الرئيسية / مقالات / “الشيخ حسين شحادة”، عقلٌ وإيمان!!.. بقلم د. حسين يتيم

“الشيخ حسين شحادة”، عقلٌ وإيمان!!.. بقلم د. حسين يتيم

بقلم: الدكتور حسين يتيم
سياسي لبناني/ نائب سابق

د. حسين يتيم / سياسي لبناني – نائب سابق

…. قيلَ لي: “يُصادِفُ اليوم، ذكرى “السبعين” لميلادِ صدِيقٍ حَمِيمٍ لكَ، فإذا عرفتَ مَنْ هو؟ فهاتِ كلمةً موجَزَةً فيه”!…. إبتسَمْتُ مُبْتَهجاً وقُلْتُ: والله ما هذا “السبعيني”، إلاَّ “شيخ الشباب” الحبيب، “الشيخ حسين شحادة”، المُتَربِّعُ على رأسِ الهرم بين الأصدقاء. وقد يَعْذُرُ غيابي الطويل، إذا أُحيطَ عِلْماً بما لحقني مِنْ كواره الزَّمن!. وإذا كانت “الصحَّةُ تاجاً على رؤوسِ الأصحَّاء”، كما تقولُ الحكمة، فقد كُنتُ مُنْهَمِكاً بالبحثِ عن هذا التاج المفقود. وفي يقيني، أنَّ صديقي “الشيخ حسين”، وهو خبيرُ آلامٍ وأوجاع، لا يزال من أهلِ العَزْمِ والجَلَد وحب الحياة، وهذه من نِعَمِ اللهِ عليه!…. وإذْ أُبارِكُ له يومَ ميلاده السعيد، أدعو له بالصحَّة والتوفيق والعمر المديد. وإنِّي لَسْتُ أراه إلاَّ مِنْ مدرسة الشاعر العراقي “أحمد الصافي النَّجفي”، القائل:
عُمْــــرِي بِروحـــي، لا بِعَـــــدِّ سنيـــــنِ
فَلأَسْخَرَنَّ غداً مِنَ التِسْعِينِ!
عُمْرِي إلى “السبعين” يَجْرِي مُسْرِعاً
والرُّوحُ باقيَةٌ على العِشْرين!

…. وهكذا إنفتَحَتْ شَهِيَتي على طَيْفِ هذا الصديق الجميل النَّبيل، وقَدْ صِرْتُ لا ألتقيه إلاَّ على “الشاشة الصغرى”، أتَتَبَّعُ حُضُورَهُ الدائِم، في مداخلاتٍ تملأُ مجالِسَ الفِكْرِ والدِّين، يتابعها من دونِ كَلَلٍ أو مَلَل!.. فَتَذَكَرْتُ فيه قول الشاعر: “زهير بن أبي سلمى”:
“سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ
ثَمَانِيْنَ حَوْلاً لا أَبـــاً لَكَ يَسْأَمِ”
“رَأَيْتُ المَنايَا خَبطَ عَشواءَ مَنْ تُصِبْ
تُمِتْهُ وَمَنْ تُخْطِئ يُعَمِّر فَيَهرُمِ”
ولكنِّي، وأنا الشاهد على جهوده وجهاده، ما كُنْتُ أخشى عليه هَرَماً ولا “سَأَماً” ولا بَرَما. فالشَيْبَةُ التي تُكَلِّل هامَتَهُ، هي مناعةٌ في هِمَّته، ونصاعةٌ في عقله، وبياضٌ في ثناه! و”كالمتنبي”، يظلُّ “مالىءُ الدُّنيا وشاغِل النَّاس”، يصولُ ويجولُ كما الفارس، بين حوارِ الأديان، وغِوارِ الحضارات، وجدارِ التقارُبِ بين المذاهب. ومن صُدامٍ إلى صُدام، تمضي الحوارات عبثيَّة، تُشْعِلُها الشياطين الكبرى، في عالمٍ أمبراطوريٍّ مستبد. وما فلسفةُ صُدام الحضارات إلاَّ نفحٌ لفكرِ “هنري لويس” و”هانتغتون” وأَضرابِهما من يهودٍ صهاينةٍ أميركيين!….
…. “حسين شحادة” هذا “الشيخ” بحق، هو عالِمٌ في الدُّنيا وعلاَّمة في الدين، رجلٌ جليلُ القَدْرِ، عفيفُ النَّفْسِ، كبيرُ الرُّوح، كثيرُ الطموحِ، على الرُغْمَ من كُلِّ مَواجِعِه ومَوانِعِه وفواجعه!….
وأقول صادقاً، أنَّ لي مِنْهُ أكثرَ مِنْ شرفِ الإسمِ المباركِ والمُشْتَرَك: “حسين”، أَلاَ وهو شرف الصداقة الطيِّبة. إذْ معه عَرِفْتُ حلاوةَ الأخوَّة، وسعادةَ الأُنْسِ، وطرافةَ الكلمةِ، ورصانةَ الحكمةِ، وظِرفَ اللسان. ومع ذلك يبقى مترفِّعاً عمَّا يعاني مِنْ إِزْرَاءِ الدَّهر، بما في عَالَمِ الحوار مِنْ تنافُقٍ وتكاذُبٍ وتهازُلٍ واستبطانٍ وهَذَيان!….
…. إنَّ قلمي ينوءُ بما هو عليه من جِبِلَّةِ إنسانٍ موسوعيٍّ، فهو بَحْرٌ يعجُّ بالعِلمِ والأدبِ والثقافةِ والفلسفة، ومَنْ ذا الذي يُحيطُ ببَحْرٍ زَخَرَ بالمعرفَةِ، إلاَّ مَنْ رَغِبَ الإبْحارَ، ليصطادَ اللآلىء!! فبعضُ “كلامي فيه لا يفيهِ، مهما قٌلْتُ فيه”!… إنَّه كَنْزٌ مَخْبوءٌ “تحتَ طَيِّ لسانِهِ لا تَحْتَ طَيْلَسانِهِ”، وهذا قولٌ منقولٌ عن إمام البلغاء “عليّ”. “فالشيخ حسين” قبسٌ علميٌّ مِنْ منارةٍ عامليَّةْ، إرتفعَتْ بالفكرِ والدين والفقه والحرفِ “والنُّونِ والقَلَمِ وما يسطِرون”!. إنَّه صَفاءُ عَقْلٍ، ونَقَاءُ روحٍ، وصليلٌ يَرَاعٍ، وجاحظُ قرطاسٍ، وعُصارةُ مِحْبَرةٍ، وخزانةُ أديب، وتواضعُ عالمٍ، وتُقى مؤمن. فإذا أَدْرَكْتَهُ، تَأْبَى أن تسيرَ أمامَه إحتراماً منكَ له، ويَأْبَى هو أنْ تسير خَلْفَه تواضعاً منه لك، لتصبحَ رفقتُك له بَرْداً وسلاماً عليك، ومُتْعَةً في حديثِه إليك!. فإذا حاورتَه تجدْهُ المُعَلِّمَ وأَنْتَ المُتَعلِّم، وإذا جادلتَه يأتيكَ بالخبر اليقين، وإذا صادقتَه فنِعْمَ الصديق، وإذا رافقتَهُ فخير الرَّفيق!….

…. “حسين شحادة”، ليس شيخاً في تكيَّة، ولا إماماً في “أزهر”، ولا “قاضياً” في محكمةٍ شرعيَّة. إنَّه أكثرُ من مُعَمَّمٍ أو مُقَلْنَسٍ أو مُجَلْبَب، إنَّه مُدَّثِّرٌ بالفِكْرِ والعِلْمِ والعمل والإيمانِ. هو عالِمٌ مُجَدِّدٌ مُصْلِحٌ، يعاصِر تَحَوُّلاتِ الزَّمن بالعَقْلِ، ويُواكِبُ الحداثَةَ بالإنفتاح، ويقارعُ الجهالةَ بالحُجَّة، والجمودَ بالحركة، وتحنيطَ الطقوس بتنويرِ النُّفوس!. إنَّه عالِمٌ مُسْلِمٌ، مُتَصَالِحٌ مع الدِّينِ والدُّنْيا، ومع الجماعات والأفراد، معترفاً للآخر بحقِّ الوجود وحريَّة الكلمة، رُغْمَ إختلافِ المشارب والمذاهب، وتعدُّد العقائد والأديان. هو عالِمٌ مُتَنَسِّكٌ للفِكْرِ، مُتَمَسَّكٌ “بالعَقْلِ”، مؤمنٌ بالدِّين!. وكفى بالعَقْلِ فيصلاً لمعرفة الدين، وبلوغ الإيمان. هو مسلم شيعي جعفري إمامي عروبي، يهتدي بقولِ إمام البلغاء “عليٍّ”: “النَّاسُ صِنْفان، أخٌ لَكَ في الدِّين، أو نظيرٌ لَكَ في الخَلْق”. ومن هذه الحكمة، يغرفُ زاداً إلى حُسْنِ الحوار، سِيَّان بين مُسْلمٍ أو مسيحيٍّ أو كتابيٍ أو مُشْرِكٍ أو مُلْحِد أو كافِرٍ أو جَاهِل!….
…. وإذا كان العَقْلُ هو ضآلةُ الإنسان للوصول إلى جوهر الدِّين. فالعودة إلى حديثٍ قُدْسيٍّ “للإمام الباقر” فيه الحجَّة والبيان، حيث قال:
“ذلك أنَّ الله لمَّا خَلَقَ العَقْلَ، قال له:
“…وعِزَّتي وجَلالي، وعَظَمَتي وسُلْطَاني، وقُدْرَتي على خَلْقي، ما خَلَقْتُ خَلْقاً أكرمَ مِنْكَ عليَّ، ولا أحبَّ مِنْكَ إليَّ، ولا أعلى مَنْزِلَةً مِنْكَ عِنْدي، بِكَ أُعْرَفْ، وبِكَ أُحْمَدْ، وبِكَ آخذْ، وبِكَ اُعطي، وبِكَ أَرْحَم، وبِكَ أَحْرِم، ولكَ الثواب”….

…. وأنتهي، لأقول في “الشيخ حسين شحادة”: هو عالِمٌ عَلاَّمَةٌ، يرى العَقْلَ في الدِّين، والدينَ في العَقْلِ، من حيث يَلْتَبِسُ الأمرُ على من جَحَدَ العَقْلَ، وأخطأ الدين. “أفلا تَعْقِلون؟!. فكم من مرَّةٍ وردَتْ هذه في “القرآن الكريم”، للعودة إلى حضور العقل في الدين؟!. وهذا الرَّجل العلماني، يستظلُّ بالعقل، ويهتدي بالإيمان، ولا يختبىء بالجلابيب والطقوس، فهو ربيبُ القرآنِ والسُنَّةِ والحديثِ والنَّهجِ واللغةِ والعِلْمِ، ففي كل مؤلَّفاته وكتاباته وكلماته، ما يُساعِدُ على إصلاح المجتمع في هذا الزَّمن العقيم!… فلقد أخذ الكثيرَ عن الأئِمَّةِ وأُولي الألباب، المعاصرين والأقدمين، ومنهم: “موسى الصدر، ومحمد حسين فضل الله، ومحمد مهدي شمس الدين، ومحسن الأمين، وعبد الحسين شرف الدين، ومحمد عبده، وجلال الدين الأفغاني، وعبدالله العلايلي، وهاني فحص، ومحمد البعلبكي”، وغيرِهم الكثير من العلماء والعقلاء والحكماء والصلحاء والمبدعين والمخترعين والناهضين بالحياة!….
…. وأختم مع “أبو العتاهية” شعراً أردِّدُهُ في مسامع الحبيب “الشيخ حسين”:
ولا عيبَ فيهمْ غير أنَّ قلوبَهمْ
كأَنْسَامِ لَيْلٍ بَلْ أرقُّ وأعذبُ
ولا سوءَ فيهمْ غَيْرَ أَنَّ حُضُورَهم
يَرِفُّ لَهُ قَلْبِي وللرُّوحِ يَسْلِبُ

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

موسكو لواشنطن: لا تعولوا على أن ندعو بكين إلى مفاوضات حول معاهدة “ستارت جديدة”

أكد سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، أن موسكو لن تحرك ساكنا لتلبية رغبة الأمريكيين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *