أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أربعون عاماً على رحيل الشهيد محمد باقر الصدر (قصة البرقية وانتفاضة رجب) (2-4) د.صلاح عبد الرزاق

أربعون عاماً على رحيل الشهيد محمد باقر الصدر (قصة البرقية وانتفاضة رجب) (2-4) د.صلاح عبد الرزاق

د. صلاح عبد الرزاق
باحث في الفكر السياسي

د. صلاح عبد الرزاق

تأثر الصدر بخبر اعدام قبضة الهدى
وصل نبأ الاعدامات إلى السيد الصدر ، فأصيب بصدمة قوية، وعطّل الدراسة، واعتزل النس لبضعة أيام حزيناً مهموماً وهو يردد: عارف ….. عارف …. عارف. وكان السيد الصدر قد بذل جهوداً كبيرة في سبيل إنقاذ الشهداء. إذ بعث على عضو القيادة القومية لحزب البعث زيد حيدر ، وأبلغه استنكاره لصدور الحكم وطالبه بعدم تنفيذ هذه الجريمة. ثم أوعز للشباب المؤمن بالتوجه لمراجع الدين الآخرين وعرض القضية عليهم. وهكذا تمت الجريمة دون علم أحد من الرأي العام الخارجي ولا داخلي ، ولا خبر في صحيفة أو إذاعة لأنها مشغولة بغسل أدمغة الناس بالحديث عن إنجازات الثورة وانتصاراتها. توجهت وفود جماهيرية من مختلف مدن العراق إلى النجف الأشرف لعرض الأمر على المراجع. وكان من ضمنهم الإمام الخميني الذي تأثر كثيراً معلقاً: إن هؤلاء البعثيين لا يفهمون لغة الكلام. وفي لقاء مع وفد آخر قال : أرسلت على هؤلاء المجرمين (يقصد مسؤولي النظام) وقلت لهم: إن والد الشاه سلك مع علماء الإسلام نفس الأساليب التي تسلكونها الآن، فماذا كانت النتيجة؟ الآن الشعب الإيراني يشتم ذلك الأب اللعين في الشوارع، وسيأتي اليوم الذي يشتمكم فيه الشعب العراقي أيضاً.
إزاء الصمت الإعلامي تجاه إعدام قبضة الهدى اتخذ حزب الدعوة قراراً بتوزيع منشورات في بغداد والمحافظات تعلن استنكار الشعب لهذه الجريمة، وتعاهد شهداء الإسلام على المضي على دربهم حتى النفس الأخير. فعلم الناس بما أقدم عليه حزب البعث من جريمة نكراء.
وفي الباكستان وعواصم أوربية سارت تظاهرات غاضبة أمام السفارات العراقية . وفي لبنان سارت تظاهرة تحمل صور الشهداء الخمسة، ونشر الخبر في وسائل الإعلام. وفي الكويت وزعت صور الشهداء وأقيمت مجالس الفاتحة في بعض مساجدها وألقيت كلمات بالمناسبة. كما أقيمت مجالس فاتحة في البحرين.

ثالثاً: إعدام أبطال انتفاضة رجب 1979
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بزعامة الإمام الخميني (1902-1989) وسقوط الشاه في 11 شباط 1979 ، أحدثت هزة سياسية كبيرة في المنطقة والعالم. وتفاعل معها الشعب العراقي لتشابه النظامين القمعيين في العراق وإيران الشاه. إذ توجد مرجعية دينية ذات تأثير واسع، والسيد الصدر أبرز المراجع المرشح لقيادة الثورة في العراق يسانده تيار إسلامي واعي وحزب إسلامي منظم.
في 19 مايس 1979 بعث الإمام الخميني برقية إلى السيد الصدر يعرب فيها عن قلقه لأن السيد الصدر يعتزم مغادرة العراق، ويطلب منه البقاء في النجف الأشرف. وقد اذيعت البرقية من إذاعة طهران- القسم العربي فعلم بها الجميع. أثارت البرقية استغراب السيد الصدر لأنه لم يفكر يوماً بمغادرة العراق، فأجاب ببرقية يعرب فيها عن شعوره بعمق المسؤولية في الحفاظ على الكيان العلمي للنجف الأشرف.
خلق تبادل البرقيات أجواء من الثقة بزعامة السيد الصدر والحماسة في التطلع إلى تحرك قادم لمواجهة السلطة. بعد التشاور مع السيد الصدر قرر حزب الدعوة تنظيم وفود شعبية من مختلف المدن العراقية والتوجه إلى مقر السيد الصدر في النجف الأشرف لمبايعته. انطلقت الوفود التي تحولت إلى تظاهرات شعبية منظمة تتضمن ساعة ومكان التحرك ، وتحضير اللافتات والشعارات، ثم تتوجه نحو النجف بقيادة أحد الدعاة من وكلاء السيد الصدر . شملت الوفود أغلب مناطق العراق، من الشمال إلى الجنوب, تضم كوادر دعوتية إلى جانب شرائح مختلفة من الشعب العراقي. والظاهرة الفريدة هي مشاركة أعداد من أهل السنة بعدما انهارت الحواجز النفسية حينما توفرت البيئة المناسبة والقيادة الوطنية. كما شاركت المرأة العراقية في وفود نسوية تلتقي بالسيد الصدر في منزل العائلة عدا وفد الشهيدة د. سلوى البحراني حيث التقاه السيد الصدر في ديوانه الخاص بالرجال. وطالبن بالبيعة كما كان يفعل رسول الله (ص) ، فتم احضار إناء كبير مملوء بالماء، فوضع السيد يده فيه، ثم وضعت كل واحدة منهن فيه وبايعنه على الشهادة.
بعد تسعة أيام من توافد الجماهير إلى النجف الأشرف، وبعد التشاور مع حزب الدعوة الإسلامية ، أمر السيد الصدر بإيقاف وصول الوفود لأن العدد الذي جاء من قبل يقدّر بالآلاف ممثلاً لكل الشعب العراقي الذي أثبت التفافه حول المرجعية ورفضه لنظام البعث. وكانت هناك توقعات بأن السلطة تمهد لشن حملة شرسة بعد أن راقبت الوفود وقادتها ، وقامت بتصوير الوفود من خلال كاميرات نصبت في الأزقة المحيطة بمنزل السيد الصدر. وتوقع حزب الدعوة أن السلطة قد تعدّ لاعتقال السيد الصدر ، فاتفقت معه على إخراج تظاهرات عند حدوث الاعتقال.
في 17 رجب 1399 ه الموافق 13 حزيران 1979 داهم المنزل قرابة مائتي شرطي أمن لاعتقال السيد الصدر، ثم أخذوه إلى بغداد بحجة مقابلة المسؤولين هناك حيث أودع السيد الصدر في سجن الأمن العامة . لم تسكت شقيقته العلوية السيدة بنت الهدى (1937- 1980) فخرجت إلى الصحن العلوي مجتازة السوق الكبير وهي تنادي (الله أكبر… الله أكبر… الظليمة …الظليمة… أيها الناس لقد أعتقل مرجعكم… لقد هُتك دينكم… لقد اعتقل السيد الصدر). بعد ذلك أسرع أحد تلامذة السيد الصدر واتصل بإذاعة طهران وأخبرهم بالاعتقال، فتم إذاعة الخبر وانتشر بسرعة.

بعد ساعات قليلة من اعتقال السيد الصدر، وهو الاعتقال الثالث له، قرر حزب الدعوة كسر جدار الصمت وتنظيم مظاهرات شعبية للاحتجاج. شملت التظاهرات مدن النجف الأشرف، مدينة الثورة والكاظمية في بغداد، السماوة والرميثة في محافظة المثنى، الخالص وجيزان الجول وجديدة الشط في محافظة ديالى، والنعمانية في محافظة واسط، والفهود في محافظة ذي قار ، وعدة مدن في البصرة. كما نظمت تظاهرات خارج العراق شملت دولة الإمارات، لبنان، إيران، فرنسا وبريطانيا. ذلك الاستياء الشعبي جعل النظام يرتبك ويطلق سراح السيد الصدر وإعاده إلى النجف الأشرف.
بعد التظاهرات شنت السلطة حملات اعتقالات شملت قرابة ثمانية آلاف من الإسلاميين. بعد ذلك تم اعتقال جميع وكلاء السيد الصدر وكان عددهم يقارب المائة وكيل، وحتى الذين لم يشاركوا في أحداث رجب تم اعتقالهم. كان الهدف من تلك الاعتقالات هو إضعاف جهاز السيد الصدر وجعله عاجزاً عن التحرك و سلب المبادرة من يده.

أرسل المعتقلون في التظاهرات إلى محكمة الثورة . إذ عقدت 23 جلسة محاكمة صورية برئاسة مسلم هادي الجبوري، ابتدأت من 20 حزيران لغاية 27 تموز 1979 . أصدرت المحكمة أحكامها على حوالي ألف ومائة متهم على النحو التالي:
1- الحكم بالاعدام شنقاً أو رمياً بالرصاص على 86 شخصاً وهم من الكوادر المتقدمة في حزب الدعوة الإسلامية وأئمة جوامع ووكلاء للسيد الصدر أمثال الشيخ مهدي السماوي، السيد قاسم المبرقع، الشيخ عبد الجبار البصري، الشيخ خزعل السوداني، السيد عزالدين الخطيب، الشيخ عبدالأمير محسن العماري، الشيخ محمد علي الجابري، السيد عباس الشوكي، السيد نجاح الموسوي، السيد عبد الجبار الهاشمي، السيد جاسم المبرقع، المهندس علاء صادق مهدي الشهرستاني والسيد قاسم شبر الذي كان بعمر 80 عاماً و لم يكن منتمياً لحزب الدعوة .
2-الحكم بالسجن المؤبد ضد (200) شخص.
3-الحكم بالسجن لمدد مختلفة ضد (814) شخصاً.
4-الحكم بالسجن على امرأتين بالسجن المؤيد هما سلامات عباس يوسف وفائقة فائق عبد الكريم. وهي المرة الأولى التي يحكم فيها على نساء بالسجن.
5- الحكم بالإعدام على ( 24 ) شخصاً من منتسبين في الجيش العراقي ليس بينهم ضابط بل كانوا برتب صغيرة : برتب جندي، عريف، نائب ضابط، وكلهم في قاعدة الرشيد الجوية ببغداد
6-إن 90% من المحكومين هم من حزب الدعوة الإسلامية ، والباقون من المتعاطفين مع حزب الدعوة أو الذين يعتبرون أنفسهم من الحزب وإن لم ينتظموا.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

البازار العراقي /بين الساسة والنيام في ديمقراطية الأوهام / باسم ابو طبيخ

تتجلى صورة حكومات المرحلة الاختبارية لإنتاج زعماء صدفة في حقل تجارب لهذه الحقبة التي أصبحت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *