أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أربعون عاماً على رحيل الشهيد محمد باقر الصدر (3-4)المواجهة المسلحة مع نظام صدام/د.صلاح عبد الرزاق

أربعون عاماً على رحيل الشهيد محمد باقر الصدر (3-4)المواجهة المسلحة مع نظام صدام/د.صلاح عبد الرزاق

د. صلاح عبد الرزاق
باحث في الفكر السياسي

د. صلاح عبد الرزاق

إن نظام البعث لم يطق أية معارضة مهما كانت بسيطة، وهاجس سقوط الشاه أمامه. وبدلاً من استيعاب الصدمة كما فعلت دول أخرى كالباكستان ، المجاورة لإيران، التي احتفظت بعلاقة طيبة مع طهران، وسوريا التي باركت الثورة واعتبرتها عامل قوة للعرب في مواجهة الصهيونية، بقي صدام يسير بالاتجاه الخاطئ نحو مزيد من سفك الدماء والاعتقالات والتهجير. وكانت أمامه خيارات أخرى مثلاً الطلب من المعارضين الخروج من العراق أو إجراء إصلاحات سياسية ، لكن الحقد الطائفي أعمى بصيرته، والخوف من مصير أسود جعله يتخبط في قراراته، ناهيك أنه كان ينفذ أجندة أمريكية تستعد لمواجهة الثورة الإيرانية التي أربكت حسابات واشنطن والغرب عموماً. وهذا يعني أن صداماً كان يستعد للحرب على إيران، وعليه أولاً تصفية الجبهة الداخلية في العراق كي لا يبقى مكشوفاً أمام المعارضة القوية وهو مشغول بالحرب.
وكان حزب الدعوة يدرك نوايا صدام الداخلية والخارجية ، وأنه سيستمر في سياسة التنكيل والقتل والارهاب ضد معارضيه. ورغم أنه آنذاك لم يكن رئيساً للجمهورية ولا قائداً عاماً للقوات المسلحة ولا رئيساً لمجلس قيادة الثورة ، لكن الجميع يعرف أنه من كان يدير أمور السياسة والحزب والجيش في ظل رئيس ضعيف هو أحمد حسن البكر (1914- 1982).
بعد إطلاق سراحه في 15 حزيران 1979 ، أفتى السيد الصدر بوجوب الكفاح المسلح ضد النظام الحاكم وجوباً كفائياً، حيث أكد على ضرورة إسقاطه بكل الوسائل المشروعة. يأتي قرار السيد الصدر بعد أن أولغ النظام بدماء العراقيين ، وسجن وأعدم مئات من كوادر وأنصار حزب الدعوة، مع أن الحزب كان يمارس معارضة سلمية لا تتجاوز التظاهرات ورفع اللافتات.
بدأ حزب الدعوة يستعد لمواجهة من نوع آخر تتمثل في شن عمليات جهادية ضد أركان النظام وأجهزته القمعية.

التظاهرة الملغية
تصادف آنذاك الذكرى السنوية لشهادة الإمام الكاظم (ع) في 25 رجب 1399 الموافق 21 حزيران 1979 . اتخذ السيد الصدر قراراً بانطلاق مظاهرة كبرى في ذلك اليوم تنطلق من مدينة الكاظمية متجهة صوب مركز بغداد باتجاه القصر الجمهوري. وكانت تقديرات المخططين للتظاهرة أنه يمكن حشد 12 ألف متظاهر مستعدين لأسوء الاحتمالات أي الموت أو الاعتقال. وتم إبلاغ الدعاة في بغداد والمحافظات لكن إذاعة طهران/ القسم العربي أذاعت خبر التظاهرة ومكانها وزمانها داعية الشعب العراقي للمشاركة فيها لاسقاط النظام البعثي. الأمر الذي جعل أجهزة السلطة تحشد أعداد هائلة من قوات الأمن والمنظمات الحزبية في بغداد، وكثير منهم كانوا يرتدون ملابس مدنية. واتخذوا لهم مواقع على السطوح والعمارات الرئيسة وفي الشوارع والأزقة المؤدية إلى العتبة الشريفة. إزاء ذلك اتخذت قيادة الدعوة قراراً بإلغاء التظاهرة ، لكن لم يكن بالإمكان إبلاغ جميع المشاركين بخبر الإلغاء لأن وسائل الاتصال معدومة عدا الهاتف وهو مراقب من قبل أجهزة السلطة. وجرى تطويق المنطقة قبل يومين من انطلاق التظاهرة ، وتم اعتقال أعداد كبيرة من القادمين من خارج بغداد والذين لم يصلهم خبر الالغاء. ومما زاد في الارباك أن إذاعة طهران كانت تشجع الناس على الحضور، فاعتقد الدعاة أن المظاهرة قائمة. ( 1 )
كان الجميع يدرك جيداً أن خروج تظاهرات معارضة لصدام يعني زج المتظاهرين باتجاه القتل أو الاعتقال. وقد جرب حزب الدعوة ذلك في مناسبتين :
الأولى: في أحداث صفر 1397 الموافق شباط 1977 عندما خرج متظاهرون في زيارة أربعين الإمام الحسين (ع) في الطريق بين النجف وكربلاء فقامت السلطة بمنعهم ، لكن المشاركون في مسيرة الأربعين خرجوا مخالفين أوامرها. في 17 صفر 1397 الموافق 5 شباط 1977 حدثت مواجهة عندما هاجمت القوات المحلية المتظاهرين ، وقطعت عنهم الماء والطعام. وتصاعدت المواجهة فأرسلت السلطة طائرات ودبابات لإرعاب المتظاهرين. ألقت السلطة على أكثر من 18 ألف متظاهر وزجتهم في المعتقلات، ثم أجرت محاكمة سريعة يوم 22/2/1977 قررت فيها إعدام ثمانية أشخاص ، والسجن المؤبد على 15 شخصاً.
الثانية: في أحداث رجب 1399 الموافق حزيران 1979 عندما خرجت وفود من أنحاء العراق تبايع السيد الصدر قائداً، ثم اعتقل السيد الصدر ، فخرجت تظاهرات واسعة في بعض المدن العراقية وفي بعض العواصم الأوربية والاقليمية. وتم اعتقال 8 آلاف متظاهر ، وقتل وجرح العشرات منهم أثناء التصادم مع عناصر الأمن والجيش الشعبي.
فالتظاهرات السلمية المعارضة ممارسة لا يعرف أبجديتها نظام صدام الذي بدأ حكمة عام 1968 بحفلات الاعدامات ، وتعليق الجثث في ساحة التحرير، واعتقال معارضيه في قصر النهاية. فكيف يمكن التفكير بتظاهرة سلمية تهدف إلى الوصول إلى القصر الجمهوري؟ وهل سيتركها النظام تواصل طريقها أم سيفتح عليها النار في بدايتها؟ وهل التظاهرة كانت تقليداً لتظاهرات الثورة الإسلامية في إيران؟ مع اختلاف الظروف والنظامين البعثي والملكي.

هامش
( 1 ) أتذكر أنه تم إبلاغي بالمظاهرة، لكن لم يبلغني خبر الالغاء. قمت بتوديع أهلي وخاصة والدتي لأنني كنت متيقناً أنني لن أعود إليهم ، إما الاعتقال أو الشهادة برصاص أزلام النظام في الشارع. وعليه ذهبت إلى الكاظمية في الموعد المحدد بعد صلاة الظهر عند مرقد الشريف الرضي. اجتزت الشارع الرئيس وكنت أشاهد عناصر الأمن متوثبين ، وبعضهم يحمل أجهزة لاسلكي. لم أعتن بهم بل واصلت طريقي ، فدخلت المرقد ، وأديت صلاة الظهر وأنا أحدق بالمصلين لكن لم أجد أية علامة على الاستعداد للتظاهرة. تفرق المصون وعدت أدراجي وغادرت الكاظمية.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

البازار العراقي /بين الساسة والنيام في ديمقراطية الأوهام / باسم ابو طبيخ

تتجلى صورة حكومات المرحلة الاختبارية لإنتاج زعماء صدفة في حقل تجارب لهذه الحقبة التي أصبحت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *