الرئيسية / تقارير / “تأثير الوضع الإقتصادي- الإجتماعي على تشخيص وعلاج أمراض القلب والشرايين في لبنان بعد حِراك ١٧ تشرين اوّل ٢٠١٩ وأزمة كورونا” (3)/ د. طلال حمود

“تأثير الوضع الإقتصادي- الإجتماعي على تشخيص وعلاج أمراض القلب والشرايين في لبنان بعد حِراك ١٧ تشرين اوّل ٢٠١٩ وأزمة كورونا” (3)/ د. طلال حمود


واقع أمراض القلب والشرايين في لبنان مع تفاقم الأزمة الإقتصادية-الإجتماعية:
كنا قد نشرنا الجزئين الأول والثاني من هذا البحث الذي هي تكلّمنا عن اهمية طرح هذه الإشكالية وعن الدراسات والوقائع والمعطيات الأروربية والأميركية التي تُؤكد وجود علاقة ثابتة بين ازدياد نسبة امراض القلب والشراين عند الطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود وعند الفئات التي تزداد عندها نسبة البطالة بسبب تدهور الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية. في هذا الجزء الثالث من هذا البحث سوف نتكلّم عن تأثير هذه العوامل على لبنان. وفي البداية لا بدّ لنا من الإشارة الى عدم وجود دراسات علمية مُمنهجة تؤكد هذه العلاقة. ولكننا وفي ضوء كل المعطيات العالمية لا يُمكننا ان نتصوّر انه من السهل جداً توقّع نتائج كارثية على كل المستويات الصحية في لبنان للأسباب التي كنا اوردناها سابقاً.
ودون الدخول في كل التفاصيل الدقيقة للأوضاع ، كلنا نعلم اليوم أنّ الوضع الإقتصادي والإجتماعي في لبنان بدأ بالإنحدار منذ حوالي ثلاث سنوات وبلغ ذروته في التدهور في المرحلة التي امتدّت منذ إنطلاق حراك ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ وحتى اليوم ومع ارتفاع جنوني في سعر صرف الدولار على الليرة اللبنانية.وقد أدّى تدهور قيمة العملة الوطنية الى عوامل كثيرة، من الممكن ان نقول أنها أصابت بكل مقتل المواطن اللبناني وأدّت الى أوضاع إجتماعية إقتصادية إجتمعت جميعها لكي تزيد من حدّة وخطورة أمراض القلب والشرايين ومن مخاطر التعرّض لها.فقد عمّ القلق والتوتر والإكتئاب معطم شرائح المجتمع اللبناني منذ بداية الحِراك وحتى منذ ما قبله ومع كل الأزمات والخضات الأمنية وأعمال العنف والشغب و قطع الطرقات التي صاحبت هذا الصخب أحياناً، ممّا أدىّ الى أن يعيش المواطن اللبناني تحت وطأة التوتر والقلق الدائم منذ تلك الفترة وحتى تاريخ اليوم. وجاء إنخفاض قيمة الليرة اللبنانية في مقابل الدولار ليزيد من حدّة المشكلة وليحفظ مستوى الدخل الفردي بشكلٍ قوي بحيث أصبح المعدل الوسطي الذي يقبضه المواطن اللبناني لا يتجاوز المئتا دولار أميركي في أغلب الأحيان (الحد الأدنى للأجور هو ٦٥٠ الف ليرة لبنانية). وانخفضت قيمة معظم اجور او معاشات الآخرين لمعدّلات متفاوتة تصل الى النصف او الثلثين تقريباً مع إرتفاع كبير لأسعار السلع على انواعها بلغ حوالي ١٠٠ الى٢٥٠ بالمئة تقريباً وبشكل عشوائي ودون اية قدرة على المراقبة الجدّية من قِبل مؤسسات وإدارات الدولة.
كذلك ضربت البطالة بشكلٍ مهول معظم شرائح المجتمع اللبناني بحيث يقدّر الخبراء بأنّ معدل البطالة وصل حالياً حوالي ٤٠ الى ٥٠% من الطبقات العاملة في لبنان. وأن هناك حوالي ٣٥٠ الى ٤٥٠ ألف لبناني قد صُرفوا من أعمالهم وأن هناك عدد كبير من الموظفين الذين يتقاضون نصف معاشهم او حُسومات مُهمّة على معاشاتهم او هم يعملون بنصف دوام ويقبضون نصف مستحقّاتهم او حتى دوام كامل مع نصف معاش شهري.. وقد سمعنا أيضاً جميعنا في موازاة ذلك بأنّ كل المؤسسات التربوية والتعليمية خاصّةً القطاعات الخاصة منها تُعاني من أزمات كبيرة اوّلها عدم قدرة الأهل على دفع الأقساط وتوجّه عدد كبير من أهالي الطلاب لتسجيل أبنائهم في المدارس الحكومية التابعة للدولة في السنة القادمة. وهذا ما سيؤدي حتماً الى إنخفاض المستوى التعليمي نتيجة إكتظاظ الطلاب في هذه المدارس وعدم قدرة هذه المدارس الحكومية على إستيعاب هذا الكمّ الهائل من الطلاب وتأمين نوعية عالية من الخدمات التعليمية.هذا بالإضافة إلى إعلان عدد كبير من المدارس الخاصة عن تسريح عدد كبير من كوادرها نتيجة العجز الحاصل وعدم إسيفائها لديونها المُترتّبة على الدولة وعلى الأهالي.

أخيراً، ومع تفاقم الأزمة إتجه عدد كبير من المواطنين الى ترك منازلهم والى إستئجار منازل في الأماكن الأكثر فقراً أو في الضواحي أو في الأماكن الشعبية المُكتظة. وهذا ما سيؤدي حتماً الى ان زيادة عوامل الخطورة عند هؤلاء المواطنين نتيجة الأسباب التي شرحناها سابقة. مما سيؤدي الى ازدياد نسب الإصابة بأمراض القلب والشرايين التي تكلمنا عنها تفصيلياً بسبب عدم إمكانية المواطنين في هذه الأماكن المُهمّشة في الحصول على نوعية حياة طبيعية كما كانوا يعيشون في الأماكن الأخرى.

وهنا لا بدّ من الإشارة الى أننا سمعنا ايضاً جميعاً عن أعداد كبيرة من المواطنين الذين لجأوا إلى الإنتحار والى إرتكاب جرائم كثيرة ومتعددة في مختلف المناطق اللبنانية وأحياناً دون أي مبرّر أو لأسباب تافهة. وستؤدي كل العوامل التي ذكرناها سابقاً أيضاً الى زيادة إستعمال التدخين والمخدّرات والكحول عند مختلف تلك الطبقات التي أصبحت حالياً ذات دخل محدود جداً ومعدوم القدرة الشرائية أو تعاني من بطالة مُستجدّة، خاصة عند الطبقات الشبابية منها أو لانها تعيش في أحياء ومناطق مزدحمة يعشعش فيها عالم المخدّرات والإنحراف.
أخيراً بالنسبة لكلفة العمليات التشخيصية والعلاجية لأمراض القلب فإنّ المواطن اللبناني سيجد نفسه مُضطراً لأن يدفع كلفة إضافية في معظم او حتى كل المستشفيات اللبنانية. خاصّةً وأنّ معظم تلك المستشفيات لم تعد قادرة على الإستمرار على العمل بالطريقة القديمة وأنّ الشركات المورِّدة للمستلزمات الطبية تجبرها حالياً من اجل إستمرارها على التمكّن من الإستيراد بأن تدفع المبالغ المتوجبة عليها نقداً وفور إستلام البضاعة او بطرق اخرى مبتكرة من وحي تعاميم مصرف لبنان التي حاولت معالجة هذه الازمة. وذلك على عكس ما كان يتم سابقاً حيث كان هناك فترة سماح تتراوح من ١٢ الى ١٨ شهر لكي تسدّد المستشفيات الفواتير المّستحقة للشركات المُورِّدة لهذه المُستلزمات. وإذا اخذنا على سبيل المثال كلفة عملية التمييل التي كانت قبل الأزمة تتراوح بين ٥٠٠ دولار في بعض المستشفيات الى ١٢٠٠ دولار في مستشفيات أخرى في العاصمة فإن المستشفيات وجدت نفسها مضطرة الى زيادة الأسعار لأن الطبيب يستعمل الكثير من المسلتزمات المستوردة بالدولار. ولكي تصل الى المستشفى مع التعميمات الجديدة لحاكم مصرف لبنان بهذا الخصوص يجب ان تدفع المستفيات للشركات ٨٥ بالمئة من كلفة المسلتزمات بالدولار على سعر ١٥٢٠ ليرة لبنانية و١٥ بالمئة من الكلفة بالدولار على سعر السوق اليومي اي بين مبالغ تتراوح بين ٣٥٠٠ الى ٤٥٠٠ ليرة لبنانية او اكثر حسب العرض والطلب. والفارق الكبير في السعر المتوجّب على المستشفى ان تدفعه اصبحت تحمّله للمريض وبشكل عشوائي وفوضوي جداً بين مستشفى واخرى بحسب شهية المسؤولين عن مالية تلك المستشفيات. ولذلك فهناك أزمة حقيقية يجب معالجتها في أسرع وقت ممكن لأن المستشفيات لن تقدر اليوم على فوترة أسعار العمل الطبي كما كانت تفعل في السابق ودون الأخذ بالإعتبار لعامل إرتفاع أسعار الدولار الذي زاد بمعدل ثلاثة الى أربعة أضعاف قيمته ما قبل الأزمة.ولذلك فقد لجأت الى رفع الأسعار بشكل إستنسابي دون أيّة إمكانية للرقابة و دون توحيد للتسعيرة بين مختلف تلك المستشفيات المتوزعة على جميع الأراضي اللبنانية.هذا المثل يمكن تعميمه على كافة عمليات القلب مثل عمليات توسيع الشرايين بالبالون والروسور وعمليات الجراحة القلبية وغيرها، لأن كل هذه العمليات تستدعي إستعمال مستلزمات طبية تُستَورد من الخارج وبالدولار وسوف نشرح في القسم الآخر من هذه المقالة كل المشاكل التي ترتّبت على إستيراد المستلزمات الطبية منذ أزمة ١٢ تشرين وحتى تاريخ اليوم.

د طلال حمود – طبيب قلب تدخّلي- مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود- هاتف 03832853

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

*التجسس الصيني وسرقة الابحاث* ترجمة مصطفى حجازي

*التجسس الصيني وسرقة الابحاث* ترجمة مصطفى حجازي نحن هنا اليوم لنعلن عن ثلاث حالات منفصله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *