الرئيسية / شؤون عراقية / توجيهات المرجعية بين الطاعة والتجاهل/ د. صلاح عبد الرزاق

توجيهات المرجعية بين الطاعة والتجاهل/ د. صلاح عبد الرزاق

د. صلاح عبد الرزاق

د. صلاح عبد الرزاق

تعاني توجيهات المرجعية في العراق من حالات ومواقف مختلفة في تفسيرها وتأويلها . وعادة ما تنقسم ردود الأفعال تجاه خطبها وبياناتها أو فيما يتوقع منها ، كل بحسب رؤيته وقناعته . ويمكن تقسيم الفئات حسب موقفها من المرجعية إلى:

أولاً: فئة مؤمنة بكل ما تقوله المرجعية
وهذه الفئة هي كل الجماهير المؤمنة بخط المرجعية وبكل قضية تطرحها وتتعبد بفتاوها في أنحاء العراق وخاصة في المحافظات الوسطى والجنوبية حيث الوسط الشيعي. ولعل ابرز مظاهر الطاعة هو التطوع في جبهات القتال لمحاربة داعش بعد صدور فتوى الجهاد الكفائي عام 2014 .
فإذا أبدت المرجعية رأيها بأمر محدد سلباً أم إيجاباً، انقادت له الجماهير ، ورددته ودافعت عنه والتزمت به فكراً وخطاباً وسلوكاً. هذا الجمهور يضم فيه المثقف والتاجر والكاسب والعامل والطالب وابناء العشائر والمواطن البسيط ، من رجال ونساء وشباب. فهو جمهور يجد بوصلته السياسية والفكرية والدينية في طاعة المرجعية في كل الأحوال.

ثانياً: فئة تأخذ ما يفيدها من توجيهات المرجعية
وبالتالي تبتعد أو تعارض التوجيهات التي لا تخدم قناعاتها وأسلوبها ورؤيتها السياسية. فهي تجتزئ خطاب المرجعية ، وتردد في اعلامها وخطابها مقاطع من خطاب المرجعية ما يعزز قناعتها وتوجهها الأيديولوجي والسياسي. فإذا انتقدت المرجعية أداء رجال القوات الأمنية ، ظلت هذه الفئة تردد ما قالته المرجعية بهذا الصدد في خطاباته وهتافاته ولافتاته ومواقع التواصل الاجتماعي وقنواته الفضائية ، ومقالات كتابه في الصحف والانترنت. وأما وصايا المرجعية للمتظاهرين السلميين بعدم الاعتداء على القوات الأمنية أو الأبنية أو اغلاق المؤسسات التعليمية والدوائر الحكومية، أو إجبار الناس على التظاهر، فلا تذكرها أبداً ، وتتكتم عليها، كأن الأمر لا يعنيها. وهذا ملاحظ بوضوح في تغريدات إعلاميين ومثقفين وسياسيين وبرلمانيين كثر.
وهناك بعض السياسيين الذين دائماً يصرحون بأنهم يطبقون توجيهات المرجعية لكنهم يخالفونها في جانب آخر. ألم تقل المرجعية التزموا بالدستور ، وأن الكتلة الأكبر هي التي ترشح من يكلف بتشكيل الحكومة ، وليس للآخرين معارضتها؟ لكن رأينا الكتل السياسية ورئيس الجمهورية ورئيس البرلمان يخالفون هذا التوجيه .

كيف نفهم المرجعية
كثير من المتابعين لخطاب المرجعية قد لا يدركون طبيعة عمل ومنهم وخطاب المرجعية. ولذلك تراهم أحياناً ينتقدون خطابها دون فهم صحيح، أو يتوقعون منها ما يريدونه هم لا ما تتطلبه الظروف الواقعية. إن المرجعية تتحرك من خلال عدة دوائر متداخلة هي: الدائرة الشرعية، الدائرة الدستورية والقانونية ، الدائرة القضائية ، الدائرة الدولية والانسانية والمجتمعية.
يمكن توضيح هذه الدوائر والأمور كالآتي :

أولاً: المرجعية تعمل بالمنطلقات الشرعية
فالمرجعية سنطلق في عملها وخطابها بناء على الأسس الشرعية والفقهية وقواعد الاجتهاد الفقهي والاستنباط الشرعي. فلا يمكن أن تفكر لحظة بمخالفة الأحكام الشرعية أو ما تتوصل إليه من آراء اجتهادية. فالشرعية الاسلامية هي أساس عمل المرجعية في كل الأمور العبادية والعقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية والأمنية والوطنية. ولا يمكن توقع مخالفة المرجعية للشرعية الاسلامية في كل الأحوال. فمن الناس من يطالب المرجعية بدعم هذا الأمر أو تلك القضية ، ويرسم لها الهدف أو الخارطة ، دون أن يدرك أن المرجعية تعرف تكليفها الشرعي وواجبها الوطني . وقسم يتحدث نيابة عن المرجعية ويقول عنها أقاويل أو تكهنات أو ينقل أخبار لا صحة لها. وهذه إساءة لمقام المرجعية ، وتضليل للناس ، وافتراء لا يخدم قضايا الشعب العراقي.
إن من أيجابيات الاجتهاد الفقهي أن تقوم المرجعية بتأصيل مفاهيم جديدة في الديمقراطية مثل (الشعب مصدر السلطات) الذي جاء كمفهوم إسلامي في إحدى خطب المرجعية. وسبق للمرجعية أن أكدت مفاهيم إجراء الانتخابات والتمثيل الشعبي وتدوين الدستور ورقابة البرلمان والفصل بين السلطات، وغيرها مما يعزز الديمقراطية من منظور إسلامي.

ثانياً: العمل بالدستور والقوانين النافذة
تؤكد المرجعية في خطابها وتوجيهاتها واستفتاءاتها على أهمل الالتزالم بالدستور كأساس قانوني ترجع إليه الدولة والحكومة والبرلمان. فكثيراً ما تذكر أن الالتزام بالدستور أمر واجب على رئيس الجمهورية ، مثلاً في تكليف مرشح الكتلة الأكبر، أو رئيس الوزراء في تنفيذ وعوده الاصلاحية ، أو الكتل النيابية في ممارسة مهامها التشريعية والرقابية.
وتعد المرجعية الالتزام بالقوانين العراقية أمراً واجباً على المواطنين والموظفين. ولذلك طالما يشدد المرجع السيستاني على حفظ المال العام وعدم التصرف به في الدوائر الحكومية، واحترام توجيهات المسؤولين فيها، وحرمة استخدام الكهرباء دون دفع ثمنه ، أو استيلاء على عقارات الدولة وأراضيها، وغيرها من الاستفتاءات اليومية التي يؤكد فيها على حفظ النظام العام واحترام القانون. كما تدعو المرجعية إلى التعاون مع الوزارات والمؤسسات الحكومية في تنفيذ برامجها وتعليماتها ، وتمكينها من ممارسة مسؤولياتها ، بما يضمن تقديم الخدمات للمواطنين.
كل ذلك يأتي في رؤية شاملة للدولة والحكومة أن تعمل وفق منظومة دستورية وقانونية لتفادي الاجتهاد في المواقف والسلوك.
ولذلك لا يُتوقع أن تدعو المرجعية إلى مخالفة الدستور أو القوانين والتعليمات الصادرة من الجهات المعنية ذات الصلاحية. وإذا كان البعض يتمنى أمراً معيناً مخالفاً للدستور والقانون من المرجعية ، لأنه يعزز موقفه ، فهو واهم ، ويضلل نفسه وجمهوره.

ثالثاً: للقضاء الحكم الفيصل
تؤمن المرجعية بأنه لا تستقيم شؤون الدولة وعلاقتها بالمواطنين وأداء الحكومة إلا من خلال احترام القضاء، واللجوء إليه في كل الأحوال. وأنه لا يمكن لأي فرد أو جهة أو مسؤول أو سياسي أن يمارس دور القاضي أو الحكم ، فهذه ليست من صلاحيته ولا مسؤوليته. ولا يجوز لأي شخص أو جماعة أو حزب أن تعتقل أو تحتجز أو تعاقب مواطناً أو تصادر أمواله أو تجبره على عمل لا يريده ، دون وجود صلاحية له في ممارسة هذا الحق. فالقضاء هو المرجع في كل شأن أو قضية أو جريمة ، ولا بد من وجود تحقيق مهني قبل إدانة شخص أو جماعة. ولذلك كان توجيه المرجعية ، مثلاً ، في معاقبة من أطلق النار على المتظاهرين السلميين، ومحاسبة من اعتدى على القوات الأمنية من المندسين والمخربين. وكذلك محاسبة مرتكبي جريمة الوثبة في 12 كانون الأول 2019 ، وفق السياقات القانونية وليس عبر قتل المتهم أو المشتبه به . فالقضاء واحترام أحكامه كفيل بتوفير الأمن والاطمئنان لجميع المواطنين بأن من يفكر بالاعتداء عليهم سينال جزاءه ، وأن القانون له يبة وسلطة.

رابعاً: احترام المعاهدات الدولية
المرجعية تدرك جيداً أن الدولة العراقية لا تعيش وحدها في جزيرة معزولة، بل لديها جيران وأصداقاء وعلاقات خارجية مع دول أخرى ، أو ترتبط بعهود ومواثيق مع منظمات دولية. ولا يمكن للعراق التخلي عن التزاماتها ومسؤولياته أمام الدول والمنظمات الدولية.
وكما تؤمن المرجعية بأهمية التزام العراق ببنود المعاهدات الدولية ، تتوقع من هذه المنظمات أن تلتزم بمسؤولياتها أيضاً. فالمرجعية تؤمن بدور الأمم المتحدة في العراق ، وبقيت تستقبل ممثل الأمم المتحدة في العراق (يونامي) ، وتحدثهم بأفكارها وآراءها تجاه ما القضايا والأحداث في العراق. كما تطلب من الأمم المتحدة بذل جهودها لمساعدة العراق في أزماته ومشاكله ، وتقديم النصح للحكومة العراقية ومفوضية الانتخابات وغيرها.
كما تؤمن المرجعية بالدور الانساني الذي تقوم به منظمة الصليب الأحمر وما تقدمه من مساعدات طبية وصحية لضحايا الحروب والكوارث الطبيعية وتوفير الطعام والمأوى للمتضررين. كما تستقبل ممثل مفوضية اللاجئين والتي تقدم خدمات الاغاثة والسكن والصحة والتعليم للنازحين العراقيين من ضحايا داعش من أهالي المحافظات السنية. وأن المرجعية تقوم بجزء من هذا الدور في تقديم مواد الاغاثة للنازحين السنة في مناطقهم أو الذين سكنوا في المحافظات الشيعية مثل كربلاء والبصرة والسماوة والنجف.

خامساً : تقديم النصح للجميع
من المؤكد ان السيستاني لا يؤمن بمدرسة ولاية الفقيه كتلك المطبقة في إيران، لكنه يمارس دور المرشد الذي يقدم النصائح والارشادات لكل من يطلبها أو يعتقد المرجع أن من واجبه تقديمها حتى لمن لم يسألها. إن مدرسة السيستاني الفقهية هي مدرسة خاصة ، تقع بين مدرسة ولاية الفقيه التي يتحكم فيها الولي الفقيه بجميع أمور الدولة، وبين الولاية الحسبية التي تتطلب تدخل المرجع في أمور محددة كوراثة من لا وارث له أو توزيع الحقوق الشرعية وغيرها.
إن مرجعية السيستاني لا تعتمد مبدأ ولاية المرجع على الناس أو إجبارهم على أمر بل يؤمن بولاية الناس على أنفسهم ويترك لهم الحرية في ذلك، بعد أن يحدد لهم ايجابياته والمصلحة العامة في الالتزام به، ويبقى الخيار لهم في كل الأحوال. فالمرجع هنا يمارس مساندته لإرادة الأمة ، وليس بديلاً عنها. وذلك رأيناه يؤيد الحركة الاحتجاجية الأخيرة، ومن قبل ساند كل التظاهرات الشعبية لأنه يرى فيها إرادة شعبية ، والتظاهرة كاشفة عن هذه الإرادة.
لقد رأينا السيد السيستاني يتدخل ويناقش ويعطي رأيه الفقهي والشرعي والسياسي في أغلب شؤون الدولة، ابتداءً من لجنة تدوين الدستور، إلى شروط المرشح للانتخابات ، إلى تكليف الناخبين، إلى قانون الانتخابات وشروط مجلس مفوضية الانتخابات، إلى شروط من يكلف بمنصب عالي ومنهم رئيس الوزراء. كما أعطى رأيه في قضية استفتاء اقليم كردستان ، وقضية كركوك ، وتحرير الموصل ، والتسوية السياسية ، ومن قبلها أفتى بالجهاد الكفائي ضد داعش، وأعطى تعليمات شرعية للمقاتلين. وبقي وكلاؤه في خطبة جمعة كربلاء يتناولون مختلف قضايا المجتمع والدولة كالبطالة والتربية والتعليم والطلاق ومشاكل الخدمات ومعاناة المحافظات وغيرها.
منذ عام 2010 اتخذت المرجعية قراراً بعدم استقبال السياسيين والمسؤولين العراقيين بسبب عدم التزامهم بتوجيهاتها والحلول التي طرحتها عليهم. وبالمقابل بقيت تستقبل جميع شرائح المجتمع العراقي وصغار الموظفين وشيوخ العشائر ورجال الدين ، إضافة إلى كبار الزوار الأجانب وممثلي المنظمات الدولية.
وسبق للمرجعية أن قررت الامتناع عن الخطب السياسية لكن طبيعة الأزمات والتحديات أجبرتها على العودة للخطب السياسية ، كما رأينا أنها اعتمدت خطبة سياسية ، قصيرة أو طويلة ، في كل جمعة منذ بداية الحركة الاحتجاجية في 1 تشرين الأول/ اكتوبر 2019 . وأعلنت موقفها في أحداث جسام مثل ضرب معسكر الحشد الشعبي في القائم ، واغتيال الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.
نرى أن الانقطاع عن التواصل المباشر مع الساسة العراقيين أدى إلى حدوث أزمات وتفاقم مشاكل ومواقف كثيرة واجهتها الحكومة. ونؤمن بأنه من اللازم العودة إلى اللقاءات النوعية والمدروسة مع بعض المسؤولين ، ومناقشة أصحاب الشأن والمعنيين وجهاً لوجه، والتعرف على طبيعة المشاكل والتحديات التي يواجهونها ، والتفاصيل والجزئيات المعيقة لحلها. فلا يمكن توجيه نصائح عامة في قضايا ذات أبعاد قانونية وإدارية وعملية ومالية من خلال خطبة أو بيان أو تصريح. ومن الممكن التكتم على هذه اللقاءات كي لا يجري استغلالها سياسياً وحزبياً .

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

استئناف إمدادات النفط من العراق إلى الأردن

يبدأ اليوم الخميس استئناف توريد النفط العراقي إلى الأردن، بعد توقف بسبب انخفاض أسعار النفط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *