهم في أمريكا. ويجري انتقائهم بناء على موقفهم المؤيد من أمريكا وسياستها بشكل عام.
أما البرامج الثقافية التي تتولاها السفارة الأمريكية وقنصلياتها في العراق فهي تنفيذ لبرامج محددة تستضيف الشباب من الجنسين للمشاركة في دورات تدريبية تشمل تعزيز القدرات الذاتي وتعلم فنون النقاش والخطابة وتنظيم التظاهرات . ويجري اختيار هؤلاء الشباب من منظمات المجتمع المدني أو بعض المدونين والاعلاميين المعادين للحكومة العراقية. وقد اكشف بعضهم في مشاركتهم في التظاهرات ميدانياً أو اعلامياً. وبالتالي هناك شكوك حول هذه البرامج وأهدافها.

يختتم البيان بفقرة جاء فيها (وجَدَّد الطرفان تأكيدهما على أهمية العلاقة الإستراتيجية وعزمهما اتخاذ خطوات مناسبة تعمل على تعزيز مصالح كلا البلدين ولتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة. ورحبت حكومة الولايات المتحدة بفرصة إعادة تأكيد شراكتها وتقويتها مع العراق مع شروع رئيس الوزراء العراقي باستلام مهامه الحكومية. وتتطلع كلا الحكومتين إلى مباحثات معمقة بشأن القضايا المذكورة آنفاً في اجتماع لجنة التنسيق العالي للحوار الإستراتيجي في العاصمة واشنطن المزمع عقده في تموز).
تبدو أغلب العبارات غامضة وقابلة للتأويل لكن هناك إشارات إلى تقدم ملموس مثلاً في دعم حكومة الكاظمي حيث (ورحبت حكومة الولايات المتحدة بفرصة إعادة تأكيد شراكتها وتقويتها مع العراق مع شروع رئيس الوزراء العراقي باستلام مهامه الحكومية). وهو إقرار بعدم تعاون واشنطن مع الحكومات العراقية وخصوصاً مع حكومة عبد المهدي .
من جانب آخر ستكون مباحثات 11 حزيران تمهيداً لمفاوضات (معمقة بشأن القضايا المذكورة آنفاً في اجتماع لجنة التنسيق العالي للحوار الإستراتيجي في العاصمة واشنطن المزمع عقده في تموز). إذ يتوقع إكمال المباحثات في العاصمة واشنطن في تموز القادم وبحضور رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي هناك.

الخاتمة
إن الاجابة على الأسئلة التي وضعناها في بداية الدراسة تسلط الضوء على تحديد مسار العلاقة مع أمريكاً أولاً، وترسم طبيعة وموقع العراق بالنسبة للخارطة الاستراتيجية الأمريكية وسياستها الخارجية.
من الواضح أن الجانبين العراقي والأمريكي غير متكافئين سياسياً وعسكريأ واقتصادياً ، مما يجعل العراق ضعيفاً عن التحرك بشكل ندي مع أمريكا، خاصة في ظل حكومات العبادي (2014-2018) وعبد المهدي (2018-2020) والكاظمي (2020- ) التي فقدت إرادتها السياسية ، وتعرضت إلى انتكاسات دبلوماسية خطيرة حتى وصل الأمر بواشنطن أن لا تخبر العراق بنيتها ضرب معسكرات عراقية وداخل الأراضي العراقية إلا قبل نصف ساعة من الضربة. كما أن إيران لم تخبر بغداد نيتها ضرب قاعدة عين الأسد في الأراضي العراقية إلا قبل ساعتين من الضربة. وهذا يعني أن الطرفين يستهينان بالحكومة العراقية ، ولا يعيران لموافقتها أو معارضتها لما سيحدث على أراضيها.
إن السياسة الخارجية العراقية فقدت الكثير من مصداقيتها وقوتها وتحولت إلى دبلوماسية بيانات وشكاوى وليس إلى قوة ضاغطة تحمي مصالحها وأمنها القومي. لقد باتت السياسة الخارجية العراقية منفعلة وليست فاعلة ، تتلقى الضربات المتواصلة وتستجيب للتنمر السياسي والأمني الأجنبي على العراق.
إن السياسة الخارجية عادة تستمد قوتها بثقة صاحب القرار وقوته واستعداده للدفاع عن مصالح بلده ، وهذا ما نشاهده من مواقف سياسية ودبلوماسية قوية لدول صغيرة مثل الكويت والبحرين والأردن ولبنان . فهذه الدول قد لا تملك القوة الاقتصادية القوية أو المساحة أو الثقل السكاني لكنها تمتك قيادات حكيمة تثق بنفسها وبشعبها ، وقادرة على اتخاذ قرارات مؤثرة تبدو أكبر من حجمها ، لكنها تحظى باحترام المجتمع الدولي، والأمثلة كثيرة على ذلك.
إن السياسة الخارجية انعكاس للوضع الداخلي السياسي والاقتصادي والأمني . فكلما كان الوضع الداخلي أكثر استقراراً وثباتاً ، كلما اتسمت السياسة الخارجية بالثقة ورسم معالم تحركها للدفاع عن مصالح البلاد . وقد تتمدد أهداف السياسة الخارجية إلى مستوى توسيع نفوذ البلد اقليمياً ودولياً ، فترى الدولة تدخل في تحالفات ومعاهدات واتفاقات مع دول أخرى دعماً لأمنها القومي وتوسيعاً لقاعدتها وثقلها في المجتمع الدولي.
إن تحديد بوصلة السياسة الخارجية وتوجيهها من مهام الرئيس في النظام الرئاسي ، ومهام رئيس الوزراء في النظام الرئاسي. ولذلك نجد رؤساء الدول يتصدون لادارة السياسة الخارجية و، يتخذون القرارات المتعلقة بها ، ويشاركون في اجتماعات القمة للدول المعنية لمناقشة قضايا محددة. وكلما كان الرئيس ذو خبرة ولديه الثقة بنفسه ودولته كلما كانت قراراته أكثر قوة وتأثيراً وأحرص في الدفاع عن مصالح بلده.
أما وزارة الخارجية فهي جهة تنفيذية وإدارية وقانونية لتنفيذ السياسة الخارجية ، والاشراف على السفارات والقنصليات ورعاية العراقيين المقيمين في الخارج ، والشؤون القنصلية الأخرى. والسفير يمثل الدولة العراقية في الدولة المضيفة ، ويستلم توجيهات الوزير المعتمدة على قرارات الرئيس. ويختلف أداء وزير خارجية أو السفير من دولة إلى أخرى ، ويعود ذلك إلى خبرته الدبلوماسية والقانونية ، وإلمامه بمصالح بلاده بشكل دقيق ، ولياقته الفكرية والثقافية وسرعة البديهة وقوة المنطق. وقد حين تناوب على وزارة الخارجية شخصيات جاءت بالمحاصصة الحزبية أثناء تشكيل الحكومات العراقية، وهي شخصيات عليها ملاحظات كثيرة ، لكنها بقيت شخصيات نمطية روتينية لا تضيف شيئاً ملموساً أو انجازاً للسياسة الخارجية إلا نادراً.
إن رسم السياسة الخارجية يحتاج إلى معرفة القدرات العراقية الكامنة والظاهرة (نفط وغاز ومعادن ، ثقل سكاني، موارد مائية وزراعة، موقع استراتيجي، نظام برلماني …). وكذلك معرفة بعوامل الجغرافية السياسية (جيوبولتيك) والمتغيرات الدولية والاقليمية. وهذا ما يساهم في أن يكون المفاوض العراقي على اطلاع عميق بما يحتاجه العراق ، وكيفية وإمكانية تحقيق الأهداف المرسومة سلفاً.
ما زال أمام العراق الفرصة لاستثمار امكانته الداخلية وتعزيز القدرة الدبلوماسية دولياً ، والتخلص من حالة الأداء الخامل أو الاكتفاء بالبيانات الخجولة ، إلا نادراً عندما تجد أن القوى السياسية تدعم اتخاذ قرار جريء مثلما قامت الخارجية العراقية بتقديم شكوى ضد أمريكا في مجلس الأمن بعد أن اتخذ البرلمان العراقي قراراً بخروج القوات الأجنبية ، والتظاهرة المليونية التي نددت بالتواجد الأمريكي في العراق.
ينتظر التزام الولايات المتحدة فعلياً باتفاقية الاطار الاستراتيجي ، وأن تكون أساساً لبناء علاقات استرايجية وثيقة بين بغداد وواشنطن ، والتعاون في كل المجالات الواردة في الاتفاقية. لا يمكن للعراق أن ينأى بنفسه عن العلاقات الدولية وخاصة مع دولة عظمى بحجم أمريكا ، لكن تبقى مدى جدية واشنطن بالالتزام بالاتفاقية وليس استغلالها لظرف سياسي أو أمني في المنطقة . كما نأمل بالجانب العراقي أن يسعى لتحقيق أفضل ما يمكن لخدمة العراق وشعبه وخدمه أمنه ومصالحه وتقدمه.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

العراق يسجل 104 وفيات و1958 إصابة جديدة بكورونا

العراق يسجل 104 وفيات و1958 إصابة جديدة بكورونا وجاء في بيان للوزارة أنه “تم فحص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *