الرئيسية / مقالات / في نقد الشعب اللبناني “قضية العميل عامر الياس فاخوري أنموذجًا/ د. طارق عبود

في نقد الشعب اللبناني “قضية العميل عامر الياس فاخوري أنموذجًا/ د. طارق عبود

د.طارق عبود

د. طارق عبود

لا بدّ من الإشارة بداية، إلى أنّ ما سأقوله في هذه العجالة ليس شعبيًا، وبالتأكيد ليس شعبويًا، ولكنه نقد ذاتي لنا جميعًا، وأنا شخصيًا في مقدمتكم، ولستُ منزهًا عن هذا النقد، ولا منفصلًا عنكم، ولعله يكون إسهامًا بسيطًا في الإضاءة على أولوياتنا كشعب مقهور من طرفين: سلطة جائرة وظالمة، وعدو إسرائيلي اميركي يتربص بنا وبمستقبل أبنائنا.
استهلالًا، نبارك لكل المقاومين في لبنان، وللمحررين والأحرار من كل ألوان المقاومة الوطنية والإسلامية، ولكل الذين قادوا الحملة اعتراضًا على عودة العميل #جلاد الخيام عامر فاخوري، وهذا جهد مبارك، إضافة إلى تفاعل بعض وسائل الإعلام مع الحدث، مما أحرج الدولة اللبنانية، فأُوقِفَ، وما زال، بعضّ النظر عن التسويات التي قد تقود لاحقًا إلى إعادة ترحيله، بدلًا من محاكمته وإعدامه في باحة سجن الخيام.وهذا موضوع يحتاج إلى بحث آخر.
ولكن المهم في الموضوع هو تأثير وسائط التواصل الاجتماعي الكبير في الضغط على السلطة السياسية، وفي توعية الرأي العام لخطورة الحدث، والتفاعل معه في وقت قياسي، ما يدلّ على أمرين:
الأول: إنّ أكثر من “نصف اللبنانيين”لا أكثر متفقون على أنّ العمالة شيء مقيت، وهي عار على الإنسان، وأنّ الحملة التي تفاعل معها الناس آتت أُكلها، وأثمرت إنجازًا رائعًا بفضح هذا العميل، وإعادة فتح ملف العملاء والخونة الذين تشاركوا مع الإسرائيلي في قتل أبناء وطنهم، وهو ما كاد يضيع، جراء التسويات والتفاهمات، وتحت عناوين الوحدة الوطنية، وتجاوز مرحلة الاحتلال، ما حدا بكثير من اللبنانيين الى الاستخفاف بمسألة التعامل، وعدم الخوف من عواقبها وعقوبتها، طالما أنّ جماعة كبيرة من اللبنانيين تتنطّح دومًا للدفاع عن العملاء متلطية خلف ذرائع شتى، حتى شهدنا “عملاء برتبة “عميد”. وما دون.
الثاني: أن ما يقارب من نصف اللبنانيين لم يكن يعنيهم الأمر بتاتًا، وأنّ غير المقتنعين بعداء إسرائيل لم يستطيعوا الدفاع عن العميل المشهور، وعن العمالة كفعل مشين وقبيح، حتى لو كانوا على المستوى الشعوري متعاطفين مع العميل والعملاء،لأسباب سياسية وطائفية ومذهبية ونكائية، أو في أحسن الأحوال لا يعني لمعظمهم العداء لإسرائيل اي شيء سوى أنه معزوفة يطلقها البعض للتعبئة والتحشيد، أي هي إحدى أدوات الجذب السياسية،..هكذا فقط..وأنّ المصطلح الملطّف(المبعدون) إلى إسرائيل، وكأنّ أحدًا استبعدهم وطردهم، ولم يقفوا مذلولين على الشريط الشائك على بوابة فاطمة يطلبون الهروب مما فعلوا، وفعل الأقربون منهم، إضافة إلى خلط عوائل العملاء ونسائهم وأطفالهم، مع العملاء أنفسهم الذين أوغلوا حرابهم في صدور الجنوبيين وظهورهم، فتمّ تعميم المصطلح، كي يختبئ خلفه العملاء، فيتم تنظيف سجّلهم خلف عنوان “المبعدون”.استخدم لأسباب سياسية.
أعود لأقول: مبارك لكل من أسهم في هذه الحملة ،وفضح ما كان يُراد له أن يمرّ مرور اللئام-وليس الكرام- حتى أنّ القضية ما زالت تتفاعل حتى وصلت الأمور إلى أسماء ليست تفصيلًا في البلد الصغير.
كتبتُ هذه المقدمة الطويلة لكي أصل إلى استنتاج طالما كتبتُ عنه، وطالما دعوتُ-وغيري- إليه، وهو رفع مستوى الوعي السياسي والوطني عند المواطن اللبناني، بحيث إذا شعر بشيء يتهدده، يرفع صوته عند دنو هذا الخطر منه ومن عائلته ومجتمعه ووطنه.
السؤال الملحّ الذي أريدُ طرحه في هذا السياق: هل أنّ وعينا كمجتمع يحضن المقاومة ويدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، هو نفس الوعي للمخاطر التي تتهدد المواطن في معيشته وكرامته ومستقبل أبنائه؟
بدأت بمجتمع المقاومة وبيئتها لأصل إلى المجتمع اللبناني ككل. هل هذا المجتمع محصّن على مستوى الوعي للمخاطر المحدقة به؟ وإذا ما كان موضوع الصراع الوجودي مع إسرائيل تختلف مقاربته باختلاف المنطقة والبيئة والطائفة والمذهب، فإنّ الموضوع الاقتصادي والمعيشي، وموضوع فساد الطبقة السياسية ونهبها للمال العام، حتى الوصول إلى الهاوية؛هو موضوع ينسحب على كل بيت وفرد ومقيم ومغترب في لبنان.
والجواب الجاهز دائمًا عند اللبنانيين كان: ماذا باستطاعتنا أن نفعل مع طبقة التماسيح السياسية والاقتصادية؟ وكل ما نريد أن نقوله لم يأتِ بنتيجة، لأنهم لا يسمعون شكوانا، ولا آلامنا.

أهمية وسائط التواصل الاجتماعي

نريد في هذا المقام أن نطرح فرضية، وهي عدم وجود وسائط تواصل اجتماعي في أيامنا هذه. كيف كان سيتم التعامل مع قضية العميل الجزار عامر فاخوري؟
كان سيرد في الخبر في قناة المنار، ولن تقود القناة حملة سياسية تحملها على عاتقها وحدها، مخافة أن يحرد البعض، وكثير من الخصوم، وهذا ما يؤثّر على “الوحدة الوطنية” بطبيعة الحال. وكانت قناة “الجديد”، كونها تحب هذه (القفشات) ستمتزج بضعة آراء سريعًا، في تقارير محلية، تقتطع ما تريده من تعليقاتهم، وتورد ما يناسب سياستها.وسيرد الخبر كما ورد في صحيفة “الأخبار” مشكورة، وبعد يوم أو يومين سيتم استخدام الصحيفة والخبر للأغراض المنزلية الأخرى..وكان الله يحب المحسنين.. أما معظم المحطات والصحف اللبنانية ستتجاوز هذا الحدث وكأنه لم يكن، كما فعلت في اليومين الماضيين..
أمّا ونحن نعيش في عصر الانترنت، فإنّ الوضع اختلف جذريًا، فكل مواطن أصبح لديه اليوم قناته التلفزيونية، وصحيفته، وعمود رأيه، وزواية تحليله، كتابة وصورة ومقاطع مسجلة بالڤيديو عبر منصته التواصلية.
هذا هو الحدث المبدّل الذي غيّر مجرى أحداث قضية العميل العائد الى الوطن الذي خانه.
نعود إلى السؤال الموجع نفسه:
لماذا لا ينفعل اللبنانيون ويثورون لمطالبة السلطة للنظر إلى حقوقهم؟ والضغط عليها عبر استخدام الوسيلة الأنجع والأخطر والأقوى، وسائط التواصل الاجتماعي؟
يقودنا هذا السؤال إلى تبيان حقيقتين:
الأولى: أنّ كثيرًا من اللبنانيين لا يمتلكون الوعي السياسي لتشخيص مصلحتهم، لأسباب عديدة.
ثانيًا: إنّ الحملة التي قادها عشرات الآف الشباب والشابات على وسائط التواصل الاجتماعي تشير إلى أمرين: أولهما أنّ هناك وعيًا سياسيًا من مجموعة معتبرة من اللبنانيين، عانت من الاحتلال وعملائه منذ ما يزيد على نصف قرن، وهي معبأة سياسيًا وواعية لهذا الخطر الكبير.
ثانيهما، أنّ الحملة التي قادها هؤلاء الشباب مشكورين تحمل دلالات عديدة أهمها:
– أنها تؤجج عندهم الشعور الوطني وتستحضره، فيمارس المواطن هذا العمل منتشيًا، أنه يقدّم شيئًا مهمًا إلى وطنه، ويخرج من شرنقة الشعور بالذنب في أنه لا يمارس دوره السياسي بشكل مؤثّر.
– إنّ ما فعله الكثير من المغردين والذين تعاطوا مع الحدث بحماسة واضحة، فعلوا ذلك لأنّ في كثيرٍ مما كتبوه وطرحوه يطال في جزءٍ منه الطرف الآخر في الوطن، ويحمل اتهامًا معينًا له، إضافة إلى “التنقير” على بعض التفاهمات بين الأحزاب اللبنانية.
– إنّ جلّ ما كُتب، لا يدخل في معرض التأنيب من الأنا الأعلى، أو النفس اللوامة، أو في المصطلح السياسي، السلطة اللوامة، فالسلطة والقيّمون على هذا الجزء من المغردين، راضية عن هذا الفعل، بل تثني عليه وتشجّعه، طالما ينفّس غضب الناس، وهو لا يأتي بالنقد على الطبقة السياسية.
أما شركاؤنا في الوطن- ونستثني منهم عددًا لا يُستهان به من المناصرين للتيار الوطني الحر الذين أبلوا بلاءً حسنًا وتجاوزوا الانتماء الطائفي، ليدلوا بدلوهم في الهجوم على العميل الجزار- فكان الأمر لا يعنيهم.
دعونا نعيد ترتيب المشهد:
لو تضافر اللبنانيون في تسليط الضوء على قضاياهم الاقتصادية الاجتماعية، وركزوا جهدهم على نقد السلطة السياسية بهذا الكم من التغريدات والبوستات والصور والشواهد؛ وتجاوزوا انتماءاتهم الطائفية والسياسية، هل تتخيلون ماذا يحصل؟
لعلّ ما حدث يشكّل درسًا للشباب، لترتيب أولوياتهم، ووعي مصلحتهم، ليشكلوا ضغطًا كبيرًا على السلطة التي سترضخ صاغرة أمام مطالبهم وحقوقهم..
*كاتب ومحلل سياسي

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

‏‎العراق / فقدان القرار ..مجهولية المصير واستحقاقات المرحلة/ باسم ابوطبيخ/لندن

باسم ابوطبيخ / لندن ‏‎باحث في العلاقات الدولية ‏‎بعد السقوط رسم الاحتلال شكل العراق بألوانٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *