الرئيسية / مقالات / نهوض أمم من تحت الركام/ عبد العزيز بدر القطان- الكويت

نهوض أمم من تحت الركام/ عبد العزيز بدر القطان- الكويت

عبد العزيز بدر القطان
 كاتب وحقوقي كويتي

عبد العزيز القطان

ان الزيارة لرئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد، إلى أنقرة، كشفت قدرة هذين البلدين على تجاوز المسافات والحدود الجغرافية، سعيًا لتحقيق التقارب الدبلوماسي وما يتبعه من مصالح وامتيازات، بعد دعوة مهاتير إلى التعاون بين تركيا وماليزيا وباكستان من أجل تحقيق نهضة إسلامية، تضمن استقرار البلدان الإسلامية وتنقذها من الضغوط التي تتعرض لها.
فعندما نتحدث عن نماذج رائدة، يعنينا تكرارها في مجتمعاتنا، تلك النماذج التي نهضت ببلادها من الحضيض إلى الحديد، ومن الدمار إلى الإعمار، صناعيا وتجاريا وثقافيا وعلى كل الأصعدة، لم يفت الأوان لنركب موجة التطور، ونُفيد ونستفيد.
 
تفعيل العقل
 
إن نهوض الدول لطالما خرج من معاناة قد تكون وريثة لأنظمة وحكومات سابقة، وقد تكون بفعل عوامل خارجية، او حتى ركود عالمي يصيب الدول الأقل تحصّناً، فلابد من إستحضار تجارب سابقة، والبحث فيها من خلال فِرَق متخصصة تستطيع رفع آلية وتصور مستقبلي قيد التنفيذ، ينقل الوضع من السالب إلى الموجب أو من الحضيض إلى القمة، فلا يوجد دولة فقيرة إذا ما نظرنا للأدمغة التي تحويها، فالذهب يُستخرج خام والعقول من صاغته وصنعت منه السبائك والحلّي، فالله سبحانه وتعالى خلق البشر وميّزهم بعقلٍ يستطيع إستغلال كل الظروف للنهوض بواقع قوي ضد أي قوة مخترقة له سواء كانت طبيعية أم بفعل فاعل، فالنهضة ما هي إلا تفكير متخصص ينقل المجتمع من مستهلك إلى منتج، ومن دائن إلى إكتفاء ذاتي، ومن مستورد إلى مصدّر، وللأسف هذا ما نفتقر إليه في دولنا العربية خاصة على صعيد صناعة الأسلحة والأمور العسكرية التي نستوردها إلى يومنا هذا لنتحصن بها من أعداء مفترضين قد تفنى الحياة ولا يحدث أي إشتباك حقيقي كما تروّد شركات الأسلحة العالمية التي بدون نزاعات وخلافات وإضطرابات لن تبيع رصاصة واحدة، ومن أفضل من السوق العربي الذي يذخر بنزاعات مستمرة تحت عناوين متعددة لشراء هذا النوع من الإستهلاك.
إعقل وتوكل، وضع يدك للخير ولبناء الإنسان، إزرع محبة واحصد مجتمع خلّاق حديث، صدّر تجربتك ولا تستورد، التطور الصناعي والمجتمعي في باكستان، ماليزيا وتركيا، نماذج إتفقنا أم إختلفنا معها، حجزت لنفسها موقعا بين الدول الصناعية المتطورة.
 
قوة باكستان
 
توجهت أنظار العالم إلى هذا التحالف الإسلامي ورغم أن الفكرة لا تزال قيد التشاور، فإن القواسم المشتركة والأهداف الإقليمية والعالمية التي تجمع بين تلك الدول تفشي لنا عن العديد من مواطن القوة التي تجمع بينهم، وتشير إلينا بإمكانية تحول هذه الفكرة إلى واقع وذلك رغم بعض نقاط الضعف والاختلالات التي تشوب هذه الثلاثية، فباكستان تملك برنامج نووي وقوة عسكرية هائلة، ولديها برنامج صاروخي يتضمن صواريخ متحركة للمدى القصير والمدى المتوسط، إذ يصل أطول صواريخها إلى ألفين كلم، وجل تحالفات هذه الدولة الصاعدة كان في مجالي الدفاع والأمن، كما تجمع باكستان بماليزيا علاقة قوية تخللها العديد من الإتفاقيات التجارية، خاصةً أن باكستان تنظر إلى ماليزيا كبوابة إلى الأسواق الآسيوية مثل سنغافورة وتايلاند. وكلتاهما شريكتين مع الصين في مبادرة الحزام والطريق، ما يمنحهما نفوذًا سياسيًا غير عادي ولا يقل أهمية عن الأرباح الاقتصادية المتوقعة، فلقد نجحت إسلام آباد وتفرّدت في المجال النووي بأن تكون الخيار المثالي للتحالف الثلاثي الذي سينقذها من الصعوبات الاقتصادية والرتابة السياسية ويضيف إليها طابعًا أكثر قوة وجدية على الساحة الدولية.
أما تركيّاً، فكانت العلاقة الباكستانية – التركية قوية ومتينة لعقود، فلقد تبادلت الدولتان الدعم المادي والمعنوي في العديد من الحالات، وأبرزها حين طلب الجيش التركي من المخابرات الباكستانية الدعم في أثناء حملته ضد حزب العمال الكردستاني في النصف الأخير من عام 2015، يضاف إلى ذلك، إظهار باكستان دعمها القاطع لأردوغان، في المقابل، اتخذت تركيا خطوات عديدة لتأكيد دعمها لباكستان في عدة ملفات كأزمة إقليم كشمير، المتنازع عليه مع الهند، مع العلم أن جزءًا من اهتمام أردوغان بهذه القضية يعود إلى تقليده دور المدافع عن المسلمين في جميع أنحاء العالم، وليس طمعًا في رضى باكستان فقط، وهو الدور الذي سيمنحه التحالف الثلاثي لتركيا بكل جدارة، حال حدوثه.
 
قوة ماليزيا
 
أصبحت ماليزيا، محط الأنظار لكثير من الدول في العالم وهي تمضي قدماً في تطورها وتقدمها لتصبح في مصاف الدول المتقدمة بناء على الرؤية التي وضعتها لنفسها بحلول عام 2020، وهي تمثل اليوم رقم 18 من حيث حجم الاقتصاد على مستوى العالم وصنفت من أكبر ثلاثين دولة مصدرة للتقنية بالعالم، والتجربة الماليزية في الحقيقة يمكن لها أن تصبح أنموذجاً لدول نامية كثيرة، كان ذلك بالمقام الأول بفضل سياسات الحكومة لديها، من خلال إستقطاب الصناعات القائمة على أساس التصدير وذلك ابتداء من عام 1971، فكان ذلك نقلة نوعية في عملية تنويع مصادر الدخل الوطني وتجربة فريدة جديرة بالدراسة والتحليل لكثير من الدول وخاصة العربية، ففي ماليزيا يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للفرد نحو 27 ألف دولار أمريكي سنويًا.
أما العلاقة الماليزية – التركية، كلتا البلدين، نموذجين مثاليين للاقتصادات الناشئة والنفوذ الدبلوماسي المتزايد، حيث تتشابهان في أمور عدة منها أن كلتاهما دول صناعية حديثة العهد ومصنفة كدول ذات داخل متوسط مرتفع، يضاف إلى ذلك، أنها دول ذات تعداد سكاني مرتفع نسبيًا وذات أغلبية إسلامية تتبع المذهب السني، ما يضيف إلى علاقتهما رابطًا حميميًا ودافعًا كبيرًا للعمل معًا، وخاصةً في هذا الوقت الذي برزت فيه الإسلاموفوبيا الغربية وحركات التطرف الديني العنيفة.
وعلى مدار السنوات الأخيرة، كان يرى المراقبون أن تركيا بمثابة بوابة ماليزيا الدبلوماسية والاقتصادية إلى أوروبا، في المقابل رأوا أن ماليزيا نقطة دخول تركيا إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ما يعني أن مساعيهم للدخول إلى تلك الأسواق تشكل نقطة التقاء إضافية بينهما.
 
قوة تركيا
لقد قررت تركيا التحرر من شراء الأسلحة وغيرها، في الوقت الذي تتنافس واشنطن وموسكو على بيع أنقرة أنظمة صواريخ متقدمة، لدرجة أن عائدات الصادرات العسكرية أصبحت تشكل رافدا مهما لإقتصادها بعد أن راجت في أسواق التصدير، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، بدأت تركيا بالتحول التدريجي نحو الإنتاج المحلي مستفيدة من قاعدتها الصناعية التي بدأت بإنشائها منذ تأسيس الجمهورية، لتولي، منذ وصول “حزب العدالة والتنمية” نهاية عام 2002، اهتماماً بالغاً بالصناعات الدفاعية.
ولم تقتصر المنتجات التركية العسكرية على الصناعات البرية، بل وصلت إلى السماء بعد أن سلمت، العام الماضي، القوات الجوية 10 طائرات بدون طيار من طراز “أنكا- إس” التي يمكن التحكم فيها عبر أقمار صناعية محلية أيضا.
تسعى تركيا، بحسب مصادر مطلعة، إلى الاكتفاء الذاتي وتلبية جميع احتياجاتها الدفاعية محلياً، بعد أن ارتفع عدد مشاريع الصناعات الدفاعية، من 66 مشروعاً عام 2002، عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، إلى 600 مشروع عام 2018، حيث أن العديد من البلدان تولي اهتماماً كبيراً لشراء المنتجات التركية في قطاع الصناعات الدفاعية.
 
الثقل الثلاثي
التحالف الإسلامي بين الدول الثلاث سيخلق قوة عظمى متكاملة، إذ تبعث هذه العلاقة الثلاثية الكثير من الأمل في إمكانية تحقيق مشروع “النهضة الإسلامية” لا سيما أنهم يمتلكون نقاطًا مشتركة على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي، وحتى مع وجود العديد من العوائق والتحديات إلا أن سعيهم المتواصل للترويج بإيجابية عن الإسلام الديمقراطي والحضاري والمعتدل أمام الجمهور العالمي سيكون دافعهم الأول في تحويل هذه المبادرة إلى واقع، بالجانب إلى طموحاتهم الأخرى في اكتساب الشهرة والثروة السياسية على المسرح العالمي.
 
دول ناشئة
عندما إسترسلت عن الدول الثلاث الآنفة الذكر أعلاه، كان إسقاطي على مقاربتها من الناحية الدينية أي أنها دول إسلامية، لكن هناك دول أخرى إستنهضت مع إختلاف عقائدها ودياناتها، وهذا يدل على أن نهضة أي أمة تبدأ من واقع البلد المُعاش، فمثلا تعاني القارة السمراء من أوضاع صعبة للغاية على الرغم من الخيرات التي تنعم بها ما فتح شهية الطامعين بها، إلا أن دولا برزت فيها كأثيوبيا، وأشدد هنا إن مقارباتي بعيدة من النواحي السياسية وما يهم هنا دعم بحثي بأمثلة علّها توقظ العقل العربي من سباته ليركب ركب الدول المتقدمة، فالآن تعتبر أثيوبيا ثاني الدول الأفريقية بفضل صناعاتها الآخذة بالتطور، إذ يأتي الاقتصاد الإثيوبي في مصاف الاقتصادات الأسرع نموا بالعالم، ويُعد من ناحية أخرى الأسرع نموا على مستوى القارة الإفريقية حسب صندوق النقد الدولي.
فأين نحن من تلك الدول، وماذا ينقصنا حتى نرقى إلى مستوى الإقتصادات العالمية، ولماذا شعبنا غاضب دائما؟
الفارق أننا وبكل أسف نفتقر إلى الإختصاصيين، فظروف عالمنا العربي صرفت العقل العربي إلى الخارج، وباتت الهجرة سيف مسلط على بلادنا، بفعل واقع جشع مسؤوليها وتمسكهم بالكراسي، أما آن الأوان لننهض، وماذا ننظر بعد لنلحق، فكل ما علينا البدء، فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة!
 
من هنا، كإنسان عربي أولا، ومسلم ثانيا، أتطلع لأن أرى أمتنا العربية والإسلامية في المراتب الأولى، لأننا نملك الفكر ونملك العقل ونملك التدبر، ونملك الكفاءات والمثقفين والمتعلمين والأكاديميين، فمن بنى حضارة في زمانٍ مضى، يستطيع أن يسخّر طاقات الشباب، فبدل أن يثور في الساحات ضد مستعمر أو غازي أو محتل، تراه يثور طلبا للعمل، وللرزق، ولحياة كريمة وعيشٍ رغيد، فما يحدث في بعض البلدان ضد ضريبة أو ضد قانون أو قرار، يدمي القلب ويذرف الدموع، فلا الطائفة ولا الأحزاب ولا الزعماء قدّمت شيء إلا القليل، فإن أرادوا كسب هذا الجيل، عليهم البدء بتخطيط المشاريع والتحول من المديونية إلى الإستقلال المادي، ومن الإستيراد إلى إنشاء المصانع والتصدير، وإلى التنسيق مع الجميع، لن يقنعني أن بلدا يفتقر إلى تلك المقومات، فمن بنى بغداد وبيروت ودمشق والقدس، وغيرهم، يستطيع بناء بلاده من بعد كبوة ويستطيع إنقاذها بكل الوسائل التي يملكها، فنحن شعوب يجب أن تثور ضد الأعداء، وبتحصننا إقتصاديا سنتغلب على أي عدو.
هناك من يريدنا ضعفاء لا حول لنا ولا قوة، فعلينا النهوض لأننا نمتلك المؤهلات، فلا عيب أن نستنسخ تجارب باكستان أو تركيا أو ماليزيا أو أي بلد طالما سينهض بنا، فالنزاعات السياسية تدمر الأوطان، ونحن نريد إعمارها، ومثالي على ذلك، لقد إستجابت الحكومة اللبنانية واستقالت، فماذا حققت؟
والعراق دعا إلى انتخابات مبكرة وفقا للدستور العراقي، وماذا بعد؟
بدل كل ذلك، لا حلول إلا البناء ثم البناء ثم البناء وإنشاء وزارات التخطيط لأجل بناء الأوطان.
 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

وفد من ملتقى حوار وعطاء بلا حدود يزور حنا غريب ومروان شربل

في إطار الاتصالات التي قرر ملتقى حوار و عطاء بلا حدود القيام بها مع مختلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *