أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / واشنطن تستخدم الإسلام السياسي لإحراق الصين وروسيا

واشنطن تستخدم الإسلام السياسي لإحراق الصين وروسيا

علوان نعيم امين الدين*

يرى الكثيرون بأن الولايات المتحدة الاميركية تستخدم ما يعرف بــ “الاسلام السياسي” من اجل خلق الازمات بهدف السيطرة على المناطق الاستراتيجية للتحكم بمفاصل القرار الدولي ومقدرات الشعوب، خصوصاً وان اقتصاد الولايات المتحدة “لا ينتعش الا عن طريق الازمات، فالشراكات الدولية لا تخدم مصالحها بقدر من تخدمها التوترات العالمية.”
تنظيم القاعدة، على سبيل المثال، كان صنيعة المخابرات الاميركية في الثمانينات بهدف محاربة الاتحاد السوفياتي في افغانستان. وبعد استيلاء حركة طالبان على الحكم فيها، يقول خبراء في السياسة الدولية بأن جهاز “سي.آي.إي” كان يغض النظر عن نشاط الحركة في تجارة الافيون (البعض يقول انه كان شريكاً فيها) والعلاقات الثنائية كانت جيدة، ولكن عندما رغبت واشنطن بتمرير انابيب للطاقة في تلك المنطقة، استدعيت الحركة للقاء مع شركة “اكسون موبيل” للاتفاق على رسوم المرور، بيد ان الحركة رفضت السعر كونه متدني جداً. وعند وقوع احداث 11/9، اتهمت الحركة فيها وغزت الولايات المتحدة افغانستان وسيطرة عليها.
كذلك، يرى البعض بأن احداث 11/9 تزامنت مع الاعلان عن “منظمة شنغهاي للتعاون” والتي تضم العديد من دول المنطقة، الامر الذي يهدد المصالح الاميركية ويعطي لبعض الدول النامية فيها (روسيا والصين) الفرصة في تنظيم نفسها، والعودة الى منافستها. من هنا كان استهداف افغانستان (لاعتبارات عديدة) خصوصاً انها تقع في قلب قارة آسيا.
في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى”، يقول مستشار الامن القومي الاميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي عن المنطقة التي يشملها “الحزام” بأنها شاسعة جداً، وهي التي “تمزقها الاحقاد المتأججة والتي يحيط بها جيران منافسون اقوياء، مرشحة لان تتحول الى ساحة معركة كبرى للحروب فيما بين الدول القومية، وعلى شكل ارجح، للعنف العرقي والديني طويل الامد.”
بموضوعية سواء كانت هذه الجماعات صناعة اميركية ام لم تكن، في النهاية تستفيد الولايات المتحدة من نشاط هذه الجماعات خصوصاً بعدما “نصبت” واشنطن نفسها “بوليساً” عالمياً لمكافحة الارهاب.
ان اختبار عنوان هذه الدراسة مبني على “سيرة جيو-ديومغرافية” للاحداث بالنسبة الى الدول التي تقع ضمن هذا “الحزام”، حيث يبدأ من الفليبين واندونسيا وفيتنام من جنوب الصين وجنوبها الشرقي، مروراً ببعض الدول الاخرى التي تقع ناحية الجنوب الغربي لها، الى بعض الدول التي تتموضع على حدود روسيا جنوباً، وصولا الى ايران لجهة الخليج، لتمر عبر دول المشرق العربي، صعوداً الى القوقاز وحدود روسيا الغربية من جديد. ويعود تشبيه السيناريو المفترض بحزام “النيران المشتعلة” الى عدة امور، ابرزها:
1. ارتفاعالنار بشكل عامودي (استهداف الصين وروسيا بالتحديد المتواجدة جغرافياً فوق الحزام)؛
2. توسعها افقياً (حيث من الممكن ان تمتد على كامل الخط) دون ان تتمدد نزولاً (وجود المياه في المحيط الهندي والخليج العربي، ووجود الرمال في شرق شبه الجزيرة العربية التي تمنع تمدد “النار” اليها، فدولها تعتبر حليفاً اساسياً للولايات المتحدة في المنطقة حالياً)؛
3. تترك “جمراً” بعد “الحريق” مما قد يسبب اعادة احياء النيران من جديد (والمقصود بالجمر هنا الازمات التي يمكن اعادة تفعيلها ضمن الدول كلما دعت الحاجة)؛
4. استعملت كلمة “النيران” وليس “النار” لانها قد تشتعل في منطقة بعد منطقة وليس بالضروري ان تشتعل كلها مرة واحدة.
فكيف يعمل حزام “النيران المشتعلة” على الدول التي يمر بها؟ وما هي امكانية المواجهة والصمود؟
الصين “فوق صفيح ساخن”
الخط “الجيو-ديومغرافي” موضوعنا، يضم في دوله اكثرية سكانية اسلامية ساحقة. فإندونيسيا، على سبيل المثال، هي اكبر دولة اسلامية في العالم من حيث عدد السكان. واذا ما بنينا على ما ورد اعلاه حول الاستفادة الاميركية (وربما تبنيها) من المنظمات التكفيرية، تكون دول كالفيليبين واندونيسيا احدى هذه الدول التي قد تستخدم على “حزام النيران” لــ “تسخين المياه الفاصلة” بينها وبين الصين، خاصة مع وجود العديد من الازمات بينها في بحر الصين الجنوبي (الجزر)، ناهيك عن مضيق ملقا (بين اندونيسيا وماليزيا) الذي يعتبر الشريان المائي الذي يصل المحيط الهادئ بالمحيط الهندي.
اضافة الى ذلك، تحد الصين 14 دولة متعددة اغلبها تحتوي على نسبة سكانية اسلامية (الجنوب تحديداً)، ناهيك عن وجود الاقلية المسلمة الايغورية في اقيلم تشينجيانغ (والايغوريون تربطهم اصول تاريخية مع تركيا ولها تأثير سياسي عليهم) والمتصل بوادي فرغانة الذي يعتبر “الخزان الرئيسي للحركات الإسلامية الراديكالية، التي تتطلع لإقامة دولة إسلامية في المنطقة”، ويتشكل معظم سكانه من “المحافظين دينياً”. فكما يمكن خلق ازمة عبر “الاسلام السياسي التكفيري” في الدول الحدودية، يمكن افتعالها داخل الصين ذاتها.
في مقال بعنوان “جيل “القاعدة” الإلكتروني وبروز عوامل الإنهيار التنظيمي” (24/9/2014)، عدد الكاتب ماهر الخطيب اسباب الانهيار الاساسي لتنظيم القاعدة. وما يهمنا هنا السبب الثاني المتمثل في “ظهور القيادات الفرعية في أكثر من مكان، لا سيما في العراق مع أبو مصعب الزرقاوي، حيث كان الرجل يسعى من خلال تصرفاته إلى أن يكون الوريث الشرعي لبن لادن قبل أن يموت، وهو كان يتصرف بحسب الإستراتيجية التي يراها مناسبة نظراً إلى سيطرته على أرض الواقع، مع العلم أن الزرقاوي كان على خلاف مع قيادة “القاعدة” في التوجهات منذ كان موجوداً في أفغانستان قبل الإنتقال إلى العراق.” هنا يتبادر الى الذهن التساؤل التالي: هل يوجد من مانع بأن تتحرك “الخلايا النائمة” في هذه الدول لتستجلب الوجود الاميركي وتفرضه كنوع من الامر الواقع خاصة وانها دول ضعيفة اقتصادياً وعسكرياً ولا تتحمل تبعة محاربة الاصوليات التكفيرية؟!
في دراسة بعنوان “تنامي “الإسلام الجهادي” في آسيا الوسطى” (20/2/2010)، يرى الكاتبان حسن أبو هنية ود.جمال عبد الكريم أيوب أن حالة عدم الاستقرار وغياب الأمن التي تهيمن على مجمل الأوضاع في وسط آسيا “بدأت تشكل مصدر قلقٍ إضافي للولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً والغرب عموماً. فمنذ مطلع عام 2009 وحتى الوقت الراهن باتت عمليات التسلل التي يقوم بها أعضاء الحركة الإسلامية الأوزبكية وغيرها من الحركات الإسلامية الراديكالية في المنطقة عبر الحدود الشمالية لأفغانستان تجري بشكل شبه يومي، وبأعداد غير مسبوقة من قبل المسلحين، ويبدو أن هذه المنطقة بانتظار شيء ما سيحدث في القريب العاجل.” ويتعبر الكاتبان ان التدفق غير المسبوق “لهؤلاء المسلحين والذي رصدته الأجهزة المختصة في جمهوريات آسيا الوسطى يوحي ببدء مرحلة أو خطة جديد بدأت الحركة الإسلامية الأوزبكية واتحاد الجهاد الإسلامي وحركة طالبان والقاعدة بتنفيذ بنودها الرامية إلى العمل على انتشار وتوسيع وفتح جبهات جديدة في مواجهة القوات الأمريكية وقوات حلف الناتو، وتحديداً في دول آسيا الوسطى.” يضيف الكاتبان انه وفي العام 2010 “باشر قادة حركة طالبان والحركات المساندة لها… بإصدار الأوامر لكافة العناصر والمقاتلين والقادة الميدانيين بالانتشار في منطقة آسيا الوسطى والعمل على فتح جبهات جديدة من شأنها استنزاف قوات التحالف… لقد تحولت دول آسيا الوسطى إلى قنبلة موقوتة تنتظر الانفجار والأمر الذي تم تجاهله طويلاً على أنه غير حقيقي واستخدم من قبل المسؤولين في آسيا الوسطى مبرراً لهم في قمعهم السياسي وهو المد الإسلامي في المنطقة السوفيتية السابقة أصبح حقيقة واقعية بالنسبة للغرب الذي يقاتل في أفغانستان عند الباب المجاور لآسيا الوسطى في حرب تزداد صعوبة يوما بعد يوم.”
في تساؤل بسيط: هل الوجود المسلح التكفيري في آسيا الوسطى هو خطر على امريكا ام الدول مكان تواجدهم؟! ما هي صفة الولايات المتحدة حتى تأتي آلاف الكيلومترات لتحارب الارهاب؟!
في 13/9/2014، نقلت قناة الــ “بي.بي.سي” عن الرئيس الرئيس الصيني “شي جي بينغ” حثه قادة دول آسيا الوسطى على “مضاعفة جهودهم لمحاربة التطرف الديني، في اشارة الى الهجمات التي تشنها عناصر تنتمي الى اقلية الويغور (الايغور) المسلمة في اقليم شينجيانغ غربي البلاد. وتقول بكين إن جماعات انفصالية في شينجيانغ تسعى الى تأسيس دولة خاصة بالويغور يطلقون عليها اسم “تركستان الشرقية”، وان هؤلاء لديهم ارتباطات بجماعات متطرفة في آسيا الوسطى وباكستان. وتقول الحكومة الصينية إن الانفصاليين يتأثرون ببرامج التدريب المرئية والمسموعة القادمة من وراء الحدود.”
كما نقلت وكالة شينخوا الصينية الرسمية للانباء عن الرئيس “شي” قوله، وضمن كلمته في قمة دول منظمة شنغهاي للتعاون في طاجيكستان، “علينا تنسيق جهودنا للتصدي للآفات الثلاث، الارهاب والتطرف والانفصالية.”
ان سياسة “طريق الحرير” التي تبني عليها الصين اليوم استراتيجياتها للمستقبل، قد تكون عرضة للازمات التي ستم افتعالها لقطع هذا الطريق بكافة السبل ولو عن طريق استخدام “الارهاب”، فالمصالح الدولية لا تعرف التعاملات الودية على الطريقة الانسانية. كل الوسائل متاحة لتبرير الوصول الى الوسيلة.
روسيا و”صناعة الازمات”
في مقال بعنوان “تهديد داعش الى بوتين” (9/2014)، يرى الكاتب علي جابر الفتلاوي ان تهديد “داعش” إلى بوتين، بمهاجمة دولة الشيشان المسلمة التابعة إلى الإتحاد الروسي، جاء متزامنا مع تهديد أمريكا إلى “داعش”، فهو يرى أنّ “الغاية من التهديد توصيل رسالة من داعش إلى أمريكا مفادها، إنّ داعش ما زالت في خدمة أهدافكم، في تقديري إنّ التهديد صدر في الوقت المناسب، إذ جاء في ظرف تدعي أمريكا أنها بصدد جمع تحالف دولي لمحاربة داعش، أو بعبارة أكثر دقة لوقف تقدم داعش على حد تعبير حلف الناتو، العارف بالسياسة الأمريكية ومقتنع بأنّ أمريكا لا تريد القضاء على داعش، إنما تأديب هذا الوحش الذي يتمرد على مروّضه أحياناً، وهذه هي السياسة الأمريكية مع المنظمات الإرهابية لا تقضي عليها إنما تحد من نشاطها في هذا المكان، وتطلق لها العنان والدعم والمساعدة في مكان آخر.” ويضيف الكاتب “بعد أن تولى بوتين الرئاسة للمرة الثانية، ظهرت روسيا كقطب ثانٍ منافس لأمريكا وهذا يحدث للمرة الأولى منذ سقوط الإتحاد السوفيتي السابق، وقد رحبت الشعوب بهذا الدور الروسي الجديد لا سيما بعد أن انفردت أمريكا كقطب وحيد في العالم”، الامر الذي إعتبر تأثيراً جسيماً على التفرد الاميركي بالقرار العالمي.
وبالاستناد الى قول شهير لبريجنسكي “بدون اوكرانيا لا تعود روسيا امبراطورية اوراسية”، يرى الباحثون السياسيون بأن ازمة اوكرانيا تم افتعالها بوجه الاتحاد الروسي لجعله يتورط في “وحل” التدخل العسكري، وهو ما اشار اليه دبلوماسي روسي رفيع في بيروت ضمن لقاء خاص. فالهدف هو “جرهم الى مستنقع” التدخل العسكري للوصول عديدة نتائج ابرزها التنازل في سوريا، بعد صمود النظام الذي تدعمه موسكو، وادخال روسيا في ازمة مع الاتحاد الاوروبي تستفيد هي منها اقتصادياً، والحد من النمو الاقتصادي الروسي بضرب عصب مداخيله من خلال تصدير الغاز الذي يشكل اساس الايرادات المالية للخزينة.
اعطت هذه الازمة “حججاً” لحلف شمال الاطلسي (قمته الاخيرة في ويلز-المملكة المتحدة) لانشاء فرق تدخل سريع في اوروبا قوامها حوالي 12000 جندي، كذلك الضربات التي تقوم بها ضد “داعش” في العراق وسوريا، اذ أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (30/9/2014) أن سلاح مشاة البحرية “المارينز” “ينوي نشر قوة من 2300 عنصر في الشرق الأوسط تكون مهمتها التدخل السريع عند اندلاع أزمات بالمنطقة.” وأوضح المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي أن هذه الوحدة الخاصة السريع لن تكون مرتبطة “بالعمليات الجارية حاليا في العراق”، مضيفا أن هذه القوة ستزود بطائرات وستكون مستعدة للتحرك بسرعة في حال وقوع “حدث غير متوقع”، حيث سيكون مركزها في الكويت.
من هنا، من الممكن بدء اشعال نار النزاعة الطائفية من جديد في دول القوقاز (او حتى في شبه جزيرة القرم التي عادت مؤخراً الى الاتحاد الروسي)، خصوصاً مع تفشي ظاهرة “الجهاد” بين العديد من سكان هذا الجزء (الشيشانيون على سبيل المثال)، وذهابهم الى الكثير من الدول، بينها سوريا، للقتال الى جانب المنظمات الارهابية. وما يعزز ذلك، تصريح رئيس معهد السياسة والدين الكسندر إيجناتينكو من وجود “فروع للدولة الإسلامية في روسيا أيضا.. وهي تنتشر ليس فقط في شمال القوقاز بل وفي جنوب البلاد”.
ان ما يحدث اليوم ليس سوى ضرب لمستقبل المصالح الروسية في المنطقة، وقطع الطريق على موسكو من العودة مجدداً الى الشرق الاوسط.
الهند و”العصا الغليظة”
في كتابه “العشرية القادمة: التلاعب بالقوى الإقليمية”، يعيد جورج فريدمان الى الأذهان النموذج الهندي-الباكستاني، منتقدًا السلوك الأميركي بدفع باكستان في موضوع مقاومة الإرهاب وانغماسها بالأزمة الأفغانية؛ مما أضعفها في مواجهة التوازن مع الهند. لذا، يطالب بضرورة تقوية باكستان من خلال التحلل الأميركي من الموضوع الأفغاني.
من الواضح ان قمة شنغهاي الاخيرة في دوشنبه-طاجكستان كان لها تأثير كبير على الهند، حيث رشح عنها العمل على اقامة قطبية ثانية لمواجهة التفرد الاميركي وعن ضم الهند اليها (هي عضو مراقب)، اضافة الى مقررات قمة دول البريكس (عضو في المنظمة) بانشاء بنك دولي يضم الدول الاعضاء للخروج من التبعية الاقتصادية للبنوك والصناديق الدولية الخاضعة للنفوذ الاميركي.
يعتبر بعض المراقبين ان الرد على هذه الخطوات جاء سريعاً عبر إعلان زعيم تنظيم القاعدة ايمن الظواهري “قيام فرع جديد لجماعة قاعدة الجهاد هو جماعة قاعدة الجهاد في شبه القارة الهندية سعياً لرفع علم الجهاد وعودة الحكم الإسلامي وتحكيم شريعته في ربوع شبه القارة الهندية”. ووصف الظواهري تشكيل “القاعدة في شبه القارة الهندية” بأنه “بشرى للمسلمين في بورما وبنجلادش واسام وجوجارات وأحمد اباد وكشمير”، وأن “الجناح الجديد سينقذ المسلمين من الظلم والقمع.” وبدأ تشكيل هذا الفرع الجديد للقاعدة قبل عامين بتجميع مقاتلين يأتمرون بعاصم عمر، “أمير جماعة قاعدة الجهاد في شبه القارة الهندية”، والذي يأتمر بدوره بالملا محمد عمر زعيم حركة طالبان الأفغانية.
من هنا، تحدث رئيس الوزراء الهندي عبر قناة الـــ “سي.أن.أن” (20/9/2014) قائلاً: “بحسب فهمي فإن القاعدة هي من تقوم بالظلم ضد مسلمي الهند.. اذا ظن أحد بأن مسلمي الهند سيرقصون على هذه الأنغام فهم واهمون، المسلمون بالهند يحيون لها وسيموتون في سبيلها ولا يريدون أي مكروه يصيبها.”
في دراسة بعنوان “الحرب على “داعش” تستقطب “الجهاديين” في الهند” (1/10/2014)، يشير الاستاذ جاسم محمد الى انضمام “300 مواطن إلى الدولة الاسلامية وهو ما يعتبر ظاهرة جديدة واستعداد جهاديون هنود للالتحاق بالدولة الاسلامية. وتقول غاوري خانديكار الخبيرة في شؤون آسيا من معهد العلاقات الدولية بمدريد، إلى أن هناك أعدادا متزايدة من الشباب المسلمين الهنود يريدون الآن الانضمام إلى “داعش”، أو إلى مجموعات متشددة في أفغانستان وباكستان. وبدأت شعارات الدولة الاسلامية تستهوي شباب إقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان. ففي حزيران/يونيو 2014، نشر أول فيلم فيديو موجه الى مسلمي الهند لحثهم على القتال والانضمام للتنظيم. وظهرت بعض منشورات لصالح تنظيم الدولة الاسلامية في بعض مناطق باكستان والهند وهي تعتبر علامات استقطاب في جغرافية جديدة كانت محسوبة الى صالح طالبان وتنظيم القاعدة.”
يتزامن كل ذلك مع بدء الحديث عن ازمة الحدود الصينية-الهندية من اجل اذكاء الصراعات الثنائية ومنع قيام اي اتفاق ينهي الخلاف التاريخي بينها، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعاون المشترك. ناهيك عن المناوشات العسكرية بين الهند وباكستان في منطقة كشمير.
وسط آسيا وفقدان السيطرة
في مقالتها “الحركات الجهادية في اسيا الوسطى: خطر خرج عن السيطرة” (2012)، تبين الكاتبة ربى الحسيني ان كازاخستان، أكبر دول آسيا الوسطى، لم تشهد “صعوداً للإسلاميين المتطرفين أو أي صراع معهم في تسعينيات القرن الماضي أو حتى خلال العشر سنوات الماضية. ولكن في العام 2011، بدأت تُشن الهجمات المسلحة في أنحاء البلاد كافة. وبالطبع اتهمت الحكومة المقاتلين الإسلاميين، ولكن توقيت تلك الهجمات تزامن مع صراع سياسي ارتبط بنهاية ولاية الرئيس نور سلطان نزارباييف، ولذلك، فإنه من الممكن أن تكون جزءاً من صراع القوى السياسية المتناحرة.”
اما طاجكستان، فلها “تاريخ من الصراع مع حزب النهضة الاسلامي، من1990 حتى 2000. وما تزال بقايا الحرب الأهلية تلقي بظلالها على المسار السياسي لطاجيكستان، ففي يناير/كانون الثاني 2004 حكم على زعيم حزب النهضة في الحرب الأهلية شمس الدين شمس الدينوف بالسجن 16 سنة بتهم قيادة جماعات إجرامية. ثم مع وقوع تفجيرات مفخخة في فبراير/شباط 2005 في العاصمة دوشانبيه، عادت أصابع الاتهام مرة أخرى تشير إلى الفلول المتخلفة عن الحزب وبقايا الحرب الاهلية.”
الى ذلك، يتواجد مثلت الحركة الإسلامية في اوزباكستان وهو أحد الأذرع التي “انشقت عن حزب النهضة بعد أن تدرب اتباعها على أساليب الحرب الأهلية في طاجيكستان قبل أن يعلنوا في أوزبكستان عام 1998 عن تشكيل حركتهم المسماة بالحركة الإسلامية الأوزبكية التي سرعان ما قمعت أمنيا وخبت مرحليا منذ العام 2001 منذ مقتل زعيمها يولدشيف في أفغانستان إبان الغزو الأميركي في أعقاب أحداث أيلول/سبتمبر. وقد غيرت الحركة اسمها منذ العام 2001 إلى “الحركة الإسلامية التركستانية”، رغبة في توسعة النشاط وزيادة الأتباع. وصنفت الحركة من قبل عديد من دول العالم حركة “إرهابية.” وصعد اسمها بقوة في الصدامات الدامية بين القوات الحكومية والمتمردين في أوزبكستان في منطقة أنديجان في مايو/ أيار2005.”
ايران على “فوهة بركان”
بالرغم من التقدم الكبير التي احرزته ايران في خضم الحصار الاقتصادي، والتقدم الكبير في المفاوضات الجارية حول ملفها النووي، واستعادتها لمليارات الدولارات من اموالها المحتجزة، الا انها تقع على خط الازمات هذا خصوصاً مع تزايد النزعة “السنية-الشيعية” في المنطقة، وامكانية اللعب على هذا الوتر في الداخل الايراني نفسه.
عند النظر الى الخريطة الديمغرافية الايرانية، يتبين بأن الوجود “السني” فيها يتمركز في اطرافها، وموزع في الشرق ضمن الفرس السنة، وفي الجنوب الشرقي مع البلوش السنة، والجنوب مع الفرس السنة من جديد، صعوداً الى الغرب مع الاكراد السنة في مناطق الاهواز، ومن الشمال الغربي الفرس السنة ايضاً، وعلى الحدود الشمالية الشرقية مع تركمانستان يوجد التركمان السنة.
لا شك ان الازمة العراقية الحالية تلقي بظلالها على ايران. فهي تحدث في “الحديقة الخلفية” لها، اضافة الى امكانية نقلها الى الداخل خصوصاً الجهة الكردية التي تحلم دوماً بإنشاء دولة خاصة بها. وهذا القول تعززه الوقائع المادية من خلال التعاون الدولي مع اقليم كردستان، واحياناً بمعزل عن الدولة العراقية ذاتها (الزيارات الرسمية لرؤساء الدول دون المرور ببغداد على غرار زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند – تقديم الدعم العسكري بمعزل عن السلطات الحكومية العراقية).
وفي حدث لافت (24/10/2014)، تبادلت كل من ايران وباكستان القصف بالهاون في اقليم بلوشستان الحدودي. يعتبر ذلك مؤشراً خطيراً خصوصاً وان ايران تتهم باكستان بالإخفاق في وقف هجمات المسلحين الإسلاميين ضد قوات حرس الحدود حيث اعلن المتحدث باسم الحرس الثوري الايراني رمضان شريف، بأن تكرار “تحركات المسلحين الاشرار داخل الاراضي الايرانية انطلاقا من الدولة الجارة باكستان، سنعتبر ملاحقتهم من حقنا القانوني وسنقدم على هذا العمل.” وبعد وقوع هذا الحادث، واشار شريف الى “ان الشهداء والمصابين الذين سقطوا خلال الحادث الارهابي الاخير كانوا من طائفة البلوج ومن اهل السنة”، واضاف “ان زعماء الطوائف وعلماء الدين من اهل السنة وعامة السكان في محافظة سيستان وبلوجستان يعتبرون هؤلاء الارهابيين ألعوبة بيد الاجهزة الامنية الاجنبية وحفنة من المسلحين الاشرار الذين يقومون بمثل هذه الاجراءات بغية اعمال ابتزازية.”
يترافق ذلك مع اعلان وزير الاستخبارات الإيراني محمد علوي (7/10/2014) أن إيران “اعتقلت أكثر من مئة عنصر ينتمون لمجموعات إسلامية “سنية” متطرفة دون توضيح متى تمت تلك الاعتقالات.”
توصيات لــ “اطفاء الحريق”
قبل البدء بالتوصيات، من المهم جداً تحديد الهدف في حال تحقق هذا “السيناريو”. الهدف ذو شقين. الشق الاول، استخدام هذه الحركات لالهاء الدول بأنفسها وفيما بينها ومنعها من التطور. اما الشق الثاني، هو استجلاب القوة الاميركية العسكرية لاحكام الطوق على نمو الدول المتجددة اقتصادياً وعسكرياً ومحاصرتها.
من هنا، يمكن وضع بعض التوصيات التي يمكن مناقشتها لمنع او افشال هذه الاحداث التي ستكون تداعياتها كارثية على منطقة شاسعة بأكملها.
1. تعزيز التعاون المشترك ضمن دول منظمة شنغهاي وحلفائها، والعمل على حل الخلافات وتقاسم المصالح عبر المشاركة وليس التنازع. اضافة الى ذلك، يمكن تعزيز حضور هذه المنظمة عبر الاسراع في ضم بعض الدول اليها والتي تتمتع بمكانة مميزة (مثل الهند وايران او حتى مصر)؛
2. الى جمهورية الصين الشعبية، من الجدير الالتفات الى اهمية استراتيجية تنمية الاقاليم وتحديداً اقليم تشينجيانغ لقطع الطريق على امكانية استخدام هذا الاقليم كــ “حصان طروادة”، وهو محل نظر كبير من الجهة الصينية. ضمن تقرير “معهد ستراسفور” بعنوان “الاتجاهات المرتقبة في سياسات شرق وجنوب آسيا عام 2014″، يرى بأن بكين ستسرع في “التعاون الاقتصادي مع جيرانها لتسريع التنمية في مناطقها الحدودية، وتحسِّن مكانتها الاستراتيجية بين جيرانها المباشرين، وعلى وجه الخصوص، سوف تركز الصين على التنمية في الجنوب والغرب، متطلعة إلى فتح ممرات برية للوصول إلى آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته، ستعزز الصين موطئ قدمها التقليدية في جنوب شرق آسيا، ساعية للمزيد من التواصل ومشاركة السوق في مواجهة المنافسة المتزايدة”؛
3. الى الاتحاد الروسي، هناك صراع حقيقي يخوضه في مواجهة الولايات المتحدة، يبدأ في المحيط المتجمد الشمالي ومضيق “بارينغ”، موراًر بأوكرانيا، نزولا الى المشرق العربي، وآسيا الوسطى خصوصاً بعد توقيع الاتفاق الامني بين الحكومتين الافغانية والاميركية (30/9/2014) للابقاء على قوات عسكرية اميركية فيها، والتي تنص على “خفض تعداد القوات الأمركية في أفغانستان إلى نحو 9800 جندي مع بداية عام 2015، وبعدها سيتم خفض هذا العدد إلى النصف بنهاية 2015.” وهذا يعتبر “نصر غربي” بعد “نصر شرقي” سابق تمثل بإخلاء القاعدة الاميركية من قرقيزيا في حزيران/يونيو 2014. هذا وقامت روسيا بالعديد من الخطوات اهمها اقامة معاهدة منظمة الامن الجماعي، والاتحاد الاوراسي، واتحاد الدول المستقلة. اضافة الى ذلك، تسعى جمهوريات الاتحاد الروسي الى “تصفية” الارهابيين المنتمين الى دول الاتحاد (خصوصاً في سوريا) لمنعهم من العودة الي الوطن وتفجير الاوضاع من الداخل وهو ما ذكره بصراحة رئيس جمهورية الشيشان من اعداد فرق خاصة تتولى مهمة تصفية المقاتلين في سوريا؛
4. الى الهند، يجب العمل على كافة الخلافات بالطرق السلمية خصوصاً الحدودية منها، والانخراط الحقيقي ضمن منظومة شنغهاي الاقتصادية لتكمل حلقة الربط في النتظومة، والسعي الى وقف “هجرة العقول” منها، ورفع مستوى المعيشة والدخل الفردي. كذلك، يرى تقرير معهد ستراسفور بأن نيودلهي ستحاول “السعي لتحقيق مصالحها الإستراتيجية في حوض هندي–هادئ أوسع، يشمل نيبال وسريلانكا وميانمار، بجانب دول رابطة جنوب شرق آسيا الأخرى، بينما تحاول الحد من مخاطر عدم الاستقرار في باكستان وبنجلاديش، والدولة الأفغانية التي تستعد لانسحاب الناتو في 2014 (قبل توقيع الاتفاقية)، ومع استمرار نيودلهي في السعي صوب اتفاقِ عملٍ أكثر استقراراً مع بكين”؛
5. الى الجمهورية الاسلامية في ايران، من المهم جداً توثيق العلاقات مع دول الشرق. فأغلبية الدراسات تقول بأن المستقبل (ولو تأخر) هو مع الشرق. وعلى ايران التنبه كونها “بوابة الوسط الآسيوي”، والسعي الى علاقات امتن اقتصادية وسياسية وعسكرية، وان تكون جزءاً من استراتيجية متكاملة لجعل “حزام النيران” هذا حزاماً اقتصادياً تنموياً يعود بالمنفعة على جميع الاطراف. اضافة الى ذلك، السعي الى مواجهة المشكلات الداخلية والاستفادة من مسببات “الربيع العربي” لاستثمارها في شكل يناسب كل مواطن ايراني اياً كان.
في الختام، هناك العديد من النقاط التي تحتاج الى التوسع اكثر والتي نتطرق لها، كونها تحتاج الى دراسات معمقة اكثر، ولكن الهدف كان ابراز معطيات مهمة تدل على وجود بعض المؤشرات لاومات دولية محتملة.

*باحث في مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط مختص بالعلاقات الدولية

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *